You are here

الصفحة الرئيسية

الجلوس على الخازوق




الجلوس على الخازوق
محمود الغيطاني


- الحرية.. أخيرا!
أنطقها دون وعي، بانطلاقة زافرة من أعماقي و كأني أزفر معها كل ما يجوس داخلي. لم يكن بانتظاري أحد. لا بأس؛ فلم يعلم أحد بموعد خروجي.
أنظر خلفي. يتطاول الباب الصلد بشموخ و كأنه يلطمني على قفاي مستهزءا. هو الذي يعرف السر. أم ترى يعرفه الآخرون؟!
أترجل بعيدا و كأني أهرب من أشباح غير مرئية. أهرب من نفسي و محاكمتها القاسية. أشعر بنظرات الناس تنهشني. في عيونهم ظلال من السخرية أو هكذا خيل لي، كأنهم يعرفون ما حدث. أحاول الهروب من نظراتهم. أنكس رأسي غير قادر على التخلص من شعور المراقبة. أوقف عربة فينظر لي السائق مستخفا و كأنه يعرف هو الآخر كل شئ. هل فضح أمري؟! أأعيش مخذولا بهذا الشكل؟!
***
كانت جلساتنا تطول. النقاش في الأحوال السياسية و الاقتصادية المتردية يزيدنا حدة و حماسا. نشاطنا التنظيمي كان قد فاحت رائحته. ازدادت مراقبتنا دون أن ندري بعد أن تفشى أمر نشاطنا. وجدنا أنفسنا ذات أمسية محاطين بجمع من رجال الأمن. لم ندر إلا و كل منا في زنزانة منفردة.
***
تتوقف السيارة بقوة أفاقتني. يقول السائق بسخرية جعلتني أنكمش خجلا:
- وصلنا يا بيه.
أهبط متخاذلا. أمد يدي بالنقود فيأخذها هازئا. هل هو كذلك بالفعل أم أني أتوهم؟! تقابلني صغيرتي على مدخل المنزل. فرحة تجري نحوي لترتمي عليّ. أحتضنها بشوق. بتساؤل طفولي مرح تسأل:
- انت كنت قاعد فين يا بابا؟
يصدمني السؤال فيهبط عليّ كالكارثة. من أين علمت بالأمر؟ أتأمل وجهها إلا أني لا أستطيع معرفة ما يدور برأسها. أصمت و قد اكتسى وجهي بكآبة. أسألها:
- ماما فين؟
- بالداخل.
أهبطها أرضا لتسير جواري. تلح عليّ بسؤالها الذي يهبط عليّ كالسوط:
- انت كنت قاعد فين يا بابا؟
تلقاني زوجتي ببسمة مشرقة. أدقق النظر في عينيها. هل تسخر منّي هي الأخرى؟ تحتويني بعمق. تسألني عن أحوالي و صحتي و لماذا لم أعلمها بنبأ خروجي. أقول:
- كان الأمر مفاجئا بالنسبة لي أيضا.
تصمت متأملة إياي بحنانها المعهود. باشتياق وتلهف. برغبة أكيدة ألمحها في عينيها. كم أفتقدها. أرى نظرتها المفعمة بكل معاني الشوق و كأنها تسخر منّي.
***
فوجئت بباب الزنزانة يفتح بقوة و كأنه ينفجر في وجهي. دخل رجلان. أذكر أنهما كانا واقفين خلفي حينما تم استجوابي منذ قليل. أخذاني إلى غرفة وصلتها بعد المسير في دروب طويلة. فكا العصابة من حول عينيّ. رأيتني في غرفة غريبة أشبه بالزنزانة التي كنت فيها. أتأملها. كانت خالية إلا من أحد الرجال. كان ضخم الجثة، متجردا تماما من ملابسه. ألمح في عينيه نظرة قاسية لزجة بها الكثير من الشراهة و الرغبة. جردوني من ملابسي. قيدوني.
