You are here
اجنحة الخفافيش

أجنحة الخفافيش
جمال المظفر
كأنهما في مدينتين منفصلتين لم تدخلهما التكنولوجيا
الحديثة و أسلاك الهاتف، يرتفع الصوت تارةً و ينخفض تارةً اخرى رغم أنهما
تسكنان في غرفتين متقابلتين بعمارة من طابقين لا يفصل بينهما غير ممر من
الآجر المربع المتآكل بعرض مترين تظهر بين ثناياه مجاميع من الأرضة والنمل
والصراصر بينما تتسامى رائحة العفن في أرجاء البناية من آثار الرطوبة،
الجدران أشبه ما تكون بمزرعة للخفافيش، عارية من الأسمنت تزين واجهتها بعض
الشرفات الآيلة للسقوط من الخشب المتآكل، بينما يتهدل الباب الخشبي القديم
وكأنه بوابة قلعة آثرية قديمة رسمت عليه السنين أخاديد عميقة و كأنها غابة
من الأغصان المتشابكة.
كانت البناية تستخدم كخانٍ لخزن البضائع والحبوب، و أحياناً يربط بعض الحمالين حميرهم في داخلها لإيوائها لليوم التالي، أجريت على البناية بعض التحسينات بعدما بيعت بالمزاد العلني لأن صاحبها قد تراكمت عليه الديون بسبب موائد القمار، فعمل المالك الجديد الطابق الأرضي حماماً للرجال تخرج منه سحب البخار كما لو تخرج من فوهة إبريق، و بجواره دكان لبيع الصابون و المناشف و مساحيق الغسيل و أشياء أخرى تخص الرجال، و الطابقين الآخرين لسكن العازبات القادمات من خارج المدينة، كأن يكونن طالبات أو موظفات في دوائر الدولة الحكومية.
قالت الأولى بصوتٍ عالٍ ومخنوق كأنها في قعر بئر خاوية: هل رأيت القرد اليوم؟
فترد الاخرى بصوتٍ يشبه خوار الماشية: لم أره، تصوري كلما أراه يصاب يومي بالنكد.. فأنا أعرف بأن البوم و الغراب يجلبان الشؤم إلى الناس، أما القرد فهذا حظي!!
ترد الأولى: لو كان متحضراً لما عمل الطابق الأرضي لسكننا نحن العازبات حماماً للرجال
قالت الأخرى: أنا لا أطيق رؤيته، و لو رأيته لرجوت منه أن يغيره إلى حمام للنساء.
ردت الأولى: إنه قرد، كرشه يبعد عن جسمه نصف متر، و أذناه كبيرتان، و أنفه كمنقار ببغاء، و قدماه طويلتان، هل رأيت حذاءه الطنبوري إنه كبير جداً لماذا لا يغطي جسمه عندما يمشي فأني إراه بكل هيئته عورة!!
ترد الأخرى: يا لك من جريئة، قولي القرد وكفى.
تصمتان للحظة، يسمح صوت بائع النفط في الشارع، وصوت الرجل الطاعن في السن الذي يشتري الأحذية القديمة و القناني الفارغة و الأسرة المستعملة و تتعالى أصوات الباعة و قهقهات المستحمين الخارجين من الحمام ينسلُ أحد الأصوات إلى أذني الفتاتين في الغرف: إنه فندق للعوانس و الأرامل، و تتبع هذا الصوت ضحكة قوية و قرقعة أيدي.
ترد الأولى بعصبية: حقراء، انظري إليهم بكروشهم المترهلة، إنهم اشبه بمجموعة من الحيوانات يجمعهم اسطبل واحد، يدخلون فيه ليلفظوا أوساخهم، يا للعنة عليهم-
فصاحت الأخرى: هل تعرفين بأن صاحب الحمام أقصد القرد، غير متزوج.
ردت الأولى: ومن هي المجنونة التي ترضى بقرد أفعص الأنف، يجب أن يبحث عن قرينة له في غابات أفريقيا أو الهند، يقولون أن القردة هناك كثيرة، عله يجد واحدة تلائمه.
قالت الأخرى: لماذا لا تتزوجينه يا كركم، صحيح إنه لا يملك مواصفات الرشاقة، ولكنه غني جداً
ترد الأولى: تباً لك أيتها البقرة، لماذا لا تتزوجينه أنت، إنه يليق بك.
قهقهت الأخرى على كلام صديقتها (يبدو فمها أشبه بفم ضفدعة عندما تضحك) و راحت تردد "القرد مالو، مالو القرد.. المال في جيبو زي الورد"
ردت الأولى: أراك تتكلمين عنه كل يوم، لأنك تريدين أن تعرفي وجهة نظري فيه، قلت لك إنه يليق بك.
ردت الأخرى: ستبقين عانسة طوال حياتك، لازوج، ولا مال، ولا مستقبل، سوى ذكريات بائسة، وحياة شاقة، وكلمات جارحة، ستصبحين مثل (أم الهوى) خائبة، ضالة، وحيدة، منهارة.. أجل ،و سيرميكِ الزمن إلى الحض..يــ..ض خرجت هذه الكلمة بنبرات مؤلمة وبحشرجة في صوتها، أشبه ببكاءٍ أصم. يسمع صوت المزلاج تنزل كريمة رجلها من عتبة الغرفة، وتخاطب صديقتها: سأذهب اليوم لزيارة مرقد عبد الله بن علي، عليَّ نذر وسأشتريه من سوق العطارين
ردت الأخرى: يقولون أن الناس يزدحمون في المرقد، والنذور كثيرة، وبالأخص من اللواتي لا ينجبن.
ترد الأولى: تصوري المرقد مزدحمٌ دائماً رغم صغر مساحته فهناك من توزع (حلال المشاكل) على الجالسين و أخرى تنثر الحلوى، وواحدة تربط كنتها في شباك المرقد من أجل أن تحل عقدتها، و بعض النسوة يطبعن أيديهن بالحناء على جدران المرقد، الجو هناك مختلف، رائحة البخور الهندي و أغصان الآس، و شموع الميلاد، و الحناء المعجونة مع ماء الورد في الكؤوس، و الأساطير الغريبة، كل واحدة و لها حكاية.
ترد الأخرى: رافقتك السلامة أيتها الـ… و تفتح نافذة الغرفة التي تحجز نصفها الأسفل مجموعة من القضبان الحديدية المتعامدة، تلقي بنصف جسدها خارج النافذة المطلة على الشارع المحاذي لنهر الخندق، حيث تتداخل رائحة الحيوانات النافقة في النهر مع رائحة العفن المنبعثة من داخل الغرفة، تنفث زفيرها بقوة كحوتٍ جريح فقد فرصة الحياة على أيدي صياديه، تتابع مرور الناس على الأرصفة الملتهبة من حرارة شمس الصيف، تطاردها بعض النظرات و التلميحات من المارة، توصد النافذة و تجلس على السرير الكسيح الذي فقد أحد أرجله و يستند على أربع طابوقات هشة، تنظر بضجر إلى الغرفة شبه المنهارة، و السقف الذي ينفث التراب و الآيل للسقوط في أية لحظة يتمناها، و الجدران الرطبة المتشققة، و خيوط العناكب التي تملأ الزوايا، و الباب المخلوع، و السجادة المتآكلة التي استهوت نسيجها الجرذان الموبوءة التي تمرح في الغرف، كل شيء بحاجة إلى ترميم.. و بينما هي تطالع غرفتها الحقيرة، يفزعها صوت صديقتها و هي تصرخ مذعورة من مرور جرذ كبير من بين رجليها:- يا للعنة على هذه الحياة البائسة، جرذان، و صراصر، و أرضة، و قمل، و أكوام أوساخ، و مياه قذرة، و خفافيش لا تفارق جدران الفندق.
فترد الأخرى: حاولي أن تعتادي على هذه الحياة.. يا صديقتي.
يسمع صوت قبقاب (كريمه) وهي تنزل السلم الخشبي، حيث يختفي الصوت إلى أذن صديقتها مع اختفائها في عتمة السلم المؤدي إلى الشارع حيث تمتد العتمة إلى ما لا نهاية المعاناة اليومية، تلف جسدها بعباءة من التترون الأسود، تتخطى عتبة الباب حيث يفاجئها رجل في الستين من عمره يجلس عند باب الحمام بمغازلة طريفة: كيف حال العصفورة اليوم.. تتجاهل غزله وتندفع في زحمة الناس و الشاحنات الكبيرة المكتظة التي تحمل البضائع من مختلف المدن و الباعة الذين يفترشون الرصيف، باعة عطور و بخور و ملابس نسائية و لعب أطفال و أقفاص طيور و حمام، تنحدر نحو سوق العطارين، حيث تشتد رائحة التوابل و البخور الهندي، يشتد بها العطاس، تطلب من الرجل العجوز بخور الصندل بقيمة ألف دينار، يشعر الرجل بضيقها من رائحة التوابل، فيسرع في تنفيذ طلبها، تأخذ البخور و تراوغ هاربة ما بين شاب و امرأة و مجاميع من الصبية و العربات، حتى تصل الجسر المؤدي إلى المرقد، تنتظر للحظة عبور السيارات المسرعة و هي تطلق زعيقها بلا مبرر، تفلت من بين الزحمة نحو الجهة الأخرى، فالمرقد على بضعة أمتار.. تدخل الباب الخارجي، و تنزع قبقابها احتراماً لقدسيته ليس هنالك من مكان لكي تجلس، فالمرقد مزدحم، و دخان السجائر و البخور يملأ أجواءهُ، ثرثرة نساء و كركرات اطفال و دعوات أمهات لأبنائهن الذين ما زالوا في بدلات الحرب، أمنيات ضالة لنساءٍ لا ينجبن، الحائط يمتلئ بالحناء، و الزوايا تعج بالهدايا من الزوار و قد كتب عليها "وقف فلان بين فلان" تلمح إشارة من عجوز هرمة في التسعين من عمرها تلوك قطعة حلوى صلدة، إنها توفر مكاناً للزائرة، تحمل قبقابها في يدها و تجلس قرب العجوز، متقرفصة، ليس هنالك من مسافة كافية لكي تجلس بصورة طبيعية، تسألها العجوز: هل لديك نذر؟ فترد: نعم، لدي
فترد العجوز: عسى أن لا يكون مثل قطعة الحلوى القديمة هذه منذ ساعة ألوك بها ولم تذب، كأنها من الأسمنت
فترد كريمة: مزيداً من اللعاب يكفي لإذابتها
ترد العجوز: هل أنت متزوجة؟
ترد كريمة: للأسف.. كلا
ترد العجوز: ياه.. أنتِ يائسة، إذن حاولي أن تتجرعي كأس العنوسة، لا تنهاري.
تضيق ذرعاً بكلام العجوز الشمطاء هذه، تخرج منديلها من حقيبة اليد تمسح العرق المتصبب من كلام هذه المجنونة، تدفع بيدها كتلة جسدها المتقرفص وتغادر المرقد، فالحرارة تزداد في الداخل رغم وجود المراوح السقفية و العمودية، و لكن كثافة الزائرين و زفير الأفواه يجعل المكان مليئاً بالوخمة و الرطوبة..
"أنت يائسة.. حاولي أن تتجرعي كأس العنوسة" إنها كلمات مقززة، تباً لكِ أيتها الملعونة، كان عليّ أن لا أستجيب لإشارتها، هن هكذا كلما تقدم بهن السن زاد بهن الخرف، امرأة لا تستطيع مضغ قطعة حلوى لا تستحق الحياة، يفزعها صوت مزمار سيارة حمل كبيرة تريد الإستدارة تنتبه إلى نفسها، فهي في منتصف الشارع تقريباً، تعبر إلى الضفة الأخرى، تجفف العرق المتصبب من على وجهها و صدرها فيرن إلى مسمعها كلام ذلك الشاب الطويل القامة: هل ترافقيني يا حلوة.
فتصرخ به منهارة: تباً لك يا ابن العاهرة.. و تنصرف في سيرها غير آبهة بالزحمة في السوق، سوى صدى تلك الكلمات: أنت يائسة.. حاولي أن تتجرعي كأس العنوسة.
تحاول جاهدة إيقاف تصبب العرق بغزارة من جسدها يتبلل ثوب البرلون الخفيف يلتصق على جسدها وتبدو شبه عارية، يشعرها بلزوجة مقززة على مساحة نهديها المتكورين، تحاول إزاحته منهما لكنه يلتصق تماماً تراوغ في زحمة السوق مثل سمكة هاربة تطاردها كلمات العجوز التي ما زالت ترن في أذنيها: حاولي أن تتجرعي كأس العنوسة.. تباً لك أيتها العجوز الهرمة لا أعرف كيف تتلقفين أنفاسكِ و أنت تحثين خطاك إلى القبر الذي سيطبق جوانبه على أضلاعكِ الشائكة، تترك زحمة الرصيف و تنزل إلى الشارع ينهال العرق مثل شلال خمر يبلل ثوب البرلون و يلتصق تماماً مثل أجنحة الخفافيش على صدرها.. تهرب إلى الأمام مسرعة و تذوب مع أسفلت الشارع شيئاً فشيئاً.
E-mail:jamalalmudafer@yahoo.com
كانت البناية تستخدم كخانٍ لخزن البضائع والحبوب، و أحياناً يربط بعض الحمالين حميرهم في داخلها لإيوائها لليوم التالي، أجريت على البناية بعض التحسينات بعدما بيعت بالمزاد العلني لأن صاحبها قد تراكمت عليه الديون بسبب موائد القمار، فعمل المالك الجديد الطابق الأرضي حماماً للرجال تخرج منه سحب البخار كما لو تخرج من فوهة إبريق، و بجواره دكان لبيع الصابون و المناشف و مساحيق الغسيل و أشياء أخرى تخص الرجال، و الطابقين الآخرين لسكن العازبات القادمات من خارج المدينة، كأن يكونن طالبات أو موظفات في دوائر الدولة الحكومية.
قالت الأولى بصوتٍ عالٍ ومخنوق كأنها في قعر بئر خاوية: هل رأيت القرد اليوم؟
فترد الاخرى بصوتٍ يشبه خوار الماشية: لم أره، تصوري كلما أراه يصاب يومي بالنكد.. فأنا أعرف بأن البوم و الغراب يجلبان الشؤم إلى الناس، أما القرد فهذا حظي!!
ترد الأولى: لو كان متحضراً لما عمل الطابق الأرضي لسكننا نحن العازبات حماماً للرجال
قالت الأخرى: أنا لا أطيق رؤيته، و لو رأيته لرجوت منه أن يغيره إلى حمام للنساء.
ردت الأولى: إنه قرد، كرشه يبعد عن جسمه نصف متر، و أذناه كبيرتان، و أنفه كمنقار ببغاء، و قدماه طويلتان، هل رأيت حذاءه الطنبوري إنه كبير جداً لماذا لا يغطي جسمه عندما يمشي فأني إراه بكل هيئته عورة!!
ترد الأخرى: يا لك من جريئة، قولي القرد وكفى.
تصمتان للحظة، يسمح صوت بائع النفط في الشارع، وصوت الرجل الطاعن في السن الذي يشتري الأحذية القديمة و القناني الفارغة و الأسرة المستعملة و تتعالى أصوات الباعة و قهقهات المستحمين الخارجين من الحمام ينسلُ أحد الأصوات إلى أذني الفتاتين في الغرف: إنه فندق للعوانس و الأرامل، و تتبع هذا الصوت ضحكة قوية و قرقعة أيدي.
ترد الأولى بعصبية: حقراء، انظري إليهم بكروشهم المترهلة، إنهم اشبه بمجموعة من الحيوانات يجمعهم اسطبل واحد، يدخلون فيه ليلفظوا أوساخهم، يا للعنة عليهم-
فصاحت الأخرى: هل تعرفين بأن صاحب الحمام أقصد القرد، غير متزوج.
ردت الأولى: ومن هي المجنونة التي ترضى بقرد أفعص الأنف، يجب أن يبحث عن قرينة له في غابات أفريقيا أو الهند، يقولون أن القردة هناك كثيرة، عله يجد واحدة تلائمه.
قالت الأخرى: لماذا لا تتزوجينه يا كركم، صحيح إنه لا يملك مواصفات الرشاقة، ولكنه غني جداً
ترد الأولى: تباً لك أيتها البقرة، لماذا لا تتزوجينه أنت، إنه يليق بك.
قهقهت الأخرى على كلام صديقتها (يبدو فمها أشبه بفم ضفدعة عندما تضحك) و راحت تردد "القرد مالو، مالو القرد.. المال في جيبو زي الورد"
ردت الأولى: أراك تتكلمين عنه كل يوم، لأنك تريدين أن تعرفي وجهة نظري فيه، قلت لك إنه يليق بك.
ردت الأخرى: ستبقين عانسة طوال حياتك، لازوج، ولا مال، ولا مستقبل، سوى ذكريات بائسة، وحياة شاقة، وكلمات جارحة، ستصبحين مثل (أم الهوى) خائبة، ضالة، وحيدة، منهارة.. أجل ،و سيرميكِ الزمن إلى الحض..يــ..ض خرجت هذه الكلمة بنبرات مؤلمة وبحشرجة في صوتها، أشبه ببكاءٍ أصم. يسمع صوت المزلاج تنزل كريمة رجلها من عتبة الغرفة، وتخاطب صديقتها: سأذهب اليوم لزيارة مرقد عبد الله بن علي، عليَّ نذر وسأشتريه من سوق العطارين
ردت الأخرى: يقولون أن الناس يزدحمون في المرقد، والنذور كثيرة، وبالأخص من اللواتي لا ينجبن.
ترد الأولى: تصوري المرقد مزدحمٌ دائماً رغم صغر مساحته فهناك من توزع (حلال المشاكل) على الجالسين و أخرى تنثر الحلوى، وواحدة تربط كنتها في شباك المرقد من أجل أن تحل عقدتها، و بعض النسوة يطبعن أيديهن بالحناء على جدران المرقد، الجو هناك مختلف، رائحة البخور الهندي و أغصان الآس، و شموع الميلاد، و الحناء المعجونة مع ماء الورد في الكؤوس، و الأساطير الغريبة، كل واحدة و لها حكاية.
ترد الأخرى: رافقتك السلامة أيتها الـ… و تفتح نافذة الغرفة التي تحجز نصفها الأسفل مجموعة من القضبان الحديدية المتعامدة، تلقي بنصف جسدها خارج النافذة المطلة على الشارع المحاذي لنهر الخندق، حيث تتداخل رائحة الحيوانات النافقة في النهر مع رائحة العفن المنبعثة من داخل الغرفة، تنفث زفيرها بقوة كحوتٍ جريح فقد فرصة الحياة على أيدي صياديه، تتابع مرور الناس على الأرصفة الملتهبة من حرارة شمس الصيف، تطاردها بعض النظرات و التلميحات من المارة، توصد النافذة و تجلس على السرير الكسيح الذي فقد أحد أرجله و يستند على أربع طابوقات هشة، تنظر بضجر إلى الغرفة شبه المنهارة، و السقف الذي ينفث التراب و الآيل للسقوط في أية لحظة يتمناها، و الجدران الرطبة المتشققة، و خيوط العناكب التي تملأ الزوايا، و الباب المخلوع، و السجادة المتآكلة التي استهوت نسيجها الجرذان الموبوءة التي تمرح في الغرف، كل شيء بحاجة إلى ترميم.. و بينما هي تطالع غرفتها الحقيرة، يفزعها صوت صديقتها و هي تصرخ مذعورة من مرور جرذ كبير من بين رجليها:- يا للعنة على هذه الحياة البائسة، جرذان، و صراصر، و أرضة، و قمل، و أكوام أوساخ، و مياه قذرة، و خفافيش لا تفارق جدران الفندق.
فترد الأخرى: حاولي أن تعتادي على هذه الحياة.. يا صديقتي.
يسمع صوت قبقاب (كريمه) وهي تنزل السلم الخشبي، حيث يختفي الصوت إلى أذن صديقتها مع اختفائها في عتمة السلم المؤدي إلى الشارع حيث تمتد العتمة إلى ما لا نهاية المعاناة اليومية، تلف جسدها بعباءة من التترون الأسود، تتخطى عتبة الباب حيث يفاجئها رجل في الستين من عمره يجلس عند باب الحمام بمغازلة طريفة: كيف حال العصفورة اليوم.. تتجاهل غزله وتندفع في زحمة الناس و الشاحنات الكبيرة المكتظة التي تحمل البضائع من مختلف المدن و الباعة الذين يفترشون الرصيف، باعة عطور و بخور و ملابس نسائية و لعب أطفال و أقفاص طيور و حمام، تنحدر نحو سوق العطارين، حيث تشتد رائحة التوابل و البخور الهندي، يشتد بها العطاس، تطلب من الرجل العجوز بخور الصندل بقيمة ألف دينار، يشعر الرجل بضيقها من رائحة التوابل، فيسرع في تنفيذ طلبها، تأخذ البخور و تراوغ هاربة ما بين شاب و امرأة و مجاميع من الصبية و العربات، حتى تصل الجسر المؤدي إلى المرقد، تنتظر للحظة عبور السيارات المسرعة و هي تطلق زعيقها بلا مبرر، تفلت من بين الزحمة نحو الجهة الأخرى، فالمرقد على بضعة أمتار.. تدخل الباب الخارجي، و تنزع قبقابها احتراماً لقدسيته ليس هنالك من مكان لكي تجلس، فالمرقد مزدحم، و دخان السجائر و البخور يملأ أجواءهُ، ثرثرة نساء و كركرات اطفال و دعوات أمهات لأبنائهن الذين ما زالوا في بدلات الحرب، أمنيات ضالة لنساءٍ لا ينجبن، الحائط يمتلئ بالحناء، و الزوايا تعج بالهدايا من الزوار و قد كتب عليها "وقف فلان بين فلان" تلمح إشارة من عجوز هرمة في التسعين من عمرها تلوك قطعة حلوى صلدة، إنها توفر مكاناً للزائرة، تحمل قبقابها في يدها و تجلس قرب العجوز، متقرفصة، ليس هنالك من مسافة كافية لكي تجلس بصورة طبيعية، تسألها العجوز: هل لديك نذر؟ فترد: نعم، لدي
فترد العجوز: عسى أن لا يكون مثل قطعة الحلوى القديمة هذه منذ ساعة ألوك بها ولم تذب، كأنها من الأسمنت
فترد كريمة: مزيداً من اللعاب يكفي لإذابتها
ترد العجوز: هل أنت متزوجة؟
ترد كريمة: للأسف.. كلا
ترد العجوز: ياه.. أنتِ يائسة، إذن حاولي أن تتجرعي كأس العنوسة، لا تنهاري.
تضيق ذرعاً بكلام العجوز الشمطاء هذه، تخرج منديلها من حقيبة اليد تمسح العرق المتصبب من كلام هذه المجنونة، تدفع بيدها كتلة جسدها المتقرفص وتغادر المرقد، فالحرارة تزداد في الداخل رغم وجود المراوح السقفية و العمودية، و لكن كثافة الزائرين و زفير الأفواه يجعل المكان مليئاً بالوخمة و الرطوبة..
"أنت يائسة.. حاولي أن تتجرعي كأس العنوسة" إنها كلمات مقززة، تباً لكِ أيتها الملعونة، كان عليّ أن لا أستجيب لإشارتها، هن هكذا كلما تقدم بهن السن زاد بهن الخرف، امرأة لا تستطيع مضغ قطعة حلوى لا تستحق الحياة، يفزعها صوت مزمار سيارة حمل كبيرة تريد الإستدارة تنتبه إلى نفسها، فهي في منتصف الشارع تقريباً، تعبر إلى الضفة الأخرى، تجفف العرق المتصبب من على وجهها و صدرها فيرن إلى مسمعها كلام ذلك الشاب الطويل القامة: هل ترافقيني يا حلوة.
فتصرخ به منهارة: تباً لك يا ابن العاهرة.. و تنصرف في سيرها غير آبهة بالزحمة في السوق، سوى صدى تلك الكلمات: أنت يائسة.. حاولي أن تتجرعي كأس العنوسة.
تحاول جاهدة إيقاف تصبب العرق بغزارة من جسدها يتبلل ثوب البرلون الخفيف يلتصق على جسدها وتبدو شبه عارية، يشعرها بلزوجة مقززة على مساحة نهديها المتكورين، تحاول إزاحته منهما لكنه يلتصق تماماً تراوغ في زحمة السوق مثل سمكة هاربة تطاردها كلمات العجوز التي ما زالت ترن في أذنيها: حاولي أن تتجرعي كأس العنوسة.. تباً لك أيتها العجوز الهرمة لا أعرف كيف تتلقفين أنفاسكِ و أنت تحثين خطاك إلى القبر الذي سيطبق جوانبه على أضلاعكِ الشائكة، تترك زحمة الرصيف و تنزل إلى الشارع ينهال العرق مثل شلال خمر يبلل ثوب البرلون و يلتصق تماماً مثل أجنحة الخفافيش على صدرها.. تهرب إلى الأمام مسرعة و تذوب مع أسفلت الشارع شيئاً فشيئاً.
E-mail:jamalalmudafer@yahoo.com


التعليقات
أي وصف هذا الذي أخذني معه أجوب تلك الشوارع
وأشم الروائح التي امتزجت
يالجمال وصفك وكأن عينك كاميرا ترصد المكان والحركة والرائحة
جميل ياجمال
دمت
اسلوب سلس جميل ومعه تشويق للاحداث
تجعلنى أمكث هنا طويلا للمتابعة ولاعادة القرأة مرات ومرات
شكرا لك على ما قرأت واستمعت به حقا
تحياتى ،،،،
دعاء
تحية لمرورك يافاطمة
فله نكهة البحر وفنجان القهوة والغنج الانثوي
اشعر انك الاقرب الى قصصي وقصائدي تتحسسين خطاها وتفاصيلها
لجمالك روعة السحر على القصة
ولخيالك مدى لتصور اللحظات والاماكن والشخصيات
شكرا لك من كل قلبي يافاطمة الرائعة
جمال المظفر
ولاسمك عطر الالهة
شكرا لمرورك الدائم يافاطمة
وشكرا لاطرائك الذي يزيدني حرصا لاكتب الاحسن والافضل
شكرا لانك قريبة الى جمال المظفر
روحا وشاعرية وطيبة
تقبلي خالص تحياتي
جمال المظفر
أكاد أشم رائحة روائية في وصفك
.....
ترى هل أتمتع بحاسة شم قوية برغم فساد جيوبي الأنفية المزمن؟؟!!!
، كما لو انني في حلم : وجدت نفسي اخرج من شقتي القريبة من سوق الهنود لأدلف عبر زقاق ضيق الى شقة اخرى حيث يقيم " ابو مشتاق " لننطلق معا الى شقة ثالثة تقع مقابل عيادة طبيب الأشعة " فلاح " نجل شاعر العربية الاكبر محمد مهدي الجواهري ... وإذ يتأكد كل منا أن رفيقيه لا زالا على قيد التنكر والإختفاء : نسير متباعدين نحو الخندق بحثا عن طعام رخيص ...
في مقهى شعبي من مقاهي الخندق ، سأرجو " تومان " أن يعزف الناي بمنخريه المفرطحين ... قلت له يوما : يا تومان ، انت آخر أحفاد صاحب ثورة الزنج .. ضحك تومان وكافأني بدقيقة عزف على الناي بمنخريه ..
شكرا لك يا جمال ليس لانك تكتب عن المهمشين حسب ، انما ولانك تجولت بي الان في ازقة واحياء يا ما لجأت الى فقرائها كلما انتشر الطاعون الأمني في مدننا السبيئة .
أعجبتني جدا قصتيك غرام في خانة الشواذي وهذه القصة أجنحة الخفافيش
فيها ألتقاط لصور الناس على هامش الحياة
صور حية نابضة بالحياة والالم واليأس والاحلام
نلف معك المدن والفنادق والشوارع والاضرحة
نصلي .. ندعوا معهم .. نحلم معهم بغد أفضل
ولكن وارجو ان لاتزعل مني ولا اعرف لماذا أشاكسك لست موفقا في اختيار العناوين
فقصة غرام في خانة الشواذي رائعة طازجة وحالة أنسانية فريدة عنوانها لايوحي بما سردته علينه وحتى عندما لمحتهلم يعجبني قلت فلقرأ لجمال مظفر وجدت قصة جميلة بكل المقايسس ظلمها عنوانها الغير أنساني
وقصتك الحالية تحكي قصص نساء منسيات على حافة النسيان بأحلام موجوعه لرجل ما يمر بحياتهن الخاوية ما علاقة اجنحة الخفافيش بالموضوع
صدقا ملاحظاتي لاتنقص قصصك الرائعه قيمتها الفنية
حالة انسانية ولقطة ذكية من قصاص متميز
أستطاع بحرفية شديدة ان يضع حمام الرجال واصوات ضحكاتهم فى مواجهة بيت العوانس
ليفجر المرارة والأسى
ولكن اعتقد انك لم تعطى نهاية القصة حقها
لتصعد الموقف لاقصى الأحتمالات
طبت وطابت قصصك
شاعراً وقاصاً وناقداً وأنساناً
تباغتني دائماً في أي جنس أدبي تكتبه بروعة أبداعك
وحضورك المتميز في خارطة المشهد العراقي
أجنحة الخفافيش .. وخانة الشواذي
نصين شممت من خلالهما رائحة الأمكنة والناس
أحييك أيها الجميل
وتقبل فائق ودي وأحترامي
هادي الناصر
تحية طيبة
اشكر لك مرورك ياسيدتي
واشكر لك هذا الاطراء
اما عن مسألة العناوين فتلك مسألة أخرى
أنا لدي العناوين مهمة جدا كأهمية القصة لانها تجذب القارئ اليها، كما اني ارى العديد من القصص او القصائد الجميلة يقتلها العنوان.
وهناك ملاحظة انتبه لها العديد من الاصدقاء من الادباء والكتاب سواء في العراق او من الوطن العربي بأن عناويني مثيرة تجذب القارئ اليها.
اما من ناحية قصة اجنحة الخفافيش فالعنوان هو لب القصة ، لاننا في االقصص الشعبية نسمع عن ان الخفافيش اذا لصقت اجنحتها على الوجه فلن يكون بالامكان تخليص الانسان منها. وهذه الاجنحة نفسها الملاصقة لحياة كريمة في الفندق الملئ بالخفافيش او ثوب البرلون الذي يلتصق على صدرها، كما ان هناك اشياء تجعل الانسان يتذمر من اجمل الاشياء في لحظات الجزع...
وفي قصة غرام في خانة الشواذي كل القصة تدور حول هذه الخانة، فيها الذكريات واسترجاعه في الحاضر ، كما انها هي محور القصة..
اشكر لك ثانية هذا المرور وتذكري ياسيدتي بأن قلب جمال المظفر يتسع للجميع ولايعرف الحقد ابدا كما اني احب النقد جدا تقويما لمسيرتي التي اعتبر نفسي لازلت الثغ الحروف كما الاطفال ،
اسألي عني هادي الناصر والعديد من اعضاء الورشة من اتحاد الادباء العراقيين وسترين الاجابة بأن جمال صديق الجميع ولازال يحمل الطيبة البصراوية والخجل الفطري رغم تركه البصرة منذ التسعينات ، وانت ترين ان قصصي كلها عن البصرة..
شكرا مرة ثانية
وتقبلي احترامي وتقديري
جمال المظفر
تحية طيبة
شكرا لمرورك على القصة ياسيدتي
وشكرا لهذا الاطراء الذي اعتبره ثقيلا على جسدي المنهك
القصة القصيرة لاتحتمل الاطالة ويجب على القاص ان يختزل
كما ان حالة الضجر التي وصلت لها كريمة من كلام العجوز هي تصعيد في وتيرة القصة
شكرا مرة ثانية لمرورك
جمال المظفر
شكرا لكلماتك الجميلة كما انت .
وشكرا لمرورك الدائم على كتاباتي كما مرورك علي في الاتحاد.
مازلت ياصديقي التلميذ الذي يتعلم دائما من اخطائه ومن اخطاء الاخرين
قلب جمال يتسع للجميع ، بل حتي لحماقات الاخرين
كما اتابع دائما كتاباتك وخطواتك بالسلامة من اي مكروه ، تتابع كتاباتي
شكرا لك ياهادي الرائع
جمال المظفر
اعذرني اخي جمال على هذا الغياب القسري رغم حضوركم الدائم في جوانحي
لقد أصابت التعليقات السابقة حين أشارت الى ميزة الوصف التي تؤثث النص،وبالفعل فالقارئ يكاد يتشمم رائحة البخور المنبعثة من الفضاءات ويسترق السمع للقهقهات هل أبالغ؟؟
دمت صديقا عزيزا
شكرا لمرورك الجميل الذي اسعدني كثيرا
شكرا لانك تحسست رائحة الامكنة
رغم بعد الامكنة الا انك قريب في لب القلب تماما
تقبل خالص تقديري واحترامي
جمال المظفر
اخـــوك ا:ميسرة صلاح الدين
شــــاعر عامية
شكرا لتوضيحك
وأسف للالتباس الذي وقعت فيه
هناك اسماء مزدوجة الاستخدام
ولاشك ان جمالية السم ظننته انثوي
تقبل اعتذاري
جمال المظفر