You are here
إلياذة هوميروس ـ ملاحظات على تاريخ الرواية

إلياذة هوميروس
ملاحظات حول تاريخ الرواية
ترجمة: مصطفى محمود
كان هناك من الناحية التاريخية شيء ما يشبه حرب طروادة، بل ربما كانت هناك في الحقيقة عدة حروب طروادية، لكن تلك الحرب التي كتب عنها هوميروس في القرن الثامن قبل الميلاد تقريباً هي التي سحرتنا لكونها رواية.
1 ـ
ويشكك علماء الآثار في حدوث أية حرب طروادية بسبب أن شخصاً ما يسمى باريس اختطف امرأة ما تسمى هيلين من زوجها اليوناني، أو أنه كان هناك حصان خشبي عملاق يختبئ فيه الجنود الذين حققوا النصر في نهاية المطاف، أو أن تلك الآلهة الخاصة هي التي تدير الحرب لأغراضها الشخصية، فتغير مسار سهامها وتثير الغضب بين البشر وتحول قلوبهم وتتحكم في التاريخ، وربما هي التي ابقت هذه الحرب مستعرة بين اليونانيين والطرواديين لسنوات وسنوات، لكن هذه الآلهة ليست لها سلطة في عالم التوحيد، ولا تستطيع أن تجد لها أثراً فيما عثر عليه علماء الآثار في شمال غرب تركيا من كسر وعظام ومقاليع ومقذوفات يمكن أن تدل على وجود طروادة حقيقية.
لكن هوميروس (أو كتيبة الشعراء الذين اندمجوا تحت اسم هوميروس) إما أنهم أطلقوا العنان لخيالهم في تعدد الآلهة، أو أنهم كانوا أداة الربط العبقرية لنظام من المجازات الكونية التي لم تصل إلى مثلها أبداً التصورات الجامحة أو الخيال المجنون لدانتي أو شكسبير أو سيرفانتس. فإذا قرأت أشعار هوميروس سداسية التفعيلة، تجد الآلهة على صورة البشر.. غيورة، كاذبة، مستثارة جنسياً، ميالة للعداء والثأر والانتقام، عليمة، محددة النوع كذكر أو أنثى، لديها استعدادات وقدرات تستخدمها في السماء مثلما تفعل في الأرض.
لكن من الذي سيخضع الإلياذة للسجل التاريخي؟ تشير الدلائل التاريخية إلى أن الملحمة الهوميرية قد نُسِخَت بعد أجيال من ذيوعها الشفاهي. فقد انصهرت الحقائق التاريخية وذابت في طريقها إلينا عبر عصور من الإلهامات الشعرية المذهلة.
2 ـ
إن مجتمع ريتشارد الثالث في إنجلترا ( مع فرع في الولايات المتحدة) ربما يحاول استعادة سمعة هذا الرجل مما أصابها من افتراءات في مسرحية شكسبير. فقد استمد شكسبير الصور والأوصاف لسلسلة من أعمال القتل والتشويه قام بها الملك، من "رافاييل هولنشيد" الذي تأثر سجله بقوة بدعاية "توماس مور" و"تيودور" من بين أشياء أخرى، حيث وضع "تيودور" حد النهاية لسلالة "بلانتاجينت" الحاكمة، إلى "ريتشارد" نفسه، في معركة "بوسويرث فيلد" في سنة 1485.
ويجادل أنصار "ريتشارد" بأن ملكهم لم يكن المخلوق المشوه الذي صوره "شكسبير". فهم يقولون إن عمليات القتل التي نُسِبَت إلى "ريتشارد"... وخصوصاً قتله لابني أخيه المسجونين في البرج... لم يتأكد حدوثها. فهم يقيمون الدليل على أنه كان ملكاً صالحاً مارس الملك بحكمة. لكن بصرف النظر عما كانه "ريتشارد"، وكيف ظلمته الأسطورة ولم تنصفه، فإنه الآن كما كان منذ قرون هو المرآة التي يعلوها الغبار، نعود إليها جميعاً، لنستجلي حقيقة عظمى لانعكاس الذات لكل أنواع البشر في رؤية "شكسبير" لحياته أكثر مما تطرحه أية مجموعة من الحقائق. إن هذه الشعبية الطاغية للمسرحية، منذ عرضها الأول إلى يومنا هذا، تنبع من الحقيقة التي تؤديها: إن كل الرجال قد يدعون لأنفسهم مبدئياً حق الشفعة. فنحن نحصل على معرفة نصف معترف بها فقط في غمار انبهارنا الغريب بهذا المنتقم ذو الحيوية الهائلة القاتل للرجال والنساء والأطفال، إذ إن النموذج الأولي يتناول روحه المعذبة التي لا يمكنها أن تجد الملاذ من أمطار الخيبات الكثيفة.
إن ما سيفعله الرجال إزاء السلطة، والموت الأبدي، والفناء الذي ينزلونه في خدمة أرواحهم الملكية المؤذية، قد وُلِد من خلال أحداث هذا القرن الماضي. ولذلك، فإنه حتى لو لم ينتبه إلى التعليمة التي يعطيها "ريتشارد الثالث" عند شكسبير، فإننا سنجد التحديد النبوئي لهذا النوع من الاحتمالية البشرية مسجلاً هنا بهذه اللغة التي لا تضاهى.
3 ـ
إن "نابليون" كشخصية في رواية الحرب والسلام لـ"تولستوي"، قد وُصِف أكثر من مرة على أن له "يدين قصيرتين بدينتين". ولم يكن بمقدوره أن يجلس بصورة جيدة أو محكمة على السرج. فقد قيل إن حجمه كان "غير عادي"، له "فخذان ممتلئان... وقدمان قصيرتان"، و"أمعاء مكورة". ويحتفظ برائحة "ماء الكولونيا". إن القضية هنا ليست في دقة وصف "تولستوي"... ولا في أنه يبدو بعيداً عن التقرير الواقعي... بل القضية تكمن في الانتقائية: فالأشياء الأخرى التي يمكن أن تُقال عن الرجل لم تذكر. إن المقصود أن نفهم التنافر المتعارض في الإمبراطور في جسد فرنسي قصير بدين. فمن الممكن أن يكون نابليون تولستوي هو رجل الشارع العادي الذي يضع لسعة من السعوط على طرف أنفه... وهذه هي النقطة. إن النتائج المترتبة على مثل هذا التباين في الشكل والمحتوى يمكن أن يحصى بالجنود القتلى المتناثرين عبر القارة الأوروبية.
إنها خدعة من الروائي لا تقل عن خدعة كاتب المسرحية في الإشارة الرمزية بصورة مادية للطبيعة الأخلاقية للشخصية. إنها تنقل لنا، كما وضعها تولستوي، أن نابليون يختال ويرفل في الأبهة الناجمة عن جنون العظمة. وفي مشهد من الكتاب الثالث للحرب والسلام، حينما وصلت الحرب الروسية الفرنسية سنة 1812، السنة الحاسمة، استقبل نابليون رسولاً من القيصر الكسندر، وهو الجنرال بالشيف الذي أتى بشروط للسلام. إن نابليون غاضب: أليس هو الذي يمتلك الجيش المتفوق عددياً؟ إنه هو إذن وليس القيصر الذي يملي الشروط. ونظراً إلى أنه قد تورط في الحرب بدون رغبة منه، فإنه سوف يدمر كل أوروبا إذا واجه معارضة. إنه يصيح: "هذا هو ما ستجنونه من النفور مني". وحينئذ يكتب تولستوي قائلاً: إن نابليون "مضى يذرع الغرفة ذهاباً وإياباً عدة مرات وهو يشد من كتفيه البدينين".
وفيما بعد لاحقاً، حينما واسى نفسه بالمرور في موكب أمام الجماهير المتيمة به، دعا نابليون الجنرال بالشيف المرتعد إلى العشاء: كتب تولستوي: "رفع يده إلى وجه الروسي... وامسك بأذنه وجذبها برقة... وأن يجذب الإمبراطور أذن أحد، فقد كان هذا يُعتبر شرفاً عظيماً وعلامة على الرضا في البلاط الفرنسي. قال له: "إعجابي الشديد ومودتي للقيصر الكسندر، لماذا لا تقول أي شيء؟". لقد قال ذلك كما لو أنه من السخف أن يلقى أي أحد الإعجاب والمودة، فيما عداه هو نابليون.
لقد قام "تولستوي" بالبحث، لكن التأليف هو شأنه الخاص.
4 ـ
لقد كان هوميروس هو هوميروس، شاعر أواخر العصر البرونزي. وكانت القصص في العصر البرونزي هي الوسائل الأساسية للتخزين ونقل المعرفة: فالقصص هي الذاكرة العامة؛ تحافظ على الماضي، وتوجه الصغار وتعلمهم، وتخلق الهوية الخاصة. وكما أننا مستعدون لبعض السماحات. فإننا نجيز كذلك بعض التجاوزات لهؤلاء الكتاب من هذا العصر، وللكتاب الذين يعيدون تنقيح التوراة اليهودية. فبالنسبة لهم كما هو الحال بالنسبة إلى هوميروس، لا يوجد شيء مثل مقالات عن أحداث حقيقية فعلية، وكذلك لا توجد ملاحظات موضوعية عن العالم الطبيعي المنفصل عن الاعتقاد الديني، ولا عن التاريخ بعيداً عن الأسطورة، ولا توجد معلومات عملية لا يتردد فيها صدى التفخيم اللغوي. لقد كان إدراك العالم يتم من خلال السحر.
في الإلياذة هناك الكثير من الآلهة؛ وإله واحد في الكتاب المقدس، ويتنازل لهم الكُتاب عن حق التأليف. لكن القصص التي تروى في ظل آلهة متعددة أو في ظل إله واحد، يفترض في هذه الفترة أنها حقيقية من واقع أنها قد حُكيت. إن فعل الحكي للقصة في حد ذاته يحمل في طياته افتراض أن القصة حقيقية.
إننا نسمح لشكسبير بالكثير من التجاوزات، ولكن بسبب أنه هو شكسبير. وفي وقت عصر إليزابيث، أصبح الإلهام الديني مميزاً عن الحقيقة العلمية، فالحقيقة كانت هي شيء يتعين إثباته بالملاحظة والتجربة، وأن إدراك الحدث من الناحية الجمالية هو نتاج للإدراك الذاتي. فالحقيقة شيء والخيال هو شيء آخر. وجرى تحويل الإله إلى مؤسسة في عالم مجرد من السحر ومحروم منه، بسبب العقلانية والمعرفة التجريبية، إذ لم تعد القصص بعد هي الوسائل الأساسية للمعرفة. فرواة القصص أصبحوا يعتبرون فانين، مهما خلدت القصص بعضاً منهم، وأصبح من الممكن أن يُعتقد في صحة بعض القصص، ولكن ليس لمجرد أنها قد حُكيت. ففي وقتنا هذا فقط هم الأطفال الذين يعتقدون أن القصص حقيقية لمجرد أنها قد حُكيت لهم. الأطفال والأصوليون. وهذا هو المقياس للألفي سنة من تراجع سلطة القصة واضمحلالها.
5 ـ
لقد أشار القرن التاسع عشر بوضوح أكثر من العصر الإليزابيثي إلى تشوق الكتاب الفانين إلى أن تستعيد القصة مكانتها كإله ملهم. فقصة نابليون تجري أحداثها داخل مجلد تقترب صفحاته من 1300 صفحة. إنه ليس وحده فقط الشخصية المتحققة تاريخياً. فهناك أيضاً الجنرال "كوتوسوف"، قائد القوات الروسية المسلحة، والقيصر ألكسندر، والكونت روستبشين، الحاكم العسكري لموسكو، وغيرهم. فهذه الشخصيات تُقدم في الرواية كما لو أنها لا تختلف بالمرة في مادتها العضوية عن العائلات الأخرى في شخصيات تولستوي الروائية. ويوجد مثل هذا الدمج بين الحقيقة والخيال في العالم البانورامي، كما في "منزل العهد في بارما" لـ"ستاندال"، وحكاية التفاخر والطيش لـ"ألكسندر دوماس" في "الفرسان الثلاثة"، وفيها تتجسد الشخصيات التاريخية للكاردينال "روتشيللو" بصورة غير متعاطفة على الإطلاق.
وفي القرن التاسع عشر، كان التهور أو الجسارة التاريخية للروائيين تميل إلى أن تكون خطوة إلى الوراء. فـ"هاوثورن" في روايته "رومانسية بليثيدال" التي تتناول التجربة التحولية لـ"مزرعة بروك" ترسم صورة مطابقة للنموذج النسوي لـ"مارجريت فوللر"، لكنها تعطيها اسماً مختلفاً. ولهذا فأنت يتكون لديك نوع من الحذر أو ترتسم لديك ابتسامة خفيفة من التشكك. لكن الجسارة في شكل مختلف، الجرأة كمبدأ ناجح، نجدها في رواية عن الحرب الأهلية لـ"ستيفن كران" بعنوان: "النوط الأحمر للشجاعة"، الحكاية المميزة عن "أنت- هناك" لكاتب لم يكن هناك أبداً. وأغرب مشروع فيها جميعاً هو بالطبع، "موبي ديك" لـ"ميلفيل" حيث الإله الوحش الحاكم فيها في عالم غير مختلف يتشكل من المواد المتخلفة عن تجارة الحيتان.
ويشترك كل الممارسين العظام لعملية السرد في القرن التاسع عشر في إيمانهم ببقاء قوة الرواية كنظام شرعي للمعرفة. وفي الوقت الذي ربما يُنظر فيه على كاتب الرواية من أي نوع، على أنه معتد متغطرس ولا أخلاقي يلطخ النوع الأدبي المفترض، ويشن الغارات على حدوده ويحتل أراضيه، لأنه من المفترض أنه ليس أكثر من محافظ على النظام القديم لتنظيم المعرفة وتخزينها، تلك المعرفة التي نسميها القصة. فالعصر البرونزي في القلب، إنه يعيش المعالجة الكلية التي تؤرخ لمفردات خاصة للعقل الحديث.
إن السؤال الصحيح هنا هو هل الإيمان بالحرفة هنا مبرر. فبينما ينسب رواة القصص الإنجيلية إلهاماتهم إلى الله، فإن الكتاب حينئذ يبدو أنهم يبحثون عن طريقة خيالية للتفكير في القوة الشخصية.. التدفق العقلي الذي لا ينبه الكاتب أبداً إلى الأنباء التي يأتي بها. قال "مارك توين" إنه لم يكتب أبداً كتاباً لم يكتب نفسه بنفسه. ولا يوجد من هو لا يقدر هذا النظام الحرفي أكثر من "هنري جيمس" في مقالته: "فن الرواية"، حيث يصف هذه القوة أو السلطة على أنها: "حساسية فائقة... تلتقط لنفسها أوهن الإيماءات عن الحياة... وتحول النبضات الفعلية للهواء إلى إلهامات". إن ما يقدر الروائي أن يفعله في النهاية، كما يقول "جيمس"، هو "أن يخمن الخفي مما هو مرئي".
ويبدو أن هذه الموهبة للممارسة تأتي من الطبيعة المنفردة الغريزية. فالكاتب ليس له مصداقية عدا ما تضفيه عليه كتابته. وفيما عدا برامجنا لخريجي الجامعة في الكتابة، فلا يوجد شيء يرخص للكاتب أن يكتب، إذ لا يوجد معادل للشهادة الطبية لممارسة الطب، أو درجة شهادة القانون، ولا معادل لشهادة الدكتوراه في الأحياء الدقيقة أو في دراسة اللاهوت. فالكتاب قائمون منهم لأنفسهم. إنهم متخصصون في لا شيء. إنهم متحررون. بمقدورهم أن يستغلوا الاختراعات العلمية أو الأشعار اللاهوتية. يمكنهم أن يتكلموا من البطن مثل الأنثروبولوجيين، وأن يكتبوا التقارير مثل الصحفيين، وبإمكانهم أن يعترفوا وأن يتفلسفوا، بل إن بمقدورهم أن ينظروا شذراً مثل بائعي الفسق، أو تتسع عيونهم دهشة مثل الأطفال. إنهم أحرار في استخدام الخرافات والأساطير والأحلام والهلوسات ودمدمات الفقراء وتمتمات المجانين في الشارع. فكل هذا يأخذونه في الاعتبار، كل مفردة، كل نوع من البيانات يصلح طحيناً للمطحنة. فلا شيء يستبعد، وبالتأكيد ليس التاريخ.
6 ـ
على مدى الثلاثين عاماً الماضية، أو ما يقرب من ذلك، ظل الروائيون وكتاب المسرح يعبرون إلى عالم التاريخ بأعداد ضخمة. (مجرد لماذا ينبغي أن نتركه لدارسي الأدب. لكن العقود الماضية قد شهدت نوعاً من تقييد الرواية، بينما تحركت وسائل الإعلام والعلوم الاجتماعية والصحافة إلى داخل أراضيه). وكذلك بالمثل، فقد ظهر "لينكولن" في العديد من الروايات الحديثة؛ مثل الشخصيات المتنوعة، سيجموند فرويد وإيدجار هوفر وروي إم كون، قد عادوا إلى الظهور بأدوار لها أصوات متحدثة؛ وكُتبت الروايات عن الكتاب... "فرجينيا وولف" و"جيمس" ذات نفسه، على سبيل المثال.. وهو الأمر الذي أفترض أنه عدالة شعرية.
بالطبع أن الكاتب تقع على عاتقه مسئولية، سواء باعتباره مفسراً جليلاً أو شاعراً للهجاء، أن يضع المؤَلَّف الذي يخدم الحقيقة التي يكشف عنها. لكن هذا هو ما نطلبه من كل الفنانين المبدعين عبر أي وسيط. وإلى جانب هذا فإن قارئ الرواية الذي يجد في الرواية شخصية عامة معروفة تقول وتفعل أشياء لم يُذكر عنها شيء في مكان آخر، يعرف أنه يقرأ رواية. إنه يعرف أن الروائي يأمل في أن يمد طريقه إلى أقصى مدى ليتماشى مع الحقيقة بأكثر مما هو ممكن في التقرير الواقعي. إن الرواية هي أداء جمالي يمكن أن يصور شخصية عامة بصورة تفسيرية لا تقل عما تصوره اللوحة على حامل الرسم. إن الرواية لا تقرأ كما تقرأ الصحيفة؛ إنها تُقرأ كما كتبت، بروح الحرية.
هذا إلى جانب أن الشخصية العامة في التتابع التاريخي لها تكون في الغالب صورة خيالية قبل أن يصل إليها الروائي بفترة طويلة، علاوة على ما تقدم. وبمجرد كتابة الرواية فإن التصوير الأدائي يتحدد، فيتضاعف الحضور التاريخي. فهناك الشخص وهناك الصورة. وهما ليسا شيئاً واحداً ولا يمكن لهما أن يكونا. فحينما نضع أو إذا وضعنا مجتمع ريتشارد الثالث في هذه الحالة، فسوف يكون هناك اثنان من "ريتشارد الثالث"، لا يتداخل أي منهما مع الآخر. وإذا لم تكن هناك رواية واحدة عن "لينكولن" بل هناك عشرات الروايات، فإن التعددية في التصوير أو الأداء سوف تجعل الصورة غير مسطحة على قماش اللوحة، بل تجعلها أقرب إلى الرسم المجسم ثلاثي الأبعاد.
إن التجسيدات التاريخية يمكنها أن تنتشر كخيوط أو إشعاعات، أو تُصور بشكل موضوعي جاد في مؤلفات نثرية، لكنها في كل الحالات تضحي بالحياة التخيلية للأمم.
7 ـ
لكن أين يقف المؤرخون الحقيقيون من كل هذا؟ فعلى الرغم من أن الأكاديميون في الجمعية التاريخية الأمريكية ربما يظنون أن الروائي الذي يستعمل المواد التاريخية، يرتكب نوعاً من العمل غير الموثق، يتسلل به ليعبر الحدود ليلاً، إلا أن الكتاب الذين يكتبون السرد لديهم انتساب طبيعي مهما كانت دعوتهم.
إن الناقد البنيوي الفرنسي الراحل "رولان بارت"، في مقالة له بعنوان "المقالة التاريخية"، يصل إلى نتيجة مؤداها أن المجاز الأسلوبي في السرد التاريخي، وهو الصوت الموضوعي تحديداً، "يتحول ليصبح شكلاً خاصاً من الرواية". وإلى حد ما، فمثلما يكون لأي قطعة من الكتابة صوت، فإن الصوت غير الشخصي والموضوعي في سرد المؤرخ هو المخزون التاريخي. إن الفرضية المتعلقة بالواقعية ترتكز على التوثيق التراكمي الذي يعيش عن طريقه المؤرخون، ومن ثَمَّ نحن نقبل هذا الصوت. إنه صوت السلطة.
لكن لكي تكون موضوعياً بهذه الصورة القاطعة يعني ألا تكون لك أية هوية ثقافية، ويعني أن توجد في مثل هذه العزلة الوجودية، أنه ليس لك في الحقيقة مكان في هذا العالم.
إن المؤرخين يبحثون الكثير من المصادر على قدر استطاعتهم، لكنهم يقررون ما الذي يتعلق بمشروعهم وما الذي لا يتعلق به. وينبغي علينا أن نقر في هذه المهنة بدرجة الإبداع الذي يتجاوز العقلانية والدراسة الأكاديمية الجادة. يقول "نيتشه": "لا توجد حقائق في حد ذاتها، لأنه لكي توجد حقيقة ينبغي أولاً أن نقدم معناها". إن علم التاريخ، مثل الرواية، ينظم بياناته في عرض المعنى وتوضيحه. إن القالب الثقافي الذي يعمل من خلاله المؤرخ سوف يضع قيداً على تفكيره؛ فهو سيتكلم عن الزمن والمكان من خلال الحقائق التي يلقي الضوء عليها، والحقائق التي يتركها في الظلام، الحقائق التي يستحضرها إلى الوجود والحقائق التي تظل غير متشكلة ولا تولد. فالتاريخ المسجل يجري عملية مستمرة من المراجعة، وليست العملية مجرد مسألة اكتشاف دليل إضافي لتصحيح السجل. يقول الفيلسوف والمؤرخ "بينيديتو كروس" في كتابه: "التاريخ كحكاية للحرية": مهما بعدت الأحداث في الزمن، فإنها ربما تبدو كما لو أن كل حكم تاريخي يشير إلى حاجات حالية ومواقف آنية". ولهذا السبب فإن التاريخ يحتاج إلى أن يُكتب ويُعاد كتابته من جيل إلى آخر.
وبالرغم من ذلك، فنحن نتعرف على الفرق بين التاريخ الجيد والتاريخ الرديء، بالكيفية التي نميز بها بين الرواية الجيدة والرواية الرديئة. إن المؤرخ الأكاديمي والروائي الذي لا يستعين بالوثائق التاريخية، يعتمدان على مبرر مشترك، وهو العوامل الفعالة في التنوير. إنهما يواجهان الخطأ التاريخي بالصورة التي فسرته بها السلطة، والخطأ في إفساد التاريخ من أجل أغراض سياسية، واستخدام المطرقة لتحويله إلى أسطورة قابلة للاستعمال من قبل هؤلاء المستفيدين من تطويعه. ذلك لأن التاريخ بالطبع ليس هو الدراسة الأكاديمية. إنه في كل الأوقات وفي كل الأماكن، تاريخ ساخن. قال "أورويل" في روايته: "1984": "من يتحكم في الماضي سيتحكم في المستقبل". وهكذا فهناك تاريخ كما كتبه القادة السياسيون المنتخبون أو غير المنتخبين، عمالقة وطنيون، مخادعون فاسدون، مصابون برهاب الأجانب، وكل الأمثلة الأخرى التي تختزل التفكير بكل عنف؛ وهناك تاريخ مستمد من النظريات الاشتراكية كما كتبه المنظرون الأيديولوجيون، تاريخ مستمد من النظريات الاشتراكية ومن النصوص التي كتبها كتاب يطوعون كتاباتهم للضغوط الشائعة، ورجال دولة متقاعدين يرسمون أفضل صورة يجملون بها إنجازاتهم التعيسة، ومساعدو كهان متحمسون في ديانة أو أخرى من الديانات.
إن الروائي ليس بمفرده الذي يتوصل إلى فهم أن الحقيقة عرضة للانصياع لأي قيد يُفرض عليها. فالمؤرخ والروائي كلاهما يعملان من أجل تفكيك الخيالات المتجمعة في مجتمعيهما. فالدراسة الأكاديمية للمؤرخ تفعل هذا باطراد، أما الروائي فهو أكثر حدة من هذه التعديات التي لا يمكن غفرانها (لكنها مثيرة)، بينما هو يكتب يشق طريقه في قلب عمل المؤرخ وحوله وتحته، ويبعث فيه الحياة بكلمات تتحول إلى لحم ودم، إلى أناس يشعرون.
إن قرابة الدم بين المؤرخين والروائيين، ربما يُشار إليها من خلال الجهود الحديثة للمؤرخين المميزين الذين شعروا بأنفسهم مقيدين بنظامهم أو منهجهم، فشرعوا في كتابة الروايات. فقد اكتشف أحد كتاب سير الرؤساء أنه لا توجد طريقة أخرى لإنجاز مهمته إلا بالاستسلام لرحلات غير منتمية مسارها الخيال. فلا يجب علينا أن نندهش من هذه الحدود المتقاطعة. فأين هو هذا الكاتب من بين الكتاب لأي نوع أدبي، من لا يريد أن ينظر إلى الغيب؟
10/16/2008 - 14:33
القسم:


التعليقات
لك الود و التقدير أخي مصطفى محمود