***
أشعر بها تتسلل بهدوء بعد نوم الصغيرة. حفيف ثوبها يوقظ أعصابي المفتتة. رائحة العطر تخترق خياشيمي. تستلقي جواري. تقبلني بشوق فتوقد النار داخلي. أحتويها بشوق. نهداها الفتيان يلتمعان في عينيّ فأعتصرهما بكفي. تتهالك مستسلمة للرغبة. تخلع قميصها عن جسد شمعي لدن. أتعرى لنبدأ العراك الفيزيقي الذي ينبثق منه كل معنى للحياة. تجذبني إليها فنلتحم. تزداد حرارتنا لتفوق حرارة براكين الأرض.
***
بعد صراع و دفاع مستميت للحفاظ على رجولتي التي هي على وشك الضياع أستسلم منهكا. أحاول المقاومة مرة أخرى، إلا أنهما أحكما قبضتيهما عليّ بعدما أوجعاني ضربا؛ فلم أستطع الحركة. أشعر بالرجل الضخم يخترق مؤخرتي بقسوة. أشعر بدمائي هائجة غاضبة تكاد أن تفجر شراييني. أحاول الدفاع عن ذاتي إلا أني أفشل. يزداد الرجل قسوة في العبث بمؤخرتي بينما الكثير من الكلمات الساخرة الوقحة تنطلق من أفواههم. أشعر بأنفاسي تنسحب و كأنها تهرب منيّ. يتحول الأمر و كأني أشاهد أحد المشاهد السينمائية التي لا علاقة لي بها. تتجمع الدموع في مقلتيّ. تنهمر غزيرة لأغيب مع الزمن و الخزي.
***
أراه أمامي ينظر إليّ ساخرا. أرتعد. تزوي الرغبة داخلي بينما هي تزداد تأججا. تحتويني بعنف. تريدني أن أعبث بكل زاوية من زوايا جسدها. أشعر بألم في مؤخرتي. أنظر لعينيها الشبقتين فأرى رغبتها ممتزجة بسخرية. تقول بصمت قاس:
- أهتكا عرضك؟
تأوهاتها تمزقني. رغبتها تنهشني. تريدني أن أكمل الفعل فلا أستطيع. تصل برودتي دون مستوى الصفر بينما هيئته تتجسم أمامي. تجذبني نحوها فأراهما يرغماني على الركوع. تقول بفحيح أنثوي مفعم بالرغبة:
- ماذا بك؟ أكمل.
أراهما يخرجان عضويهما طالبين منيّ لعقهما بسخرية بينما الآخر يعبث بي. أنزوي في أحد الأركان. أراها ممددة تنتظرني بينما فخذاها منفرجان على ذلك الشق الطولي فاغرا فاه و كأنه يريد ابتلاع الكون. أراه يتسع لتنسكب منه دماء غزيرة تشبه دماء مؤخرتي.
أصرخ: - ضمي ساقيك.
تنظر منزعجة. تقترب فأبعدها بخوف:
- ماذا بك؟
تنسكب دموعي بينما أنظر إليها صامتا. أشرع في ارتداء ملابسي. يتلقفني الشارع بريح غاضبة فتصفع وجهي المنصهر. سكون عجيب يسيطر على الكون، تقطعه ريح هوجاء تقلقله بغضب و لكنها سرعان ما تعود للسكون التام. أبتاع علبة سجائر. يلقيها البائع بتأفف. أرى في نظرته كل شيء. إذن فالجميع يعلمون بخزيي.
أتجه صوب سور حديدي مدبب. أقترب. يتشكل أمام عينيّ ما حدث. أصعد السور الحديدي. أفك سروالي لألقيه أرضا. يتجمع الناس أسفل السور ناظرين بدهشة إلى مؤخرتي العارية. يبصقون عليّ ساخرين. تنطلق الضحكات الهازئة لتملأ الفضاء الرحب، و على مرأى من الجميع أجلس بقوة على العود الحديدي المدبب لينغرس في أحشائي!!



محمود الغيطاني
  • نشرت بجريدة أخبار الأدب العدد 743
  • من مجموعة "لحظات صالحة للقتل" تصدر قريبا
صورة محمود الغيطاني
القسم: 

التعليقات

 
عزيزي محمود
أنا مستعدة لشراء منك هذه القصة بنصف مليون دولار فهل ستبيعها لي ؟
طيب فكر وأنا في انتظار جوابك
أنت مدهش هنا ، سأنتظر نزول مجموعتك بشوق
سهيلة بورزق
سهيلة بورزق
صورة سهيلة بورزق
 
الاستاذ محمود
يخجل القارئ أن يقول لك إنها قصة جميلة إلا اذا كان ساديا
ولكن بأية كلمة أحييك ؟

حميد العقابي
صورة حميد العقابي
 
 هي الحقيقة عندما تصفعنا ملء وحشيتها إلى الدرجة التي تجعلنا نود لو أننا نلفظ أحشاءنا و كل ما مر في لحظاتنا من شعور مموه بالفرح أيا كان مفرطا في صغره. هل بعد الذي يحدث يكون من حقنا أن نفرح؟ من أين يجيء الفرح و الذين يدفعون عوضا عنا يذهبون بعيدا في الريح؟ قرأت قصتك هناك يا محمود. أنت بارع حد الإدهاش في اختراق الصمت و المسك بالتفاصيل بالغوص بعيدا في أقاصي عمق الإنسان... أنت بارع في إعادة نحت الصرخة الدامية بأدواتك التي لا تمسك بها غير عين ترى إلى ما وراء الحيطان. أنت بارع إلى درجة أنني كثيرا ما أحس أنك تنتمي إلى جيل غير هذا الجيل الذي فرط في كل شيء. أمنيتي أن يحفظ هذا الزمن أبناءه الذين يصرون على أن يظلوا المخلصين إلى الحقيقة من التيه.  
آسية السخيري
صورة آسية السخيري
 
سهيلة العزيزة
والله نصف مليون دولار كثير جدا على قصة لم أكن راضيا عنها بالقدر الكافي حينما كتبتها ، ولكني حينما رأيت رد فعلها قلت بالتأكيد ليس كل ما يعجبني مما أكتبه بالضرورة يكون جيدا، على أيه حال أنا أهديها لك كروائية رائعة وبدون مقابل تقديرا لما أقرأه لك
تحياتي
محمود الغيطاني
محمود الغيطاني
صورة محمود الغيطاني
 
القدير حميد العقابي
كلمتك سيدي هي أفضل تحية لي ، أعتبر نفسي ناقدا سينمائيا أكثر مني قاصا وروائيا ، و لكني أسعد دائما حينما أرى هذا التقدير لما أكتبه في الابداع الأدبي
تحياتي
محمود الغيطاني
محمود الغيطاني
صورة محمود الغيطاني
 
عزيزتي آسية السخيري
والله حينما أقرأ هذه الكلمات المدهشة التي كتبتيها عني ، أتخيل أنها لغيري وليست لي أنا ، ولكنها تملؤني سعادة بالتأكيد رغم تساؤلي هل هؤلاء الكتاب الأصدقاء يتحدثون عني أنا وعن نص لي؟
أشكرك سيدتي على كلماتك البديعة مثلك دوما
تحياتي
محمود الغيطاني
محمود الغيطاني
صورة محمود الغيطاني
 
محمود
قصة باذخة بفكرتها
هكذا السلطة ، تذلل العقبات دوما ولو بالطرق الملتوية . تتركنا مسوخ نعاني العقد النفسية .. قصتك قريبة إلى قلبي جدا .. فتحت أمامي كوة ذكريات حميمة .. لم أرها لكنها حكيت لي من والدي .. عن المعتقل وتعذيب الإخوان .. تذكرت  رواية الكرنك وأنا أقرأ قصتك .. وتذكرت حديثا  لأمين العالم عن معتقل الواحات .. و التجليات لجمال الغيطاني عندما تحدث عن سجن القلعة .. ليس الهتك الجنسي فقط هو ما يقصدونه .. إنما يقصدون قتل الروح .. الذهاب ببريق الكرامة وزهو الرفعة .. تبا لهم من فاسقين

شكرا محمود
شكرا سهيلة لأنك أرشدتني لقصة رائعة

مودتي
منى الشيمى
صورة منى الشيمى
 
الأستاذ محمود
قصة رائعة بكل تأكيد
الله يبعد عنا الخازوق
مودتي
بسام الطعان
صورة بسام الطعان
 
منى العزيزة
انهم بالفعل لا يعنيهم الهتك الجسدي أو الجنسي بقدر ما يعنيهم قتل انسانية الانسان من خلال هذا الفعل، هذا الشخص في القصة تمت تصفيته روحيا تماما، تم بالفعل قتله ؛ولذلك لم يكن أمامه من سبيل آخر سوى الانتحار الفعلي بعد قتله معنويا ، انها السلطة الغاشمة عزيزتي،انها مجتمعاتنا العربية السلطوية المقرفة بحكامها ومعتقداتها وتصرفاتها ، انه الصمت الذي نصر عليه ومن ثم نكون مستحقين لكل ما يحدث لنا
تحياتي
محمود الغيطاني

محمود الغيطاني
صورة محمود الغيطاني
 
العزيز بسام الطعان
يارب تكون المجموعة كلها جيدة من وجهة نظر الجميع، سأنتظر أن يقول القارئ ذلك حين صدورها ، أشكرك كثيرا
وربنا يبعد عنا الحكام العرب وليس الخازوق
تحياتي
محمود الغيطاني
محمود الغيطاني
صورة محمود الغيطاني
 
ظروف حالت بيني وبين التعليق علي قصة القاص محمود الغيطاني في حينها
لذا أرجئ التعليق لحين قراءة المجموعة كاملة إن شاء الله
فقط أردت أن أحيي الكاتب المبدع علي قصة أعدها من أفضل ما قرأت في عام كامل
قصة شديدة الإحكام قوية المبني والمعني
تبطن أكثر مما تظهر ، وتوحي بأكثر مما تصرح
تهنئة وتحية لمحمود الغيطاني علي قصة تحفز وتشوق لأنتظار المجموعة الكاملة
فهلا أسرع بها ؟
شوقي عبد الحميد يحيي
صورة شوقي عبد الحميد يحيي
 
قصة تحبس الأنفاس منذ عنوانها الذي يتحدى.. فرغم أنه يشي بالكثير إلا أن القصة نجحت في تشويقي جدا.. بداية من خروج البطل المتربص من السجن و الذي يتخيل أن أمره ذاع بين الناس .. يهاجمه الهاجس و يتعملق اثناء لقائه بزوجته في تسلسل مغزول بذكريات تجربته الأليمة
نهاية القصة عالية كبدايتها.. و النص ككل ممتاز لكني _لا أتطفل على منطق القصة_ ربما تمنيت حضورا أكثر رفقا و مساندة لزوجته خاصة أنها أبدت تفهما لما عاناه لذا لم أقتنع أبدا بسؤالها: ماذا بك؟
القصة كلاسيكية مكتوبة بحرفية عالية لكن المقطع الثاني الذي يتحدث عن سبب اعتقاله لم يضف كثيرا فالجو و العنوان كانا كافيان جدا
عموما بالتوفيق.. و عذرا على طول الكلام
وفاء صلاح
صورة وفاء صلاح
 
عزيزي القدير الناقد شوقي عبد الحميد يحيي
أشكرك جزيلا على رأيك الذي أحترمه كثيرا والذي بالتأكيد يسعدني أيما سعادة حينما يصدر من ناقد قدير وجاد في قدرك، اذا كانت تلك أجمل قصة قرأتها أنت في عام فأنت بذلك حريص على أن تملؤني غرورا ، ولكني سأحاول ألا أمتلئ به
أشكرك مرة أخرى ، فنحن بالفعل نقدر دراساتك النقديو الوافية ، ولا زلت أذكر أن مقالك البديع الذي كتبته عن روايتي "كائن العزلة" في أخبار الأدب يعد من وجهة نظري أجمل ما كتب عن الرواية
ستصدر المجموعة في يناير وستكون أول النسخ المهداة اليك بالتأكيد
تحياتي
محمود الغيطاني
محمود الغيطاني
صورة محمود الغيطاني
 
القديرة وفاء صلاح
والله أنتم الذين تحبسون أنفاسي وتزيدون قلقي من تلك المجموعة من خلال آرائكم عن هذه القصة ؛ ومن ثم أخشى ألا تكون المجموعة كلها في ذات المستوى المرضي لكم
أشكرك جزيلا على رأيك وقراءتك وملاحظاتك الجديرة بالتأمل
تحياتي
محمود الغيطاني
محمود الغيطاني
صورة محمود الغيطاني

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات