You are here

الصفحة الرئيسية

إلى روحي أمي




إلى روحي أمي
ماريو بندتي
ترجمة: توفيق البوركي


عم يا سيدي، أنا أدعى ريكاردو،سألتني لتفتح معي باب الحديث، و أنا استطيع أن أفهم ذلك،لكنك منذ وقت طويل و أنت تعرفني، ولو عن بعد، كما أعرفك أنا أيضا، منذ الفترة التي بدأت تلتقي فيها أمي بمقهى لارانياغا وريفيرا، لا تعتقد بأنني كنت أتجسس عليكما، لا شيء من ذلك البتة،ربما تفكر بذلك، هذا لأنك لا تعرف كل القصة أو ربما لم تحكها لك أمي؟منذ مدة و أنا أريد الحديث معك، لكنني لم أتجرأ، لذا فأنا أشكرك لأنك بادرت بذلك.هل تعلم لم أتوق للحدث معك؟لأن لدي انطباع بأنك رجل طيب، و أمي كذلك كانت إنسانة طيبة.لم نكن نتكلم كثيرا فيما بينا، في بيتنا، إما أن يسود الصمت، وإلا فان أبي هو من يأخذ زمام الكلام، لكنه ما ان يعود ثملا، تقريبا في كل الليالي، حتى ينفرد بالكلام وحينئذ يبدأ بالصراخ.
ينتابنا خوف شديد نحن الثلاثة: أمي وأختي الصغيرة "ميرتا" وأنا. ابلغ من العمر ثلاثة عشر سنة ونصف، وقد تعلمت الشيء الكثير، تعلمت بان الرجال الذين يصرخون ويعاقبون ويشتمون ليسوا في دواخلهم إلا شياطين تعيسة. آنذاك لازلت صغيرا لذا لم أدرك ذلك. "ميرتا" إلى الآن لا تدرك ذلك، تصغرني بثلاث سنوات، واعلم أنها في بعض الأحيان تستيقظ باكية، انه الخوف، سيدي هل تملكك الخوف يوما ما؟ " ميرتا" تتخيل دائما أن الشيخ سيظهر ثملا وانه سينزع حزامه ليضربها، إلى الآن لم تتعود على الوضعية الجديدة؛وبالمقابل فانا حاولت أن أتأقلم معها.
سيدي لقد ظهرت منذ عام ونصف، لكن الشيخ يسكر منذ أكثر بكثير، وبعد أن استحكمت فيه هذه الرذيلة بدأ يضربنا نحن الثلاثة.
بالنسبة لي و"ميرتا" كان يضربنا بنطاق الحزام، يؤلم بشكل كاف، أما أمي فكان ينهال عليها لكما ودون سبب يستدعي ذلك: إما لكون الحساء ساخن جدا أو لأنه بارد أو لأنها لم تنتظره مستيقظة حتى الثالثة صباحا أو لأن عيناها متورمتان من البكاء. مع مرور الوقت لم تعد تبكي، لست ادري كيف تفعل ذلك، كما أنها لم تعد تعظ على شفتيها عندما يضربها، و هذا ما زاد من حنقه عليها، كانت واعية بذلك ومع ذلك تفضل عدم البكاء.
سيدي لقد تعرفت على أمي بعد أن عانت وتحملت الكثير، أتذكر جيدا أنها قبل أربع سنوات كانت جميلة وجذابة، إضافة إلى كونها كانت امرأة قوية، ففي بعض الليالي عندما يسقط الشيخ نائما ويبدأ على الفور بالشخير، نقوم بحمله فيما بيننا حتى الفراش، كان ثقيلا جدا، نرفعه كما لو كنا نحمل ميتا. هي من كانت تقوم بكل الجهد، أما أنا أقوم بمساعدتها بتعديل ساقه وسرواله الملطخ وحداءه البني ذو الأربطة المنصرمة. سيدي أنت بالتأكيد ستعتقد بان الشيخ كان طوال حياته قاسيا، لكن لا، فأبي كان ضحية لعبة قدرة أوقعوه فيها، ومن قام بذلك كان قريب أمي الذي يشتغل في البلدية، لا اعرف أصل الورطة ولا حيثياتها؛ أمي كانت تبرر تجاوزات الشيخ وتعتبر نفسها مسئولة ولو قليلا، عما جرى لان احد أفراد عائلتها آذاه بهذا الشكل.
في كل مرة يسكر فيها أبي، كان يقوم بتعنيف أمي كثيرا كما لو أنها المسئولة الوحيدة عما حصل له. قبل هذه الحادثة كنا نعيش جيدا، ليس من الناحية المالية، فقد ولدت أنا وأختي في نفس الشقة التي تشبه إلى حد ما ديرا صغيرا بالقرب من " فيادولورس"، راتب أبي لم يكن يكفي لأي شيء،أمي من كانت تصنع المعجزات حتى تؤمن لنا المأكل و الملبس، كنا نبقى جائعين لأيام كثيرة، لكن على الأقل كنا ننعم بالسلام، فالشيخ لا يسكر و لا يضربنا و أحيانا كان يصطحبنا في نزهة صباحية.
أعتقد أنهما لم يكونا متحابين، كانا مختلفين حتى قبل الحادثة و قبل أن يدمن الشرب، أبي شخص ملول، أحيانا يستيقظ في منتصف النهار، لا يكلم أحدا، لكن على الأقل لا يضربنا و لا يشتم أمي،يا ليته بقي هكذا طوال حياته، طبعا فبعد ذلك جاءت النكبة و انهار، و بدأ يرتاد الحانات و يعاقر الخمر و يعود دائما بعد منتصف الليل و رائحة الكحول المقرفة تنبعث منه.
في الأعوام الأخيرة، كان الوضع سيئا جدا، لأنه أصبح يسكر حتى بالنهار و لم يعد يترك لنا حتى هذا المتنفس.أنا متأكد بأن الجيران كانوا يسمعون صراخه، لكن لا أحد قال شيئا. بالطبع فأبي كان رجلا ضخما و هم يرهبونه كثيرا.
أنا بدوري كنت أخشاه، لست أخشى على نفسي أو على ميرتا، و إنما خوفي كان منصبا على أمي،أحيانا لم أكن أذهب إلى المدرسة، لم أكن أتهرب من حصص الدرس، لكن حتى أظل بالقرب من المنزل كنت أخشى دائما أن يعود الشيخ خلال النهار سكرانا كالعادة و يشبعها ضربا، أنا لا استطيع الدفاع عنها، فأنا كما ترى نحيل و دقيق، وكنت حينئذ اضعف من ذلك.أردت البقاء قريبا حتى أتمكن من إعلام الشرطة.
سيدي هل علمت أن والداي لا ينتميان إلى هذا الوسط؟فأجدادي ينحدرون من أماكن متفرقة ، لن أقول أنهما من الأغنياء لكن على الأقل يعيشون في أماكن مناسبة و لائقة، منازل ذات شرفات تطل على الشارع، وغرف بها مطهرة وحمام.
بعد أن مر كل شيء، ذهبت ميرتا للعيش مع جدتي لأبي،خوانا، أما أنا فأعيش الآن في منزل جدتي لأمي،بلانكا.والداي الآن يتشاجران من أجل استعادتنا.جدتاي عارضتا زواجهما من أصله(أرى أنهما على حق)،فعندما تزوج كان عمري ستة أشهر، هذا ما حكوه لي ذات مرة في المدرسة، و قد كسرت انف زميلي بيتو، لكن عندما سألت أمي أخبرتني بأن ذلك صحيح.
حسنا، كانت لي رغبة في الحديث معك، لقد كنت شيئا مهما بالنسبة لي، ببساطة لأنك كنت تمثل نفس القدر من الأهمية لأمي.لقد أحببتها كثيرا، كما هو طبيعي، لكن أعتقد أنني لا أستطيع قوله مطلقا.كان الخوف يتملكنا بقدر مماثل بحيث لم يترك لنا متنفسا لتبادل المشاعر؛ عندما لم تكن تنظر إلي، فانا من ينظر إليها و استشعر إحساسا لا أدري ماهيته، شيء كالانفعال العاطفي لكنه ليس شفقة انه مزيج من الحنان و الغضب، لكوني أراها ما زالت شابة و قد غشاها التعب و الإنهاك بسبب ذنب لم تقترفه و عقاب لا تستحقه؛ سيدي ربما تكون قد انتبهت لذلك، لكن أنا أؤكد لك بأن أمي كانت أكثر ذكاءا من أبي؛ أعتقد و أن هذا هو الأسوأ: كونها كانت ترى بأم عينيها الحياة الفظيعة التي كانت تحياها، لأن لا الفقر و لا العقاب و لا حتى الجوع سينال منها بهذا الشكل.لقد أضحت حزينة، نعم حزينة.أحيانا تتشكل دوائر زرقاء حول عينيها، لكنها كانت تغضب عندما اسألها إن كان بها شيء؛ في الحقيقة كانت تدعي الغضب، لأني لم أرها قط سيئة معي، و لا مع أي كان، فقبيل ظهورك يا سيدي، لاحظت أنها في كل مرة أضحت أكثر غما و أكثر صمتا و ميالة إلى التوحد بشكل كبير، ربما هذا ما جعلني أدرك بشكل جيد الفرق.
في إحدى الليالي عادت متأخرة قليلا(رغم أنها تعود قبل أوبة أبي بكثير) و نظرت إلي نظرة لم أتعودها، نظرة مختلفة، جد مختلفة، أدركت معها على التو أن شيئا ما قد حدث؛ كما لو أنها انتبهت إلى أنه بإمكاني فهمها، فاحتضنتني بقوة مشوبة بالحياء، و بعد ذلك ابتسمت لي.سيدي هل تتذكر ابتسامتها؟أنا، نعم أتذكر.لقد شغلني التغير الذي طرأ عليها، وقد تخلفت عن العمل لمرتين أو ثلاثة لأتبعها و أعرف ما يجري.لقد رأيتكما يا سيدي،و قد أسعدني ذلك؛ قد يظن الناس بأنني بدون ضمير و ربما لا أكون إنسانا صالحا لأنني سعيد لكون أمي تخون أبي، يستطيعون التفكير بهذه الطريقة و لذلك لم أبح بما رأيت قط.
معك يا سيدي، فالأمر مختلف، لأنك أحببتها، و كان الأمر كلعبة حظ، لأنها تستحق الحب، سيدي لقد أحببتها أليس كذلك؟ لقد رأيتكما مرات و مرات و أنا متأكد من ذلك، بالطبع فالشيخ أيضا حاول فهم الأمر لكنه استعصى عليه، لكنه حاول.لم أستطع قط أن أكرهه، هل تفهمني؟لأنه و رغم كل ما فعل لا زال أبي.
عندما كان يضربنا، أنا و أختي أو عندما كان يهاجم أمي، و رغم الرهبة التي تتملكني، كنت أحس بالشفقة علينا جميعا، أشفق عليه هو أيضا، الآن و قد قتل أمي و لا أدري كم من الوقت سيظل مسجونا.في البداية لم أرغب في زيارته، لكن و بعد مضي شهرين على سجنه قبلت زيارته و وافق على رؤيتي. كان الأمر غريبا علي، أن أراه طبيعيا، أقصد دون أن أجده ثملا.نظر إلي لكنه لم يقل شيئا طوال مدة الزيارة. أعتقد انه عندما يغادر السجن لن يعاود ضربي، كما أنني سأكون رجلا و ربما أكون قد تزوجت و أنجبت أطفالا.بالنسبة لي لن أضرب أبنائي قط ألا يبدو لك ذلك؟ كما أنني متيقن أن أبي ما كان ليفعل ذلك لو لم يكن سكرانا، أو انك يا سيدي تعتقد العكس؟ أم انه في جميع الأحوال كان سيقتل أمي في ذلك المساء، لأنه تبعني وعاقبني، و في الأخير وجدكما معا؟ لا اعتقد ذلك.
انتبه يا سيدي إلى انه لم يفعل لك شيئا، وانه لم يقم بفعلته إلا بعد أن تناول الكحول، آنذاك فقط هاجم أمي. أرى انه أدرك أن أمي كانت بحاجة إلى الحنان والعطف وهو وفي المقابل لم يقدم لها إلا الضرب والعقاب.
سيدي أمي كانت إنسانة طيبة يجب أن تعي ذلك جيدا. لهذا، فعندما دعوتني منذ برهة، لتناول القهوة والخبز المحمص، في نفس المقهى الذي كنت تقابل فيه أمي، أحسست انه من الضروري أن احكي لك كل شيء، ربما لا تعرف القصة كاملة، أو ربما عرفت جزءا منها فقط، لان أمي جد كتومة، وعلى الخصوص فهي لا تحب الحديث عن نفسها. الآن أنا متيقن من أنني فعلت الصواب، هذا لأنك تبكي وأمي قد ماتت، وما قمت به هو مكافأة لها لأنها لم تبكي قط.


النص للكاتب الأوروغواياني ماريو بندتي : MARIO BENEDETTI
http://www.ciudadseva.com/textos/cuentos/esp/benedett/requiem.htm
صورة توفيق البوركي
القسم: 

التعليقات

 
الرائع هنا هو الإخلاص لروح النص حتى أنك لا تكاد تكتشف أنه في غير نسخته الأصلية. شكرا على هذا الاختيار الجميل الذي يحتفي بمشاعر الإنسان العميقة... ذاك الطفل هو ضميرنا جميعا عندما نكون غائبين عن الحقيقة. هو ضميرنا الصارخ المستنجد من وحشية الواقع المر... لا أدري لماذا يكون الحكي بلسان الطفل دائما اقرب بكثير إلى النفس... أترى ذلك يرجع إلى كونه يجسد براءتنا الأولى.
دمت مبدعا جميلا
ملاحظة صغيرة هي لا تقلل أبدا من قيمة الترجمة ولكنني أرى أنه لا بد منها... هناك بعض أخطاء لغوية قليلة أتمنى أن تنتبه إليها... نحن هنا دائما كي نشد على أيدي بعض فنصحح ما لا نتفطن إليه من أخطاء في لحظة قد تكون في بعض الأحيان ماكرة.   
آسية السخيري
صورة آسية السخيري
 
شكرا على مرورك الكريم اختي اسية و اتمنى ان تشيري لهذه الاخطاء حتى اتفادها مستقبلا.لك مني كل المودة.
توفيق البوركي
صورة توفيق البوركي
 
هذه الهفوات التي يبدو لي أنني تفطنت إليها يا توفيق :
لأن لدي انطباع: الصحيح لأن لدي انطباعا لأن انطباعا اسم إن متأخر.
إما لكون الحساء ساخن : إما لكون الحساء ساخنا.
أو لأن عيناها متورمتان من البكاء: أو لأن عينيها متورمتان من البكاء.
لم تعد تعظ على شفتيها: لم تعد تعض على شفتيها.
أنا أقوم بمساعدتها بتعديل ساقه وسرواله الملطخ وحداءه البني ذو الأربطة المنصرمة: أنا أقوم بمساعدتها بتعديل ساقه وسرواله الملطخ وحذائه البني ذي الأربطة المنصرمة.
قدرة : قذرة
هل علمت أن والداي لا ينتميان: هل علمت أن والدي لا ينتميان
 فأجدادي ينحدرون من أماكن متفرقة، لن أقول إنهم من الأغنياء لكنهم على الأقل كانوا يعيشون في أماكن مناسبة و لائقة.
فعندما تزوجا كان عمري ستة أشهر،
أمي كانت أكثر ذكاء. ذكاء منصوبة لكن الهمزة بعد ألف المد لا تنون بالألف
لأنها لم تبك قط.
العنوان أيضا يبدو لي أنه من الأصح لو يكون إلى روح أمي.
دمت أخي
آسية السخيري
صورة آسية السخيري
 
شكرا لك هي هفوات في محلها و سأصححها ان شاء الله.و دمت للابداع
توفيق البوركي
صورة توفيق البوركي
 
شكرا أستاذ توفيق على هذا العمل الجميل لذلك الرائع " ماريو بنديتي "
وهو ذلك الكاتب الذي " لا تنجو بنفسك " عند قرأته
تحية وتقدير لك وفي انتظار المزيد من ترجماتك الجميلة

دعـــاء
dodo_nomercy
صورة dodo_nomercy
 
شكراً توفيق
اختيار موفق لنص رائع كتبه مبدع عالمي نتعلم منه تكنيك الكتابة
رسالة نقية بلا أي لبس كأنما هي بلسم يداوي بها الصبي جراحه ، يري أمه التي هي في حاجة ـ أبسط الحق ـ إلي رجل لا يسحقها ولا يعتدي عليها ..
شكراً توفيق
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد عبده العباسي
محمد عبده العباسي
صورة محمد عبده العباسي

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات