You are here

الصفحة الرئيسية

اغتيال أمير الصعاليك




اغتيال أمير الصعاليك
جمال المظفر



لأول مرة يغتال الشعر شاعره في غفلة من الزمن الذي اختلفت فيه الموازين، ولا اقصد هنا موازين الشعر العمودي وتفعيلاته وإنما موازين الأخلاق والقيم والمبادئ والوطنية.
قصيدة النثر الحديث اغتالت أمير الصعاليك كزار حنتوش ، طاووس ساحة الميدان وأسير الأرائك الخشبية لمقهى حسن عجمي .
كل تجارب التجديد في قصيدة التمرد النثري خرجت من تحت معطف الإمبراطور كزار حنتوش ، مثلما خرجت روائع القصص من تحت معطف غوغول .. خرج حنتوش من عنق زجاجة الخمر التي يحتسيها في نادي اتحاد الأدباء في بغداد والى آخر دمعة تنزل منها ليكمل خمارته في بارات الميدان التي غالبا ما تنتهي جلسات السكر فيها بمعركة حامية الوطيس بالقناني الفارغة والكؤوس والكراسي الخشبية والمعدنية ، ولا ترى أديبا متصعلكا إلا وهناك علامات فارقة على وجهه أو عينيه بدعوى انه أصيب إثناء ارتياده الباص بالعمود الذي تركه السائق دون أن يعلق يافطة عليه تقول:احذر في السيارة عمود ، كما يدعي بعض السواق عندما يصطدمون بعمود ألترفك لايت بأن شرطة المرور لم تكتب تحذيرا بأن هناك عمود ترفك لايت في منتصف الشارع .
اغتالت القصيدة شاعرها ... فكزار حنتوش كان يلقي قصيدته بمناسبة تكريم زوجته الشاعرة رسمية محيبس التي لاتقل عنه طيبة ودماثة خلق وأنهما يشكلان ثنائيا شعريا حداثويا ، بل إن رسمية استطاعت وبأسلوبها الشفاف كشاعريتها أن تنتشل كزار من حالة الضياع والصعلكة في الحانات والملاهي الليلية إلا ماندر من أصدقاء السوء الذين يزخر بهم الوسط الأدبي – أن لم تكن خمارا فلست بأديب مبدع ولا محدث - ...
لقد افسد الاحتفالية التكريمية لزوجته ، مات من السعادة المفرطة لأنه يرى من انتشلته من الضياع يكرمها صناع الكلمة والمفردة ... صناع الحياة خارج نطاق هذا العالم المتناقض. فالصعاليك لهم طقوسهم وأسلوبهم في الحياة... هم المتمردون على الواقع ، صناع المأساة ومكتشفوا الإفلاس السياسي والنضج الفكري والمفردات الفنطازية ولغة السرد المفتوح كانفتاح حياتهم على العالم الدنيوي الواسع بعيدا عن الدين والسياسة .
اغتالت المفردات كزار حنتوش لأنه لاعبها وطوعها بأسلوب جعلت قصائده ذات متعة تشد القارئ وبقدرة على الإطالة مع الحفاظ على قوة الصورة والتسلسل – الزمكاني – الذي يتلاعب في فضائهما سابحا كنورس ابيض يلاعب أجنحته فوق شواطئ دجلة ..
لم يعرف كزار حنتوش أن القصيدة ستغتاله في يوم ما ، توقع أن تغتاله المافيات التي لاتهوى الحداثة والتمرد على قصيدة التفعيلة ، أو رجال المخابرات لأنه لم يمدح ملكا أو وليا للعهد ولم يبايع الزناة ، وفضل مبايعة الخمر على ولاة السياسة ، والمرأة على العهر السياسي ..
الصعاليك طردوا كزار حنتوش من مملكتهم لأنه تمرد على جمهوريتهم ، ترك التشرد والتسكع في الشوارع والنوم على الأرصفة والحدائق العامة وصار ينام على سرير يتسع لشخصين آدميين بمعنى الكلمة – ظل رجل وامرأة - ..
كيف للصعاليك أن يرضوا بأن يتمرد احد قادتها البارزين وينام على أسرة من الإسفنج ويلف وجهه بملايات من الديباج أو الفرو الناعم الذي يشهي للعراك الجسدي الغريزي لاعراك الأيادي والقناني الفارغة والمبيت في مراكز الشرطة لأسباب مخلة بالأمن العام والتجاوز على الحريات العامة وافتعال الأزمات السياسية والشعرية ..
كم صعلوكا طرد من جمهورية الصعاليك لأنه خرج منها دون استئذان ، وكيف إن البعض هاجم جان دمو ( الصعلوك رقم واحد بامتياز ) في هذه الجمهورية النافذة المفعول و( حسن النواب ) لأنهم غادروا العراق ودخلوا بلاد الفرنجة وأرسلوا صورهم عبر الانترنيت أو بواسطة البريد عن حياتهم الجديدة مما أثارت حفيظة زملائهم الذين لازالوا يبيتون لياليهم في الفنادق الشعبية التعبانة أو تحت نصب الحرية في ساحة الباب الشرقي ، أو على مصاطب انتظار الحافلات في ساحة الميدان ..
اذكر كيف كان كزار حنتوش يتناول غداءه لوحده عندما حضرنا مهرجان المربد للعام 2006 بينما زوجته رسمية تجلس على طاولة أخرى لتتناول غداءها لوحدها وسط ذهولنا ونكتنا بأن كزار لم ينس بعد انه صعلوك وان زواجه – حلم عابر -.
لم يتحمل كزار السعادة ، واصدر آخر وصية له بأنه أسعد إنسان في هذا العالم ، حلق عاليا بعيدا عن أرصفة الجوع والضياع ، عن صهيل الدروع والاباتشيات وطائرات الشبح المخيفة ، عن نظرات جندي أمريكي يلوح لحنتوش ( ستوب ) يا أمير الصعاليك ، ( ستوب ) ياايها الغريب في بلادك التي يحضنها الغزاة ، (ستوب )يامن يدور الحزام على خصرك النحيل دورتين من شدة الجوع ،ياأيها الطائر الشريد الذي تلاعب قذلتك الحمراء رياح الاباتشيات المحلقة فوق رؤوسنا كالخفافيش ، (ستوب ) ياثعلب الدغارة ،( ستوب) عن التمرد الشعري ، عن فضح الواقع والساسة الذين ماقرأوا شعرك يوما لأنهم لايجيدون قراءة المفردات الشعرية اللاذعة ..
لمن تركت رسمية ياكزار... للثعالب المنتشرة في ارض وسماء العراق الذي أدماك احتراقه ، للصراعات الحزبية والطائفية ، للموت ، للحرائق ، للدمار، لصهيل الدروع والاباتشيات ، لحيرتها في إعداد الطعام الذي ماعاد يشبع لشحة الوقود في بلاد الغضب الأسود ، أم للبرد الذي كوركما وجمدكما فلا تدفئة ياكزار في بلادك ، الشمس شمسك والعراق ليس عراقك ، النفط نفطك ويذهب إلى جيوب ولاتك ، هل مازالت صيحات رسمية ترن في أذنك ياكزار : لانفط ، لاغاز ، لاأمان ، لارواتب ، لاحصة تموينية ، لاحياة مثل بني البشر، لامستقبل ياكزار ، لانوارس فوق دجلة ، لاالمتنبي، لاابو النواس ، لاخمارات بعد اليوم ، لامدينة آمنة ، لارغيف خبز يشبه قرص الشمس ، لاحياة لمن تنادي ..
رحلت ياكزار وتركت لنا رسمية ، ظلك في الأرض ، كلما افتقدناك ننظر في عينيها فنراك مختبئا في داخلها تمارس طقوسك بعيدا عن الأضواء والشهرة ..
صورة جمال المظفر
القسم: 

التعليقات

 
جميل ما كتبت يا جمال
ربما أروع ما قرأت - للآن - عن كزار و له
كم أعشقها بلاد الصعاليك التى لا تعرف القوانين و الغش و الخداع و الدم و الدعارة فى كل شيء حتى فى الشعر
تلك هى البلاد المحجوبة التى لن تجد فيها احتلالا و لا محتلين
و لا متسلقين و لا خونة و لا تجارا لأى شيء و كل شيء
بدءاً من الإنسان و انتهاءً بالإنسان
.....
كزار فى مملكته التى عاشها و هو الان مازال يتصعلك فيها موتا
أما نحن
فمن الجحيم
و فى الجحيم
و إلى الجحيم

دمت وفيا
أحمد يحيى
صورة أحمد يحيى
 
الرائع .. الرائع دوما
د/ احمد يحيى
شكرا لمرورك الرائع هذا
وشكرا لاطرائك الجميل واسلوبك الشفاف
ياسيدي:
من يدخل عالم الصعاليك يكتشف بأنهم الاوضح بين اقرانهم من الادباء ، هم صورة الواقع العربي بدون رتوش أو عهر سياسي، هم الصورة السالبة للمجتمع( النكتف ) التي لم تضاف لها الرتوش.
شكرا مرة ثانية لدخولك عالم الصعاليك من خلال اميرهم كزار حنتوش
جمال المظفر

جمال المظفر
صورة جمال المظفر
 
مقال أكثر من رائع
الشكر لك أستاذ جمال على هذا الجمال
تحياتى ،،،،

دعاء
dodo_nomercy
صورة dodo_nomercy
 
شكرا يا جمال أظنه مقالا يستحق من كتب عنه
فقد مثل الصدق  والمحبة

ليلى السيد
صورة ليلى السيد
 
جمال الرائع
الموت يافطة بشرية ..ولامناص
ولكن ان يموت كزار  بهذه الطريقة ..؟
تلك قضية لاأفهمها
كما لاأفهم انتحار مهدي علي الراضي
المهم ياسيدي..كتبت   بوحي من احساسك النبيل
تقبل فائق الأحترام

هادي الناصر
هادي الناصر
صورة هادي الناصر
 
اغتيال امير الصعاليك
اختصار لأغتيال كل من يعشق الكلمه
فنا شعريا او قصصيا او روائيا او مسرحا
اغتيال للحياة والحب
اغتيال لنا جميعا ياجمال
لكن باسلوب رقيق
وادب جميل ووصف اكثر من رائع عن المغتال فينا كزار
الذي لم اعرفه شخصيا
لكنني احسست انني عرفته من خلالك انت
فشكرا
ويحيا الأغتيال اذا كان سيترك فينا بصمه من بصماتك
تحياتي
رحاب الهندي
الصباح
رحاب الهندي
صورة رحاب الهندي
 
الرائع جمال
كزار مات كزار لم يمت
الشعراء لايموتون ياجمال
هم فقط يحلقون عاليا
لم يتحمل كزار السعادة ، واصدر آخر وصية له بأنه أسعد إنسان في هذا العالم ، حلق عاليا بعيدا عن أرصفة الجوع والضياع
أليس كذلك ياجمال
ويكفيه انه عاش صعلوك
وحلق عاليا بعد قراءة الشعر
دمت
فاطمة محسن
صورة فاطمة محسن
 
الرائعة ليلى السيد
تحية طيبة من اعماق القلب
شكرا لك ايتها الرائعة على مرورك الجميل
والصدق كل الصدق في عينيك ياسيدتي
وانت تمرين على عالم الصعاليك
تقبلي محبتي واحترامي
جمال المظفر
جمال المظفر
صورة جمال المظفر
 
الرائعة دوما فاطمة محسن
تحية طيبة
شكرا لك ايتها الاميرة على دخولك عالم الصعاليك
حقيقة كزار لم يمت فهو امانة في عيني زميلتنا الطيبة الخلق الشاعرة المبدعة رسمية
لو عرفت كزار عن قرب لرأيتيه طيب القلب ورئعا
شكرا لك يافاطمة على زيارتك
ألم اقل لك بأن مرورك له نكهة فنجان القهوة
شكرا يافاطمة الطيبة القلب
محبتي واحترامي
جمال المظفر
جمال المظفر
صورة جمال المظفر
 
الرئعة دعاء
تحية طيبة
شكرا لك ياسيدتي على مرورك الجميل
وانت ... اكثر من رائعة ولذلك رأيت المقال رائعا
فأنا مازلت تلميذا خجولا في عالم الادب الواسع
عالم السحر والخيال
شكرا لك مرة ثانية ولعينيك وهما تمسحان فضاء المقال ببريقهما
تقبلي محبتي واحترامي
جمال المظفر
جمال المظفر
صورة جمال المظفر
 
العزيزة جدا رحاب الهندي
تحية طيبة
شكرا لك يارحاب على زيارتك للمقال
وشكرا على اطرائك الجميل
ولذوقك الرائع
جميل ان يغتالنا الشعر ولاتغتالنا المافيات أو رجال المخابرات
احسد كزار لانه مات محلقا حالما
تحمله الملائكة على أسرة الابداع الى عالم آخر لايعرف الزيف ولا الخداع
شكرا لك مرة ثانية يارحاب الرائعة
تقبلي فائق احترامي
جمال المظفر
جمال المظفر
صورة جمال المظفر
 
صديقي الجميل هادي الناصر
تحية طيبة
شكرا لمرورك الجميل ياأيها الناصر
لاتستغرب هذا الموت، فأنه من اجمله وأحلاه لاان يموت برصاص الغزاة
اما موت مهدي الراضي فتلك مصيبة
كيف لقاص ان يلف حبل المشنقة على رقبته
شكرا مرة ثانية ياصديقي الرائع
جمال المظفر
جمال المظفر
صورة جمال المظفر
 


    ها أنت يا العزيز جمال تتراءى لي نهر وفاء يمتد من نبض قلبك حتى شاهدة قبر الغائب الحاضر الشاعر الرائع كزار حنتوش  

     أنت لا ترثيه هنا ـ وحسنا فعلت ـ إنما ترثي وطننا المخلع الأبواب ـ وحسنا فعلت مرة أخرى ـ 

     غضبك النبيل ، دليل حِلمك في زمن ما عدنا نميز فيه بين قبعة جيفارا وعمامة هولاكو ـ فكيف لا أنتشي فرحا حين أجد من ينتصر للصعاليك في تمردهم المشروع على الأباطرة ؟ 

 لي مع كزار صحبة قديمة ، بدأت عام ثمانية وستين وتسعمئة والف حين ألجأتني الظروف لل
دراسة في ثانوية التحرير في الديوانية ومن ثم لنلتقي في حجرة من بيت  في زقاق معتم  او بستان في ريف ... وعلى ما أتذكر ، فقد التقيته آخر مرة حين زارني في مطبعة الرواد " طريق الشعب "
    لماذا لم أرثه ؟  سأكذب لو قلت أنني لا أرثي الأحياء ... وسأصدق لو قلت انني حزنت كثيرلرحيل أحد أنقى التلامذة النجباء لعروة بن الورد مع أنه لم يكن له غير حصان القصيدة  ’ ولاثمة ميدان ومفازات سوى الأرصفة مع مساحة شاسعة من جنون عاقل ا    
   شكرا لوفائك الجميل ، ولحسن نسجك هذا المنديل الذي مسحت به شاهدة قبره وأجفان رسمية  
 
    
يحيى السماوي
صورة يحيى السماوي
 
الشاعر الكبير الرائع يحيى السماوي
تحية محبة وتقدير
شكرا لمرورك الرائع على شاهدة كزار حنتوش وذكرياته المؤلمة
واسف لتأخري في الرد لعدم علمي بكتابتك الا مؤخرا فأعتذر مرة اخرى
حقيقة الصعاليك ادهشوني وكنت اتابع حركاتهم ومزحهم منذ التسعينات في مقهى حسن عجمي في  الحيدرخانة بشارع الرشيد حيث كان الادباء يجتمعون هناك دائما
وكانت زوجته رسمية تنشر معي في الثمانينات من القرن الماضي في مجلة مرآة الامة الكويتية
وتعرفت عليها شخصيا في مهرجان المربد العام الماضي وسعدت كثيرا بهذا المقال عن زوجها الراحل كزار
وكان شكرها بابتسامة خجوله كطيبتها الجنوبية وطلبت ان ارسل لها نسخة من المقال الذي نشر في جريدة الزمان الدولية
كزار ورسمية جذبوا انتباهنا في مهرجان المربد ، فهما ثنائيان من طراز خاص
كزار الطيب ، ورسمية الفقيرة الخجولة
شكرا لك مرة ثانية
جمال المظفر
جمال المظفر
صورة جمال المظفر

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات