You are here

الصفحة الرئيسية

أسماك ملونة




أسماك ملونة
محمد عبده العباسي


جلدت الشمـــــس شوارع المدينة ، راحت تفح فحيح أفعى ، سكن الناس بيوتهم مرافئ يتقون بها من صولة الجحيم ، يتلهفون علي نسمة عابرة تخفف هذا السعير.
كان جدي عائـداً من الميناء بعد إقلاع مركبه إلي عرض البحر ..
أنتظر رجوعه بفارغ الصبر، حتماً سيأتي لي بمزيد من الحلوى التي أحبها ..
أرقبه من خصـاص النافذة ، يمشي علي مهل ، أكاد أشير له أو أناديه لكن سدي ، أمـراض الشيخوخة تحول دون أن يراني أو يسمع ..
منذ وعيت علي الدنيا وهو يعيش معنـــــا بعد رحيل جدتي قبيل ميــلادي ، يعيش كالنسمة ، لا مطالب له ، يذهب في الصباح إلي الميناء ويعود بعد العصر ماشياً علي قدميه :
ــ المسافة بعيدة يا جدي ..
ــ لكنني تعودت عليها ..
ــ وأنت شيخ مسن ..
قهقه وفرد ساعده الذي ضمر قليلاً :
ــ أنا أقوي من أبيك ، وضرب علي صدره بقبضتـــــه فكاد أن يسعل ..
لم أره البتة يخرج من معطفه الرمادي الذي تغيـــــر لـــونه إلا ساعة النوم ، ولا يستغني عن عصا يتكئ عليها ، ولم تتبدل ،في خنصره الخاتم الفضي ذا اللون الفيروزي ..
ــ خاتم زواجك ؟ .. سألته .
ــ لا .. لكنه هدية من جدتك ..
رجوته أن يتوسط بيني وبين أمي :
ــ دعها تسمح لي باللعب عند باب البيت ..
ــ سأفعل ..
حين يأزف وقت صـــــــلاة العصر، وتختبئ الشمس قرب الأصيل ، لبت صديقاتي دعوتي للعب ، اقترحت إحداهن أن نرسم علي الأرض لوحــــــــــات مثل التي ترسمها مدرسة الرسم ..
قطع من الطباشير بين الأنامـــــــل الصغيرة تسابقت تطبع علي الأسفلت رســوماً جميلة ،حوض من أسماك ملونة رحت أرسمها ، صــــــــــديقاتي اندهشن ، خلتُ الأسماك تسبح في الماء ، تأكل من العشب المتناثر ..
غصت في أعماق الماء ، حلمت بأنني سمكة ، أسبح في نعومة ، أدور في رقة ، أرقص في براعة ، أجوب البحار والمحيطات ..
ــ آه ...
صرخت ، إذ بي أري جدي يدوس بقدميـــــــــه علي الرسم دون أن يقصـــد ، كان عائداً مـن صلاته ، نسي
نظارته الطبية ..
ــ ماذا حدث ؟
بكيت وأنا بين أحضــــانه ، عرف الأمر ، كرر من اعتذاره ، وعدني :
ــ في الغد ، سأعود إليك ومعي الأسماك الكثيرة ..
أشرت بيدي :
ــ الكبيرة يا جدي ، الكبيرة ..
*****
في اليــــوم التالي عدت للرسم ، ملأت أرض الشارع بسمك كبير رسمته ، رحـــــت أعده ، ماء البحر ازداد عمقاً وزرقة ، الأسماك تكثر وتكثر، ثمة فرحة طاغية انتابتني وأنا أري لون الماء يتألق في لون زرقــة خاتم جدي ..
ــ آه ، لابد أنه آت ، بعد قليل ..
فجأة زاد صخب البــحر ، علا صوت هديره ، تبللت ملابسي ، فرت صديقاتي مثل صيصان مذعورة..
كانت ثمة سيارة عابـــــرة يقودها سائق أرعن ، أمي كادت تتدلى من شرفتها ، صرخت ونادت عليّ ..
السيارة ولت هاربة ، انســـاب ماء الحديقة المجاورة التي داهمتها السيارة ، امتلأ الشــــارع بالماء ، راحت الأسماك التي نجت تبحث عن مـــلاذ ، تصرخ ، بينما التي ماتت تضرجت أرض الشارع بدمائها ..

ساعتها فقط ، جــــاء الخبر بأن جدي مات بعد أن صدمته سيارة بالرغم من أنه لم ينس نظارته الطبية ، وكان يحمل سمكاً كثيراً ..

صورة محمد عبده العباسي
القسم: 

التعليقات

 
أخي محمد عبده العباسي
قصة ذات أبواب متعددة, كل باب يفضي الى بنية ومستوى للقراءة مما يجعلنا إزاء نص غني بتعدد الدلالات.. لكن الأبواب جميعا تفضي في النهاية إلى أثر جميل يخلفه عبق النص.
هل هو عبق انفلات الأسماك الملونة من أكواريوم افتراضي بإحدى الردهات, إلى رحابة الشارع حيث يسفح دمها من قبل سائق أهوج..
او ربما عبق العصابة الجميلة من الأطفال اللاهين الحالمين والمنتجين للعوالم والحدائق الجيراسيكية المغطاة بلون البحر والأسماك البهيجة..
أو لعله عبق الجد الذي ظل يجابه غيلان الأرض والبحر والشمس اللافحة حتى هوى كالنخلة الذبيحة..
أو هو بكل بساطة, عبق كاتب يعرف جيدا زهيرات أرض القص وميقات القط؟’
لك تحيتي..
حسن البقالي
صورة حسن البقالي
 
عفوا, آخر كلمة من التعليق هي "القطف"..لولا ان القاف قطفت نتيجة حركة غير محسوبة..
حسن البقالي
صورة حسن البقالي
 
جزيل الشكر لك صديقي حسن البقالي
فأنت من الذين أشعر عند القراءة لهم بالفرحة تغمرني ، وبالسعادة فتجعلني أمسك بالقلم في سرور لآنك من المسكونين بسر كتابة القصة القصيرة التي أري فيها متنفساً لكتابها الذين يبذلون الطاقة والجهد لجلب السعادة لكل من تاقت نفسه لفن رفيع ..

لك تحيات
محمد عبده العباسي
محمد عبده العباسي
صورة محمد عبده العباسي

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات