You are here

الصفحة الرئيسية

أبواب ...




أبواب ...
محمد عطية محمود

[ 1 ]

ضغط علي أطراف قدميه .. شد جسمه الضئيل لأعلي .. ترك مقود العربة الحديدية ـ المحملة عليها بالة كرتون قديم ـ للحظة ، انحشرت فيها أصابعه في تجويف ما بين أسنانه ولسانه .. انطلقت صفارته صوب زميله ، المترامي لبصره ، عند نهاية الشارع المكتظ .

واهنا خرج الصفير . زاعقا أتاه صوت آلة تنبيه سيارة من خلفه .

هبط كعباه إلي الأرض . دفع عربته إلي الأمام ، منحنيا بها ؛ لتحاذي الرصيف .

عاودت قدماه الارتفاع بمشطيهما ، وعيناه علي مدي رؤيتهما …

توقف باعثا بصفيره الآخذ في القوة ، والمتقطع .

اندلع صـوت من داخل أحد المحلات زاجرا إياه . أوقف صفيره . أشاح بيده . عاود دفع العربة وسط الطريق .

حينما لمح زميله يتباعد ، توقف .. ارتقي بأطرافه مرة أخري .. بعث بصفيره ، متتابعا .. زاعقا بأقصى ما لديه .

من علي الرصيف ، ومن داخل المحلات ، ومن خلف مقاود السيارات .. تدافعت عليه الأصوات .. تدفق السباب .. لكن صفيره ظل يتصاعد بلا كلل حتى التفت زميله ، وتواصل صفيرهما معا …

[ 2 ]

يمر كل يوم .. في الشارع ، والشوارع المجاورة …

في موجات دفعة لفرنه المتنقل ـ المحمول فوق العربة ـ تطرد مدخنته دخانها الخابي ؛ فيعمل علي إذكاء النار …

يتصاعد الدخان .. يملأ عنق المدخنة .. يخرج .. يلف الأهرامات الثلاثة ، الملتصقة بظهر الفرن الأسطواني كثلاث رايات مشرعة . يغطي الكفين (الخمسة وخميسة) المتصدرين لمقدمة الفرن .. ينتشر في الجو ممتزجا برائحة الكيروسين المحترق .. يزكم الأنوف .. يخنق الصدور .. يتسلل زخمه عبر النوافذ والشرفات إلي الداخل .

في مقابلة الريح .. يتحول الدخان ناحيته .. يتفرق حول لفظ الجلالة المثبت أعلي الباب الصغير للفرن . يلفح وجهه ؛ فيغمض عينيه .. تتابع دفقاته سباقها نحو رنتيه .

يسعل .. يحشرج بصوت مبحوح .. يتنحنح .. ثم يعلو صوته مناديا علي (بضاعته) المشوية .

[ 3 ]

تعالي صياحه ، مناديا .. مبددا صمت الزقاق …

تحت ذات البيت ، توقف بسلته .. أسدلها علي الرصيف المكتنز . انتظر صوتها اللاذع ، الممطوط .. يأتيه من الداخل :
" انتظر .. قليلا "

ترقب طلتها ، اندفاع صدرها الممتلئ نحو جدار الشرفة ، يلازمها قطها السمين . يتربع علي حافة الجدار .. تتخلل أصابعها فروته الوثيرة ، ومن يدها الأخرى تهبط سلتها (الخوص) .

هيأ نفسه لمماطلتها .. جهّز كميتها المعتادة من السمك .. احتجز منها قليلا .. رتب كلماته المعهودة .

سيفرغ في سلتها ما جهز . لن تقنع به . سيتعلل بغلو الأسعار .. سيظل يصعد برأسه .. ينزل بها ، مرارا ؛ حتى تتمكن عيناه من غزو ما بين نهديها ، ولو للحظة …

سيعطيها ما تطلب ، ويزيد . ستمنحه فوق الثمن بعض الضحكات .

طال انتظاره ؛ فارتفع بعينيه .. وجد ذات القط وحيدا .. ضامرا .. ينبطح علي ذات الجدار .. يتشمم ـ في لوعة ـ رائحة السمك الفائحة من السلة .

[ 4 ]

تراجعت يمناه ـ المختبئة في جيب جلبابه ـ أومأ محركا رأسه في اتجاه الشاعر الواسع …

لم يفلح (صبيه) في تحديد المكان .

انتصب واقفا ، مكورا قبضته المختبئة . تصدّر بطوله الفارع باب محله . جذب ، بيسراه ، الصبي من ياقة قميصه ، مادا رقبته بانحناءة نحو صدره .. مشيرا ـ برأسه وعينيه ـ في نفس الاتجاه .

حملق الصبي في اللاشئ مغمغما …

ازدادت الأصابع التصاقا بالكف . انكمشت ذراعه اليمني إلي جنبه . قبضت يسراه علي ياقة القميص بشدة . سحبه معه إلي خارج المحل متجها ببعض خطوات …

مع اندفاع جسم الصبي ـ في قبضته ـ ومقاومته المضغوطة ، اهتز جسمه .. تراخت الذراع اليمني.

بلا وعي .. انسلت يمناه من جيبه .. انفلتت أصابعها الواحد تلو الآخر ـ من أسر قبضتها ـ تنقصها (سبابة) .. انضغطت رأسه أكثر إلي صدره .. امتدت ذراعه ـ مرتعشة ـ لتلاصق رأسه ، وتشغل يده ـ مفرودة ما بها من أصابع ـ الحيز أمام عيني الصبي مصوبة نحو المكان .

[ 5 ]

علي ناصية شارع السوق .. لفظته الحافلة .. تخلل أنفه نسيم البحر .. راحت عصاه تتحسس خطاها في لهفة .. تطوحت رأسه فوق رقبته يمينا وشمالا ، كأنما تصغي أذناه إلي صوت ما .

إلي كتف أول مار استند .. طلب منه اصطحابه إلي أحد الأزقة المتقاطعة مع الشارع …

رفع عصاه عن الأرض .. ضمّها تحت إبطه .. شد رأسه ورقبته ؛ فاستقامتا مرتفعتين إلي الأمام .. التحم ودليله بزحام السوق .

حين اجتازا أول تقاطع .. فاجأته رائحة الفسيخ المملح .. ابتلع ريقه الجاف ، ومضي متمتما :
- يا مسهل …

عند التقاطع الثاني .. انفجر صوت بائع الطماطم الأجش ، مخترقا صخب الشارع المعتاد .

تحسس عصاه .. همس ضاحكا :
- لن تنجو من جنونك حتى تتخلى عن بيع هذه المجنونة .

من ناصية التقاطع الثالث .. هجمت عليه روائح الفاكهة مجتمعة . رفع ساعديه إلي رأسه . قلوظ عمامته . ربّت علي كتف دليله . دعا له . علا صوته متهللا :
- ها .. قد وصلنا .

ومضي .. تتحسس عصاه خطاها في ثبات إلي داخل الزقاق .

[ 6 ]

في صمت يحوي ضجر الحر الخانق ، يطرحون سجاجيدهم (المبرومة) من علي أكتافهم ، الملبدة بالعرق .

تلتحم السجاجيد بتراب الشارع .. يتوالي فردها .. الأكبر ، فالأصغر ، فالمشايات والدواسات علي الأجناب .. تتراص أطقم الفرش المغلفة عليها .. ينتشرون حولها .

يحوم كبيرهم حول المنظومة متفحصا ، متمما .. يرتكن بيمناه إلي جانب الحائط . تستقر يسراه إلي جانب خصره . تتابع عيناه المتطلعتان أجواء الشارع .

يبدءون في نداء جماعي .. يرن .. تتساقط من كلماته الحروف متسارعة .. تلحق منها الآذان ما تبقي منغما.

من الشبابيك الواطئة تتطلع رؤوس حاسرة ، ومستترة . من الشرفات ـ المطلة منها أرتال الغسيل المنشور ، والمفروشات المتهيئة لهواء يتجدد ـ تتدافع الأبدان (الرخوة) .. ترتكن إلي جدارات تتدلى منها أغطية الأرض المتهالكة منها ، والمتماسكة .

تتفحص أعين . تمتد سبابات . تتداخل رنات الأصوات المتباينة .

علي هوامش الأسئلة .. تثار أحاديث جانبية .. مجادلات …

من بين صمت متفرج ، وانسحاب بعد اطلاع .. تطفو مفاوضات مجهدة للشراء .
………

………

يبدءون في (برم) ما تبقي من سجاجيدهم .. تلتحم بأكتافهم . يتأبطون الأطقم .. المشايات والدواسات .. يطبقون عليها . يعاودون الانتقال في صمت .

[ 7 ]

وسط كتل الأبدان المنحشرة بالحافلة …

تزج به الكرة الزجاجية الشفافة ، الساكنة لما بين صدغه ورقبته من جهة ، وذراعه المحوطة عليها من جهة. تتمايل مع تمايل ذراعه .. تسكنها لفافات الحلوى ـ بيضاء وعسلية اللون ـ متلاصقة ، تعلو حتى الفتحة الدائرية المشطوفة للكرة .. تبرز منها متراصة .

يلتقط أنفاسه . ينطلق صوته الرخيم :
" عسل أبيض .. وحليييب "

بطوله الفارع ، ومن خلف نظارته الطبية الممسوحة بعناية .. يتخطي بعينيه الصفوف المتراصة علي الجانبين ، ورؤوس المتزاحمين بالوسط المتماوج .. المتأرجح مع تأرجح الحافلة .

محاذرا أن تنزلق منه الكرة ، وبجانبه الرشيق .. تنفلت قدماه بخفة . يبلغ قرص منتصف الحافلة المفصلي . تواصل عقيرته ناعمة ممطوطة .
" جوز الهند .. وزبيييب "

يطيب النغم المنفلت من زحام متبلد . تنفلت البسمات من وجوه ضجرة متأففة .

تتململ يده علي الكرة .. ثم تثبت . ينطلق ، قيد خطواته ، في زحام نصف الحافلة الأمامي . يرفع يده الطليقة ، يمسح بها العرق عن جبهته .. يخفضها .. يخرج بها ، من حواشي سترته وجيوبه المنتفخة ، لفافة صغيرة وأخري كبيرة .

يتناقلهما بين أصابع يده بخفة . يرفعها . يكمل :
" صغير وكبير .. عاللسان بيدوب "

ترمقه الأعين ملبية . تظل يده الطليقة تدخل في حواشي سترته وجيوبه المنتفخة ، وتخرج ، بينما الأخرى قابضة علي الكرة .

قبل أن ترسو الحافلة بمحطتها التالية ، يتخطي الأبدان عائدا .. يكرر مقاطع ندائه .. يؤمّن علي كرته .. ثم يتحسس أسفل ظهره ، المتسرب إليه بعض الألم .

يهبط . تهبط كرته من علي كتفه آمنة . يعاود التقاط أنفاسه ، تجفيف عرقه . يتأهب للالتحام بكتل أخري ، بحافلة أخري قادمة .

محمد عطية محمود

الإسكندرية
صورة محمد عطية محمود
القسم: 

التعليقات

 
سلمت يداك ... على هذه القصة الجميلة
فى انتظار المزيد من ابداعك
دعاء
dodo_nomercy
صورة dodo_nomercy
 
الصديقة العزيزة / دعاء
أشكرك على اطرائك الجميل على قصتى
و كنت أعتذر لتأخرى فى الرد
لتأخر علمى بنشر القصة فى الموقع
لك مودتى ، و تمنياتى بالتواصل مع شخصك الجميل
محمد عطية محمود
الاسكندرية
مصر
محمد عطية محمود
صورة محمد عطية محمود
 
الصديقة العزيزة / دعاء
أشكرك على اطرائك الجميل على قصتى
و كنت أعتذر لتأخرى فى الرد
لتأخر علمى بنشر القصة فى الموقع
لك مودتى ، و تمنياتى بالتواصل مع شخصك الجميل
محمد عطية محمود
الاسكندرية
مصر
محمد عطية محمود
صورة محمد عطية محمود

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات