You are here

الصفحة الرئيسية

احتراق الكتب - نص مفتوح




احتراق الكتب
نص مفتوح
محمد علوان جبر



حينما وضعت قدمي في اول الشارع ، شممت من بعيد رائحة احتراق الكتب ، ازدادت انفعالاتي وانا اقترب من اول الخراب ، واعلنت تلك الهواجس وجودها العكر في نفسي وانا اسمع صرير اكداس مبعثرة ومحترقة من الحجارة والرماد تحت قدمي ، جئت الى الشارع بناء على مكالمة هاتفية مع مجهول ، اصر على عدم تعريف نفسه وقال - انا واثق انك ستعرفني حالما تدخل اول الشارع ، تجاهلته لكنه اكد انه يجب ان اكون موجودا لانه سيريني ماحدث في الشارع خطوة خطوة ، وحينما سألته عن الكيفية التي سأعرفها من خلالها او هل يعرفني ، قال لاتحمل هما لهذا، لاننا سنلتقي حالما تدخل الشارع ، كان صوته يشبه الهمس ، يكرر كلمات عديدة بتواصل غريب جعلني اخاف ، وكم حاولت ان اتجاهل مكالمته ، وان لااذهب الى الشارع ، لكن حالما اطل الصباح واكملت فطوري وارتدائي ثيابي اتجهت من فوري الى الشارع . وفي اول النفق ، الذي كان شارعا للمتنبي ، اوشارعا للكتاب ، اختلطت امامي الرؤى ، ورن في الذاكرة جرس ، كلما تقدمت خطوة وسط الخراب كان يتصاعد الكثير من الدخان ، ويزداد القرع في رأسي موصلا بالكثير من الرؤى والصور ، كانت العمارات القديمة قد ازيلت من الوجود تماما وبعضها لم يبق منها الا اعمدة تشبه الاكف المرتفعة الى السماء، وفي بعضها الاخر كانت هناك بقايا تشبه الوجوه التي تفتح فمها ... شيء يشبه الصراخ ، كانت الهياكل لاتحتاج الى لمسة فنان حتى تتحول الى اكثر لوحات العالم كابوسية ، فهي منحوته بفعل الانفجار الذي ازال كل شيء ، فبقيت مجرد حطام يعوي في نهر الشارع الذي اغلقته الحجارة والهياكل الحديدية المحترقة والاكداس الهائلة من الرماد ... رماد الكتب ، وكلما تقدمت كانت الاقلام المحترقة تصر تحت قدمي ، اقلام .. الكثير من الاقلام التصقت ببعضها بعد انصهارها ، وكلما سرت كان يعز علي ان ادوس كومة من الكتب ملقاة هنا ومبعثرة هناك ، نصفها محترق ونصفها مفتوح ، وكنت المح كلماتها وسطورها التي كانت تتحدث عن كل شيء الا عن مصيرها المروع هذا . ايقنت اني ادخل قيامة الكتب ولم اعد امتلك القدرة على حبس دموعي ، وبدأت الهج بالبكاء ، كان بكائي بصوت عال ، صوت نواح من القلب يمتزج مع اصوات عمال الانقاذ او اعمال البحث عن البقايا البشرية التي رأيتهم يخرجون بعضها .
- كان الحطام اكبر من الدهشة ....!
قالها رجل في اذني ، ولم يكن يهمس ولايصرخ قالها بتفرد ووقار عجيبين ، واضاف وهو يحاول ان يتفادى السقوط اثر تعثرة في كومة من ورق اصفر بعضه واسود اغلبه .
- الانفجار اكبر من كتلة الحديد المفخخ
لذت بالصمت وانا اتذكر مكالمة الامس ، وانا احدق في وجه الرجل النحيل وهو يسير بصعوبة وانفاسه تتقطع ، وتاه عقلي بعيدا ، فالرجل يشبهني تماما لكنه اكثر نحافه والمفارقة انه يرتدي نفس لون قميصي ، وبكنهي اصر انه لايشبهني انه اكثر نحافة وانفاسه تكاد تتقطع ، وتسائلت هل هي الكوابيس تلاحقني مرة اخرى ، والان بالذات في هذا المكان الذي اصبح موحشا وغريبا ، واصل الرجل غير عابىء بانفعالاتي وقبل ان اسأله هل هو رجل المكالمة الغامضة قال
- سواد المحابر ، والورق الاصفر القديم والحطام ، اشار بيديه نحو نهر الشارع وصرخ بصوت عال :
- اريد ان ارى وجهك يااجمل شوارع الدنيا !!!!!
باغتتني صرخة الرجل ، لكنه واصل
-بماذا سنستهل ايامنا بعد الان ، هل يكفي البكاء ، هل يكفي حرق القمصان على شموع وضعناها على هيكل محترق كما فعل – سلمان* - واشار بيده الى رجل يبكي ونصفه العلوي عار تماما وهو يمسك قميصا بيده ويدليه على شموع وكان القميص يحترق ويد الرجل ترتعد كلما اجهش بالبكاء . ام ندمي اصابعنا !!! صمت الرجل وهو يبحث امامه وسط الجموع ، واضاف وهو يشير بيده الى مكان ما وسط الحطام
- ندمي اصابعنا كما يفعل الان – جبار* - وهو يضع صندوقا خشبيا على رأسه واصابعه ترتفع وتهبط على الصندوق ، ولم يسلم رأسه من الجراح وكذلك سال من اصابعه دما غزيرا رسم على الصندوق خرائط واشكال تشبه قلوبا او رصاصات . رأيت امامي مجموعة من الرجال وهم يتحلقون حول هيكل سيارة محترقة ، وكان يقف على الهيكل – المنصة - - عبد الزهرة*- وهو يقرأ قصيدة ولم يكن المتحلقون حوله يسمعون لانهم كانو منهمكين بالبكاء . قال الرجل الذي التصق بي وكان يقترب مني كلما حاولت ان ابتعد عنه مقتربا من المنصة ، قال :
- هل تسمع نشيد الشاعر وهو يريقه على كلمات لم تكتب على بياض ، صدقني انهم يرتجلون الشعر ، لان الامر ومرارته اكبر من كل شعر العالم . قال الشاعر على المنصة
- انها قيامة الثقافة !!!!
وصمت الجميع ، الا - ماجد *- و – يوسف *- ، حيث قالا في استهلال دموي للرؤية المشاكسة :
- بمن نحتفي ... ؟ هل نحتفي بالرجل الذي قاد المفخخة ، وصرخ - احمد*- و – كريم *- و – توفيق * - .......... صراخ ، صراخ ، - هل نشد على يديه ، ونقول له حسنا فعلت ، اذ اضفت المتنبي وشارعه الكبير الى قائمة خسارات الوطن ، منذ متحفنا الوطني وصولا الى شارعنا الوطني . واصل محدثي وفمه معوج ، ربما كان يريد الصراخ لكنه كان يكتمه :
- يجب ان نقول والقول مردود على من لايجيب ، من قال لك توقف هنا ، قد سيارتك المفخخة بحذر لانها تحمل اكبر لغم يجب ان يصل الى اكبر شارع في العالم ، عد قليلا الى الوراء ، اعرض سيارتك ، حسنا انت الان بمواجه ( مكتبة عدنان* ) حينما ذكر محدثي اسم – عدنان- تبادر الى ذهني دفتر الديون الذي كان يحتفظ به وفيه اسماؤنا ، نحن رواد – مكتبة عدنان - ، نشتري منه كتبنا بالتقسيط المريح جدا ، ولم اذكر انه طالب احدا منا في تسديد ديونه بسرعة مهما كانت الاسباب ، بل كنا نضيف الى قوائمنا اسعار الكتب الجديدة التي كان يجلبها له من مصر شقيقه الرائع – محمد سلمان – قلت واين عدنان ، مسح دمعتين قبل ان يجيبني :
- لم نجد منه الاقميصه ....
قلت اذن كان مكان الانفجار امام مكتبة عدنان قال :
- من مشاهدات رواد نجو باعجوبة ، ان السيارة كانت تريد ان تصل الى مكان يؤدي الى اكبر تدمير ، حيث انها تجاوزت - مقهى الشاهبندر – اكثر من مئة متر ، لكنها عادت - ربما بتوجيه ما – لتعود وحينما وصلت الى مسافة اقل من خمسة وعشرين مترا تماما بمواجهة – مكتبة عدنان – عرضها الكلب وفجرها ..........!!!!!!!!!!!
- وفي لحظة دهشة ، امسك الرجل الذي يشبهني بيدي، والذي لااعرف حتى اسمه ، فسرت معه كالمأخوذ، كنا نسير وسط الحطام وكانت اقلام الجاف المسحوقة تصر تحت اقدامنا التي تدوس المحنة دونما ضجيج ، عدا ضجيج ارواحنا ، وكانت الكتب المحترقة تبعث الينا عبر كل كتاب مفتوح او محترق رسائل اثارت فينا الدهشة ، ترافق مع صرير الاقلام المسحوقة الذي كانـت تبعث سمفونية تشبه سمفونية الخوف الكبيرة التي كان يصرخ بها الممثل والمخرج – جبار* -
- (بعد شنشوف .....؟؟ ) فعلا ماذا يمكن ان نرى بعد الذي رأيناه ، ورأيت من بعيد الممثل في مشهد تاريخي لم يتح لبريخت ان يتصوره وهو يهبط من اعلى عمارة مهدمة ، من اعلى الانقاض حتى اسفلها ، هبط وهو يضع صندوقا خشبيا على رأسه ، صندوقا يشبه تابوتا ، تلك التوابيت التي اعتدنا رؤيتها وهي مشدودة في اعلى سيارات نقل متجهة نحو المقابر . وحالما هبط حامل التابوت من اعلى الحطام ، ووصل الارض المعفرة بالرماد والفجيعة صرخ :
- ماذا نرى ، ماذا نرى ، واعذرونا لاننا لم نحتط للامر ، اذ اقمنا مشهدنا الجنائزي هذا دونما اذن من احد ، اقمنا طقسنا الجنائزي هذا وحدنا ، دونما خيمة عزاء ، لان ارواح الكتب تحتاج الى فسحة هائلة من الضوء حتى تموت ، وهذا من حق الكتب علينا ، ان نقرأ عليها الفاتحة بشكل اكثر حميمية ، انها ارواحنا تحلق بعيدا دونما استئذان نحو السماء ، السماوات التي يمكن ان نرمم فيها حطامنا . قال الرجل بهمس كأنه يردد قصيدة ........
- اول العمر لا ..... واخر العمر لا ... ازاء الموت هذا ، وازاء اغتيال – ابو الطيب – ثانية لا ، ماذا يمكن ان نفعل ، هل يستفيق العقل لا، ازاء الموت لا ، اول العمر لا ، وصمت ولم يصمت كان يردد انشودة قديمة ، غناها رجل اعرفه ، لكني لااتذكر متى واين ، لكني واثق اني سمعتها في مكان ما على شكل لحن حزين ترافق مع موسيقى – خامسة بتهوفن – او غيرها ، لكنه كان بتهوفن بلحمه ووجوده ..............(( في زمن ما .... ربحنا الحرب الاهلية ..... وكانت النتيجة اننا اهلكنا انفسنا !!!!!!!!!!!!!!!!!!)) وبقي يردد كأنه يريد ان ينام على الحطام وكانت اخر كلماته التي سمعتها من فمه الذي كان معوجا قبل ان يختفي (( لقد قتل رجال كثيرون في بغداد ...... انهم يتوسدون قبورا مهجورة )) .....


· سلمان - هو الشاعر العراقي المرهف الحس – سلمان داود محمد – حينما نودي في اصبوحة الاحزان في شارع المتنبي لقراءة قصيدة ، وقف على المنصة ونزع قميصه واحرقه احتجاجا على ضوء الشموع التي اشعلت في ذلك الصباح .

· جبار - هو المخرج والممثل العراقي – جبار محيبس – الذي فاجأ الجميع بعرض مسرحي ارتجالي جعل الجميع يصفق ويبكي .
· ماجد و يوسف ، هما الشاعران العراقيان– ماجد موجد و يوسف المحمداوي الذين شاركا في قصائد مرتجلة تناسبت مع اصبوحة الاحزان وهما من خططا للقاء الاربعاء المذهل في شارع المتنبي بعد القيامة .
- * عبد الزهرة - هو الشاعر العراقي – عبد الزهرة زكي - الذي شارك في قصيدة جميلة .
- * - احمد – وتوفيق - هما الشاعر احمد عبد الحسين و – توفيق التميمي – مسؤولا الصفحة الثقافية والملحق الثقافي لجريدة الصباح .
- * - كريم - هو الشاعر العراقي كريم شغيدل و – مكتبة عدنان – من اكثر المكتبات حميمية ولها علاقة قربى نفسية مع جميع مثقفي ورواد شارع المتنبي .
صورة محمد علوان جبر
القسم: 

التعليقات

 
محمد
شقيق الوجع العراقي المستديم 
هل أقول لك صورت وأبدعت 
أبكيتني 
حيث الموت يغتال الشوارع والجسور والارصفة والجدران 
 والكتب والاقلام والحضارة
أبكيتني
 أنا الجنوبية المجبولة بالحزن والدموع
في مأتم وطني وأبناؤه
سلمت أخي مبدعا يكتبنا الآلامنا
سحر مهدي الياسري
صورة سحر مهدي الياسري
 
الأستاذ محمد علوان جبر

نص أكبر من أي تعليق
فقط تركتني فريسة الألم والحيرة أردد هذه الكلمات 
  دونما اذن من احد ، اقمنا طقسنا الجنائزي هذا وحدنا ، دونما خيمة عزاء ، لان ارواح الكتب تحتاج الى فسحة هائلة من الضوء حتى تموت ، وهذا من حق الكتب علينا ، ان نقرأ عليها الفاتحة بشكل اكثر حميمية ، انها ارواحنا تحلق بعيدا دونما استئذان نحو السماء ، السماوات التي يمكن ان نرمم فيها حطامنا .
تحية لك ولكل من ذكرت
كل التقدير
فاطمة محسن
صورة فاطمة محسن

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات