You are here

الصفحة الرئيسية

آه منها




آه منها
د. رضا صالح



حدث هذا أثناء سفرى ذات يوم من أيام الشتاء؛ فقبيل منتصف المسافة تقريبا بين مدينة السويس والقاهرة ,وقبل أن يصل الأتوبيس إلى الرست القديم الذى لم يعد يعمل حاليا ؛حدث ما لم يكن فى الحسبان ,فبالرغم من كونى لست من هواة النوم فى المركبات بسهولة ؛ إلا أننى وفى هذه اللحظة بالذات أفقت من" تعسيلة" مفاجئة كانت قد زارت جفونى على حين غرة , مما جعلنى أصحو مذعورا على اثر ضجيج مفاجىء قد باغتنا , وفوجئنا بهرج ومرج وقد توقف الأتوبيس وصعد إليه اثنان من رجال الشرطة ؛ ثم أخذا يطالبان الركاب من الذين لهم حقائب أو متعلقات بمخزن العفش الخاص بالأتوبيس بالنزول بلهجة آمرة , مما جعل الجميع يتساءلون عن السبب،والكل يضرب أخماسا فى أسداس والبعض يحوقل ويبسمل ، وهناك سيدة كاد يغمى عليها من الرعب الذى اعتراها فجأة مما جعل باقى الركاب يحاولون مساعدتها ثم شاهدت أحد الركاب وقد أخرج لها ليمونة أخذت تمتصها بعد أن جف ريقها , وكانت تجلس خلفى مباشرة , مما أثار انتباهى جيدا ، واحترت فى تفسير ما يحدث وتعددت الأقوال وتنوعت التفاسير ؛ فقال أحد الركاب :
ياجماعة أهدوا بلاش الدوشة اللى انتم عاملينها عشان الحكومة تعرف تشوف شغلها بسرعة , ونقدر نوصل لاشغالنا .
وقال آخر :
شغل إيه أنت راخر !!شغل إيه !! أنت مش شايف؟ (وأشار بيده الى ثلاثة عساكر يقفون فى وضع الاستعداد موجهين بنادقهم الآلية تجاه مخرج الأتوبيس ). وبدأ الناس يتدفقون نحو الباب الأمامى للأتوبيس وقد لعب الفأر فى عبهم ، وخافوا على متعلقاتهم وأشيائهم الموجودة بمخزن العفش ،وأرادوا الاطمئنان عليها .
وقال ثالث:
يااخوننا حا يكون فيه إيه يعنى ؟
وتدافع الناس وراءه وأردف قائلا :
- حاسبوا يااخواننا على مهلكوا يعنى رايحين الجنة؟
وقالت سيدة طاعنة فى السن ويبدو أنها ضعيفة النظر وكانت تجلس ناحية السائق وفى يدها مسبحة :
إيه يابنى فيه إيه؟ إحنا وصلنا واللا إيه؟
ولم يكن لدى أمتعة فى مخزن العفش لذا ظللت فى مقعدى بجوار الشباك لم أغادره مع نفر كثيرين غيرى ، وكان مسرح الأحداث ظاهرا أمامى ، وقد طلب الضابط من الركاب أن يصطفوا صفين ، وطلب منهم أن يأخذ كل واحد أشياءه ويضعها إلى جواره ، ولما كانت هناك شنطة لم يقترب منها أحد نظر الضابط إليهم زاعقا :
شنطة مين دى؟
وكان ضمن النزول ثلاث فتيات ،تحدثت إحداهن فى الموبايل قائلة :
أيوه يابابا ،أنا عاوزاك دلوقت ..ضرورى ؛ ياريت تيجى بسرعة..أنا فين ؟؟ أنا عارفه أنا فين ؟ أنا شكلى كده حاتأخر عالامتحان ..آه معايا يابابا أهى واقفة جنبى ...مش عارفين حاجة..إحنا فى الصحرا يا بابا ..فى الطريق وفاضل ساعة عالامتحان ..أيوه نزلونا من الأتوبيس ، مين اللى نزلونا ؟ العساكر والظباط،سامعه واحد بيقول فيه شنطة فياجرا مع العفش !!تقدر تيجى يا بابا ؟ الامتحان حايضيع عليا.
وسكت الحوار فجاة ونظرت الفتاة الى الموبايل قائلة :يا خسارة !!الشحن انتهى !!قالت لها زميلتها : فيه ايه؟باباكى قال لك ايه؟
ردت قائلة:
مالحقش يقول حاجة... الخط اتقطع ، ياربى أعمل إيه دلوقت؟
تفحص الضابط وجوههم فردا فردا ,انكمشت الفتيات مبتعدة قليلا قالت إحداهن :
إحنا عندنا امتحانات فى الكلية
نظر الضابط اليها ورد هازئا:
كلية إيه يا أمورة؟
ردت الفتاة بخوف:
كلية الصيدلة . فأردف الضابط :
صيدلة ...وفياجرا ، طيب قولى لى إيه علاقتك بالشنطة دى بالذوق يا أمورة
قالت الفتاة :ما اعرفش حاجة عنها .
أجاب الضابط بثقة :كل شىء معروف
تساءلت الفتاة بقلق :مادام كل شىء معروف خلونا نمشى
رد الضابط :أما نخلص إجراءاتنا الأول.
فى هذه اللحظة ترامى إلى سمعى صوت أحد الركاب داخل الأتوبيس قائلا :
يا مهون ! يا كريم يارب !!
رد عليه آخر بصوت خفيض :
فياجرة إيه ونيلة إيه ؟ هى الناس لاقيه تاكل أما يتكلمواعن الفياجرا ؟
قال رجل أسمر كان جالسا فى ركن الاتوبيس :هم الأجانب اخترعوها عشان إحنا نتعطل وألا إيه ؟ طب واحنا ذنبنا إيه ؟
دخل فى الحوار كهل يرتدى الجبة والقفطان كأنه من أعيان زمان :
الفياجرا دى آه منها !!على قد ما تحل مشاكل برضه بتخلق مشاكل !! أنا عارف الدوله ماسابتش الناس تاكل فيها عيش ليه؟ هى يعنى كانت مخدرات خايفين منها على الناس , أمال بتوع البانجو والهيروين والكوكايين يبقوا إيه ؟ رد الرجل الأسمر عليه قائلا :
ما هى الدولة خايفة علينا وعلى جيوبنا, كمان أنا سامع إنها غالية قوى ..يعنى اللى يقدر يشتريها ينبسط وجاره يبات زعلان .
رد أحدهم من بعيد مقهقها : يعنى انت خلصت باين عليك !!
رد الأسمر محتدا :
لأ بأه ..أنت ما عندكش فكرة .
وجهت أذنى لا إراديا خارج الأتوبيس لكى أسمع الضابط يقول محذرا :
اسمعوا يا إخواننا ..الموضوع مش هزار ، فيه عملية تهريب حصلت وانتم عارفين يعنى إيه تهريب !!أظن كلنا عارفين , ولعلمكم ؛ الولد العامل بتاع العفش أخد طريحة محترمه وقبضنا عليه ومرمى فى الحجز لغاية مانعرف الحقيقة ... قسما بالله العظيم ،أنا مستعد أعطل الأتوبيس لغاية بكره الصبح عشان نعرف الحقيقة فين!!
---***---
ارتفع صراخ طفل كانت أمه تحمله داخل الأتوبيس وتهزه بعنف ودأب؛ من أجل أن تهدأ بلابله ،ولكنه كان مصرا على أن يكمل هذا المشهد الدرامى الذى كنا نعايشه جميعا , فالكل فى الهوا سوا، قالت الأم :
مش عاوز يسكت؛ والرضعة بتاعته انتهت .
ثم قالت بتنهد ويأس شديد:
أعمل إيه يا ربى ؟
أرادت سيدة عجوز أن تستعمل دورة المياه ، ولما كان الأتوبيس خاليا من هذه الخدمة ،فقد سحبتها شابة من يدها لتقضى حاجتها فى الصحراء ،همت السيدة لكى تخرج من الأتوبيس ،أثناء نزولها نهرها الضابط لتعود أدراجها إلى مقعدها ،فعادت منكسرة الخاطر كاظمة غيظها إلى مكانها ، ولكن الكهل هم قائما من مكانه قائلا للضابط :
سيادتك رايحة تفك عن نفسها ، بعد إذن سيادتك ...
رد عليه الضابط قائلا:
خليها تنزل وترجع بسرعة .
وقال الكهل معلقا :
معلهش يا حاجة ، الواحد لازم يحترم نفسه مع الحكومة .
---***---
فى الخارج حضر ضابط برتبة أكبر واخذ يتفحص الموجودين ويتهامس مع الضباط القائمين بالعملية ،حتى قرروا أخيرا بعد مشقة بالغة وإرهاق شديد إطلاق سراح الأتوبيس ، فصعد السائق واستنشق الركاب أنفاسهم ، ومنهم من أخذ يحوقل ويبسمل ويحمد الله ؛وعادت الابتسامات إلى وجوههم ،والدماء تضخ فى عروقهم بعد أن كانوا مثل الفأر فى المصيدة .


د.رضا صالح -السويس
يناير 2005
نشرت بجريدة أخبار الأدب

نشرت بجريدة القاهرة
صورة د.رضا صالح
القسم: 

التعليقات

 
لن أتكلم عن فنية السرد  ولا عن التقنية القصصية ، أعجبنى الحوار الجميل الذى يتسم بعامية راقية ومعاشه، ولكن أعيب عليك تلك الجمل والعبارات المسكوكه [ أكلشيه] مثل  على حين غرة/ أصحو مذعورا/ بهرج ومرج/ يحوقل ويبسمل،  ولكن لايسعنا الا تهنئة الموقع بالمواهب الجادة  
صابر فرج
صورة صابر فرج
 
العزيز صابر فرج اعتذر لك لتاخرى فى الرد ، ولكن أسعدنى اهتمامك وكما أسعدنى تعليقك،وكمال الحال ياعزيزى ضرب من المحال"أكلشيه".. ألا توافقنى ؟
د.رضا صالح
صورة د.رضا صالح

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات