ابحث
إقرأ أيضا للكاتب
- ومضات الحمراء المستديرة.. والنوع الأدبي الجديد
- سماء العراق .. هل عادت إلي أهلها ؟
- إنسان العولمة في "مثلث العشق"
- القصة القصيرة في زمن الرواية
- هل القصة القصيرة في أزمة ؟
- شوكة في القلب
- طارق إمام ... بين القتلة والأرملة
- هدوء القتلة .. بحثا عن الفردوس المفقود
- بواكير الرواية العربية
- ما تثيره (كأس بيرة) لسهيلة بورزق
- لذات الجزار السرية
- جناحها الشعر .. ونثرها .. زهرة عاطرة
- الصبار ينمو فى مرايا الروح
- خور الجمّال ... رحلة الزمان عبر المكان
- السماوي يحفر التاريخ علي جذع الوطن 2 / 2
- السماوي يحفر التاريخ علي جذع الوطن 1 /2
- صندوق جدتي
- الفراشة
- القنابل في عسل .. سلوي النعيمي
- تغريدة البجعة .. وجناية البدايات
- في بعض اللحظات .. الموت هو الخلاص ..عند الغيطاني
- الأحلام المحبطة في .. قرن غزال
- هكذا يعبثون .. بما حدث في 73
- الرواية ديوان العرب
- الرواية وتغيرات المجتمع
- نجيب محفوظ شاهد علي العصور
- المرآة
- رؤية الرواية ليوليو 52 _ الزيني بركات ... 3 / 3
- رؤية الرواية ليوليو 52 ـ خالتي صفية والدير .. 2 /3
- رؤية الرواية ليوليو 52 ـــ زينب و العرش 1 / 3
- الرواية و النكسة 2 / 2
- الرواية و النكسة 1 / 2
- قراءة في مجموعة ( عطش الماء ) للقاص / سمير الشريف ( أحد كتاب الورشة )
- قصة ( الورشة ) القصيرة في عام 3 - الصوت النسائي
- التداوي بالحب .. في القلاع الضامرة
- قصة الورشة القصيرة .. في عام
- قصة الورشة القصيرة ... في عام ... محمد البلبال نموذجاً
- والجنة مثوانا في .. بهجة العمي
- ليس دائما يعمل .. قانون الوراثة
- ذاكرة إبتسام التريسي
- نقرات الزمن في ..... نقرات الظباء
- دستور خيري في .. ( كتاب التوهمات )
- بمناسبة الحياة ..
- عباس .. الأميبا .. لمن هو عبد
- الواقع والمتخيل في .. عمارة يعقوبيان
- العابثون في الملاعب المفتوحة
- السحر الأسود .. يكفن الحاضر
- رحلة الإنسان .. في .. مثل واحد آخر
إنسان العولمة في "مثلث العشق"
إلا أن الواقع يؤكد عكس ذلك . فقد انحبس الفرد داخل حجرته ، وتقوقع علي نفسه ، وازداد شعوره بالضآلة والوحدة ، فعاد إلي الملوس في حياته ، إلي جسده ، وكأنه يعود من جديد إلي الرحم ، فظهر ما اصطلح علي تسميته في عالم الكتابة بـ " كتابة الجسد " ، متمشيا مع طبيعة العصر المادية ، حيث اصبحت المادة هي لغة العصر . غير أن الإنسان – كإنسان – هو روح وجسد ، عاطفة ومادة ، الأمر الذي أوقعه في صراع بينهما ، وأدي الصراع والمعاناة إلي ازدياد مرارة أحاسيسه ، فزاد إحساسه بالوحدة ، ومن ثم تزايدت متاعبه النفسية وتشوهت ، وانعكس ذلك علي سلوكه وتفكيره ، وفقد الثقة في نفسه وفيمن حوله ، حتي شمل أدق خصوصيات حياته ، وأقرب الناس في هذه الحياة . فأصبح الشك هو السمة الأساسية التي حاول "شريف صالح " أن يعبر عنها في مجموعته المتميزة " مثلث العشق " . فيظلم كثيرا – شريف صالح – من يكتفي من مجموعته بالقراءة الأولي ، أو من يقف بها عند ما يعد من كلاسيكيات الكتابة ، ويتصور أن المحور الرئيس في المجموعة هو الثالوث التقليدي ( الزوج والزوجة والعشيق ) حين يقع في غواية الفضول الجنسي الذي ينشب أظفاره في لحم القارئ منذ أن يطالع عنوانها " مثلث العشق " . حيث يتصور اختراق التابوهات ، وهو الأمر الذي يثير فضول القارئ العربي – خاصة – يساعده في ذلك نعومة اللفظ وحميمية الحديث التي ينزلق عليها القارئ ، وكأنه يتزحلق علي الجليد . غير أنه ما أن يذوب ذلك الجليد حتي يجد القارئ نفسه يقف علي أرض وعرة ، كثيرة المنحنيات والتعرجات. وحيث تدور قصص المجموعة – جميعها – حول العلاقة بين الرجل – الراوي في أغلب الأحيان – والمرأة الآخذة عدة أشكال ، ومواقع تنتهي جميعها برؤية محبطة . وكأني به يريد أن يقول ، لا يخدعنك سحر المرأة ومفاتنها الخارجية ، فلو أنك نظرت للجوهر ، لهالك ما يمكن أن تراه و" مثلث العشق " ليس اسم قصة من قصص المجموعة ، ولكنه عنوان تخيره الكاتب ، لذا فإنه يعنيه ، ومن هنا ، تصير النظرة إليه علي اعتباره ، ليس العتبة الأولي فقط ، ولكنه أيضا المصباح الذي لابد أن يحمله القارئ معه في تجواله داخل المجموعة ، ليستضئ به في دهاليزه ومنحنياته . ويصبح البحث فيه فريضة عليه كي يصل إلي حقيقة فعل الكتابة عند شريف صالح . فإذا ما أعدنا النظر في العنوان " مثلث العشق " لتوارد علي الفور إلي الذهن " مثلث برمودا " وهو الأسم الظاهر لذلك المكان الواقع في المحيط الأطلسي بين برمودا، وبورتوريكو، وفورت لودرديل (فلوريدا) . والذي كثرت حوله الشكوك والتصورات ، فأصبح معروفا بـ " مثلث الشيطان " . فقد لبس الشيطان إذن عند شريف صالح ، لباس العشق . فإذا كان شيطان الجن يقود إلي الجحيم في الآخرة . فما هو جحيم الدنيا التي يقود إليها شيطان الإنس ؟ وما هي إذن أضلاع هذا المثلث ؟ يتطلب التعرف علي ذلك بالضرورة ، جولة في قصص المجموعة . ثالوث الزمن يؤكد علماء النفس خطورة مرحلة الطفولة علي شخصية وتكوين الطفل ، وأنها تترك في أعماقه ما قد يستمر معه طوال حياته . ولقد تفتحت مدارك الراوي في القصة قبل الأخيرة " خطيئة كعب " علي أم { أفنت بين فخذيها ثلاثة رجال } و { خالطت رجالا بعدد شعر رأسها } . وكان والد الراوي أول رجالها الثلاثة ، بمعني أنه عاصر معها رجلين آخرين ، وهو ما يمكن أن يفهم منه ما يمكن أن ينعكس علي الطفل من آثار نفسية . وهي التي زرعت فيه أنه ليس إلا نملة بجانب فحولة أبيه ، وهو الشعور الذي لازمه ، وأدي به إلي أن يصبح لا منتمي ، فلا هو مسلم ، ولا هو مسيحي . ليس في حياته أي تجارب .. يكره { الجزء الأنثوي الغامض في شخصيتي ، والمعاند لفحولة أبي وشهوانية أمي ..} ص 113 . ويعرف نفسه : { هذا أنا ، لا حار ولا بارد ، أخاف المعاصي التي تحذر منها الأديان كلها .. أخاف من السجائر وأفخاذ النساء وبيع كتب المكتبة خلسة بنصف الثمن . لا أتذكر أنني غامرت يوما ما أو ارتكبت حماقة صغيرة . شخص مسجون بين رفوف الكتب ، يسمع عن الحياة من ثرثرة الآخرين لكنه لا يراها ..} ص 114 . وشخصية بهذا التكوين مرشحة بقوة للوقوع في شرك المرض النفسي ، وهو ما جعله يصل الأربعين ولم يمر بتجربة ، الأمر الذي فجر بداخله رغبة العنف ويفكر في حرق أمه ، وحرق المكتبة التي يعمل بها بما فيه ومن فيها . غير أن الصدفة هي التي قادته لكعب إمرأة رآها وهو في الباص ، وعرف أنها مسيحية ، ذهب يبحث عنها في الكنيسة ، وحتي يدخل ادعي أنه مسيحي رغم أن اسمه " علي " وكأن قوة جبارة تشده إليها ولا يستطيع منها فكاكا ، إلي أن ينجح في التعرف عليها ، وتصدير صداقة ، ويصل لهدفه في النهاية ، أن يقبل ويلتهم ذالك القدم الذي هو غاية المرجي ، وكأنه يعب الغمر في كعبها ، أو يلتهم رحيق الورد فيه . وبهذ يمكن أن نتعرف علي الضلع الأول في مثلث شريف صالح ، والذي يمكن أن نتعرف علي ضلع آخر منه في أولي قصص المجموعة " جر الخيط " نحن أمام رجل { اعتاد أن ينتظر عودتها من الخارج حتي ساعة متأخرة من الليل ، يستسلم صدره لوخزات ورغبات متناقضة ، صحيح أنها دائما تتصل به علي الموبايل وتخبره أنها في المكان الفلاني وستعود في الموعد المحدد ، لكن من يضمن أنها فعلا في هذا المكان ؟ وماذا تفعل ؟ لماذا لا يجرؤ علي مراقبتها والخروج وراءها ؟ } ص 13 . وتحكي له – زوجته - بنفسها عن مضايقات بعض العملاء لها ، في الوقت الذي تعتني هي بأنوثتها ، الأمر الذي يجعله ( يشك ) في انتهاك الآخرين لحرمته ، غير أنه لا يملك إلا { هز رأسه إلي أسفل بعصبية ويكز علي أسنانه حتي تصدر صريرا لا يسمعه أحد سواه } ص 16 . ويظل الزوج طوال القصة ، يُنسل في الخيوط بحركة لا إرادية . خيوط الأغطية ، وكأنه لا إراديا يتم التعري للأشياء . وعند النهاية ، وبفعل إرادي ، يحاول أن يعيد تغطية خصوصياته ، يحيط امرأته من أسفلها لأعلاها ، ويحكم التغطية ، غير أنه في النهاية يجد مالايستطيع تغطيته ، إنهما عيناها ، تلك النافذتان المطلتان علي العالم ، وكأنه مهما حاول الانعزال عن العالم ، فإنه لا يستطيع . وهو قمة العجز الذي يشعره إنسان العصر أمام النوافذ المفتوحة علي الخارج . وفي ثالث قصص المجموعة " سيدة الدانوب الأزرق " تلك القصة الممتعة شكلا ومضمونا ، تبدأ القصة بداية تضعنا في صلب الموضوع مباشرة بطريقة ناعمة وموحية { استحمت بماء فاتر لتزيل رائحته العالقة بجسدها } فقد أنهت الزوجة لتوها العلاقة الحميمية ( الروتينية ) مع زوجها ، فتحممت لتزيل آثاره قبل أن تذهب للمدلك الهندي ( كومار ) في الور الأول من نفس العقار . ذلك الذي يقوم بعملية التدليك ، وكأنه يقوم بالممارسة معها ، وكأنه يعزف علي أوتارها ، فيصدر منها أصوات كأنها فالس الدانوب الأزرق . إلا أن ذلك ليس هو ما يتم بالفعل ، إذ الأرجح أنه ما يدور في ذهن الزوج ذاته . وعلي الرغم من ذلك ، فإنه – الزوج – يذهب بنفسه ليسدد الاشتراك الشهري للمحل ، ويثني علي العاملين فيه ، خاصة ( كومار ) لأن زوجته سعيدة معه . ثم يُقتل الزوج . وكم كان شريف صالح موفقا في عدم الاستسلام للتحقيقات التي تمت لمعرفة القاتل ، ليظل فعل القتل هنا معنويا أكثر منه ماديا . وفي ثاني قصص المجموعة " شعرها الغجري تتطاير منه الحجارة " نجد نفس الزوج و وقد حالت الظروف الجوية بينه وبين زوجته المحتجزة في أحد المطاعم " شرمبي " ، ويتعرف عليها مديرالمحل . هو إذن { زوج غبي وساذج ، خرج بنية طيبة لأخذ زوجنه من السوق . تصرف كأي زوج محترم ، لكنه لا يعرف أين هو ولا أين زوجته ؟! لعلها تضحك في غرفة مخصصة للمدراء بعد أن خلعت نقابها وصندلها الخفيف ..} { هو متأكد أن زوجته تسنطيع بسحر أسود بسيط أن تحرك عاصفة أو تقلب السماء علي الأرض ........... أما كونها تخمش وجه رجل آخر وصدره بأظافرها الحادة الطويلة ، وتغرس أسنانها في كتفه ، فمجرد شك عابر يرفض في أعماقه أن يستسلم له ، في كل مرة يرفض في أعماقه أن يستسلم له .........} ص 38 . إلا أن شخصا جديدا يظهر في هذه القصة – إضافة إلي الزوج والزوجة - : { في جو ربيعي مشمس ظهرت طفلتهما الصغيرة علي شاطئ الخليج تلهو بسيارة صغيرة جدا عثرت عليها في الرمل . يطل منها رأس سائق يرتدي بدلة رمادية ، وقد صفف شعره بعناية ويحمل في يده اليسري هاتف " سوني إريكسون "التصق بخده إلي الأبد } وبالطبع هي نفس مواصفات الأب ( الزوج ) . ثم { من بعيد نادت عليها سيدة منتقبة ( بسبب النقاب لا نستطيع الجزم إذا ما كانت هذه السيدة هي أمها رغم طلاء الأظافر النبيذي الذي تميزت به والصندل الأسود الخفيف الذي ترتديه ) وإلي جوارها حيث تجلس مسترخية منفرجة الساقين قليلا ، رجل يبدو في الخامسة والأربعين ، يشبه إلي حد كبير مدير مطعم " شرمبي " } ص 39 . فالابنة ظهرت هنا كامتداد لنفس حالة الزوج والزوجة ، نفس الظروف ، ولم يزل ذلك الزوج – وامتداده – كل ما لديه مجرد شك ، لذا فلا يملك إلا الاستسلام ، فهو غير قادر علي أن يفعل شيئا ، وكأنه ذاك الفتي الذي رأيناه في " جطيئة كعب " ، ولتكتمل أضلاع المثلث المحرم ( الأم ، الزوجة ، الإبنة ) واللاتي يتم اقتحامهن من قبل الغير، بينما هو لا يستطيع فعل شئ ، تقف الزوجة فيه هلي الأفق عند ما تحت المنتصف بقليل ، بينما يمثل هو ( الزوج / إنسان العصر ) الضلع الواصل من الأم عند الرأس ، والإبنة عند القدمين . وإذا كان هذا الثالوث يمثل مراحل الزمن الثلاث ، الأمر الذي يعني سرورته ، فإن هذا الثالوث ليس وحده في المجموعة الذي يعبر عن الزمن ، حيث نجد في قصة " سعاد حسني " – وقد استغل الكاتب خبراته ودراساته السينمائية في عقد مقارنة بين سعاد حسني التي كانت في شبابها مقارنة بنجوم عصرها ، ومن أتوا بعدها ، هي الزبقة الشفافة الفراشة الملائكية . تلك التي كانت ، هي وليست هي ، تلك المرأة التي { تعاني السمنة والكهولة } التي { كانت ملقاة أسفل بلكونة في برد لندن } وبجوار { جسدها المسجي فردة حذاء السنريلا } . وفي قصة " المغني العاطفي " أيضا يمر الزمن وتتغير الدنيا . فالعنوان الدال " المغني العاطفي " يشير إلي العاطفة ، تلك التي كانت ، ففي زمن العواطف ، كان الشاب " المغني " يمر كل يوم ليشتري الورد من محل " الورد جميل " ويقدمه لحبيباته الكثر المجهولات . ويمر الزمن به سنوات وسنوات ليفاجأ بأن محل الورد لا وجود له ، وأصبح مكانه " موزع معتمد لأفخر أنواع السيراميك " بل أصبح الورد تهمة تسوق إلي الجلد ، فيسعي لجمع وريقاته حتي لا تكون دليلا عليه . الهم العام علي الرغم من قراءة القصص جميعها بصورة مباشرة ، بمستواها الأول ، فتمنح المتعة المرتجاة من الإبداع ، كأحد العناصر الأساسية فيه ، إلا أن القارئ المدقق لا يستطيع إغفال عديد التأويلات المستخرجة منها ، في مستويات أخري . خاصة تلك التي نحتت في أرض مصرية . ففق قصة " مينادا " وعلي الرغم مما ساقه الكاتب ضمن سطور القصة عن التسمية ، والتي تقودنا حتما إلي ما هو في أعماق التاريخ ، إلا أن هذه السباحة في التاريخ ، فضر عن سباحة مينادا نفسها في القصة ، تقودنا إلي اشتقاقات الكلمة " مينادا " وكأنها اشتقاق من " مينا " المشهور بـ " موحد القطرين ، والذي تقول عنه كتب التاريخ أنه مؤسس الأسرة الأولي الفرعونية . وكأن الكاتب يريد أن يؤكد لنا أنه عن مصر يتحدث ، خاصة إذا قرأنا { ثم هبط بها في محطة جمال عبد الناصر ويرجوها بكل صفاقة أن تعتني بشعرها القصير المجعد والملفوف كأنه فروة جدي } ص77 . فالهبوط في محطة جمال عبد الناصر ، وإن كان هبوط مكاني في إحدي محطات المترو ، فإنه هبوط تاريخي للوقوف علي تلك المحطة . محطة زمنية في تاريخ مصر . وكانت الصورة فيها غير سعيدة ف { شعرها القصير المجعد والملفوف كأنه فروة جدي } . مصر التي كان { صوتها رائع مثل صوت هند رستم لكن رائحتها ليست كذلك } ص 75 . وكم كانت مصر ذلك العهد مليحة الصوت ، صوت الغناء ، وصوت الشعارات ، لكن رائحتها ، وما كان مخبأ وراء ذلك الصوت ، لم يكن كذلك . وقد اغتصبها الراوي ، ثم قدمها لثلاثة من أصدقائه ، بالتعرف عليهم ، نعرف أنهم من عامة الشعب . أؤلائك الذين ادعي جمال أن مصر لهم . وأؤلائك الذين بالفعل استفادوا من تلك المرحلة ، ومن وظائفهم نتعرف علي ذلك ، حيث لكل منهم دلالة شديدة الذكاء شديدة التعبير عن قسم من الطبقات التي استفادت من تلك المرحلة { ونفهم أنه تواطأ مع أصدقائه الثلاثة " الشاعر وموصل الطلبات وموظف العلاقات العامة " كي يهبطوا إلي النهر فور صعوده ، ويغتصبوها معا ، برغم أنها نامت معهم من قبل بإرادتها ! } ص 80 . ويواصل شريف التعبير الفني الرائع عن تلك المرحلة ، فيأخذ الراوي ، الرمز" مينادا " ، مصر ، الضحية ليسبح بها في النهر ، ليتركها و ( يخلع ) . ثم لتصبح نهبا مستباحا للعسكر ، وكأن ( حاميها حراميها ) فيرسل إليها رجال الشرطة الذين لم يسعوا لإنقاذها وإنما يواصلون اغتصابها : { طبعا لم يتأخر الشرطي إن لم يكن بدافع الواجب ، فمن باب الفضول ، ورأي " مينادا " تسبح وحدها ، فخلع ملابسه الرسمية وهبط في إثرها . ودون أن يتبادل الكلام معها ضاجعها . 0 هكذا ببساطة ) ثن طلب منها أن تيتر نفسها وتذهب لبيتها ، لكنها رفضت ، فأرسل إليها زميلا ثانيا وثالثا ورابعا لإقناعها } ص 80 . ثم يسوق عبارة في غاية الجمال والتعبير الدقيق والرشيق ، والتكثيف { كان الجميع تقريبا يعرفون أين تسبح " مينادا " عارية لكنهم يتواطأون علي الصمت ، وجميعهم يضاجعونها ثن ينكرون ذلك } { أما البطل الرئيسي فاختفي كأنه " فص ملح وداب " . وتنتهي القصة بهذه الفقرة الغامضة كأنها نهاية سريالية } . ألم تكن نهاية تلك الفترة بالفعل نهاية سريالية ؟ . وقد ظهر شريف صالح في هذه القصة ككاتب ، كما في غيرها ، بصورة أكبر ليؤكد أنه لا يكتب قصة خيالية ، وإنما هو يعيد قارئه إلي أرض الواقع ، ويسأله ألا يتوهم ، فالواقع أكثر خيالية وأمثر سريالية من الخيال . ويكاد يقترب من الإفصاح – دون إفصاح أو مباشرة حين يتدخل ليوضح { نأتي إلي اختيار أسماء البطلين الأساسيين ، نلاحظ أن كل الشخصيات بلا أسماء عدا البطل نفسه واسمه " كريم " وهو نفس اسم كاتب القصة ، وهذا امر يثير اللبس والارتباك ، فهل هي قصة حقيقية لكنه لايرويها بضمير الأنا ، بل يحكي باستمرار عن " هو " وكأن هناك انفصاما في الشخصية } . ألم تكن مصر بالفعل في تلك المرحلة مصابة بانفصام في الشخصية ؟ . وربما كانت تلك الرؤية لقصة " مينادا " هي التي دفعت الراوي في قصة "شاب هندي وفتاة صينية " لأن يبحث عن الحب الذي تمناه مصريا ، فراح يبحث عنه خارجها ، بينما بقيت مصر ( ممثلة في إخوة الزوجة ووالدتها ) هي الرقيب ، في الوقت الذي تفاني فيه بحثا عن المحبوب الذي تلبسه ، حتي تعايش مع القول الصوفي الذي يري أن المحب يظل يناجي المحبوب حتي يقول له ( يا أنا ) . وينتقل شريف صالح في قصة " سنونوة " – التي تجمع عددا من كافة الجهات العربية ، علي غرار التجمع الحادث في ميرامار أو ثرثرة فوق النيل - إلي الهم العربي وكيف أن العرب يحاربون بكأس " شيفاز" ، وكيف أنهم يعيشون الليل بغير ما يعيشونه بالنهار ، معربا عن ازدواجية الرؤية والحياة العربية . الظاهر والباطن في السرد أثبت العلم العلاقة الوثيقة بين الحالم ، وعالمه الخارجي . وقد استغل شريف صالح هذه الرؤية بمقدرة في الربط بين الجو الخارجي المحيط بشخوصه ، وبين ما يعتمل في جوانياتهم . تمثل ذلك بشكل رائع في كل من قصتي " شعرها الغجري تتطاير منه الحجارة " " سيدة الدانوب الأزرق " علي سبيل المثال . ففي قصة شعرها الغجري ، يهاتف الزوج زوجته لتنتظره { بعد ربع ساعة أمام البوابة رقم 6 لأنه لن يهبط من السيارة .. ولن يجد مكانا يركنها فيه .. ردت غاضبة بأنها تحمل أكياسا ثقيلة وستنتظر في الداخل بجوار " شرمبي " أغلق كل منهما هاتفه في التوقيت نفسه دون تحية } ص 19 . فرسم هذا الحوار المقتضب توتر العلاقة وتأزمها . ولنا أن نتصور ثورة الزوج الداخلية التي لابد اشتعلت في أعماقه وراح يصبها علي رأس الزوجة ، بل وكل الزوجات ، وهو ما نري الطبيعة تعبر عنه بثورتها المفاجئة ، والمعبرة عن الرؤية الخارجة من الأعماق ، فنري تلك الصورة المعبرة الموحية في تصوير النساء جمعيا : { الشجر كما النساء .. فلكل شجرة طريقتها الخاصة في استقبال العواصف الماطرة ، فهذه استلقت ورفعت جذعها المنتزع من الأرض لأعلي ، وأخري مالت قليلا ولامست بأوراقها سيارات العابرين دون أن تسقط . لا تعرف فرحة السقوط والتحرر من كل أنواع التشبث ، بل تنحني للعاصفة كما يقولون . الثالثة ظلت في وقفة مصطنعة كأنها مصابة بشلل الأطفال ، ورابعة تبدو كانرأة منكوشة الشعر ، وخامسة وجدتها فرصة لتتعري وتلفت الانتباه إلي وجودها . ببساطة تظهر كل شجرة علي حيقتها في العاصفة } ص 27 . وفي لحظة الأزمة – علي طريقة سكة السلامة – وكأنه في مواجهة لحظة النهاية . يعترف الراوي { طوال حياته لم يعرف أكثر من خمس أو ست نساء ربما كلهن اتحدن مع الطبيعة للانتقام منه بطريقة يجهاها } . ثم يتواطأ ( الراديو ) مع الطبيعة في إضفاء جو الأزمة فيذيع ما يوحي بموت شخصية مهمة ، لينضاف جو الموت ، والقلق الناتج عن عدم معرفة من مات ، في زيادة حدة القلق والتوتر في أعماق الراوي . وفي قصة " سيدة الدانوب الأزرق " تتحالف نغمات الفالس مع أصابع الملك في التخلص من ثقل وهم الزوج وماديته التي يمارس به الفعل معها دون إحساس . ويتصاعد الإحساس ويتناغم مع تموجات الأوتار والإبواق في الموسيقي مع تموجات أصابع الدرب للصعود إلي قمة النشوة الروحية الحسية في ذات الآن ليتوحدا في النهاية ، ولا يعرف القارئ إن كان ما حدث حدث بالفعل ، أم أن المرأة تخيلته حين سماع الفالس في مكان ما من العالم { .. حالة من النشوة والسمو والتصاعد في نهاية الفالس . تمنت لو أبقي " كومار " يده الدافئة في هذه المساحة قليلا إلي أن ينتهي التصفيق ليوهان شنراوس } ص 50 . لقد توفر لمجموعة " مثلث العشق " عناصر الإبداع الحقيقي القائم أولا علي المتعة القرائية ، والمتعة الذهنية ، معبرة عن هموم الإنسان المعاصر عامة ، وهموم الإنسان العربي خاصة . فاستحق شريف صالح عليها التهنئة .
شوقي عبد الحميد يحيي
Em : shyehia@yahoo.com
