You are here

الصفحة الرئيسية

استطراد الحزن والأسئلة ودلالات الخطاب الشعري // قراءة في قصيدة لدرويش الأسيوطي




قصيدة وقراءة:
استطراد الحزن والأسئلة ودلالات الخطاب الشعري
قراءة في قصيدة "مصارحة" للشاعر: درويش الأسيوطي
عبد الجواد خفاجي



أولاً : القصيدة:


مصارحة

فارغ مقعدي في قطار الصباح
فلا تأملي أن أعود إليه ،
فمخدعنا بارد منذ عام مضى ..
والسحابات لا تحمل الماء ..
تحمل في ظلها وجعًا ..
فاقلبي الصفحة الآن
ولتكتبي البسملة.
*
مقعدي لم يزل شاغرًا
والمخادع مسكونة بالصقيع
وبالوحدة القاتلة .
نعشقه حين يتركنا
ثم يسكن في اللحظة الفاصلة.
*
ظله المستطيل يقابلني
والزوايا بحدتها تحسم المشكلة.
أنت في مستطيل الهموم تنامين
تفترشين البكاء
وظلك يمتد بي
خلف كل البقاع
ترافقه جرأتي ...
*
فاحم لون هذا الصباح،
ومرتعش موعدي
لن أجي .. فلا تأملي أن أعود
ولن أعتذر ..
فالنساء يعلمن أطفالهن
البكاء على ساعديَّ
والبنايات في المدن المستطيلة
مستودع للحشيش
وللشعر والحزن والغربة الماثلة ..
ليس في وطني جنة للمواعيد
بل في البلاد جحيم انتظار
وفي القلب أنشودة ذابلة .
*
نحن جيل
رأي أن يغامر بالقفز
خارج كل قوي الجاذبية ..
رغم ارتعاش الجناح الضعيف
فما زال في القلب متسع للغرابة
والعنف والانقطاع
وللفظة الحائلة ..
هكذا الشعر
يسقط في الحزن
حين تحاصره الأسئلة.
*******

ثانيًا القراءة:


درويش الأسيوطي يبرز ـ بصفة أساسية ـ كواحد من شعراء السبعينيات في مصر، اعتمد المواجهة بديلاً للهروب، ولعل تلك الصفة هي التي أعطت لتجربته تميزًا في إطار من الحداثة الحقيقية.
طائر الشعر عنده محلق على الدوام.. لا يبرح الأجواء .. أبدأ لا يحط فوق منعطفات لا تخصه .. وأجنحة الرؤى عنده تحركها عينه الباصرة الكاشفة لكل مساحة الوطن، غير أنه يتميز بكثير من صفات جيله الأخرى، كالثورية، التمرد، والاغتراب .. تمثل مساحة الدهشة والاستغراب عنده متسعًا أساسيًا تمرح فيه الرؤى الشعرية.
في قصيدته "مصارحة" .. وفي خطاب متسربل بالهدوء يعلن عن تخليه عن مقعده الذي يربطه بأي دور في وطنه وقد أضحت الوطنية زيفًا، ومتاجرة، غير أنها مهمة محفوفة بالخطر، ومن ثم فهو يرفض الاعتراف بمشروعية الواقع أو صلاحيته لأن يكون واقعًا معبرًا عن إنسانية ما، ويرى في المقابل أن البدائل مستحيلة، وأمام هذه الاستحالة تتقاطع القصيدة بشكل ما مع الشعر السبعيني، إذ تتبدى في القصيدة ملامح الاستياء من الواقع، و محاولة لتفلت من إساره إلى عالم علوي رائع جميل مجرد, وإن كانت صرامة الواقع نفسه لم تسمح للشاعر بالهروب إلى عليائه، والتأمل في مجرداته كما هو الحال عند الغالبية العظمى من شعراء جيله.
كما أن أزمة الواقع نفسها هي التي دفعته للتمسح ببعض ملامح الرومانسية، المتمثلة في الحزن الدفين، والعودة إلى التوحد بين الذات والموضوع، وغير ذلك الإيقاع الهامس الحزين.
كما أن الشاعر لم يقع فريسة التعالي على هذا الواقع المرفوض، بيد أنه أعلن رغبته في اعتزاله، مختارًا هذا الموقف السلبي/ الإيجابي جدًا في ذات الوقت، إذ قدم كل حيثيات التخلي عن الدور/ المقعد، كما قدم أهم ملامح الأزمة التي شكلت تلك الرغبة، ومن ثم كان لابد أن يغوص في بعض تفصيلات الواقع، معبِّرًا في نهاية القصيدة عن السمة الغالبة في أبناء جيله الثوريين، ومن ثم فإن القصيدة سجل حافل بكل أزمة هذا الجيل، واعتراضاته، من خلال مرآة الذات الشاعرة التي عكست الضمير الجمعي لهذا الجيل.
من خلال هذا الارتباط ـ على الأقل ـ بين الشاعر وأبناء جيله، ومن خلال محاولته التعبير عن أزمتهم ـ باعتبارهم جزءًا من هذا الواقع على المستوى الموضوعي على الأقل .. من خلال ذلك ـ كمرتكز أول ـ تسقط عن شاعرنا تهمة كبرى كثيرًا ما ألصقت بأبناء جيله، وبسقوط هذه التهمة تصبح لقصيدته تمايزًا ما يجعلها بالضرورة ضمن ما يسمى "بالحداثة الحقيقية".
فثمة اتهام بالتقوقع والتمحور على الذات والانفصال عن الواقع والتعالي عليه، والسخرية الشديدة منه والرحيل بالذات إلى عالم علوي وهمي مغاير يرسل الشاعر السبعيني منه شفراته الشعرية المقدسة ـ من وجهة نظره ـ إلى الأرض اليباب، رغم أنها شفرات تضج بالأنا والذاتية والتشنجات العصبية والنفسية.
هذا الاتهام الذي وجه إلى جيل الشاعر تذكرنا به هذه القصيدة بدايةً ونحن نطالع المقطع الأول منها، عندما يختار الشاعر موقفًا سلبيًا رافضًا لهذا الواقع ولمواصلة أي دور يربطه به، ورافضًا أيضًا لكل معطياته ونتائجه، ولكن بإيغالنا داخل القصيدة نكتشف أن ثمة معطيات مغايرة تُسْقِط التهمة عن شاعرنا، منها: الشاعر ـ في الأساس ـ ينطلق من الواقع وليس من فوقه، وإن بدا الموقف الشعري داخل القصيدة رافضًا لهذا الواقع، وهذا معناه ببساطة أن الرفض شكلي فقط.
وغير ذلك ثمة تفصيلات واقعية وشاملة، وثمة رصد لأزمة ما في الواقع، وليست في الذات الشاعرة، وإن بدا أن الأخيرة لم تنتفي البتة؛ فلا يفوتنا أنها أتت كنتيجة، ولم تكن سببًا.
وأخيرًا الموقف الشعري الرافض له ما يبرره في الأساس، ومن ثم فإن إعلان الشاعر التخلي عن مقعده كان ممنطقاً رغم ثوريته .
ولنا بعد هذا أن نتوقف عند أهم الملامح الشعرية في القصيدة قبل أن نتطرق إلى دلالات الخطاب الشعري فيها . ولعل الملمح الأساسي هذا هو :

استطراد الحزن والأسئلة : ثمة أسئلة كثيرة مستطردَة.. مثيرة للأحزان .. لم يعبأ الشاعر بتسجيلها خطياً بقدر ما عني بالإجابة عنها . إن القصيدة في مجملها إجابة صريحة عن تلك الأسئلة، غير أنها هي القصيدة / الإجابة مثيرة لأسئلة أخرى .
" ولتكتبي البسملة " .. بمن يتبرَّك الشاعر ؟ ـ " فمخدعنا بارد منذ عام مضى .. والسحابات لا تحمل الماء " .. لماذا ؟ ـ " فاقلبي الصفحة الآن" هل سيفتح صفحة جديدة في نفس الكتاب؟! ــ " مقعدي لم يزل شاغرا "، لماذا غادره الشاعر قبلاً ؟ .. هل غادره بمحض إرادته أم مرغماً ؟.
أسئلة كثيرة تثيرها القصيدة، آتية في ثناياها وهى ــ كما سبق ــ إجابة عن أسئلة ملحة وجهت إلى الشاعر .. وهى أسئلة افتراضية منَّا على أية حالة، لكنها عند الشاعر ليست كذلك، فالقصيدة لم تأت من فراغ، وإنما هي ــ كما سبق ــ متجذرة في الواقع، والأسئلة دائما تتبدى من خلال العلاقات الجدلية بين الشاعر والواقع.
فالقصيدة تبتدئ بـ " فارغ مقعدي في قطار الصباح" وهى إجابة على من سألته: " أتراه .. فارغاً أم مملوء مقعدك في قطار الصباح ؟" .. "فلا تأملي أن أعود إليه" إجابة للسؤال: " هل آمل أن تعود إليه ؟" .. " فمخدعنا بارد منذ عام مضى" .. إجابة للسؤال : " لماذا لا تنوى أن تعود إليه" .. " فاقلبي الصفحة الآن " إجابة للسؤال :" فمتى سأقلب الصفحة إذن؟ "ولتكتبي البسملة .. " إجابة للسؤال:" ها قد قلبتها .. فماذا اكتب بداية ؟" وهكذا دون استطراد تستنتج أن ثمة أسئلة كثيرة مطردة من داخل القصيدة إلى خارجها ومن خارجها إلى داخلها .
وإذا كانت القصيدة على هذا النحو محاصرة بالأسئلة فإن عنوانها وبنفس الكيفية "مصارحة " هو الإجابة للسؤال الكبير:" وماذا بعد ؟"
ولم تكن الأسئلة وحدها هي المستطردة في القصيدة، فثمة أحزان مسبقة على القصيدة .. وليدة احباطات كثيرة ومعاناة حقيقية وصراعات مضنية: "السحابات لا تحمل الماء" .. " فمخدعنا بارد منذ عام مضى " .. "السحابات تحمل في ظلها وجعاً.." كذلك أفعال الأمر المباشر تحمل هذا الحزن إضافة إلى ما تحملة من ضجر وملل: " فاقلبي الصفحة الآن ".. "ولتكتبي البسملة" والنفي الجازم القاطع:" فلا تأملي أن أعود إليه".. "لن أجئ .. فلا تأملي.." كل تلك الأحزان والأسئلة ونحن لم نبرح بعد المقطع الأول من القصيدة ! ــ هل نحن أمام مرثية عظمى ومَحْزَنة كبرى .. هل شيع الشاعر ونحن معه أثمن ما في الوجود ؟؟ هل شيع الوطن، أم ذاته، أم الاثنين معاً في قطار المساء ؟
هل ونحن أمام هذه " المصارحة" الحوارية المسَّجة بالأحزان والأسئلة، والتي يخفت فيها صوت المحاور المستجوب السائل ليعلو صوت الشاعر وحد .. هل ونحن أمامها يمكننا القول أننا أمام شاعر متَّهَم (بفتح الهاء) متّهِم (بكسر الهاء) في الوقت ذاته ؟!
فلو لم يكن متهَما (بفتح الهاء) فلماذا إذن .." ظله المستطيل يقابلني .." ولماذا :" الزوايا بحدتها تحسم المشكلة "؟
أما كونه متهٍما (بكسر الهاء) ــ كرد فعل ــ فذلك ما تشي به نبرة الخطاب الشعري في ثنايا القصيدة بكل ما تحمله من دلالات.

دلالات الخطاب الشعري :
في ظل احباطات مطردة متكررة مني بها جيل الشاعر بعامة، وألقت ظلالها على الأجيال التالية بشكل مروع .. يفتتح الشاعر محزنته، راسما بركاناً من الغرابة، قاذفا بحمم الدهشة والأسئلة .
وفى لحظة حاسمة بين مواجهة هذه الاحباطات ومسبباتها، وبين الهروب من المشكلة برمتها، اختار الشاعر موقفاً ممنطقاً، وقد بدا الوطن يتشكل أمامه وبداخله بصورة جديدة يعمها العنف والانقطاع .. ولم ينس بين عرضه لمبررات موقفه وحيثياته أن يشير إلى محنة الشعر، دعامته القوية في سيرة العمل الوطني .. تلك الدعامة التي اعتمد عليها كافة شعراء السبعينيات، فحالة الشاعر المزاجية والفكرية التي تصنعها المؤثرات الخارجية تكون حافزاً لتوجهه بالضرورة، واختيار الشاعر لهذا الموقف السلبي وسط موكب من الأحزان يمثل بالضرورة سقوط الشعر في نفس الدائرة، إذ الشعر نتاج طبيعي لبنية الشاعر السيكوأيدولوجية ودالة فيها في الوقت نفسه.
فمهما يكن .. إن استمرار الشاعر كواحد من الثوار المتمردين (بالشعر وليس فيه) والاحتفاظ بالدور القديم في مسيرة العمل الوطني أمر يبدو مستحيلاً أمام مجمل الظروف السياسية والاجتماعية التي مرت بالوطن منذ أوائل السبعينيات وحتى الآن، وإن كان الشاعر قد أشار إلى نتائجها في القصيدة :
( فالنساء يعلمن أطفالهن/ والبكاء على ساعديَّ/ والبنايات في المدن المستطيلة/ مستودع للحشيش/ وللشعر والحزن والغربة الماثلة/ ليس في وطني جنة للمواعيد/ بل البلاد جحيم انتظار/ وفى القلب أنشودة ذابلة).
هذا هو الحزن كنتيجة لكل أزمات الوطن بدا وكأنه نزوع فطرى وحيد، تضج به صدور النساء .. الحزن مورد الوطن الوحيد، والكل يعرف وجهته إليه !. ولعل تخصيص "النساء" في المقطع لا ينفى عمومية الحزن بل يؤكده، إذ النساء وهن الموكل إليهن إرضاع وتربية أبناء الوطن في مرحلتهم المتقدمة ينشِّئنهن على البكاء.. هل أصبح البكاء عرفاً وضرورة حياة .. هل أصبح ترفاً اجتماعياً ومعزوفة رومانسية لابد من سماعها ؟!
إننا ـ ولا شك ـ لسنا بحاجة لأية إجابات من نوع "نعم" أو "لا" .. لكنما هي الرسالة الشعرية الأولى للشعر الحداثي عندما يُثوِّر فينا الأسئلة أو يُثوِّرنا لكي نسأل .. الأسئلة أيضاً لا تتولد لدينا إلا في لحظات شعرية أو تأملية أو مدهشة.
على أية حالة إن الصدق الشعوري والاكتناز الرؤيوي داخل القصيدة لم يجعلنا بحالة لننفصل عنها لكي نقدم إجاباتنا بشكل خاص.. إن أية محاولة من هذا النوع ستجعل من القصيدة ـ بكل ما تحملة من رؤى ـ خطاً موازيا أو متقاطعا مع رؤانا نحن، بيد أن روعة هذه القصيدة تنبع أساسا من قدرتها على استقطابنا نحو إجابات حتمية من وجهة النظر الشعرية بداخلها، ومن ثم فإن فرصتنا الوحيدة هي الدخول في تلك الحتمية .. حتمية الأسئلة والأجوبة لنردد ما تردده القصيدة فيناً .. إنه ــ ولاشك ــ صوت القصيدة التي داخلنا.
إن "الفرح" وهو المقابل الضدي لـ " الحزن" الذى يبدو محوراً لكل أسئلتنا السابقة يبدو كما لو كان أمراً لا تقضيه الضرورة، يعزز من ذلك أن كلمة "الفرح" أو اشتقاقاتها أو دلالاتها أو مدلولاتها لم تَعِنُّ لنا داخل القصيدة . ثمة كلمة واحدة كان يمكن أن تكسر حدة تلك الهدهدة الحُزنيَّة لولا أنها أتت مسبوقة بـ "ليس" .. ولم يكتفِ الشاعر بنفي "الجنة" بل عجل بالاستدراك ليعزز من قيمة ذلك النفي :
( ليس في وطني جنة للمواعيد / بل في البلاد جحيم انتظار.) إن الحالة الشعورية الطبيعية تميل إلى طرح البدائل الجملية لكل حالات القبح .. فهل نحن أمام حالة شعورية غير طبيعية أم أننا أمام طبيعة جديدة ليس فيها غير الحزن .. طبيعة أحادية .؟ لاشك أننا أمام طبيعة لا تتعادل فيها الكفتان، بقدر ما أننا أمام طبيعة فقدت إحدى كفتيها لتبقى الكفة الوحيدة .. كفة الحزن مشرَّعة في وجه الوجود.
حتى أنشودة الشاعر كان يمكن أن تحيلنا إلى الكفة المفقودة ولكنها جرفتنا جرفاً إلى كفة الحزن الشاخصة .
( وفى القلب أنشودة ذابلة ) هذه هي الأنشودة الذابلة / المحصلة التي تجعلنا نعيد أو نستطرد كل الأسئلة الحُزْنِـيَّة من جديد.
إن حالة ما من الهدهدة الحز نية لأطفال الوطن تتم على مسمع ومرأى من الرجال ، بل وعلى سواعدهم التي لم يصبح لها دور غير أن تتحول إلى وسائد لهؤلاء الأطفال. هل يصبح هؤلاء يوماً خير خلف لخير سلف إن داخل الفرح قلوبهم؟! إننا أمام صورة من صور التواصل الحزني، بل هي حالة اتصال يربطها هذا الحبل السُّري المتصل بنساء الوطن.
إننا أمام محزنة كبرى رائعة من وجهة النظر الطبيعية في هذا الوطن الـ " رائع الحزن " . ولما لا ..؟! والمنطق نفسه متسم بالحزن والحزن فقط.. ولم لا ونحن أمام صورة لأحادية الكون.. إن أي كون أحادى لا بد أن يكون حتمياً.. ومن ثم لا مجال لرأى آخر في مقبل رأى أول.. إن مثل هذا التعدد قد يوجد في كون مفتوح متناهٍ، ومن ثم فإن دلالة "المستطيل" هي نفسها دلالة التناهي والانغلاق، و(الزوايا) هي نفسها دالة الحصار و"الظل" الذى من المفترض أن يكون دالة في النور يصبح في كوننا الأحادي دالة في صاحب الظل ومن ثم فإن الضمير في " ظله" يصبح هو الواحد الذى لا يتعدد والكون الذى هو ظله خاضع لقانون "الأحادية" ذاته.
(ظله المستطيل يقابلني/ والزوايا بحدتها تحسم المشكلة) لا مجال إذن لتعددية، لرأي آخر ، لتواجد نوراني غير الظلِّي.. الإشكاليات دائمًا تحسمها الزوايا !، والتواجد الحقيقي ها هنا لصاحب الظل.
في هذا المقطع يعلن الشاعر عن جرأته، كجزء من تكوينه الرافض لصاحب الظل المستطيل، ومن ثم فإنه ـ الشاعر ـ يعلن ضمنيًا عن اكتشافه لزيفٍ ما، أو خدعة كبرى داخل هذا الوطن، فثمة "واحدية مزيَّفة" ناشئة أصلاً من استسلامنا لها، وإلا لما استطاع الشاعر التواجد في مواجهتها بالرفض على الأقل، ليشكِّل عقيدة أخرى تميل إلى التعددية، وربما لذلك هي مضطهدة.. وهذه هي الاستنطاقة الأولي التي يجب أن ننطلق منها للبقية.
هل نقول إن عقيدة الشاعر الجديدة/ المغايرة تمت إلى كاف الخطاب المؤنثة في "ظلكِ" ولا تمت إلى "هاء" الغائب قي "ظله" ؟.
لعل براعة الشاعر ودقته في استخدام المفردات وتوظيفها في هذا المقطع أكثر تميزًا، إذ تعلن الألفاظ في خفر ولطف جميل عن دلالة استخدامها، فضمير الغائب في "ظله" لا يعود على اسم بعينه داخل القصيدة، ولا يرتبط إلا بلفظته المضاف إليها ، لكنه تأكيدًا يرتبط بمجمل المعاني الدلالية للقصيدة. و"المستطيل" هذا الشكل الذي اختاره الشاعر للدلالة علي عالم متناهٍ مغلق محاصر بالزوايا في مقابل عالم دائري/ مفترض/ غير متناهٍ تكتسب فيه كل نقطة نفس البعد ونفس القيمة ، وتصلح كل نقطة عليه لأن تكون بداية بقدر صلاحيتها لأن تكون المنتهى.. إنه عالم يسمح بالحراك والمساواة .
إن مفردات "المستطيل، الزوايا، الظل" بكل ما تحمله من دلالات تشير إلى أزمة المثقفين بعامةٍ مع السلطة بخاصة الماركسيين في فترة السبعينيات خاصة، حيث كانت السجون المظلمة/ الزوايا هي التي كانت تحسم المشكلة دائمًا، وتنهي الصراع لصالح السلطة.
هذا العالم المستطيل هو ظل الحاكم، حيث يسترخي فيه الثوار مرغمين في لحظة الحسم السلطوي، إضافة إلي أن الترابط المعنوي المباشر بين الألفاظ الثلاثة في القصيدة يعطي دلالة في ارتباط النظام الو احدي بالسجون، والاعتقال، والهيمنة، والانغلاق، وتلك هي أدوات أية أنظمة دكتاتورية.
ولعل المخاطَبة المؤنثة "أنتِ" هي نفسها التي بدأ الشاعر الخطاب إليها منذ مطلع القصيدة: "فلا تأملي أن أعود إليه" .. "فاقلبي الصفحة" .."ولتكتبي البسملة" وفي المقطع الرابع "فلا تأملي أن ..." وفي المقطع الثاني تتخفى المخاطَبة رغم أن الخطاب موجه إليها في الأساس، وكما هو الحال في المقطع الأخير عندما يقدم لها الشاعر مبررات عدم العودة وهي ـ المبررات ـ في هذا المقطع تبدو مختلفة بعض الشيء عن تلك التي قدمها في سالف القصيدة.. فإن كان قد عرض مبررات تعود إلى الوسط والمناخ الخارجي فهو في المقطع الأخير يقدم مبررات تعود إلى الوسط والطبيعة الداخليتين للشاعر.. تلك التركيبة السيكوأيديولوجية العامة لكافة الجيل الذي ينتمي إليه الشاعر وأكثر تحديدًا الطبقة الوسطى من المجتمع التي سمحت لها الثورة أن تتحرك من منطقة "الصفر الاجتماعي" إلى المنطقة الوسطى المثقفة في المجتمع المصري، ومن ثم فإن هؤلاء هم طرح الثورة، ومن ثم أيضًا فهم جيل النكسة؛ لذا فإن تركيبتهم النفسية هي نفسها تركيبة "الثورة/النكسة" بكل ما تحمل التركيبة اللفظية من مفارقة وتتناقض، ولا شك أن تركيبة "الثورة النكسة" عندما تتحرك فوق منحنى"أكتوبر كامب ديفيد" فجأة من قمةٍ إلى قاعٍ ، لا شك أنها ستصبح أكثر خلخلة، وأعظم كفرًا بأية قوى استقطابية سياسية كانت أو اجتماعية، ولم يعد هذا الجيل في ظل سياسة الانفتاح، وفي ظل سياسة القمع البوليسي إلا أن يغامر بالقفز خارج كل قوى الجذب: "نحن جيل/ رأى أن يغامر بالقفز/ خارج كل قوى الجاذبية" ولتبقى المخاطبة/ مصر صاحبة الضمائر المتخفية حينًا والبارزة حينًا في الضمير المخاطب والتي لم يصرح بها الشاعر، كما أنه لم يصرح بصاحب الضمير في " ظله" .. وكأن التصريح هو الجريمة الوحيدة في هذا الوطن الذى "تحسم الزوايا فيه المشاكل" أو لكأن مصارحة الشاعر تأسست على : افتقاد التصريح في الواقع لا في المصارحة في حد كونها بقايا ثورية ما.
هل أصبحت الضمائر وحدها هي آخر ما بقى في عالم الشاعر؟!.. لكأن رغبته في (قلب الصفحة) وتغيير الوجهة هو ما جعله يهمل التجسيد، وكأن الأشياء كلها في خبر كان .. ولم يعد يهم أن يشير الشاعر إليها أو يذكرها بأكثر من ضمائرها الغائبة !. وباستثناء حضور "المخاطبة" التي لا تزال شاخصة أمام الشاعر في "مستطيل همومها" ومع ذلك لم يتعامل معها بأكثر من ضميرها .
فبماذا ــ إذن ــ يصرح الشاعر في هذا العالم وقد فقدت الكلمة فيه معناها ودلالاتها، وسقط فيه الشعر في حزنه المعتم، وحالت اللفظة دون مدلولاتها؟؛ فأين من قصائد الشعر الحديث ما يمكن للمستقرئ له أن يتعامل فيها مع اللفظ من خلال دلالة المواضعة.. بل وأين اللفظة في دلالتها الجديدة ؟! هل يمكننا أن نخرج منها بدلالة ما يمكن أن تصلح لموا ضعة جديدة ؟! بل وأكثر من ذلك أين اللفظة في الحياة وبعيدا عن الشعر؟ أين دلالة كلمات: الثورة.. الوحدة.. الاشتراكية.. الوطن.. الوطنية.. النصر.. القومية.. المستقبل.. الشعب.. الديمقراطية ..إلخ؟
الصورة الحاصلة في عالم الشاعر تؤكد أن ثمة مفارقة بين دلالة المواضعة ودلالة الاستخدام، وتؤكد أبعد من ذلك وأعمق أن كل تلك الكلمات مشاع وأن دلالتها في الحياة خاضعة لحالة مستخدمها لا إلى المنطق .
ومن ثم فإن ما حدث في 23 يوليو ثورة.. كما أن ما حدث في 15 مايو 1971 ثورة تصحيح.. كما أن استصلاح فدانين ثورة خضراء !!
وما دام الأمر كذلك فإن مادة" ثَوَرَ" هي عينها مادة " خَوَرَ" ، وإن ما يحدث على المستوى اللغوي هذا هو في حقيقته ثورة.. ثورة على اللغة ومن عبث تهدف شعرياً إلى الثورة على اللغة لا إلى تثوير اللغة .
لاشك إن ضياع الكلمة في الحياة مرادف تماما لضياع الحياة ذاتها بكل معانيها الفطرية الجميلة . إن مثل هذا المسخ الجديد تفقد فيه الكلمة وهجها ، وحرارتها كما أن الإنسان نفسه ــ وهو الأساس ــ يظل على غير أساس .
ويبقى " الصقيع " وحده هو الذى يصوغ الوجدان ويحرك الإحساس .. ولعل الصقيع الذى يسكن المخادع والبرودة الدائمة يبرزان قيمة الحرارة المفتقدة كسر من أسرار الحياة ومصدر للطاقة المحركة فيها . أما " ظل " فيبرز لنا قيمة الشمس المختفية خلف سياجات محددة .
إن مفردات " الظل " ، " البرودة " ، " الصقيع " هذه المفردات التي تكررت في القصيدة تصرح في خفاء عن فقدان " الحرارة "، " الدفء " و" الشمس " إن مثل هذا العالم ( الظل / الصقيع ) عالم مشلول تعمه الغشاوة والبلادة ، والركود .. وباختفاء الشمس تستوي الأشياء جميعا عند فقد البصر الرؤية ولا داعي لأن يبدأ الشاعر / الإنسان أو يستمر في أية تجربة أو علاقة في مثل هذا العالم . وإلى هذا الحد يكون الشاعر قد قدم كل مبررات الرفض وكل حيثيات عدم العودة إلى أي دور يمت إلى هذا الوطن . وقد فقدت حتى " الوطنية " على المستوى الشكلي قبل الموضوعي كل مدلولاتها وكل معانيها .
وإن كان الشاعر لم يصرح بالكلمة لفظا إلا أنه أوضع في المقطع الرابع منها دون مواراة أن علته في وطنه وفى مجمل القصيدة يعلن الشاعر أن انتماءه للوطن معناه الانتماء للصقيع والبرودة والظل والجحيم .
وأن كينونته في هذا الوطن تتحدد أيضا بصيرورته ظلا ، وهذا معناه أن يدخل في دائرة التشيع والمباركة لصاحب الظل الحاكم . إنها وطنية السلب التي تأباها النفس الشاعرة الأبية .
فما الذى يربط الشاعر بالوطن إذن ؟! سؤال مهم لم يغفله الشاعر بيد أنه لم يجب عنه ؛فكل إجابة له تبدو مسبقة على القصيدة، وإن كانت القصيدة نفسها ـ من منظور عمقي ـ إجابة كافية لهذا التساؤل ، إذ يكفينا في مثل حالات النفي داخل القصيدة أن نصوغ منها كل حالات الإيجاب، كما يكفينا لكل قيمة سالبة حددتاها القصيدة قيمة ضدية موجبة لتصبح الحياة مقبولة.
يكفينا أيضًا لأن نتحرك نحو كل قيمة موجبة أو إيجابية أن تتلبسنا حالة ما مشابهة لحالة الشاعر الذي يعطي لكل قيم الموات والسلبية ظهره مرددًا في نبرة أسيانة:" ليس في وطني جنة للمواعيد / بل في البلاد جحيم انتظار/ وفي القلب أنشودة ذابلة" ,هكذا يعلن الشاعر أن كل ما يربطه بهذا الوطن شيء ذابل من بقايا علاقة قديمة .. إنها كل قيم الوطنية الذابلة في حياته تعلن عن نفسها ، سماء أكانت هناك صفحة أخرى أو لم تكن فثمة إصرار على عدم الاستمرار في أية علاقة من هذا النوع بهذا الوطن .. إصرار واضح منذ بداية القصيدة: " فاقلبي الصفحة الآن/ ولتكتبي البسملة".
وهكذا يتنبرك الشاعر بالبسملة التي لا تعطى هي الأخرى أية تصريحات عن المتبرك به . فكثيرًا ما هتف الوطنيون باسم الله .. باسم الوطن .. الشعب .. قوى الشعب العاملة .. النضال .. الحق .. العدالة .. الديمقراطية .. إلخ .
ــ بماذا / بمن يتبرك الشاعر في صفحته الجديدة القادمة ؟!
ليكن التبرك بما يداخل القلب إذن .. باسم العنف والانقطاع .. باسم الغربة .. الغرابة .. الحزن .. المجازفة .. المتناقضات .. الانفصال .. التمرد .. القفز المتمرد .. باسم الحزن / الحصار .. الأسئلة .. باسم كل الكلمات المبهمة المطاطة .. باسم التطرف .. باسم كل هؤلاء وأولئك نحن نبدأ صفحة البلادة الجديدة ونعلن الحزن في أشعارنا.
ولما لا ..؟ ولم يبق في وطن الشاعر غير البكاء .. والنساء / الأمهات / مدرسة الحياة الأولى / معلماتها يعلمن أطفال الوطن البكاء على سواعد الرجال .
"فالنساء يعلمن أطفالهن/ البكاء على ساعديّ / والبنايات مستودع للحشيش/ وللشعر والغربة الماثلة ..."
هذه هي شرور الوطن الذى تحول إلى محزنة كبرى .. إلى مبكى .. يشيع فيه البكاء كما لو كان حالة فطرية وحيدة مهيمنة .. كما لو كان قاعدة القواعد ودستور الدساتير .. هل أصبح البكاء واجباً وطنياً .. وهل تداخلت مدلولات "وطنية " بـ " بكائية " في وطن تحولت فيه البنايات إلى مستودعات للحشيش والحزن كما أنها مستودع للشعر والغربة ؟!
أية نتيجة تلك ؟.. بل وأيتها مفارقة تلك ؟!.. والحشيش هو المقابل لكل دلالات الحزن .. كما أنه الشعر/ الحضور هو المقابل لكل دلالات الغربة ! .. إنها الصورة الحاصلة المحصلة .. الوطن مستودع للأضداد والمتناقضات والمفارقات واللامعقول !.
هل تألق الحزن والحشيش .. هل فقد الحشيش قيمته التخديرية مثلما فقد الشعر قيمته الحضورية، أم أنها سطوة الحزن والغربة عليهما ؟!
هل أصبح الحزن أقوى من أية قوى تخديرية في الحياة .. وهل أصبحت مشاعر الغربة والاغتراب أقوى من أية دفقة شعورية مفعمة بالحضور ؟.
أية حياة تلك غير الجحيم ؟!.. جحيم للروح الشاعرة المتأملة .. الباحثة عن الحقيقة خلف كل هذا التناقض .. أية غرابة تلك التي تتلبس بعقل وقلب شاعر ينتمي إلى هذا الوطن .. بل وأية حقيقة يمكن أن يتوصل إليها وقد سطت الغرابة على الدهشة ؟!.. ليست ثمة حقيقة غير الحصار .. والحصار فقط .. حصار أسئلة لن يجاب عنها .. أسئلة مطردة .. مطردة . ونحن جيل متحرر عن أية حصارات .. وعن أية مؤثرات ، أو قوى استقطابية .. جيل يأبى الهجن والتهجين .. يهوى المغامرة إلى آخر المدى متفردا بخصائصه ورؤاه وأحلامه الهائجة . إنها فذاذة جيل يغامر ــ أو هكذا كان ــ بطرح مشروع موازٍ لكل قوى الجاذبية الحزبية أو غيرها في هذا الوطن .. هكذا نحن رغم ضعف إمكانياتنا ومعطياتنا السلطوية.
"نحن جيل ـ رأى أن يغامر بالقفز/ خارج كل قوى الجاذبية/ رغم ارتعاش الجناح الضعيف".
ورغم أن الأيام أثبتت زيف الجميع (جميع القوى السياسية والوطنية التي كانت سائدة ) والنتائج الحاصلة التي طرحها الشاعر أمامنا في قصيدته تؤكد ذلك وتشي بأن الجميع كانوا واهمين .. فماذا إذن يتبقى لفئة "الجيل" غير تفردها بأزمتها القديمة المتمثلة في عدم الاندماج مع القوى الأخرى أو الانخراط فيها ؟!
ماذا يتبقى لهم وقد فشلوا في أن يشكِّلوا لهم كياناً مؤثراً.. ولم يصلوا إلى أية نتائج مأمولة أو أية مقاعد سلطوية أو حتى أية مكتسبات وطنية ؟!
ماذا يتبقى لهؤلاء المجايلين بعضهم .. هؤلاء المثقفين والشعراء الثوار من جيل السبعينيات .. بل ماذا بقى للفئة المتميزة منهم .. تلك التي رأت أن تكتب لنفسها لونا متفردًا حتى وسط التكتل الكبير الذى يمثلها شكلياً على الساحة السياسية والثقافية؟! إن كان كل شيء قد انتهى بالنسبة لهؤلاء الشعراء ولم يعد من شيء لهم غير تمردهم، فليكن اللون الجديد للتمرد هو "المصارحات".
إن قصيدة شاعرنا التي يعلن فيها رفضه لأي دور وطني هي في حد ذاتها لون من ألوان الوطنية.
فلتكن الصفحات التالية في حياة هؤلاء الشعراء "مصارحات".. يعلنون فيها موت الوطنية التي لن تموت ــ بالطبع ــ كمعنى من معاني الاعتزاز بالوطن والنضال من أجله، وإنما هم يعلنون موت كل معاني الوطنية المزيفة التي تستمر في هذا الصقيع.. إن روح الوطنية /التحرر/ الوهج/ الشعر/ التألق/ الحضور/ النضال تأبى كل ما يراه الشاعر من سلبيات وزيف، والاستمرار فيها لون من ألوان الموات الوطني الذى يصارحنا به الشاعر في قصيدته "مصارحة "


عبد الجواد خفاجى
30/3/ 1996


Khfajy58@yahoo.com



(ملحوظة : القراءة بعاليه هي أول ما خطته يمين كاتبها في مجال القراءات الأدبية)
صورة عبدالجواد خفاجى
القسم: 

التعليقات

 
هذا صباح جميل ولاشك
الأستاذ عبد الجواد خفاجي
لمن أصفق هنا لك أم للشاعر درويش الأسيوطي
استمتعت بالقصيدة وراقني جدا دخولك بين حروفها
لماذا كلما مررت من هنا تأخذنا لفضاءات الإبداع
كن بخير

فاطمة محسن
صورة فاطمة محسن
 
كل التقدير والامتنان لصدق النص وروعة القراءة وعمقها
قراءة لافتة للنظر حققت لي الاستفادة بقدر ما حققت الامتاع
ونص دفعني للبحث عن مبدعه
أشكرك علي كليهما
وفى انتظار المزيد
مودتي
سلمي عمارة
صورة سلمي عمارة
 
الشاعرة الأديبة فاطمة محسن
لك التحية والتقدير
لاشك مرورك من هنا يكون مثارا للسؤال : لمن كل هذا العبير؟
أشكرك على وقفتك المخلصة مع النص ، وعلى تفضلك بالقراءة والتعليق الذى يشف عن عميق وعيك وسمو ذوقك
لك المودة إذن
عبدالجواد خفاجى
عبدالجواد خفاجى
صورة عبدالجواد خفاجى
 
الأديبة سلمى عمارة
لك التحية والتقدير
لا شك أنني محظوظ بمرورك هاهنا
ولا شك أن استحسانك للنص أمر أعتز به كثيرا ، وربما أنه زاد المسيرة القادمة
لك مودتى إذن
عبدالجواد خفاجى
صورة عبدالجواد خفاجى

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات