You are here

الصفحة الرئيسية

آفاق التجربة الشعرية عند الآبنودى




آفــاق التجربة الشعرية
ومكوناتها الشكلية عند الأبنودى
( في ديوانيه: الموت على الإسفلت والاستعمار العربى )

عبدالجواد خفاجى



( 1 )
عبد الرحمن الأبنودى واحدٌ من جيل ربَّته الثورة فى مجتمعها الجديد، الذي اتسم بوضوح الرؤى والتوجهات ، والحلم إلى أبعد مدى بغدٍ أفضل، والثقة إلى أبعد مدى بالمشروع القومي، وسواعد قوى الشعب العاملة، ومن ثم فهو جيل فُطِم على الصراحة والوضوح والثقة بالنفس، كما فُطِم على المبادئ المحددة الثابتة ،والثورية على كل القيم القبيحة التى تفصل بين الإنسان وحريته ، أو تلك التى تفصل بين الإنسان العربي وأمته بتراثها العريق، كما فطم على الحلم بالمشروعات الكبرى فى الحياة، والإيمان بفكرة التطهر الاجتماعي من دنس الآخر المستعمر المستغل .. أولم تكن مبادئ الثورة محددة ؟ أولم يكن نصفها إقامة كذا، ونصفها الآخر القضاء على كذا ؟
إن هذا الجيل العروبي، الثوري، الواضح، الصريح، صاحب المبادئ، المؤن بأصالته، الواثق فى قيمه ومبادئه وثوابته وتراثه، الحالم بغدٍ أفضل يخلو له وحده .. هذا الجيل تعرَّض لارتجاجات لم تكن هيِّنة، بدأت بالنكسة التى هبطت به من ذروة الحلم إلى هوة الواقع الصادم ،ومع هذا خرج إلى الشارع ؛ ليهتف ببقاء قيادته التى قادته إلى النكسة .. أىّ جيل هذا ؟ ‍‍‍‍‍‍ الذى لم تهتز ثقته بنفسه ، وخرج ليدافع عن بقائه ببقاء قيادته مصرًّا علىصحة مشروعه،ونزاهة مبادئه رغم كل ما حدث .غير أن أخطر ما واجه هذا الجيل هو أن يرى رموزه الثقافية تُسجن فى مدينة الحلم ،وتعذَّب تعذيباً بدنياً مباشراً فى المعتقلات التى لم تغلق أبوابها، ولم تكف عن استضافة المثقفين حتى فى العهود التالية ،التى لم تتورَّع هى الأخرى عن استضافتهم خلف الأسوار والزوايا المظلمة . فإذا كان فؤاد حدّاد قد عانى من القمع البدنى المباشر فى السجون والمعتقلات فى الحقبة الناصرية وهو يغنى للعمال والفلاحين والناصرية أيضا فإن الأبنودى قد لاقى نفس المصير فى الحقبة الساداتيّّّة ، وهو يغنى أيضا للعمال والفلاحين والناصريّة.. لكأن الجميع فى نشوة الحلم لا يشعرون بالقهر ، بيد أن الأحلام كثيراً ما تعصف بها رياح التغيّر تحت شمس تكشف عن واقع أشبه بسجن كبير هو الوطن نفسه الذى عاشت الأجيال تغنى له وباسمه ،أضحى وأمسى مسيَّجاً بالبوارج الحربية وحاملات الطائرات ،بينما أضحت أقدام المحتل تجوس خلال الديار..أىّ واقع هذا يمكن أن يعاينه أصحاب الحلم الكبير ..كيف ستكون الرؤى .. بل كيف يكون الغناء ؟؟
سلسلة من الانهيارات المتلاحقة لم تكن فى حسبان هذا الجيل : كامب ديفد.. صمود وتصدٍ فى بغداد وانقسام عربى ، جيوش عربية تتهلى عن القضية الجوهرية فى الصراع العسكرى مع إسرائيل لتحمى البوابة الشرقية من الفرس المجوس ! 00ثم تتلهى بإعادة توزيع الثروات وتكسير خشوم العرب فى الخليج وما تلا ذلك من تحويل العواصم العربية إلى ثكنات عسكرية للمحتل.. إنه الاحتلال طواعية ، فى الخليج، والاحتلال قهرا" فى العراق وفلسطين.
ما الذى يمكن أن يربط جيل الأبنودى فى هذا الواقع بحلمه الكبير،ومشروعه القومى الذى تبدد ، وكل ما فى الواقع صادم وقاتل للروح التى استشعرت وجودها فى الحلم الكبير. كثير من قيم هذا الجيل تبددت أيضا ولم يعدلها أثر.. كثير من عناده وصبره وإيمانه أضحى مُعبِّراً عن ضيق الأفق الذى تأباه اللحظة المهرولة إلى الزوال.
إن جيل الثورة الذى خرج ليهتف ببقاء قيادته - رغم ما حدث – لَيعبرُ بموقفه هذا عن مدى إيمانه بمبادئه وقيمه، كما أن موقفه هذا يعكس إلى أي مدى كان هذا الجيل عنيداً وصبوراً ومقاوماً، وربما لهذا كانت حرب الاستنزاف على الصعيد السياسى، والعسكرى مؤشراً على الإصرار المتسم بالصبر والعناد والمقاومة، وعلى الصعيد الاجتماعى كانت مناطاً يربط هذا الجيل بحلمه الكبير، وبإمكانية إلقاء إسرائيل فى البحر، وبمحاربة إسرائيل ومن وراؤها، وإقامة المجتمع العربى الكبير ذى الوشائج المتصلة والروابط المتينة ؛ لهذا اتسم هذا الجيل أيضا بالحلم بصوتٍ عال ، وبالهتافية ، وبالرغبة فى التغنى بالقيم الإنسانية والوطنية والعربية وبحق الإنسان فى الحياة الحرة الكريمة، وبالأمل والصبر، والكفاح، وسواعد قوى الشعب العاملة..التغنى لم يكن سمة عارضة، بل كان جزءاً من مشروع هذا الجيل لمداخلة واقعة , إذ يحمل جوانيات هذا الجيل ويخرجها إلى الوجود لحناً شجياً، تقطره الكلمة الشاعرة الشجيَّة , وأحيانا الكلمة السلاح ، عندما تمتزج الثورية بالحلم.
الغناء إذن كان- بما يحمله من معنى التغنى لا التطريب الأجوف- جزءاً من التكوين النفسى لهذا الجيل الذى لم يكن معبأ بغير الثورية والحلم والثقة الزائدة، والجرأة، والفرحة التى بدأت تتشكل مع امتلاك الإنسان البسيط لحريته وأرضه، وأدوات إنتاجه، وفرصة الحراك الاجتماعي بعيدا عن منطقة الصفر الاجتماعي التى كانت حكماً مؤبداًَ على الأكثرية من أبناء مصر قبل الثورة 0
لا شك أن دراسة التكوين النفسى والاجتماعى لهذا الجيل ربما ستكون مدخلاً مناسباً لدراسة التجارب الفنية لهذا الجيل، وأهم ملامح هذه التجارب فى ضوء الجزر السياسى والاجتماعى الذى انطلق منه 0
إنني أجد فى هذه الخلفية كثيرا من مبررات التجربة الفنية عند الأبنودى فى ميلها إلى المباشرة والهتافية، والإعلاء من قيم الغنائية ، وفى ارتباطها بالقيم الوطنية والعربية، فى تمسكها بأصالتها وتراثها سواء على مستوى الرؤية أو الفن، وفى تبنيها لقضايا الإنسان البسيط ، والتقنع خلف قناعاته بملامحها الشعبية ولهجتها المعبرة عن هويتها كما ألمس مبررا لنبرة السخرية التى تظهر أحيانا- عندما تتداعى كل قيم الانحطاط والشتات لتسد منافذ الرؤية أو الحلم أمام الذات الشاعرة صاحبة الأحلام الكبرى والمشروعات القومية..كما ألمس كل هذا الانشغال بتفنين الأحزان ،لاشك أن ديوانيه ( الموت على الإسفلت) و ( الاستعمار العربى ) مادة مناسبة لدراسة تجربة الأبنودى المنفتحة على القضايا الكبرى والصغرى فى هذا الوطن العربى الكبير، والتى يتجاوز فيها الشاعر عن كل الأطر النذقة التى يمكن أن تجعل من الشاعر بوقا لحسية بليدة أو تجعل من الشعر مرآة لتشنجات الأنا المنكفئة على ذاتها.
إن تجربة الشاعر فى ديوانيه تجد مبررها فى انفتاحها على الخارطة العربية بكل علاّتها وقد تبددت أمام الشاعر جهرا كل أحلامه التى يكتنزها كذات ٍعربية عاشت تحلم بالقضاء على الاستعمار ؛ لتخلص لها الحياة ، فإذا بها أمام مفاجأة لم تتوقعها من زعيم ردد كثيراً : سأدمر نصف إسرائيل .فإذا به يتجه شرقا ليدمر نصف الخارطة العربية والذات العربية معها.
إن لحظة الترامى نحو الماضى والحلم الجميل تجد مبررها فى البدء ب(كان) التى تحيل الى الماضى لتبدأ مسيرة التجربة الشعرية فى ديوانه(الاستعمار العربى) ممتشقة الحكاية على طول الطريق، لكأنها تجربة تمتح من معين السيرة الشعبية، متجاوزة عن سيرة البطل الفرد الأسطورة، إلى سيرة الأمة الأسطورة.. إن فداحة اللحظة التى تدهس بثقلها كل الماضى والحاضر و فجائيتها فى ذات الوقت أورثت الذات الشاعرة كثيراً من الدهشة التى لم يعد الخطاب معها مناسباً بغير السخرية الممزوجة بالسخط الذى تعلو نبرته إلى مستوى القدح المباشر، وإنها اللحظة التى لم تعد سلطة العقل تمارس فاعليتها على الذات .ربما كان التوتر الحاد مبرراً لبناء الديوان بشكل قصيدة طويلة بطول الأزمة متشابكة الأغصان ، متنوعة الإيقاعات . إنها تجربة وليدة الصدمة أفقدت الشاعر كل ما لديه من بقايا حلمه القديم ربما لهذا أنهى ديوانه بالإعلان : " أنا الحزين الحزين،أغبى الخالدين " وربما أن القصيدة الديوان كانت مبرراً على مستوى الرؤية لهذا الإعلان الأخير، الذى يعكس صدمة المثقف العربى والإنسان العربى الذى عاش يثق فى قياداته وشعاراتها وعانى من أجل التمسك بمبادئه التى تربطه بالحياة الكريمة فوق أرضه .
إن القصيدة الديوان تبدأ معنا برصد الملامح الأولى لِتَـشُّكل الوعى القومى لدى جيلٍ عاش حلمه الكبير، وحمل على كاهله همه السياسى وعسف السلطة، إذ يندر فى هذا الجيل أن يوجد مثقف إلا وصاحب هم سياسى، كما يندر أن يكون الهم السياسى بعيداً عن الإطار الاشتراكى الذى كان يمثل سقفاً أيديولوجيا للتوجهات السياسية بعامة، كما يندر أن يكون هذا المثقف صاحب الهم السياسى متجردا من رسالةٍ ينطلق بها من وإلى الجماهير ( لم يكن مفهوم الجمهور يعنى الطبقات الشعبية، و إنما كان يعنى الوطن ككل ) "1 " ربما هذا ما يفسر عمومية الخطاب فى ديوان ( الاستعمار العربى ) وقد تجاوز مفهوم الوطن معناه الضيق إلى أفق العروبة الأرحب ؛ فوطن عبد العال الصعيدى سوهاج، وهو نفسه بغداد، وهو فى البلدين يحمل هماً واحداً هو هم كل إنسان عربى ينتظر من قيادته الخلاص الوطنى وتحرير التراب الفلسطينى 0 إن عمومية الرسالة وانفتاح التجربة على الماضى العربى وحاضره كانا مبررين آخرين لترقِّى لهجة القصيدة فوق محليتها الضيقة ، واقترابها من لهجةٍ وسطى تقترب من الفصحى وتحتضن كثيراً من مفرداتها كمطمح لجعل بلاغة الخطاب فى مستوى عمومية الأزمة العربية التى فجرت التجربة .
فى ديوان (الموت على الإسفلت) تقف حادثة اغتيال (ناجى العلى) رسام الكاريكاتير الفلسطينى فى منفاه بلندن.. تقف الحادثة كمفجر شعرى يتجاوز الحادثة نفسها فبدلا من " التعديد " على ناجى العلى القتيل ينطلق صوت الذات خلف قناع الأم الريفية بالعِدِّيد ولكن على روح الأمة العربية التى ماتت بموت الحس البطولى والنضالى فيها. وربما أن اللحظة مناسبة- بكل أسف- للتغنى بقيم لم يكن يحلم بها الشاعر يوماً ؛ إذ لم تكن تتصور الذات العربية الحالمة بمشروعها الكبير أن يأتى عليها اليوم الذى لا تجد فى جعبتها غير حجرٍ، وغير يد طفل تحمل هذا الحجر فى وجه عدوٍ غاشم يبادل الحجارة بطلقات المدافع وقذائف الطائرات.
إنه واقع مهما كان معبراً عن موت البطولة العربية واضمحلال قيم النضال إلا إنه فى والوقت ذاته فرصة لممارسة التغنى بإصرار هؤلاء الأطفال على الدفاع بدلاًًًَََََََ من الجيوش العربية.
وللمرة الثانية تأتى القصيدة طويلة بطول الأزمة وحجمها لتحتل مساحة الديوان كله، لكأنها إشارة ضمنية إلى أن ديوان الشعر العربى المعاصر لم يبقَ فيه مساحة لهمِّ آخر من هموم الشعر غير همه الأزموى الذى يتعلق بمصير هذه الأمة المنهارة، لم يكن الهمُّ طويلاً ، بل كان مركباً يسير فى عدة اتجاهات تتعلق جميعها بمصير الإنسان العربى ووضعيته فى ظل لحظة قاسية تحاصره بالموت والتصفية الجسدية المباشرة ربما كان (الموت على الإسفلت) عنواناً مفسراً لطبيعة هذا الموت الذى يسكن الإسفلت..الطريق الإسفلتي فى ارتباطه بالمدينة المعاصرة يظل ملمحاً دالاً فى اختيارات المدينة المعاصرة التى اختارت أن تقطع طريق الحياة على هذا الإنسان ، علناً، ودون تورُّع تصفيه جسدياً فى وطنه المغتصب ، وفى الأوطان الأخرى/ المنافى التى يفر إليها مكرها . إنها صدمة الشاعر فى واقعه ، كانت مربكة ومفجعة ، ليس لأنها طارئة ومحدثة، بل على العكس لأنها وليدة أزمة مركبة ومطردة ومتداعية يوماً بعد يوم.. لكنما لحظة ميلاد التجربة تجد مناسبتها فى حادثة صادمة كاغتيال ناجى العلى المفن الذى لم يحمل مسدسا ولا بندقية و إنما جاء إلى العالم حاملاً حلمه بوطن، وأداة حلمه كانت متمثلة فى الريشة التى يعبر بها.. لهذا كانت الفرصة مناسبة لتفنين الحزن و إطلاق العديد على ناجى العلى والأمة العربية والإنسانية الحديثة العمياء.

لقد كان قناع الأم التى تطلق العديد مناسبة لإطلاق مشاعر الرثاء ، وتعديد محاسن الفقيد القتيل ، وربما هى لحظة مناسبة لأن يأتى العديد ممزوجاً بمتطلبات اللحظة المشحونة بالرغبة فى الخلاص والقصاص من العدو الذى لا يفرق بين الطفل والشيخ مثلما أنه لا يفرق بين مناضل بالريشة ومناضل بالبندقية .
وبين ثنايا العديد كان الشاعر يفسح لنفسه مجالا عندما يريح صوت النائحة التى تعدد ليقف كذات مفندة ، معلقة ، ساخرة ، ناقدة، مفلسفة.. لهذا كان تعدد النبرات بثوريتها وهتافيتها أحياناً معادلاً آخر لصوت الأم التى تعدد.. وإذا كان العديد قد سار على وتيرة واحدة مشمولة بالحزن والأسى فإن الذات الشاعرة المتوترة بدت فى عدة وقفات بين فواصل العديد كأنها بألف رأس ، تتجه صوب الماضى والحاضر وهى تنظر إلى المستقبل ، عين على الأمة النائمة نوم الخراف وعين على الذئاب التى تترصدها، وفى نفس الوقت عين على الأطفال التى تطلق حصياتها فى وجه الصهاينة المحتلين ، وعين على مستقبل هذه الأمة فى ظل ما يحيق بها من مخاطر..تارة تهتف بالنداء رغم يقينها أنها تنادى أمة فى موات ، ومن ثم كان يسخر تارة أخري من هذه الأمة، وتارة يفند علاتها ويعدد أمامها عوامل ضعفها ومواتها، لذلك لم يكن النصّ فى هذه الوقفات إلا معبراً - من الناحية الفنية - عن هذا التوتر وتلك الحيرة ، ومن ثم كانت تتباين من وقفة لأخرى إيقاعات النص، فيما جاءت الأساليب أيضاً متباينة.. وهكذا ينهى الشاعر ديوانه فيما تظل تجربته مفتوحة على الجرح العربى الدامى ، ولم يعد يسمع نداء البطولة غير هذا الطفل الذى لا يزال يرمى حجره فى وجه العدو :( يا أيها الطفل العنيد/ يا أيها البطل الجديد/ خد الرصاصة واتقتل/ خد السلاسل واتحبس ./ و دوس برجلك على الصهاينة/ والخيانة والعمالة/ والقرار/ والكونجرس)صـ92


( 2 )
عبد الرحمن الأبنودى واحد ٌ من أبناء الصعيد " الجوَّانى " الذين توارثوا الارتباط بالأرض والطبيعة، كما توارثوا الغناء، ونقاوة الحياة وفطريتها. ولا يخفى أن الأبنودى عاش حياته الأولى فى برارى الجنوب البكر بعيداً عن تعقد الحياة وتشابك علاقاتها ، بعيداً عن أي لهاث مادى ، أو خوف من الغد.. لذلك أتت مرآة الذات صافية إلى حدٍ كبير، ولذلك - أيضاً- تلقى قصائده استجابة من القراء، ولا أظن أن الشاعر الذى يوقعنا فى اللبس أقل وطأة من الواقع الملتبس.
الذات الجنوبية-عموماً- لا تتبرأ من الرومانسية، ولا تتخلى عن حزنها الشفيف وهى تفنن أحزانها بالغناء وهى تلتحم بعناصر الطبيعة التى لا يزال إنسان الجنوب يتعامل معها ويستخلص منها رزقه.
الغناء- أيضاً- لازمة من لوازم الحياة فى الجنوب..كيف تُستقبل الصباحات بالغناء،وكيف يندغم مع صوت الشواديف وحفيف الصفصاف .. بل كيفِ يستقبل المساء ؟ كيف يفنن أحزانه بالغناء " العديد " وكيف يطلق زفرته مواويل يعالج بها أدواء النفس ..بل كيف يصدح فى لحظة الكدح بالغناء ؟

هنا .. فى هذا الوجود المخصوص نشأ عبد الرحمن الأبنودى ،وعاش حياته الأولى ،وتشكّّّّّّل وجدانه الشعرى ،يمتاح منه رحيق الحياة الممزوجة بالشعر والغناء .لاشك أنه وجود مخصوص، كل شئ فيه عزيز، وكل شئ يخص كل شئ .الذات الجنوبية عموما ليس لديها ما تفرّط فيه، كما أنها ليست معنية بالثورات ولا الزوابع التى تحدث فى فناجين ،لا تلعن مولد الشمس، ولا شىء ثمّ يرهقها ..إنها وليدة البراح ،وقرينة التأمل والشعرية ..شعرية الدوحة ،المزمار،الناي ،إبداع الله فى الكون ،موسيقى الله ،إبداع الله فى الكون ، الشدو،الغناء، أساطير القبيلة ،حكايات الجدات ،المصاطب ،السمر ،الأذكار ،وهدة المساء ،الشاطئ ،الصفاء، نقاء السريرة ، الكون المفتوح ،السماء، القيلولة ،البرارى ، المراعى ....... وجود لا يلعن بعضه بعضا ،ينام فى حضرة الملائكة ،توقظه هزّة الأغصان أو نقر العصافير ،صوت الله فى قرآنه ، هديل الحمام ، التسابيح ، صوت الشواديف .
هى ذات تمتلك واقعها وتسيطر عليه ،،كما تمتلك أصالتها و تراثها،تمتاح منهما شجاعة التجوال ،وهى تتخطى ، أو تجتاز مراحل نموِّها وتواجدها .
من هنا فإن شعرية الجنوب تختلف لأن الهاجس مختلف والعذابات تختلف .. بهذه الشعريّة انطلق عبدالرحمن الأبنودى إلى آفاق لا تحدّ ..ومن ثمّ فإن أية دراسة لتجربة الأبنودى تتجاوز عن هذا الملمح الأصيل فى تجربته ستظل قاصرة عن فهم جوانب كثيرة فى هذه التجربة .
إن تجربة الأبنودى انطلقت من طقس بيئىّ مجتمعىّ مخصوص رضع فيه الأبنودى الشعر الشعبى من مصادره الحيّة المتمثلة فى أغانى الحصاد والأجران ،والأفراح ، وليالى الإنشاد والأذكار والولائم والمآتم ... إرث من الفنون اللسانية الشفاهية مع كثير من أمثال وحِكم ، وسير شعبية ولوازم حكائية وغنائية .. أعلن الأبنودى انتماءه لهذا الطقس المفنّن ما أن اتخذ العامية أداة للتعبير الشعرى ،ومن ثمّ اعتمد على كافة الحيل والوسائط الجماليّة التى حوتها هذه الفنون لتوصيل رسالته الشعرية ،وليس بخاف أن هذه الفنون مجتمعة تعتمد على المشافهة كطريقة أدائية قادرة على اجتذاب أذن المتلقى ، ومن ثمَّ فجلّ ما كتبه الأبنودى يركز على هذه المشافهة التى لم يكن يخدمها فنِّيا أن تأتى مكتوبة إلا بالقدر الذى يجعل مها نصّاً شعريّاً مكتوباً يعوزه الإلقاء الجيد الذى يبرز مخزونه الشفاهى. ولقد أحسن الأبنودى صنعاًً عندما أخرج مؤخراً دواوينه مصحوبة بأداء صوتى مسجل على أشرطة كاست .
( 3 )
يرى بعض الباحثين أن مصطلح " شعر عامى " غير دقيق ، ويرى أن استبداله بشعر لهجى هو الأنسب ، ومن دون خوض فى التفرقة بين المصطلحين أرى أننى أميل إلى استخدام المصطلح الثانى ، لا لشيء إلا لأن مصطلح " عامى " يعطى عمومية غير مقبولة ،ولا يصدقها واقع النص الشعرى لهذا الشاعر أو ذاك من شعراء العامية , فغالباً ما يكون النص منحازاً إلى لهجة بعينها تختلف من شاعر إلى آخر.. هذا الانحياز اللهجى يشى بداية أننا أمام لهجة بعينها ، ولسنا أمام عموم اللهجات .

فعندما أقول : عبد الرحمن الأبنودى شاعر لهجى . فذلك لأن لغة القصيدة عنده تنحاز كليَّة إلى لهجة الصعيد " الجوّانى" وربما أن هذا أصدق من القول :" شاعر عامى " .. هذه التفرقة بسيطة الطرح تقودنا إلى التساؤل :-لماذا اختار الأبنودى لهجة الصعيد الجوّانى كأداة للتعبير الشعرى ؟ والسؤال نفسه يمكن أن نوجهه لأى شاعر لهجى : لماذا اخترت هذه اللهجة تحديداً لتعبر بها عن تجربتك الشعرية ؟ وقد نضع أمامه عدة اختيارات للإجابة : هل لأنها اللهجة التي تفكر وتتكلم بها ، ومن ثم فأنت تسيطر عليها وتعى مداخلها ومخارجها وتحيط بكل جوانبها بالدرجة التي تجعلها أقرب إلي الفطرية عندك ؟ أم لأنها الأقدر والأنسب لحمل تجربتك المنحازة أساساُ لأصحاب هذه اللهجة انحيازاُ أيديولوجيا ؟ أم لأن في هذه اللهجة تحديداً سمات نوعية فارقة تجعلها الأنسب لحمل تجربتك التي هي بدورها ذات سمات نوعية فارقة ؟ أم لأنك أحد الوارثين لثقافة وآداب أصحاب هذه اللهجة ، ومن ثم ترى أنك صاحب مسئولية فنية وثقافية في المحافظة علي هوية هؤلاء من خلال التعبير عنهم ولهم وبهم ‘ أم أنها مسئولية تنمية وعى هؤلاء بالحياة ‘ أم أنها مسئولية حمل صوت هؤلاء إلي الحياة ؟
وفي رأيى أن هذه الخيارات لو عرضت علي الأبنودى لأختارها جمعياً ‘ وربما أضاف إليها ‘ فجميع هذه الخيارات تنطبق علي تجربته , وإلا : لماذا لم يختر الأبنودى لهجة القاهريين منذ أن غير محل إقامته من الصعيد إلي القاهرة ؟
لاشك أن جميع الشخصيات / الأقنعة التي تقنعت الذات الشاعرة خلفها في التجارب الشعرية مثل : حراجى القط – يامنة – أحمد إسماعيل – عبد العال الصعيدى ... كلها تثبت أنه منحاز أيديولوجيا لهؤلاء الذين أختار لهجتهم .
من ناحية أخرى عبد الرحمن الأبنودى – بحكم النشأة – تشرَّب لهجة الصعيد " الجواني " مع الأخذ في الاعتبار أن الصعيد عدة لهجات وليس لهجة واحدة بيد أنها متقاربة .. تشربها في الطفولة سواءً مخارج الحروف ، أو نطق الألفاظ أو الأوزان الصرفية المصاغة بها ‘ بما يجعلها وسيلة تعبيرية طيعة لدية , ليس هذا فحسب بل ثمة انفتاح علي مجمل الفنون القولية المتصلة بأصحاب هذه اللهجة ابتداء ًمن صِيغ العِدِّيد والتهنين , والمأثور من حكم وأمثال , وصيغ الرقية من الحسد , وما إلى ذلك ، وانتهاءً بالمواويل وأغانى الحصاد والأعراس وكثير من الأزجال والسير والتواشيح ،وما يصاحب كل هذه الفنون من إيقاعات متوارثة .
ليس أمر اختيار اللهجة إذن أمراً مجانياً , كما أنه ليس وليد المزاج .وقد يعترض البعض على هذا الاختيار بالقول :نحن لا نكتب بالأشخاص ,و إنما باللغات واللهجات ,إذ لا يعنينا مَن كتب النص , ولماذا كتبه بهذه اللهجة أو تلك .. كما لا يعنينا إن كان الشاعر من أصحاب لهجة القصيدة أم لا .. ومهما كان ذلك صحيحاً ومتفقاً مع توجهات بعض النظريات النقدية الحديثة التى تفصل بين النص وصاحبه ، لكننا مبدئياً لا نفترض أن دراسة الشجرة مجتثة من تربتها أفضل من دراستها متصلة بتربتها، وللمعترضين أتوجَّه بالسؤال : - لماذا سلمت لغة القصيدة عند الأبنودى من الترقيع اللهجي ؟ سؤال قد يكون خارج النص الشعرى , لكن الإجابة عنه تظل ضمنيّاً من مكتسبات الناقد , أو هكذا يجب أن تكون حتى وإن لم يصرح بها أو يتخذها خطوة إجرائية فى دراسته ؛ فكثير من مصابيح الطريق ليست جزءاً من الطريق .
إن إخلاص الشاعر للَّجة التى يعبر بها عن تجربته لمن دلائل صدق التجربة نفسها , كما أن ترقيع اللهجة أو افتعالها فى بعض أشعار العامية لمن أول دلائل عدم صدق التجربة ، بل من دلائل افتعالها ، فليس من الصدق الفنى فى شىء أن يجمع نصٌّ لشاعر ما مفردات من عيِّنة : " نَوَّة - نوتي - حادي - قَعود - بير - مَلَس - حِلْس - فستان – حدانا – بلاج – شط – ريَّاح " إن نصّاً تنقله إلينا مثل هذه المفردات - لو حدث – لقلنا إن الشاعر – فى هذه الحالة – مفتعل تجربة ، لا لشىء إلا لأنه افتعل لهجة ، تماما كما يفتعل أي ممثل لدور صعيدي فى أى مسلسل تلفزيونى أو فيلم لهجةً لا تمتُّ إلى الصعيد ظناً منه أن بهاتيك اللهجة العبيطة يتحدث الصعايدة.. ساعتها نقول إن هذا الممثل غير صادق فنياً ومفتعل . تماماً كالشاعر الذى يستخدم عينة مثل العينة التى سقتها آنفاً ، وبعضها ينتمى إلى لهجة بدوية وآخر إلى لهجة ساحلية وبعضها ينتمى إلى لهجة صعيدية وبعضها إلى لهجة القاهريين ، ومن المعلوم أن "لهجة " لا تعنى صيغةً صرفية ولا تعنى طريقة نطق ، كما لا تعنى لكْنَةً معينة ، إنها بجانب كل ذلك تعنى مفردات بعينها دون أخرى . وإلا فمن أين جاءتنا قضية المترادفات فى اللغة ؟ إن " قبراً " لا تعنى "لحداً " كما أنها لا تعنى " جَدَثاً " كما أنها لا تعنى " مثوى " إلا فى إطار قاموسى جامع ، بيد أن الحقيقة أن كل مفردة تمثل تجلياً للهجة قبيلة بعينها أو مجموعة قبائل من قبائل العرب عندما تشير بالقول إلى مكان دفن الموتى

إن إخلاص الأبنودى للَّهجة قد يكون مسوغاًَ _ أيضاَ – لدراسة اللهجة نفسها ، أو بالمعنى : إن الأمر قد يتعدى الدراسات الأدبية إلى الدراسات اللغوية المحضة .

من ناحية أخرى إن إخلاصه للهجة قد يتيح دراسة مستويات اللهجة عنده فى ارتباطها بالتجربة الشعرية، فلولا وعيه بأمر اللهجة وإخلاصه لها لما أمكننا أن نلمس مستويات عدة لها، تتنوع بتنوع الأصوات التى تحمل التجربة.
على سبيل المثال: المطالع لديوان " الاستعمار العربى " يلحظ مستوى أول للهجة يحمل صوت الشاعر/ السارد بداية الديوان: "كان لى أخ/ رفقا فى السرا وفى الضرا/وفى الثورة/وفى الحلوة وفى المرة ..سنين وسنين/ نقول ونقول وما بنبطلش جخ/كان لى أخ ....الخ " صـ13 . هذا المستوى يبدو مناسباً لصوت الشاعر السارد الذى يسرد قصته مع رفيقه الذى تجمعه به صداقة قديمة، وقد دخلا معا السجن، ووثقت الزنازين علاقتهما أكثر مما كانت:" كان لى أخ /كنت أنا مؤمن بصدقه / وهو مؤمن إني صادق/ المشاغبة..والمراقبة../والقوايم السودا..والمنع السياسى/ اتفاق ع الثانوى..وعلى الأساسى/وحدت بينا رطوبة الزنازين .. / وأهلنا الفقراء اللى منهم مبعوتين / والإساءة للأسامى والسلوك / إحاطتنا بالشكوك / والزمن .. ابن اللئيمه / داخ .. / ما عكرشى تياب بحر المودات القديمة " صـ14
الملاحظ أن مستوى اللهجة هنا يقترب كثيراً من الفحصى مثل " رفقا – السرا – الضرا " بتخفيف كل منهم من الهمزة وكذلك : "" وحدت – الثانوى – أحاطتنا بالشكوك " ولعل هذا المستوى الذى يقترب من الفصحى مناسب لشخصية السارد بصفته سارداً مثقفاً متعلماً سُجِنَ من أجل رأيه ، ومن ثم فلهجتة تعبر – رغم عاميتها – عن مستواه الثقافى والاجتماعي ، وإن كانت في الوقت نفسه معبرة عن هويته الصعيدية لاستخدامه بعض المفردات التى تحفل بها اللهجة الصعيدية في الجنوب من عينة " جخ " بمعني الاستفاضه في الثرثة . أو مفردة "مودات " جمع " مودة " أو مفردة " تياب " جمع " توب / ثوب " .

هذا المستوى الذى يتردد علي لسان الشخصية السارده مؤكداً تفاصحه يظل محتفظاً بهذه الخصيصة حتي بعد أن يتخلص النص من الانشغال بخطاب الصديق إلي خطاب آخر موجَّه إلى الشعب العراقي : " أيها الشعب العراقي /هوه زايل وانت باقي / قدر إزاى يقنعك تشرب دمائي ؟ / شفت وجهك في صبيحة الإجتياح / ما كنش وجهك / والاَّ ده وجهك .. وأنا ... ما عرفش وجهك / من غبائي / كلكم شاربين في دنه / ووجوهكم صورة منه / العباد علي دين ملوكها / في عقائدها وسلوكها " صـ21 .
الملاحظ أن الخطاب علي لسان الذات الكويتية التي تخاطب الشعب العراقي . هي أحد أقنعة الشاعر إذن في تلبسه بالشخصية الكويتية الجريحة ومن ثم نلاحظ اقتراب اللهجة من المستوى الفصيح في " دمائي " بدلاً من دمى وكذلك " وجه " بدلاً من " وش " وفي " ردائي " الغريبة عن العامية المصرية ، وكذلك مفردة " دن " ومفردة " صبيحة " وكذلك استخدامه للحكمة التى تنتمى للتراث الفصيح " الناس علي دين ملوكها " .
هذا المستوى الباحث عن لغة متجاوزة عن العامية له مبرره الفنى لأنه يحمل صوت الذات الكويتية ، ومن ثم كان الحرص علي الاقتراب من اللغة الوسطي التى تقترب من الفصحى وإن كانت محتفظة ببعض الاستخدمات التى تنتمى للهجة المصرية في عموميتها مثل طريقة النفى : " ما كانش – ما عرفش " والاستفهام " إزاى " والإشارة " ده " واستخدام " وإلا " بمعنى " أم أن " .
إن التضفير هنا بين الفصحى المتواضعة البعيدة عن القاموسية والبعيدة عن الألفاظ المهجورة والاقتراب من الفصحى المبذولة أو الاعتيادية ودمجها فى إطار عامى من خلال الأسلبة العامية مع بعض الألفاظ الفصيحة المصحَّفة بما يتفق مع طريقة العامة في استخدام اللغة مثل قلب همزة " زائل " إلي ياء في " زايل " وقلب ذال " ذه " إلي دال في " ده " .
إن وسيطة اللغة هنا بين الفصحى والعامية المصرية في عموميتها مناسب للخطاب الشعرى الذى يحمل قدراً من عمومية التوجه ، نظراً لعمومية القضية التى ينشغل بها النص ، فثمة قارئ ضمنى - وهمى - يظل بالتأكيد ملازما للشاعر لحظة إنتاجه النص .. هذا القارئ الضمنى هو بالتأكيد يختزل شخصية كل العرب ، ومن ثم وجب أن تكون لغة الخطاب أقرب إلي الفصحى . وأما أن الشاعر مزح بين الفصحى والعامية المصرية فكان الأولى درامياً علي نحو ما يسعى النص الذى تنقله إلينا أصوات مختلفة .. كان الأولى أن يمزج الشاعر بين المستوى الفصيح والمستوى اللهجى الكويتى في هذه الجزئية تحديداً .
يختلف الأمر تماماَ عندما تتوارى الذات الشاعرة خلف قناع " عبد العال الصعيدى " وإن كنت أتمنى أن يمارس عليه الشاعر " القطعة " حتى يأتى اسمه مناسباً للهجة عند الغالبية العظمى من المصريين إذ يقولون " عب عال – عب مولى – عب متجلى " بدلاً من عبد العال وعبد المولي وعبد المتجلي .. إن حديث عبد العال في النص يمثل لوحده مستوى من المستويات اللغوية في النص . وخطاب عبد العال موجه إلى مبروكة زوجته التى تواجدت هى الأخرى في النص تواجداً محدوداً كشخصية ناطقة ، وإن تواجدت تواجداً مطرداً كذات مستمعة .
وعبد العال كما أفصح عن نفسه من خلال السرد الشعرى هو فلاح صعيدى من الذين هاجروا إلي العراق باتفاق الحكومتين المصرية والعراقية أوائل السبعينات ، وتملكوا أراض زراعية هناك وعاشوا كمواطنين عراقيين يتمتعون بكل حقوق المواطنة في العراق وقد أعطى الشاعر لعبد العال حق التواجد فى النص كصوت مستدعى وكشاهد تاريخىعلي أفاعيل صدام التى تفقد الحليم عقله ، وتتنافىمع الإطار النظرى الذى ينادى به صدام . وعبد العال وأحد من البسطاء الذين صدقوا ألاعيب زعمائهم ووثقوا بهم ومن ثم استسلموا للحلم الجميل ، وهو واحد من الناصرين المتشربين لمبادئها ، وهو رغم بساطته قادر في حديثه لمبروكة علي فضح صدام الذى خدعه في أحلامه .. تماماً كما خدع الأمة العربية بأسرها .
وعبدالعال لم يكن واحداًمن المثقفين المنقسمين في توجهاتهم النظرية والأيديولوجية حول احتلال صدام للكويت ، ولم يكن واحداً من الزعماء المخادعين ، ولم يكن واحداً من المحللين أو الصحفيين أو الأدباء أو المثقفين تجار الأزمة ، وإنما واحد من عامة الناس ممن يتبنى الشاعر قضاياهم ، وينتمى أيديولوجياً إليهم ، وإلا فما معنى يوكل إليه حمل وجهة نظره .. لقد أعطى الشاعر لعبد العال حرية التواجد في النص لكى يحمل وجهه نظره بدلاً عنه.. إنها الحيلة الفنية إذن التى تهدف إلي التنويع في الآراء ووجهات النظر كما تهدف فنياً إلي التنويع في مستويات الخطاب والإيقاع ومن جهة أخرى تمثيل القاعدة العريضة من الشعب في النص متمثلة في شخصية عبدالعال .. نعم هو واحد من القاعدة العريضة للشعب العربى المخدوع وهي القاعدة التى تلقي علي أكتافها كل نتائج الأزمات والهزائم ومساوئ الحكام، هم الفئة التى تضحى طوعاً وكرهاً بالروح والدم وهى الفئة التى تهتف طوعاً وكرهاً أيضاً وهى الفئة التى تصاب مباشرة في أحلامها عندما تصدم في حكمها ، وهي الفئة التى تصاب مباشرة في أحلامها عندما تصدم في حكامها، وهي الفئة التى تلقى لسباع الحروب كضحية لأطماع وأخطاء الحكام والساسة وعنجهياتهم .. لكل ذلك اكتسب عبد العال مشروعية التواجد في النص ليتحدث بلهجته ، وعلي قدر مستواه الثقافي والفكرى ليفند ويفلسف ويتساءل ويعبر عن حيرته ودهشته وسخطه وسخريته ، ومن ثم أتى النص ممثلاً للهجة عبد العال ومشحون بطاقة نفسية ممثلة لحالته .
بداية يفصح عبد العال عن نفسه وعن موطنه الأصلي :
" أنا فلاح .. وابن النيل / وليّا باع طويل / أعرف أزرع نخيل / وقطن وشعير وتيل / ولو حد ضايقنى أحاربه بالمواويل / وما عرفت في حياتي / عدو غير إسرائيل / اللى سقتنى الكرب / أطلع يا دوب من حرب ألاقينى داخل حرب " صـ 56
" صدام ده عوَّضنا / عن عمنا الراحل / بدال ما ناكل بعض / في سوهاج يا مبروكة / إدانا دار .. وأرض / ومواشى يا مبروكة " صـ 59 . وعن رأيه في نفسه يقول : " عبد العال الحويط / عمرى ما كنت عبيط فهمى صحيح علي قدى / وتعليمى بسيط / لكن باعرف أشوف / بلا مصلحة ولا خوف / وبأوصل للحقيقة مهما كانت الظروف " صـ 64 وعن رأية في العراق بداية حياته بها يقول : " والله العراق إنسان / بيخاف على الإنسان / لو كوموا العرب كِلَّتهم فى الميزان / يغلبهم العراق / ويزيد عنهم كمان / الأوله ندهون من دارى وسافرت / أنا اللى عمرى ما هاجرت / بعت السَقَط والجِلد خدت المره والوِلد / وكرمونى / إدوني كام فدان وفرحوا بيَّا تمام " صـ 55
وعند الوصول يقول : " هتفت عاش صدام / الحِس في الراديو / والصورة في الجرنال "صـ 57 .. وعن اشتراكه فى الحرب مع العراق ضد إيران يقول : " دخلت فى الطوابير / أربع ليلات ونهار / ولقيت نفسى أسير / وركى بينزف نار / ولا قادر أسير / والإيرانيين كتار / كنا أربعة صعايده / عرفنا ما فيهاشى فايده / شالونى ع الكتاف / فى الليل كإنى لحاف / ابن الصعيد م الموت / عمره يا ناس ما يخاف .... " إلى أن يقول : " لكن عرفنا نعود / أهو ربَّك الموجود /كاتب لنا ناكل / وكاتب لنا نشرب /قابلوا أخوك بالورد / والبسكويت والبيبس /رقدت لك فى الجبس " صـ70 . وعن حادثة قتل المصريين فى العراق بعد أن وضعت الحرب مع إيران أوزارها يقول : " لكن أول ما رجعوا عساكر الزعيم / لقيوا المصاروة طبعاً / اتجوزوا الحريم /.....وبدا سلوك الوحوش/ ويختفى صديقك / فجأة ما تلقاهوش / وبدأت على مصر تزحف / طوابير النعوش.." صـ75 .
وعن عودته منكسراً إلى مصر يقول : " وهُب ..طُبِ يا با / وبعد ما بهدلونا / كلوا قرشين الغلابة / وفضلوا يعذبونا / شربوا عرق السنين / وزرع الفدادين / وباعوا فى المزاد وراكى المكسورين / ولقيتنى لمصر راجع / أعرج .. والقلب دامع / ومبروكه فى يدى / بتئن من المواجع " صـ76 .

لاشك أن حديث عبد العال يشف عن براءة وعفوية وتلقائية تنم عن طيبة متناهية ، وشفافية ابن البلد الأصيل . ومن دون أن نسترسل كثيراً مع عبد العال السوهاجى فقد كان هدفنا منذ البداية أن نلحظ تجليات اللهجة عند عبد العال ، ومدى الفرق بينها وبين اللهجة فيما سبق من النص على لسان السارد الصعيدى المتعلم الممارس للعمل السياسى .
فى حديث عبد العال يتبدى فى النص استدعاء كثير من التعبيرات الشعبية واللوازم الحكائية المنتشرة على ألسنة العامة فى صعيد مصر ، وهى فى معظمها يلبس ثوب الاستعارة وتتشح بالكناية ، مثل : " سقتنى الكَرْب " – " شربوا عرق السنين " – " وركى بينزف نار " – " ليَّا باع طويل " – " ناكل بعض " بعت السَقَط والجِلد " – " كاتب لنا ناكل وكاتب لنا نشرب " – " كلوا قرشين الغلابة "- " وشربوا عرق السنين " . ومن اللوازم الحكائية نلحظ استخدام "لك " فى قول عبد العال لمن يسمعه : " ورقدت لك فى الجبس " فى تأكيد على وجود المخاطب المروى له كجزء من الحدث ، وكذلك مفردة " هب" التى تستخدم للتعبير عن الفجائية واستخدام " كام " للتعبير عن العدد المبهم فى قوله " كام فدان " .
ومن تجليات اللهجة فى حديث عبد العال نلحظ مفردات من عينة " كِلَّتهم" بدلاً من "كلهم " ومفردة " كلتهم " منتشرة فى بعض مناطق سوهاج التى ينتمى إليها عبد العال وربما إنها لا تستخدم فى بقية محافظات الصعيد ، ومفردة "ما تلقاهاش " بدلاً من " ما تلقاهوش " التى تستخدم فى العامية المصرية بمعنى " لا تجده " وفى الصعيد هناك صيغتان لهذا الأسلوب هما : " ماتلقاهاش ، وما تلقَاهِش " واستخدام جمع المؤنث السالم بكثرة بدلاً من جموع التكسير كما هو الحال فى اللهجة الصعيدية حيث "ليلات" بدلاً من " ليالى " فأهل الصعيد يميلون إلى استحدام " قرشينات- فلوسات- حريمات " بدلاً من "قروش- فلوس- حريم"- وهناك استخدام صيغة المثنى بدلاً من الجمع فى قوله" أكلوا قرشين الغلاب" والمراد " أموال الغلابة " وهناك صيغة الجمع بدلاً من المثنى فى قوله "وراكى المكسورين " وهو يريد " وركيه المكسورين " .
ومن تجليات اللهجة عند عبد العال مفردات من عينة : " السَقَط " بمعنى أحشاء الذبيحة كالكرش والمصران، وهى كلمة فصيحة تماماً ولكنها متداولة فى صعيد مصر فى حدود المثل القائل : " بعت السقط والجلد " ويُضْرب فى حالة الإفلاس مع عدم وجود شىء مملوك يمكن أن يُباع ، ومفردة " كوموا " بمعنى جمعوا ، واستخدامه لمفردة " دارى " بدلاً من " بيتى أو سكنى " و " إدونى " بمعنى أعطوني " و " ندهونى " بمعنى " نادونى " و" الحِسّ " بمعنى الصوت و " بدال " بمعنى " بدلاً من " و " الوِلد" بِدلاًمن " الأولاد " وكذلك " فضلوا" بمعنى " ظلوا " ولو بحثنا فى الديوان بعيدا عن الجزيئات التى سقناها من النصوص لاستوقفتنا مئات الشواهد اللهجية.ومع ذلك نلحظ أن حرص الشاعر على سلامة الوزن وحرصه على التقفية – أحيانا كانا وراء كسر اللهجة فى بعض المواضع، مثل مفردة " نخيل " والعامة فى الصعيد يقولون " نخل " وفى بعض البلدان يكسرون الخاء، وكذلك " هتفت " لا تُستخدم فى العامية ومثلها الفعل " أسير" بمعنى أمشى، أما قول عبد العال: " بدا سلوك الوحوش" فهو استخدام فصيح يفوق قدرات عبد العال اللغوية،والعامة لا يستخدمون "بدا" بمعنى " ظهر" وأغلب الظن أن الشاعر أراد "بدأ" وقد سقطت الهمزة من الطباعة .
أما مفردة تزحف" فالعامة يقلبون الزاى سيناً فيقولون تسحف" وقد يحدث العكس مثلما يقولون "زى" بدلاً من "سى" فى قولهم : " فلان زى علان" أما مفردة " تئن" فهى فصيحة والعامة لا يستخدمونها .
أما قول عبد العال : " يختفى صديقك " فالتراث العامى يحفل بـ"صاحب" والعامة لا يستخدمون صديق ، أما مفردة يختفى" فالعامة فى الصعيد يميلون إلى التخفف من التاء ويقولون" يخفى" أما التعبير " بلا مصلحة ولا خوف " فهو استخدام فصيح والعامة يقولون " من غير مصلحة" أما مفردة " سقتنى " فالعامة فى الصعيد يقولون " زقتنى ".
صحيح أن لهجات الصعيد أقرب ما تكون إلى الفصحى، وهذا له أسبابه التاريخية ، فمعظم قبائل الصعيد عرب خُلَّص جاءوا مع الفتح الإسلامي أو هاجروا من اليمن والجزيرة بعد الفتح ، ونظراً لبعد الصعيد عن استيطان المحتل الأجنبى ظلت اللهجات إلى حد كبير خالصة لعروبتها وتقترب من الفصحى اقتراباً كبيراً بل هى فصحى لعب التصحيف والتخفيف والقطع والقلب المكانى للحروف دوره فيها ، لكنما وما دمنا بصدد النظر فى ما هو وارد من لهجة فى النص الأدبى على لسان عبد العال فإننا أَمْـيَل إلى لهجة عبد العال الخالصة له ؛ لأنها أداة/ قناع / حيلة فنية ، ومن المعروف أن الأدوات تظل محايدة .
كذلك فى ديوانه الآخر " الموت على الإسفلت " نلمس تكلفاً فى استخدام اللغة بداية من مقدمة النص:" أمايه.. وانتى بترحى بالرحى "صـ13 فمن المعلوم أن الفعل " ترحى يدل على الأداة المستخدمة لأنها من جنس حروفه ، ولا داعٍ للقول" بالرحى" بعدها. إذن هى مجلوبة للقافية وغير صحيحة إملائياً وصحتها " الرحا "، كذلك ص 20 يقول الشاعر مخاطباً ناجى العلى : "مين أول اللى رسمهم إلاك " ولا أظن إلا أن " إلاك " متكلفة فى الاستخدام العامى ، وتتنافى مع لهجة العامة فى الصعيد أو غيره .
ومثلها مفردة " أئنك " ص42 فى قوله : " أئنك .. تدمعك عينى " ومثلها " أنسل " ص42 فى قوله : " بانسل سرعة من الأعداء " ومثلها : " إذا يسرى " صـ46 فى قوله : " يا صوت دمى إذا يسرى " وثمة استخدام لحروف الجر بطريقة السياقات الفصيحة مثلما نقرأ صـ24 : " على الباغي دارت " أو مثلما صـ47 " ومن حارة إلى حارة / ومن شارع إلى شارع / ومن ناحية إلى ناحية / وثمة استخدام لأدوات النفى كما لو كانت فى سياق فصيح مثل :" قلوب الأولياء نيتها لا تتغش " صـ47 وكان بإمكان الشاعر أن يقول :" قلوب الأوليا نيتها ما بتتغش "ولن يتأثر الوزن .أما مفردة "دمايا " صـ42 فى قوله " دمايا.. ما تستاهلش تكون " فالعامية لا تعرف ولا تقر " دمايا " ومثلها تماما فى ديوان " الاستعمار العربى" استخدام مفردة " زعمايا " و " زعماهم " فى قوله :"واتقابلوا زعماهم / واتقابلوا زعمايا" صـ81


( 4 )
حوار الأشكال الشعرية العامية حوار قديم منذ انفتاح الوعى الجمعى العربى على العامية كأداة للإبداع . وهى بداية غابرة فى التاريخ العربى يختلف الدارسون حول بدايتها ، وإن كان " منهم من يرجع بتاريخ العامية إلى إحدى حقب العصر الأندلسي ، وتحديداً لعهد الموشحات فى القرنين الخامس والسادس الهجريين ، ومنهم من رأى أن البداية الحقيقية له لم تكن إلا فى العصر المملوكى الذى شهد لهذا الفن نهضة واستقراراً وقوة، استطاعت أن تقف مطاولة القصيدة العربية قيماً وجمالاً وطلباً وذيوعاً؛ فتناولها الخاصة والعامة، وشغف بها المثقف والعامى" (2 ) . ولقد شهد التاريخ الأدبى على أبواب العامية الكثير من الأنواع الشعرية كالشعر القواديسى والكان كان والموال القوما والزجل بأنواعه ( العتابا و المُعَـنَّى، والقوالى ، والقرَّادى ، والدبكة ... الخ ) كما شهد كثيراً من الصور والأشكال كالتسميط والتربيع والتخميس والتسبيع والتشطير والتفويف ولزوم ما يلزم .... الخ " ومن ثم فإن شاعر العامية وريث شرعي لكل هذه الفنون بأوزانها يتناص معها ، ويستلهم منها، كما يستلهم من عناصر الثقافة الشعبية الأخرى .
هذا وقد انشغل بعض الدارسين بالتفرقة بين الشاعر الشعبى والشاعر العامى ، كما انشغلوا بالتفرقة بين الزجل وشعر العامية والشعر الشعبى ، وكان الانشغال بهذا التفريق مُشِفًّا عن أزمة التنظير لهذا اللون من ناحية ، ومن ناحية أخرى كان مشفاً عن الهدف غير المعلن عند هؤلاء الدارسين وهو فصل القصيدة العامية عن تراثها الشعبى، أو بين شاعر العامية وهذا الموروث الفنى والثقافى تمهيدا لتعطيل كافة التناصات و الاستلاهامات التى تشكل وجدانا ثقافياً وفنياً عند شاعر العامية، بجانب تعطيل المعامل الوزنى و الإيقاعي، ومن ثم الدخول بالشعر العامى إلى ما يسمى بقصيدة النثر، وانتهاء بالنزعة الفردية، والانفصال بالتجربة عن الحياة والواقع والاستسلام لتشنجات الأنا ، والهوس المجاني الذى يطلق عليه البعض " قصيدة العامية الجديدة !نحن مع الجديد شريطة أن يقدم رؤية باتجاه الحياة، وشريطة أن ينطوي على رسالة ما تخص الإنسان، ذلك لأن المرضى العصابيين يأتون بسلوك جديد لم يسبقهم إليه أحد ومع ذلك لا نعتبره إبداعاً ؛ لا لشىء إلا لأنه لا يقدم رؤية مفيدة، ولا ينطوى على رسالة .
وفى رأيى أن القضية مصطنعة من أساسها، وتنطوى إما على سوء فهم، أو سوء نية ؛ لأن كل شعر شعبى هو فى الأساس من صناعة شاعر فرد، حفظت الجماعة شعره ، وتداولته مع الزمن حتى نسوا المؤلف، وبقى النص مملوكاً للجماعة تضيف إليه وتطرح ومن ثم يصاب النص بعوامل التعرية الاجتماعية عبر الزمن حتى لأنه يتلون فى كل حقبة بلون جديد، وإن بقيت روحه الأصلية كامنة فيه ، هذا النص يؤدى فى المحافل المجتمعية تحت مسميات عدة ، ضمن إطار فلكلورى يبعده عن مؤلفه الفرد ويربطه بالجماعة وقد درج العامة على تسمية المؤدى شاعراً شعبياً . إذن فمسمى شاعر شعبى مسمى غير حقيقى ، والأصح منه المؤدى الشعبى، رغم أن النص الذى يؤديه يسمى فى هذه الحالة شعراً شعبياً، لأنه اصطبغ عبر مراحل الزمنية، بروح هذا الشعب وذوقه فى عمليات الحذف والإضافة التى تمت عليه، ولأنه مملوك للذاكرة الشعبية وحدها .
والقضية هذه ليست جديدة، بل قديمة قِدم الشعر نفسه، يقول الدكتور "شوقي ضيف" فى هذه القضية "وفى الشعر الجاهلى ظاهرة لعلها فى حاجة إلى تفسير اجتماعى، ونقصد ما يشيع فيه من جهل بالناظمين لبعض قصائده ومقطوعاته أحياناً ، ومن شك فى الناظمين الحقيقيين أحياناً أخرى ، وتفسير ذلك اجتماعياً بسيط فقد كانت المقطوعات والقصائد فى طفولة الأمم تأخذ صبغة اجتماعية، ولا نقصد تمثيلها للمجتمع، وإنما نقصد أن الجماعة كانت تشارك فى نظمها، فلم ينظمها شاعر معين وإنما نظمها شعراء كثيرون تعاونوا فى نظمها، وربما انتسبوا إلى أجيال متلاحقة، وما زالوا يتداولونها حتى تناولها شاعر ماهر، فأعطاها اللمسات النهائية، أو قل أعطاها الشكل الأخير، ومن هنا كانت تنسب لهذا الشاعر أو لذاك ظناً من الرواة أن شاعراً بعينه هو الذى سواها فى صيغتها التامة، وقد لا يُعرف الشاعر، وكأنما تظل لها صيغتها الجماعية العامة ، فهى عمل جماعى من صُنع كثيرين، شأنها فى ذلك شأن الأساطير التى لا تنسب إلى شخص معين فى المجتمع ، وإنما تنسب إلى المجتمع كله الذى ظل يُنقح فيها، ويعدل ويسوى حتى أخذت شكلها النهائي " (3 ) ومن ثم فكل شاعر عامية- فى عصرنا- صاحب نصوص قابلة مع الزمن لأن تتحول إلى شعر شعبى، ولعل هذا هو مطمح كل شاعر عامية أن يتحول نصه إلى ملكية عامة مع التاريخ، وإن كان لا يطمح أن يتجاهل التاريخ اسمه .
أما التفرقة إلى : شعر عامى- زجل- شعرشعبى ، فهى- أيضا- تفرقة تنطوى على خطلٍ وتداخل، فما الزجل إلا لون من الشعر العامى ، وما الشعر الشعبى إلا كما سبق القول- هو شعر عامى لشاعر فردٍ تحول مع الزمن إلى شعر شعبى مجهول المؤلف .
كل ما يهمنا- انطلاقاً من التأسيس السابق- أن شاعر العامية هو الوريث ا
صورة عبدالجواد خفاجى
القسم: 

التعليقات

 
الأخ الأديب صابر فرج

لك التحية والتجلَّة 
 أشكر لك توقفك الكريم عند المقالة ، وتصبرك على قراءتها وتفضلك بالتعليق
 أما ما تفضلت به من وجود خلط بين المصطلحات ، أو عدم تفرقة بينها  فربما أنه فى مقالة أخرى غير هذه ، وعند شخص أخرغيرى ، جميل قولك : "ولااستطيع أن اطلق مصطلح الشاعر الشعبى على الأبنودى أو جاهين أو حداد " وأؤكد لك : ولا أنا أيضًا استطيع ، جميل قولك : "المصطلح العلمى يفرق بين الشاعر الشعبى والشاعر الفرد " وأنا أؤكد لك : " نعم .. إنه مستقر ، والمقالة أخذت بهذ ا ، وعمومًا :"كل ما يهمنا- انطلاقاً من التأسيس السابق- أن شاعر العامية هو الوريث الشرعى للتراث العامى الذى هو بالضرورة التراث الشعبى وإن اختلفت المسميات، فلسنا بصدد التمحك الأكاديمى حول المسميات، فقد يختلف المصطلح ويبقى المدلول واحداً . وعليه فإن هذا الإرث العامى هو قاعدة القواعد التى ينطلق منها الشاعر العامى ، وهو وحده- الشاعر- المناط به استلهام وتوظيف هذا التراث والتناص معه، والانطلاق منه إلى آفاق جديدة على مستوى الرؤية والفن ؛ وثمة فارق كبير بين الانطلاق من والانطلاق على، ذلك لأن الساعين إلى فصل قصيدة العامية عن تراثها إنما يهدفون إلى الانطلاق على هذا التراث إلى أفق جديدة يتجاهل هذا التراث."

أخيرًا : جميل قولك : "ارجع لمن استشهدت بهم ستجدهم  يعرفون ذلك : .. أيها الصديق من استشهدت بهم سواء هم أو غيرهم جزء من ثقافتى وليسواكلها 
ارجع انت إلى المقالة مرة أخرى بكثير تأنٍ ربما رمقتنى بنظرة أخرى 
لك محبتى كلها 
عبدالجواد خفاجى 


عبدالجواد خفاجى
صورة عبدالجواد خفاجى
 
المصطلح العلمى يفرق بين الشاعر الشعبى والشاعر الفرد ، بين ماهو مجهول المؤلف وماهو معروف المؤلف والفروق مابين الزجل وشعر العامية وقصيدة النثر قد استقر ، ولااستطيع أن اطلق مصطلح الشاعر الشعبى على الأبنودى أو جاهين أو حداد ، ، ارجع لمن استشهدت بهم ستجدهم  يعرفون ذلك ، جهدك طيب إلى حد كبير وذائقتك للشعر تجعل لديك القدرة على الكتابة النقدية المحترمة. دمت لنا
صابر فرج
صورة صابر فرج

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات