You are here

الصفحة الرئيسية

الآنسة ( ماغي )




الآنسة "ماغي
محمد سامي البوهي



كانت تجلس خلف مكتبها جوار النافذة الزجاجية ، تتوسط عمودين من الأوراق المتخمة بهموم العمل ، لا تكاد ترى شيئاً حولها سوى بؤرة الحاسوب المضيئة من أمامها ، صوت لوحة المفاتيح تحت أصابعها يدلل على مهارة فائقة ، توقفت قليلا ... استوعبتني بنظرة شاردة ، انكبت منها على حقيبتها تبحث عن شئ ما داخلها ، بعد حيرة لم تطول سألتني عن "قداحة" ، نفيت عن نفسي اعتيادي للتدخين ، أظهرت تململاً بحنق خرج مع دفعة هواء أطلقتها من فمها الملون ، نادت الساعي "بلال" بأعلى صوت امتلكته ، انبثق أمامها في لمح البصر ، تناول منها أمراً بإحضار قداحة في الحال ، هز رأسه إليها بالطاعة ، عاد وقد أحضر لها ما وقع تحت أنياب إرادتها ، سحبت من حقيبتها صندوقاً أنيقاً مرصعاً بفراء حيواني ، أزاحت الغطاء كاشفة عن صفين من قضبان السجائر ، انتزعت واحداً ... أشعلته ...احتضنته بين شفتيها ، مدت يدها لإشعال شمعة اسطوانية حمراء ضخمة الحجم ، وضعت أمامها ، ردت ظهرها للوراء ، ثم رفعت رأسها لأعلى ، نشرت دخانها الذي اختلط بضوء الشمعة الخافت ، تشعب داخل الحجرة حتى وصلتني رائحة التبغ المحترق ، عادت لإستيعابي بنظراتها ، سألتني عن اسمي الذي أخبرتها عنه بالأمس ، أجبت سؤالها ، أقرت بتأكدها من ضيقي لتنفسي رائحة الدخان طالما أني لست من فئة المدخنين ، لم تنتظر ردي حتى أخبرتني بأنها لا تقدر على مواصلة العمل دون مواصلة التدخين ، و طلبت من عدم اندهاشي لأنها هي من ألصقت لوحة -ممنوع التدخين- على باب الغرفة ، إلا أنها هي وحدها من تدخن ، لا تسمح لأي شخص آخر أن يدخن في حضرتها مهما إن كان ، فهي تشعر بالغثيان من رائحة دخان السجائر التي تنطلق من أنفاس الآخرين ،تداخل ع حديثها صوت هاتفها النقال المسند على قاعدة أنيقة ، جذبته بأطراف أظافرها اللامعة ، تطلعت رقم المتصل ، قبل أن تضغط زر الاستقبال ، أظهرت تململاً من نوع آخر ، هذه المرة لم يكن تململها مصحوباً بدفعة هواء ساخنة من فمها ، بل صحبته بنوبة سباب خارجة عن عرف الآداب ، صدمت بها ... احمر وجهي خجلاً أمام تلك الكلمات ، لم تعطني الفرصة لمواصلة الاندهاش ، أدخلتني في دائرة أخرى بصوتها الذي انطلق كصاروخ سقط فوق المبنى ، وهي تأنب المتصل ، وتنهره على الحنث بوعد قد وعدها به بالامس ، أغلقت الخط في وجهه ، عادت حيثما بدأت بسباب وشتائم لا تليق بأنثى ، نادت الساعي المسكين ، انشقت الارض وخرج منها "بلال" كعفريت المصباح السحري ، تساءلت عن سبب تأخره عليها من لحظة النداء ، أعقبت تساؤلها بلقب "حيوان"، تصنمت الكلمات داخله، حتى استقبل أمراً آخر بعمل فنجاناً من القهوة ، استدارت نحو لوحة المفاتيح التي أوشكت على الإنفجار ، تقطع من أعمدة الأوراق ، تلصق عليها توقيعها ، ترتشف من القهوة التي لا أعلم متى أحضرها المسكين ، تجذب أنفاساً من سيجارها ، تعود للوح المفاتيح ، حركات متتالية ومتشابهه ، ولدت داخلي شعوراً بعدم الأمان داخل هذا المكان المشحون ببركان مجنون ، تمنيت أن أترك العمل ، أبحث عن عمل آخر بمكان آخر ، لكني كنت أتوقف عند حدود متطلبات المعيشة التي لوحت لي من خلف تلك الصور الغريبة التي ألصقت بها الجدار من خلفها ، هيئتها الخارجية المطعمة بشعرها الاسود الطويل ، نظارتها الطبية الصافية ، لا تكشف عن هذا الجنون الرابض داخلها ، سمعتها بالأمس تقص لأحد الزملاء بأنها قامت بالاعتداء على سائق حافلة ركاب قد أغلق عليها الطريق ، فأوشكت أن تصتدم سيارتها بالرصيف ، ظننت أنها تبالغ بقصتها فأدخلت عليها بعض من الخيال الذكوري الذي تتمني أن تصل إليه الانثى ، لكن ما رأيته اليوم يؤكد لي صدق قصتها ، وينفي انطباع السذاجة عن زميلي الذي كان يصدقها في كل كلمة تقولها ، انقطع صوت تفكيري ، وصوت لوحة المفاتيح بصوت المدير العام الذب اقتحم المكان :
- صباح الخير.
- صباح النور.
- كيف حالك آنسة "ماغي ".
- على مايرام .
- وأنت أستاذ "محمد ".
- الحمد لله.
- مرتاح معنا.
- الحمد لله .
- عليك بمتابعة "ماغي" فأنا شخصياً أتعلم منها.
- أقوم بذلك بالفعل ، وقد تعلمت منها الكثير.
- عظيم .
غادر المكتب منادياً الآنسة"ماغي" التي لملمت بعض من الأوراق لتلحق به بمكتبه المجاور ، لإعطائة جرعة جديدة من التعلم


محمد سامي البوهي
قاص وصحفي مصري
نشرت القصة بجريدة القبس الكويتية بتاريخ :26/11/2006
http://alqabas.com.kw/Final/NewspaperWebsite/NewspaperPublic/ArticlePage.aspx?ArticleID=215251
صورة محمد سامي البوهي
القسم: 

التعليقات

 
الأخ  البوهى
لدينا عائلة البوهى فى السوبس
هل هم أقاربك؟
الآنسة ماجى تم تصويرها بقلمك الرشيق ،واعجبتنى ..
د.رضا صالح
صورة د.رضا صالح
 
أشكرك سيدي
محمد سامي البوهي
صورة محمد سامي البوهي

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات