ابحث
إقرأ أيضا للكاتب
- ناجي العلي ...
- مهرجان الأسكندريه الأول للموسيقى التراثية 2010
- أمسية شعرية غنائية للشاعر أشرف عزمى والشاعرة أمل درويش
- رحيل الأديب السعودي غازي القصيبي
- الطاهر وطار... وداعا
- أيها المار... وداعا
- "أرواح القتلى" تصدر قريبا لعبد السلام العمرى
- "أحزان الشمّاس" رواية تتناول تفاصيل حياة الأديرة
- رجل في شمس أرض البرتقال الحزين
- أيتها الدور إنكم لسارقون...!!!
- السما بتمطر أرواح في صالون المساء الأدبي
- سوسن السباعي الجابي في ذمة الله
- أقاليم الخوف لفضيلة الفاروق: حياة ملتبسة لممتهنين وخاضعين
- الفجوة تفوز بالأورانج
- مناقشة ديوان "كلام أخضر" بالملتقى الثقافى بأكتوبر
- ثقوب تتسع قليلاً
- وفاة الكاتب المصري محمد عبد السلام العمري
- عدنا...
- وفاة المفكر الكبير نصر حامد أبو زيد
- طبعة جديدة من كتاب فاروق عبد القادر عن المسرح المصري
- (الدواحة) يفوز بالجائزة الكبرى بمهرجان الفيلم العربي في روتردام
- عفيفي مطر ... وداعا
- توقيع "فـاطمـة كفر الشيخ / عابدين" للقاصة والروائية سهى زكي
- مناقشة رواية " لم تذكرهم نشرة الأخبار/وقائع سنوات التيه" فى اتحاد الكتاب
- أمسية شعرية لباسم فرات في مصر
- توقيع ديوان رانا نزال "بيت العين"
- كلمة تصدر 'العالم لا ينتهي' للشاعر الأمريكي تشارلز سيميك
- صدور رواية (سوناتا لتشرين) لأسامة أنور عكاشة
- الصهاينة يهاجمون أسطول الحرية المتجه لغزة وقتل العديد من النشطاء وإصابة الكثيرين بإصابات خطيرة
- أسامة أنور عكاشة.. في ذمة الله
أقاليم الخوف لفضيلة الفاروق: حياة ملتبسة لممتهنين وخاضعين
"أقاليم الخوف" لفضيلة الفاروق رواية قصيرة (121 صفحة، حجم صغير، دار الريس) عن امرأة متأمركة، متحدرة من جذور لبنانية، وزوجها اياد الذي يشبهها في امركته، لكنه جنوبي وليس من جبل لبنان.
تبدأ الرواية منذ عودتهما الى لبنان حيث عاودت البيئة الجنوبية تأثيرها في اياد "المتأمرك" في اميركا، والمتشيّع في الجنوب. عزت سبب تغيير اياد الى تغيير نمط حياته، وبالتالي الى "الكحول والكافيين والنيكوتين" فهل هذه اسباب التغيير؟ ام هي في عقلية استعادها بعدما عاد الى بيئته، يرضخ لها احياناً ويرفض بعض اشكالها، لكنه في النهاية يستسلم لصراطها المستقيم. وهو يبرر فوضى حياته بـ"الضغوط السياسية والاقتصادية"، لكن ما علاقة الضغوط بأن زوجته لم تعد مارغريت، بل صارت "انتم الاميركان" وهو متأمرك ايضاً!
اهتزت علاقتها بزوجها بعد مجيئه الى لبنان بسبب الازدواجية الجديدة في شخصيته يليه سبب آخر وهو الملل "اعياني وانا اقضي اغلب وقتي في البيت او مع نساء العائلة والاستماع الى الاسطوانة نفسها من تلك الاحاديث التي لا تتغير حول الملبس والمأكل والمشرب". تضارب في الافكار والآراء، ومناكفات نسائية، غيرة وحسد ومضايقات، وقلة اكتراث وعدم اهتمام... ووقع المحظور. فخرجت مارغريت من "بيت الطاعة" المدني، الذي كفل لها حريتها الى العالم الواسع، خصوصاً بعدما ورثت مليون دولار. والمال يحرر في عالم اليوم، كما كان الحق يحرر في ما مضى.
لم تخرج خالية الوفاض، فقد ارتبطت بعلاقة عاطفية مع "نوا"، صديق قديم يعمل مراسلاً صحافياً في افغانستان، ويستريح من متاعب المهنة واهوال الحرب في بيروت القريبة والمختلفة عن كل الدول التي تحيط بافغانستان "فهي المتنفس القريب للخليجيين ورجال الاعمال والجواسيس ومبيضي الاموال والمنفيين والهاربين من انظمة دولهم والمقموعين في مجتمعاتهم، وآخرين. كلهم يأتون ليعيشوا في بلد عربي لا يقمعون فيه، بعضهم يهرب من القانون وبعضهم يهرب من الظلم، وفي كلتا الحالين بيروت كريمة ومضيافة وتعرف متى تغض البصر".
المحور الاول للرواية العلاقات الاجتماعية في الزيجات المختلطة، فالمسيحية النازلة في مجتمع اسلامي، خصوصاً في المرحلة الحالية، تصطدم بجملة مواقف واعتبارات، بتأثير الممارسة الاسلامية في جزء منها ومعظمها بتأثير التطرف في الالتزام، حتى لزوم ما لا يلزم، وهي طامة الممارسة الاسلامية المعاصرة.
ترسم صورة متزمتة للمرأة المسلمة الملتزمة التي تفترض انها بوضعها المنديل على رأسها ولبس الجوارب والمعطف "الكبوت" في فصل الصيف تكون قد ملكت الدين وملكت معه كل المحيطين بها (شخصية شهد) فهي تتكلم بتعال وتتصرف بعجرفة، وهل هما صفتان من الدين؟ واذا ملكت المال فوق الدين، فإنها اسوأ نموذج للسلطة... لا تطاق.
والحماة وهي الام من الجهة المقابلة رضاها لا حدود له في التربية الاسلامية "الجنة تحت اقدام الامهات"، فإذا كانت طيبة، فحسناً، وان كانت متكلفة ومغضبة ومبغضة... فما العمل؟
المحور الثاني في العلاقات الطائفية، حيث يرى بعضهم من ذوي التجارب الى الامور في لبنان بواقعية ويتحدث عنها بواقعية، لكنه عند الممارسة يفقد واقعيته. البعض مقتنع بالواقع الطائفي ولا يريد تغييراً والبعض غير مقتنع به ولا يستطيع تغييره، والبعض طائفي لكنه يدعي خلاف ذلك ويدعي انه يريد تغيير الواقع الطائفي وفي ذهنه واقع اكثر طائفية... بل مذهبية.
المجتمع المغلق تنمو فيه الشائعات، بدل ان يكون قرب الناس بعضهم من بعض مدعاة للصراحة والوضوح، فإن ازدواجية الشخصية اللبنانية تصرفاً وسلوكاً، في البيت والعمل والزواج وخارجها، وفي الدين وخارجه، تجعل الانسان غامضاً ومتستراً ما يحول بينه وبين التواصل مع الآخرين بصدق وود وشفافية.
في هذا الاطار، سيطر الحجاب على العقول في بعض البيئات فصار غماً وهماً وقضية وموضوعاً للحديث، بدل ان يكون "فريضة" لمن رغب في الالتزام الديني.
يستخلص القارئ من فحوى الرواية، ان كل شيء في الشرق يدخل فيه الله، حتى يبدو الصراع بين إلهين، في لنبان بين الله المسيحي والله المسلم، وفي فلسطين بين إله اليهود وإله المسلمين، وفي افغانستان بين إله السنة وإله الاميركيين، وفي ايران بين إله الشيعة وإله الغرب، وهكذا تتقاتل الالهة كأننا في الاساطير اليونانية ولسنا في القرن الحادي والعشرين حيث صار الله واحداً أحداً. "في مدن اخرى نحب الله، ونستمتع بطبيعته، ونعشق كونه، وفي مدن الشرق نخاف من الله ونرتعب منه فنتصرف، وكأننا لصوص نسرق متع الحياة متى سنحت لنا الفرصة ونبتلعها كأننا نبتلع الممنوعات".
شخصيات الرواية نماذج من المجتمع اللبناني، وبعض العربي والغربي، تضفي عليهم الفاروق احياناً مسحات درامية تقربهم من خشبة المسرح في بعض المواقف. في الاجمال اقتلعوا من بيئة معينة، ينغرسون فيها او يقتلعون منها، بحسب رغباتهم التي لا تحد عند البعض على رغم مظاهر الفضيلة وادعاء التديّن. الحاج "المتديّن" الاخ، هو زير نساء، اما الصهر فهو "بالنسبة الى آل منصور وصمة عار في تاريخ العائلة، مع ان الرجل متديّن ومحترم ومثقف ولا يخون زوجته"، لكنه فقير وعلى قد الحال. وذاك الاخ نكتشف لاحقاً انه يتاجر بالسلاح في افريقيا، باسم مستعار.
تعتمد المؤلفة احياناً على المبالغة المحببة لتثير وعي القارئ. كأن تقول مثلاً، "اما مجوهراتها فلو بيعت في مزاد علني لحلت مشاكل اطفال المخيمات والاحياء الفقيرة كلها في لبنان". انه اسلوب التضخيم على الطريقة اللبنانية.
في سياق السرد الروائي بثّت بعض الحوار والكثير من النقد الاجتماعي – الديني من خلال افكار وصور من عالم الشرق المتخلّف من افغانستان الى المغرب، بعضها مخيف كالمرأة المجدوعة الانف والمقطوعة الاذنين والمفقوءة العينين باسم الشرع! وبعضها مثير للعواطف، وبعضها مواعظ، لو كانت تؤثّر، فالافكار جريئة متقدمة تتوسع في الوصف فكأنها في السياق الروائي، فتخدم غرضها. ومن جملة ذلك قولها: "بمجرد وصولك الى المطار تستقل سيارة يسرقك سائقها لانك اجنبي، وفي فقهه "المقدّس؟" تجوز سرقتك لانك لست مسلماً، ثم يتناوب عمال الفندق على سرقتك بطرق مختلفة...".
وتضيف: "لا افهم كيف يقتل شخص اخاه من اجل الله؟ هل لحماية الله من شرّ المقتول؟ ام لحماية المقتول من عقاب الله؟".
لماذا ارادت الفاروق إلصاق تهمة العمالة في خدمة المؤامرة الغربية بمارغريت بطلة روايتها؟ هل ارادت اتهام كل العاملين في المؤسسات الانسانية وحتى الاعلامية بأنهم جواسيس؟ لا اعتقد انها قصدت الى ذلك وان اوحت به، لانها لو قصدت لما نفدت لقد انهت روايتها بحل تبسيطي للعقدة التي مازجت عقد بطلة روايتها، فعممت، والتعميم سيف ذو حدين.
النهاية التبسيطية ذات الصور الاباحية. التي فككت فيها الممارسة الجنسية الافتعالية العنيفة عقد بطلة الرواية النفسية، لا تتناسب والاحداث الدراماتيكية التي تسري فيها حوادث "اقاليم الخوف" وهي كثيرة على عدد بلدان الشرق العربي والمسلم غير العربي، والتي اوحت ان امراً جللاً سيحدث، فإذا به عملية جنسية.
والعنوان الشيّق الذي عبّر عن مجريات الرواية، لم تعبر فيه الكاتبة الى عمق المشكلة التي تعشش في "اقاليم الخوف"، وان بثّت افكاراً تقدمية ممتازة ذات طابع نقدي اجتماعي وفكري يدفع القارئ الى التوقّف عندها ملياً... وبالتالي مقارنتها بالخاتمة الضحلة.
فالافكار لا يمكن ان تتلفظ بها شخصية على مستوى مارغريت فكراً وواقعاً نفسياً حتى وان ظهرت في النهاية مسؤولة عن "دائرة" من الجواسيس.
فلو كانت هذه "البطلة" على قدر بطولتها والدور الذي اعطيت اياه وهو كبير جداً، لما سقطت عند اول عملية جنسية فأقرّت بما عليها، او اعطت نفسها دوراً لم يكن لها... و"الحب" كما ادعت لا يفعل المعجزات على طريقة الافلام الاميركية، خصوصاً في عالم الجاسوسية، فهو مستخدم وليس مخدوماً. انها امرأة ربطتها الحياة بمشكلاتها، وربطت نفسها بمشكلات الشرق وهي كثيرة وعميقة، لكن مشكلتها الاساسية انها غير متصالحة مع نفسها.
لا تقتصر اقاليم الخوف على البقع الجغرافية التي ذكرتها الفاروق ومنها بيروت وبغداد وافغانستان وباكستان... بل هي اولاً واساساً في عقول البشر ونفوسهم.
جوزف باسيل
عن النهار
