You are here

الصفحة الرئيسية

أشلاء السيد كريط




أشلاء السيد كريط
أو
لوحات على هوامش الجوكاندا

عبد الله توتي


"إن جميع ما يفعله البشر ليس إلا علاجًا لغلطة وجودهم."
عبدالله القصيمي

Bruscamente el vacío, inmenso, brutal, indescifrable. ¿ Cómo condensar tanto dolor en una ínfima gota de mercurio perdida en el ajetreo del mundo, en el zumbido y la furia de nuestras sociedades de irresponsabilidad ilimitada que nos empujan ciegamente al desastre?
Juan Goytisolo

عبدالله القصيمي

« Le plus lourd fardeau, c est d’exister sans vivre »
Victor Hugo

... بدا مستلقيا على قارعة الطريق كجثة هامدة، لا حراك و لا زفير.. لا دمدمة ولا نفير.. بدا في استلقائه كالنائم في الأثير... لا وزن لجسمه رغم انتفاخ بطنه، غير أن شاهده يصحبه سكير.. شعره كث وفير .. و في لحيته تتدلى بيوض القمل تماما كالمصابيح على شجر نويل... حذاءه ممزق، موسخ، تنسل من خلاله رائحة تبعث على الغثيان، وأسماله مرقعة تكاد لا تفي بالغرض.. وجهه شاحب مكرمش، حفر عليه الزمان أخاديدا عميقة، ملأتها الرواسب.. ويداه مرخيتان على بطنه كمن لفظ أنفاسه الأخيرة... البشر يمر.. لكن للزمن صيحة مدوية... هكذا يكون القدر قد قطع شوطا في مسار حياة آدمية... الآن لك أن تنام، هنا على قارعة الطريق.. أين مخطوطاتك التي كتبتها.. و قصائدك التي نظمتها.. أين أقوال الفلاسفة التي حفظتها... أين أنت من كل هذا الزخم المعرفي... الآن فقط تعرّفت ذلك الوجه الأخوي، ذلك الوجه الذي يطل عليك كل صباح من خلال مرآة غرفتك الفندقية، تلك المرآة التي كذبت عليك، وعكست تلك الصورة التي ادعيت أنها صورتك الشخصية.. الآن هنا على قارعة الطريق حيث لا وجود للمرآة ستعلم انك آنئذ ترى وجهك من خلال صورة ذهنية، و ما تلك المرآة إلا أداة زجاجية.. هنا ستعلم ما لم تستطع الأقلام أن تكتبه في جمل فعلية، وسيتسنى لك أن تعلم كيف أن الشخص أداة حربية.. هنا ستتعلم كل شيء، و يبقى ألاشيء لتأخذه معك كشهادة دنيوية..
هنا، كل شيء يمر، تماما كما يمر الطريق الآن من تحت جسمك.. تماما كما أنت هنا، تعيش قصتك..تمثلها حسب ما كتبت.. آه لو لم تكتب هذه النهاية.. آه لو ترث في وجه الدراما، و ابتعدت عن أحلامك الشكسبيرية.. آه لو عشت حياتك، وكتبت ماساتك اليومية.. آه لو كذّبت أيامك، و بحثت عن حياة سرمدية.. آه، لو كانت هذه الحياة فعلا بشرية.. آه، لو توقف الزمان، لنصحح أخطاء ماضوية.. آه، لو انقرضت الشياطين، لعشنا حياتنا الأخروية.. لكنك الآن ملق على قارعة الطريق.
البشر يمر قريبا جدا منك.. وأنت لا تتحرك.. إنائك طار بالقرب منك.. و أنت لا تهتم.. البقشيش ذهب، و ذهب معه الغداء.. البقشيش طار، وطار معه حلم من أحلامك.. يا لك من مسكين.. أنا لن أبكيك ما دمت نائما، لن اعطف عليك ما دمت مستلقيا، لن أقربك ما دمت ميتا، لن أصاحبك ما دمت بائسا.. لا، ليست هذه هي النهاية.
انهض قبل أن يبدأ الجنريك. تحرك قبل أن تصعد الكتابة مقلوبة.. المخرج استغنى عن المونتاج، و الجنريك قد انتهى الطاقم من كتابته.. تحرك قبل انتهاء الفيلم، فأنت تعلم جيدا أن الجمهور دائما يصفق. تحرك.. دع موتك وأعلن حياتك.. كسر الشاشة وغير القصة.. مثل كيفما اتفقت.. أعلن فلمك واصنع حياتك.. لا، لا ليس هكذا.. لا تفكر في الأوسكار .. فكر فقط في اللقطة.. لا تدعها تمر، حياتك هي هكذا لقطات من ذلك السيناريو.. كذلك حصل أنك ملق على قارعة الطريق.
لا أظنك أيضا تبحث عن الجزيرة المفقودة.. تتخيل نفسك نائما في الكربيلا مع خادمة النظافة.. أتصورك الآن تبحث عنها.. تنتقل في الظلمة و هي على بعد أمتار منك.. لكن أين هي؟.. تلك هي المشكلة، تماما كالجزيرة المجهولة.
تشجع. أو ليست الجزيرة المجهولة تبحث عن نفسها؟.. ما لك إذن لا تتحرك؟! اقترب منها فقط وضمها إلى صدرك. اقترب منها ودعها تكويك بنارها.. تجاسم معها... لعلها الآن تبحث عنك في أحلامها.. وأنت على بعد أمتار فقط.. أمتار فقط تفصلكما.. و أنت سارح تعطي الأوامر للبحارة، تطردهم.. كذلك كل ما في الجزيرة رحل.. أنت وهي فقط بقيتما لتنطلق الجزيرة المجهولة في رحلة البحث عن نفسها.
عجلة الحياة تدور.. و أنت نائم في طريقها.. تماما كما أنت، لا تبالي. ما لك و مال بدرو بارمو؟ أو لم تعرف أن خوان بريثيادو لم يجد أباه بعد؟ إذن لماذا كومالا بالضبط؟ أين ذلك الماضي حيث الجنة و الحياة؟.. لقد انتهى كل شيء و أضحت كومالا جحيما لأرواح حزينة.. تحرك كخوان، فالقصص تتوالى، ولم يعد يهم من يحكيها... اجل، لقد مات بدرو بارمو و كذلك أنت مت في المتوالية رقم 35.
اجل، لم تعد كومالا كما وصفتها لك أمك. هنا لا تنفع عيون أمك. الآن و بعد أن وصلت، على ابونديو أن يقول لك إن كومالا لم يعد فيها سوى الموتى. كومالا اليوم جحيم لا يحوي سوى أرواح تائهة، أرواح حزينة تبحث عن طريق للوصول إلى الجنة. كذلك أنت نمت على قارعة الطريق!
كان على الكولونيل اوريليانو بوينديا أن يتذكر ماضيه، عندما صحبه أبوه، عصر ذلك اليوم، لاكتشاف عجائب الغجر. كذلك عليه الآن أن يعقد مفارقة بين ماكوندو اليوم و ماكوندو ذلك العصر... أو لسنا نعيش هنا في بلدتنا كالحمير بينما في الضفة الأخرى للنهر العديد من اللات السحرية؟!
تحرك فقط. حركة بسيطة تؤدي بك إلى حرب أهلية. هنا لا قبول لأية سلطة. هنا لا احد سيجبرنا على صبغ بيوتنا. نحن هنا من يقرر. تحرك فقط. المسائل هنا تمر بوتيرة غريبة: أحيانا تمطر لسنوات دون انقطاع، و أحيانا أخرى تسير كيفما اتفقنا. لكن لن تتاح لسلالة التي قضى لها أن تعيش مائة عام من العزلة فرصة أخرى للبقاء على وجه الأرض!
ما بك؟ لا أظنك تخاف الانقراض. تخاف من أن يكشف أسرارك احد. على الأقل، كنت محضوضا عندما كتب ملكيادس تاريخك لفترة. الآن بعد هذا الحدث، تجنبت أن تكون مثل خوان بابلو كاستل، ذلك الذي لا يعرفه احد؛ ذلك الذي قتل ماريا اريبارني، الإنسانة الوحيدة التي تمكنت من فك شفرات الأمومة... الآن أصبحت مشهورا بسبب جريمتك تلك، ومن خلال زنزانتك تحادثني وتسألني: لماذا قتلتها.. لماذا قتلت ماريا اريبارني، حبي و الشخص الوحيد الذي يفهمني... لن أجيبك، لكنني أسالك: مالذي سنأكله اليوم؟ لا أظنك أيضا تفكر في الخراء بعد أن أعطيت ما تبقى من حبات القمح لديكك.. الآن عرفت انك نائم هنا، تنتظر رسالة، لكن الكولونيل لم يجد من يكاتبه.
***
السماء صافية شفافة تماما كيوم أمس. السيارات تمر، و البشر يمر على مقربة منك.. الأغلبية تضع كاسكيط أو برنيطة، لكنك أنت لا تهتم بوطيس الشمس. الناس هنا تمر عليك، لا احد يهتم. ألبعض يسد منخاريه حتى يمر، و البعض شارد مثلك تماما. لكنك أنت تقول ما معنى ذلك... كلنا نتبرز.
الشقراوات هنا أكثر حساسية.. يكفي أن ترى رضابك لتتقيأ.. يكفي أن تشم رائحة عرقك لتتقزز.. لكن مالذي يهمك أنت من ذلك.. يتقززن من كل شيء إلا في شواطئ العري!
***
هذه الكتب تقتلني و تقتلك. كل شيء إبداع، لكن الواقع شيء آخر. هؤلاء يقرؤون عنا قليلا، يتفرجون علينا في أجهزتهم: يفعلون فينا ما يريدون، يقتلوننا، يشردوننا، يغتصبوننا، يعيشون من خيراتنا و عرقنا... وفي الأخير: لا، أنت مقزز لا تصلح لأن تعيش..
أتساءل: كل هذا و أنت نائم؟ أم انك خاضع لتنويم مغناطيسي. أتصورك الآن نائما في احد أسرة سجموند فرويد، خاضع للتداعي الحر.. كل أسرارك أفشيتها، لا شيء لديك الآن تخاف منه في المباراة.. أنت الآن تلعب أوراقا صريحة. لا يهم أن يغشوك.. كل ما يخبؤه يخبؤونه لجبنهم.. لأنهم لا يستطيعون الفوز دون غش إطلاقا.
إن سبب تعاستك هي تلك الأوراق.. تلك الأوراق التي كتبتها و كتبوها.. تلك هي قيودك الوحيدة.. تلك هي التي منعتك من أن تكون أنت.. و هذه الكتلة البشرية من حولك.. إنها منك و إليك. لكن حذار، فالعقارب تتغذى على أمها حتى تكبر.
أما بخوص ما كتبوه عنك فلا يهم. فليكتبوا ما يريدون، لأنك إنسان أيضا و من حقك أن تعيش. من حقك أن تعيش كانسان و ليس من حق احد أن يتدخل في ما يعنيك ما دمت تتعامل في نطاق المعقول، و تعي من تكون، فلا يهمك أن يتهموك بالجنون فما الجنون إلا صورة صنعتها القوالب و صقلتها العادة و التقاليد.. فهل أنت مجنون حقا؟
البشر يمر، وأنت ستمر أيضا، لكنك أنت نائم الآن.. نائم في الطريق تنتظر قدوم الدون كيخوته، أو انك كنديد احتار في التأقلم مع العالم المحيط... أو لم اقل لك أن مشكلتك لا تتجاوز الكتب؟
قريبا جدا سيطردونك من هنا بعد إن طردوك من التراب الذي تعرفة و يعرفك. سيطردونك إذا ما أنت بقيت متعلقا بهم. سيلقونك بعيدا لأنك مريض و أمراضك معدية!... سيحرقونك، كذلك فعلو "بالمرضى" في بلادهم... هم فقط معقمون، سالمين، وغيرهم مريض يجب أن يذاب!
إنهم يعاملوننا هنا كما يتعاملون مع البغايا: نحن هنا منديل في خدمة المزكومين، وقد أصبحت الخارطة كلها كذلك بعد أن طغى هؤلاء.. حولوا العالم إلى منديل مليء بالمخاط.. كذلك ينعدم مكان يصلح للاستقرار!
***
كان ذلك عام 68، قتلوك في بوليبيا لأنك تطمح إلى عيش كريم.. قتلوك لأنك طالبت بحقك و حق إخوتك.. قلت كلمة الحق في وجههم.. نعلتهم، و قفت أمام جرائمهم و قفة رجل.. قلت لهم دعونا نعيش حياتنا، فقط دعونا، لا نطلب منكم شيئا.. دعونا فقط لنهتم بأمورنا.. لكنك أتيت متأخرا قليلا.. لقد نسيت أن العالم الآن يشترى، و قد ظننت أن زمن العبودية اختفى.. فقتلوك باسم حقوق الإنسان.. قتلوا العديد من إخوتك باسم الديموقراطية.. وضعوا الديكتاتوريين.. استنزفوا الخيرات.. أحدثوا الحروب بين الحكومات.. كذلك حدث أن دفع العالم ثمن موتك.. جبناء، كانوا يعلمون أنهم سيخسرون يوما، لذلك حاولوا تحطيم الرقم القياسي في قتل الأبرياء..
***
قرأت في كتابه الأخير بعد أن ودع: إن نشر ضمائر مثل ال"نحن" و ال"نا" هي أيضا مادة قصائد غنائية و غزليات و مراث و مسرحيات تراجيدية، بحيث يصير لزاما علينا، نظرا للتدريب الذي تلقيناه، أن نتساءل عن المسؤولية و القيم، عن الكرامة و الاستكبار الاستثنائي و عن العمى الأخلاقي المثير للعجب. فمن هم ال"نحن" الذين يقصفون المدنيين أو يغضن النظر عن منهبة التراث الحضاري العراقي المذهل بعبارات مثل " هي أمور تحصل" أو " من قال أن الحرية نظيفة"؟ على المرء أن يستطيع القول في مكان ما وربما أن يأخذ الوقت الكافي لقول ذلك: لست انتمي إلى هؤلاء آل"نحن"، و ما ترتكبونه " انتم" لا ترتكبونه باسمي. ثم قلت: كذلك يحصل أن يمتد الأنا إلى النحن لكن في حدود جغرافيةـ ثقافية محددة دون أن يشمل الإنسانية اجمع ـ ثم أضفت في حسرة ـ تلك هي مصيبتنا... أشلاء السيد كريط.
الساعة ما زالت تعمل، و تاكتيك عقاربها يسمع من بعيد.. ربما هي قنبلة مجهزة تنتظر ساعة الانفجار. لا احد يعلم متى ستنفذ البطارية. نفس الإيقاع و نفس النبض، الدواليب مستمرة في دورانها كذلك تحسب العقارب الزمن ثانية ثانية، في حين تدور العجلات ويحترق المحرك.. كل ذلك صنع بشري!
تمر عليك عقارب الساعة، في حين تنظر إليها بتشاؤم مستمر، وتلقي بجسمك الثقيل على الأرض، في حين تمر بيدك على لحيتك لتقطف ثمارها الناضجة، لتلقي بها في غيابات بطنك الفارغة. تسترسل بعد ذلك في تخيل صلاة جنازة و موكب رسمي يحتفي به القمل ترحما على شهداء المقاومة. كذلك غزو القمل للحيتك حق مشروع!
الشمس لا تعنيك، ما دام البشر يصرفها ظلاما، كذلك نورها و حرارتها لا تضنيك، ما دمت آمنا ومعتقدا في وجود عدالة عليا، عملاقة، لا تشوبها شائبة.. كذلك أزلت الشك عن كل شيء لتثق في سنة الوجود.
هنا لا ينفع الصراخ. سواء صرخت أو لم تصرخ. لا حياة لمن تنادي. هياكل متحركة بقدرة خالق. ربوات مبرمجة. عليك استعمال المفك و المفاتيح، ربما يعود الخط، ويستمر التواصل.
قلوب مغلفة بمئات الأغلفة. حصن وراء حصن. ليس هنالك سوى حوار الأسلحة!
سواء بكيت او لم تبكي. ما بقي لنا إلا إن نرثي البشرية، كوارث هي، تمشي على اثنتين.. أيكون الصواب حقا سابقا للخير؟!
***
سفينتك الآن تمخر عباب السماء بحثا عن السلام، وفي الأرض أشلاءك تتفتت وتتناثر في كل أصقاع الدنيا.. هي حقا أصداء كوسموبوليتية.. لكن ماذا ينفع ما دام هناك أناس يقتلون باسم الحرية؟
سلام سلام سلام.. أين أنت يا كلمة الأبدية؟ أين أنت يا خصلة الشرفاء من البشرية؟ أين انتم يا بشر، ألا تستطيعون العيش دون صراعات دموية؟
***
نرجسية هي الحياة. تغريني وتغريك بكل أنواع الماديات. لكن عطشي وعطشك روحي، لا و لن تجدي معي و معك المجاملات. الإنسان الشريف، لا ولن يقبل الظلم مهما كانت الإغراءات. على قارعة الطريق سنقول كلمتنا، فليستمع المارون.. لا ننادي إلا للحياة، وغدا سنمضي معا، لكن عندما يناديني ويناديك القدر..فلنكن معا.. إنسان واحد: ليموت الشر.. ليموت الشر.. ليموت الشر...
***
مد سمعك إلى المقهى هناك في الرصيف الآخر لترى ما يخوض فيه الرواد من مواضيع: مغامرات جنسية، دور دعارة، خيانات زوجية، جرائم جنائية... لقد رحلت يا نجيب محفوظ، رحلت ورحل معك بريق المقهى و نوره الساطع. رحلت كما رحلت قناديل المقاهي وغدت كلها الآن بلا نور. لم تعد للوقت الآن أهمية. دردشة بلا نهاية. فناجين مسمومة.. اجل كذلك المقاهي الآن أصبحت مسمومة.
الجامعات كذلك، لم يعد لها دور. أوراق وشواهد.. لكن أين المعرفة؟ أكواب فارغة. شواهد بميزات خيالية.. لكن أين الطالب و أين الأستاذ؟ من يعلم و من يتعلم؟! نعم سنقضي على الأمية وكذلك على الرشوة والمحسوبية ووو... رحمك الله يا كوليج دوفرونس!
***
تتذكرني كما تتذكر أيام المدرسة الابتدائية. كنت أفضل و احد في الفصل. لكن لم تسلم رغم ذلك من ظلم و جهل الأستاذ. كان الجميع ينوه بك حين نقلت من المركز إلى فرع قريتك، حيث تابعت ما تبقى من سنوات التعليم الابتدائي. لقد أوصى عليك اساتذك القدامى أستاذك الجديد، لكنه لم ينصفك، كان الطمع و الغيرة قد أنسياه كل الرسالة.
تتذكر تلك الفتاة التي كانت تدرس معك. كانت المسكينة لحداثة سنها لم تفهم من تصرفات أستاذها شيئا. و كنت أنت في كل مرة تدفع الثمن. كانت المسكينة تحصل على التأييد في كل شيء، و كانت في كل مرة تحصل على لعبة شطرنج أو لعبة الكترونية... كان الأستاذ من أصول بيضاوية، و كان نتيجة إعجابه بأختكِ الكبرى يزكيكِ في كل شيء. لكن ما ذنبك أنت من كل هذا؟ غسلت بطانياته بيديك تلك، رتبت منزله ونظفته أكثر من مرة، قطعت آلاف الكيلومترات لتجلب له علب السجائر، جلبت له الماء، ضربك، وبخك.. حتى كرهت الفرنسية و أساتذة الفرنسية، وكل ناطق بالفرنسية!
نعم، أنت ابن خراز، لذلك عانيت كثيرا من بطش الجهلاء. تتذكر أيام الخيرية حين نقلك المدير من أفضل الأقسام إلى أسواها دون أن يستأذنك أو أن يستجوبك عن رغبتك في الانتقال.. كان المدير تحت ضغط أصحاب النقود مجبرا على تحويلك، لان أباك ليس له نقود، لذلك ليس عيبا عليك أن تعاني، أو مت، موتك أفضل من حياتك، ما أنت إلا حثالة، و الحثالات يحسن لها الفناء!
كل هذا كان في فرعية تالمست و إعدادية سدي الحاج الحبيب حيث درست. عانيت كثيرا لذلك ضاعفت من قوتك للوصول. ترعرعت في بيت امازيغي بسيط جدا، لم يدخله كتاب يوما، إلا ما كنت بحاجة إليه من المقررات الدراسية. لم تكن تعرف معنى الرواية و لا القصة ولم تكن آنئذ قد سمعت عن النقد والفلسفة. كنت بسيطا جدا، ولم تكن معارفك تتجاوز حدود القرية. لم تكن تعرف اللعب البلاستيكية، ولكنك صنعت وابتكرت فيها.. فكان الجميع يسميك بالمخترع رغم انك لم تتجاوز سن الحادية عشرة. كابدت و كابدت، لكن كل ذلك انتهى عندما قرأت بداية و نهاية. كانت تلك أول رواية تقرءاها في حياتك، حيث كانت مقررة في السنة الأولى باكالوريا، كانت رواية رائعة حملتك إلى عالم آخر، حيث لم تستطع العودة منه إلا عندما انتهيت من قراءة كل ما كتبه نجيب محفوظ. كنت آنئذ تستفيد من الأصدقاء وخزانتي المدينة، فكان الأسبوع ينتهي بك من روايتين إلى خمس روايات حسب الحجم، وكان عطشك إلى القراءة يزداد في كل مرة. فلم تنس الآداب العربي وفضله عليك رغم تخصصك في الآداب الاسبانية. لم تنس اللغة العربية، ولم تهملها يوما، وها قد وجدت نفسك الآن بين أكوام من الكتب... نعم هكذا أنت، المعرفة أولا، ولتذهب الشواهد إلى الجحيم.
***
أنت ملق الآن على قارعة الطريق، ذهنك مشتت، وافكارك مشتتة تماما كهذه النصوص التى خطتها بخط يدك. فكرة هنا و أخرى هناك. لكن لم كل هذه الفوضى، أهي الحياة حقا؟ أم انه الإنسان؟. جزء هنا و آخر هناك.. رجل في القطب الشمالي و أخرى في القطب الجنوبي. يد في أقاصي الغرب و أخرى في أقاصي الشرق. قلب مشتت، وكذلك العولمة شتت كل أعضاءك.

ذلك القمل يربطك بالماضي، وتلك اللحية تكاد تكون الحبل السري الذي يربط بينك و بين التاريخ القديم. أما جسمك فليس هو أنت بل هو جزء من هذا العالم المحيط، جزء من هذا الطريق المتحرك نحو نقطة مجهولة. روحك فقط تستحق العناية لأنها أنت، إن لممتها لممت نفسك، و إن تركتها بقيت كذلك.. أشلاء السيد كريط، أو لنقل إنها لوحات على هوامش الجوكاندا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عبد الله توتي/ المملكة المغربية
Abdallah_taouti@hotmail.com
تعريف تحت الطلب:
عبد الله توتي من مواليد 04/11/1983 بقرية تلمست جنوب المغرب. تلقى تعليمه في مناطق مختلفة إلى أن حصل على الإجازة في اللغة و الآداب الاسبانيين بجامعة ابن زهر بأكادير، ليخوض ،كغيره، تجربة البطالة بحثا عن لقمة العيش... هذه هي قشور حياة عبد الله توتي الذي تسألون عنه.

صورة عبد الله توتي
القسم: 

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات