You are here

الصفحة الرئيسية

أبيض و أسود




أبيض و أسود
فريد عبد العزيز


يومها كان الجو حارا شديد الحرارة أثناء ذهابك إلى العمل فطلبت من زملائك إغلاق النوافذ وطلبت من سائق الميكروباص تشغيل التكييف ..... كنت جالسا على الكنبة الأخيرة تستمع إلى أحاديث زملائك المنفصلة تماما عن الواقع المرير والتي تعودت على تكرار سماعها وعدم التعليق عليها .. الكنبة الأولى جلس عليها مينا ومحسن وكان الحوار دائرا عن أيهما أجمل مؤخرة روبى أم مؤخرة هيفاء وهبي ....

تخرج من أفكارك وهواجسك على صوت المهندس رأفت وهو يسأل السائق :

لماذا كل هذه الوقفة يا اسطي حازم ؟؟ خير إن شاء الله ؟

يأتى صوت السائق مطمئنا : كل خير يا باش مهندز ...... دا الباشا معدي .... شكله راجع من الشغل بدري وعلشان كدا موقفين الطريق .

الباشا ... ما أكثر الباشاوات في بلدكم .... وما أكثر المرات التي تتوقف فيها سيارة العمل بالساعات حتى يمر باشا ما ويصل إلى منزله بسلامة الله وتذهبون انتم إلى أعمالكم متأخرين – بسلامة الله – أيضا ولكن القانون لا يعرف الباشاوات كما يقول لكم الأستاذ أبو العلا مدير الشئون الإدارية ولا بد من احتساب ساعات التأخير و تخصيمها من رواتبكم الشهرية .... وإذا كنتم تحبون العمل فاحضروا قبل مرور الباشا وإغلاق الطريق.

تقف بجواركم سيارة مدرسة خاصة تحمل طلبة وطالبات في مراحل ابتدائية مختلفة
يحملق الأستاذ عماد في وجوههم فاغرا فاه وهو يقول لك :
بسم الله ما شاء ..... شايف يا أستاذ وحيد الولاد بتوع المدارس الخاصة حلوين أوى ازاى .... ولاد ناس بصحيح

تحاول أن تقنع نفسك للحظات بكلامه فتقع عيناك على أحدهم أشعث الشعر اسود الوجه وكأنه غراب فتقول :

شكلهم عادى جدا .... ربنا يخلي لك ولادك يا أستاذ عماد

ينفعل وهو يقول : انت ح تجيب ولادى اللى بيكتبوا من اليمين للشمال بالعافية زى اللى بيكتبوا من الشمال لليمين زى الاكس

تنهى الحوار معه بالدعاء له أن يكون هو وأولاده من أصحاب الشمال وتحاول الهرب من ثرثرته بالبحث في صفحات الجريدة عن صفحة الإذاعة والتليفزيون.... وتمنى نفسك أن تجد فيلما لإسماعيل ياسين يتناسب مع ميعاد رجوعك إلى المنزل وجلوسك مع زوجتك لتناول العشاء.

لازلت تعشق أفلام إسماعيل ياسين بكل سذاجتها الساحرة ولم تستطع الأيام أن تنسيك حبك للأبيض والأسود بصفة عامة وأفلام إسماعيل ياسين بصفة خاصة

يقع بصرك على خبر مدعم بالصور يعلن انتهاء الحرب الفنية بين هيفاء وهبي وأخرى نصف مشهورة على أغنية عنوانها ( الواوا ) ... تجهد بصرك للتأكد من صحة ما قرأت .... هل هي الواوا أم اسم أخر ؟؟؟ ..... تمر أعينك على الأسطر الكثيرة التي تملأ فراغات الجريدة حتى تعرف في نهاية الريبورتاج أنهما قسما البلد نصفان فالأولى سوف تغير اسمها إلى ( بوس الواوا ) والثانية سوف تسميها ( واوا أح ) ويا دار ما دخلك شر.... صور الموضوع مستفزة وخادشة بشكل كبير وتحمل بين طياتها الكثير من المعاني والدلالات ....

وصلت بك السيارة إلى مقر عملك .... تقوم بوضع إصبعك السبابة على الدائرة الالكترونية الموضوعة على بوابة الأمن فتقوم تلقائيا بتسجيل حضورك وفى الممر المؤدى إلى مكتبك تقول في سرك .... اللهم أنى أسألك خير هذا اليوم وخير ما فيه وأعوذ بك من شر هذا اليوم وشر ما فيه ... اللهم أنى أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم .

نعم ... لك الحق أن تعوذ بالله من شرورهم وتجعله في نحورهم .... هم زملائك في نفس المكتب الكبير ولكنهم كونوا فرقة موسيقية بشكل جديد

فهذا يطبل وهذا يرقص وهذا يلقى بالمواويل والسير الشعبية للموظفين على أذن المدير ... أما ( حسونة ) فقد اختار لنفسه دور مهرج المدير .. وأحيانا يلقى على مسامعكم مواقفه الظريفة التي لا تعد ولا تحصى وتنتاب زملائك هستريا ضحك على مواقف المدير ذو الوجه الأمشيرى وخفة ظله والتي هي من نسج خيال الأستاذ حسونة وإبداعاته الخاصة

لك الله ... أنت لا تحب الغناء ولا تجيد الرقص ولا حتى العزف على أنية ولا تروق لك النكات ولا تستطيع تأليف سيرة شعبية لمديرك فكيف لا تعوذ بالله من شرورهم .... حنى مديرك المباشر يكرهك.... يصلك الكلام من طبال الفرقة انه قال في غيبتك انك مغرور وثقيل الظل وهو لا يريدك في إدارته

يحاول الطبال جاهدا أن يأخذ ما تيسر من زلات لسانك لتوصيلها بسرعة البرق لمديرك ولكن يخرس الله لسانك في اللحظة ذاتها وتفضل سبه ولعنه في سرك .

شغل أربعة زملاء تقوم أنت وحدك بعمله دون أن تشكوا من أحد أو لأحد .... وعندما تشعر باليأس ويهزمك الإحباط تقول بصوت عال ( ذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون (

أثناء انهماكك في العمل تتذكر كآبة زوجتك في المنزل وتحولها إلى نمرة شرسة بعد سماعها خبرا من خيرة الأطباء مفاده أن فرصة الإنجاب لديها ضعيفة ... تتذكر كآبة المنزل وهو صامت الجدران بارد الأثاث بدون أولاد .... تتذكر المصعد العطلان ..... والإيجار المتأخر عليك .... تتذكر مرضك بالسكر وارتفاع ضغط الدم في الآونة الأخيرة........ تتذكر أشياء وأشياء كلها سوداء حتى تشير ساعة العمل إلى انتهاء اليوم
مع انتهاء ساعات العمل ومع انطلاقة السيارة تبدأ رحلة عذاب جديدة .... ومخاوف جديدة .
صورة فريد عبدالعزيز
القسم: 

التعليقات

 
ا.فريد
أعجبتني انسانية الفكرة وقربها
ولكن من الامانة ان اقول ان التقنية جاءت عادية جدا ومباشرة اكثر من اللازم وان كان ذلك لم يمنعني من الاستمتاع بالنص
دمت مبدعا
سلمي عمارة
صورة سلمي عمارة
 
يمكن بين الأبيض والأسود تناقض فيه انسجام
لأننا لم ولن نستاء من رؤية الأبيض مع الأسود
لكن النتاقضات التي نعيشها اليوم
لا يمكن ان نستسيغها
ولو قبلناها كما هي ولم نحاول تغييرها
لكننا في الحقيقة لا نقبلها
وهذا ما يولد لدينا الإحباط

مغرق في الواقعية
ربنا يسامحك فريد

داليا فاروق
صورة داليا فاروق
 
فريد
كان جميلا أن ألمس الأبيض ولا أبيض!!!
كان رائعا أن أشعر بالأسود ولا أسود!!!

أعدتني للجنوبي

"بين لونين : أستقبل الأصدقاء
الذين يرون سريرى قبراً
وحياتى .. دهراً
وأرى فى العيون العميقة
لون الحقيقة
!لون تراب الوطن"

شكرا لك
أحمد يحيى
صورة أحمد يحيى
 
وسط تغير المفاهيم و ذوبان القيم ، نجد صوت هيفاء وروبي  ، ونسمع تصفيق الباشوات لهن

الشاعر الرائع فريد

فريد وانيق بحرفك
محمد سامي البوهي
صورة محمد سامي البوهي
 
العزيز فريد
اجمل ما في عملك اختيارك لعنوان النص بدقة
باعتباره احد المسكوكات
هاته هي الحياة
من الافضل ان نتفاءل قيها
حسب النص
بدل التشاؤم القاتل المفضي الى الاكتئاب

لك كل التالق
محمد البلبال
صورة محمد البلبال
 
الاديبة /سلمى عمارة

الحمد لله ان الفكرة اعجبتك وسعيد لاستمتاعك بالنص

شكرا لمرورك الرقيق وهذه القرأة المتأنية
دمت بكل خير
فريد عبدالعزيز
صورة فريد عبدالعزيز
 
الاديبة / داليا فاروق
ربما تناقضات اليوم هى الاسود
وتعايشنا معها هو الابيض
ومن التناقض بينهما يأتى الانسجام
ولا مانع من استمرار النزف
بحروف سوداء 
على خلفية بيضاء
ا/داليا
شكرا لحضورك البهى







فريد عبدالعزيز
صورة فريد عبدالعزيز
 
المبدع الجميل
د / احمد يحيى
الحقيقة انه لم يبقى لنا من الالوان غير هذا اللون
لون تراب الوطن

د / احمد
مرورك رقيق مثل روحك وعميق مثل فكرك
فلا تحرمنى من تكراره مرات ومرات
دمت بكل محبة وخير
فريد عبدالعزيز
صورة فريد عبدالعزيز
 
الاديب القاص /محمد سامى البوهى
استاذى
الرائع وبحق هو تواجدك الجميل واطرائك العذب
لا حرمنى الله منك
محبتى وتراتيل ورد

فريد عبدالعزيز
صورة فريد عبدالعزيز
 
العزيز / محمد البلبال
جميل ان يكون اختيار العنوان هو اجمل ما فى نصى
والاجمل مرورك الرائع
لك كل الشكر وعاطر التحايا
فريد عبدالعزيز
صورة فريد عبدالعزيز
 
لفت نظري في النص المحافظة على الإيقاع الداخلي وذلك أمر يحسب للكاتب بلا شك. من العادية حاول الكاتب أن يقتنص مكابدات يوم ماوقد وفق في ذلك إلى درجة كبيرة.
ما أدخلني للنص ـ وهذا ليس سرا ـ العنوان ذاته إذ انني اميل لأفلام الأبيض والأسود بحكم المزاج والسن وأشياء أخرى عديدة.
جميل يا فريد

سمير الفيل
صورة سمير الفيل
 
انت الاجمل يا استاذ سمير

ومرورك اسعدنى

محبتى اليك
فريد عبدالعزيز
صورة فريد عبدالعزيز

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات