ابحث
إقرأ أيضا للكاتب
- مشهدان من مسرحية " أمطار رمادية "
- المكان :المفهوم ، العلامة ، التأويل
- اللحمة والسداة في جماليات وهرمنيوطيقا النص
- نتوءات قوس قزح
- قراءة نقدية في قصتين قصيرتين : سراب الحب يوازي سراب الحلم
- عراك
- د. أسامة أبو طالب يناقش مسرحية أمطار رمادية لدكتور مصطفى عطية
- وقائع ما حدث يوم وفاة عبد المعطي (في ذكرى وفاته)
- الكتابة بالحواس والإحساس
- قراءة في قصيدة : هذه رصاصتي للشاعر عبد ربه اسليم
- قصيدة النثر : المفهوم والجماليات
- الحــنطـة
- الأدب المقارن : المفهوم والنموذج ( رؤية عربية )
- قراءة في قصيدة : خيمة الليل ، للشاعر جمال مرسي :
- قراءة نقدية في قصيدة : محاورة بطول النهر للشاعر حاتم الكاتب
- رأس بارز
- قراءة في مسرحية (ملحمة السراب) لسعد الله ونوس
- قراءة في قصيدة (عصفور في قفص الاتهام) للشاعر عبد المنعم الموسوي
- قصيدة النثر : المفهوم والجماليات
- المثقفون والسلطة: بين الوقوف والقعود والانبطاح
الحــنطـة
الجمعة, 01/30/2009 - 12:21 | د. مصطفى عطية جمعة

الحنطة
د. مصطفى عطية جمعة
الأب بكار :
حتى الحيات ، خرجت تتلظى و تلتمع جلودها المزركشة تحت نيران القرص المتعامد في السماء ، كأنه يتعقبنا .
أيتها الأفاعي ، كفي عن اللهث ، فلن تنالي من جسـدي و لا جسـد زوجتي " برية " التي ضَمُر ثديها ، و رضيعنا معلق فيه ، و ابناي ، و ابنتي يجرون أقدامهم كأنها العصي . هل تطمعين - أيتها الأفعى - في الحنطة التي أحكمت ربطها على بطني ، و قد حفظت أعداد حبيباتها ؟
تقعرت بطني ، لا يزال النفس يتردد ، فلا تتطلع عيونكم - أبنائي - إلى الحنطة و إن كان القلب يهُن لكن دقاته تُعالي صوت القذائف التي صَمّت إحداها أذنيّ . . . هناك في بقايا بلدتنا " بربرة " .
تقوست ساقاي ، ليس بعد ، أمامنا ليالي حتى نصل إلى السلك الشائك للحدود . تتحسس أناملي الحنطة ، كأن ملمسها نغم . تلسعني عيونهم ، و بريق الروح يتسلل من شفاههم التي أخرست ضنًا بالرذاذ المتطاير مع الكلمات . لن أقرب حبيبة واحدة ، سأقاوم أيها الرضيع ، ألا تترك قطعة الجلد المعلقة في فيك . افتح عينيك حتى أشم الروح منها ، أو حرك أصابعك المتجمدة كالعقارب المتناثرة موتا حولنا .
هل تشبع من سكونك . . ؟ لا . . . إنه يُذكّرني بسكون أبي في قبره تحت الأنقاض ، بينما النيران تتصاعد للنجوم .
السكون في خلاياي . تقترب طاقة النور ، من قلبي . الآن . . . ربما الحنطة . . . تعزف الموت لي . . . . . و الحياة لكم .
الأم برية :
تصلبت الرمال أمام أظفارنا . أنترك عظامك تنبت الأشواك . الأرض هنا لن تجود بقبرك . أحكم ربط الحنطة حول بطني . رضيعي " فرح " فارقني مقتلعًا ثديي . ساكن بجوار من ألقى بذرته في رحمي التصق ولداي و ابنتاي ببطني . . يفكون القماش ، لا تزيدوا - فلذات كبدي - على كف من الحبات . . ثم أسرعوا بأقدامكم .
الظلام مطبق ، و أجسادنا المتساندة في نومها ترتجف . تلك النجمة ، واهنة حركتها من المشرق إلى حيث يبتلعها المغرب . هل تتأسين - أيتها النجمة - لوحدتك في السماء أم لوحدتنا ؟ ها هو القرص يتسارع بخيوط أشعته المحرقة . تفتحت أبصارنا تتخطى تماس الأفق من بعيد .
شدوا يدي - أبنائي - ليلة واحدة ، منذ فارقتنا يا " بكار " و يا " فرح " . الحنطة تتناقص و أنفاسكما تلاحقني . دعوا يدي . . فالصمت يملأ جسدي .
عيونكم ستواصل المسير نحو سلك الحدود الشائك ، حيث هناك يهطل الماء ، و يلمع رذاذه من السماء . الصمت الآن . . .
. . . . . . له رنين مع طاقة النور التي تدنو مني .
الولدان و البنت :
عند رأس " برية " تقول البنت : " لا تنهوا الحنطة حتى نستطيع أن نصل " . توقفت أسنان الولدين ، كان الأفق ملتفًا بالاحمرار . تلفتت عيونهم ، تصرخ في الجسد المسجي . . . .
" أين السلك الشائك يا أمنا ؟ ، أفيقي ، و أشيري لنا . . سنعدوا نحوه ، قد شبعنا . . أشيري . . أشيري . . ".
تقول البنت : " أمنا " برية " مع " فرح " و أبي " بكار" لا تقلقوها " .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النجمة تسرع من المشرق للمغرب ، مرات ، و مرات . . عيونهم . . الآن . . معلقة بالجسد الذي بدأ في الانتفاخ و قد ازدادت بطونهم تقعرًا ، يصطرخون جوعًا . . .
. . . . . ثم تلاحقت . . . أسنانهم على اللحم المنتفخ .
حتى الحيات ، خرجت تتلظى و تلتمع جلودها المزركشة تحت نيران القرص المتعامد في السماء ، كأنه يتعقبنا .
أيتها الأفاعي ، كفي عن اللهث ، فلن تنالي من جسـدي و لا جسـد زوجتي " برية " التي ضَمُر ثديها ، و رضيعنا معلق فيه ، و ابناي ، و ابنتي يجرون أقدامهم كأنها العصي . هل تطمعين - أيتها الأفعى - في الحنطة التي أحكمت ربطها على بطني ، و قد حفظت أعداد حبيباتها ؟
تقعرت بطني ، لا يزال النفس يتردد ، فلا تتطلع عيونكم - أبنائي - إلى الحنطة و إن كان القلب يهُن لكن دقاته تُعالي صوت القذائف التي صَمّت إحداها أذنيّ . . . هناك في بقايا بلدتنا " بربرة " .
تقوست ساقاي ، ليس بعد ، أمامنا ليالي حتى نصل إلى السلك الشائك للحدود . تتحسس أناملي الحنطة ، كأن ملمسها نغم . تلسعني عيونهم ، و بريق الروح يتسلل من شفاههم التي أخرست ضنًا بالرذاذ المتطاير مع الكلمات . لن أقرب حبيبة واحدة ، سأقاوم أيها الرضيع ، ألا تترك قطعة الجلد المعلقة في فيك . افتح عينيك حتى أشم الروح منها ، أو حرك أصابعك المتجمدة كالعقارب المتناثرة موتا حولنا .
هل تشبع من سكونك . . ؟ لا . . . إنه يُذكّرني بسكون أبي في قبره تحت الأنقاض ، بينما النيران تتصاعد للنجوم .
السكون في خلاياي . تقترب طاقة النور ، من قلبي . الآن . . . ربما الحنطة . . . تعزف الموت لي . . . . . و الحياة لكم .
الأم برية :
تصلبت الرمال أمام أظفارنا . أنترك عظامك تنبت الأشواك . الأرض هنا لن تجود بقبرك . أحكم ربط الحنطة حول بطني . رضيعي " فرح " فارقني مقتلعًا ثديي . ساكن بجوار من ألقى بذرته في رحمي التصق ولداي و ابنتاي ببطني . . يفكون القماش ، لا تزيدوا - فلذات كبدي - على كف من الحبات . . ثم أسرعوا بأقدامكم .
الظلام مطبق ، و أجسادنا المتساندة في نومها ترتجف . تلك النجمة ، واهنة حركتها من المشرق إلى حيث يبتلعها المغرب . هل تتأسين - أيتها النجمة - لوحدتك في السماء أم لوحدتنا ؟ ها هو القرص يتسارع بخيوط أشعته المحرقة . تفتحت أبصارنا تتخطى تماس الأفق من بعيد .
شدوا يدي - أبنائي - ليلة واحدة ، منذ فارقتنا يا " بكار " و يا " فرح " . الحنطة تتناقص و أنفاسكما تلاحقني . دعوا يدي . . فالصمت يملأ جسدي .
عيونكم ستواصل المسير نحو سلك الحدود الشائك ، حيث هناك يهطل الماء ، و يلمع رذاذه من السماء . الصمت الآن . . .
. . . . . . له رنين مع طاقة النور التي تدنو مني .
الولدان و البنت :
عند رأس " برية " تقول البنت : " لا تنهوا الحنطة حتى نستطيع أن نصل " . توقفت أسنان الولدين ، كان الأفق ملتفًا بالاحمرار . تلفتت عيونهم ، تصرخ في الجسد المسجي . . . .
" أين السلك الشائك يا أمنا ؟ ، أفيقي ، و أشيري لنا . . سنعدوا نحوه ، قد شبعنا . . أشيري . . أشيري . . ".
تقول البنت : " أمنا " برية " مع " فرح " و أبي " بكار" لا تقلقوها " .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
النجمة تسرع من المشرق للمغرب ، مرات ، و مرات . . عيونهم . . الآن . . معلقة بالجسد الذي بدأ في الانتفاخ و قد ازدادت بطونهم تقعرًا ، يصطرخون جوعًا . . .
. . . . . ثم تلاحقت . . . أسنانهم على اللحم المنتفخ .

الحــنطـة
ورغم أن الأبداع الأدبي عمل فردي محض، وأنه ما من شكٍ أن بناء النص الأدبي لا يبتعد كثيرا عن بناء كاتبة ومرجعياته الثقافية على مستوى العادات والتقاليد والتاريخ والمحتوي المعرفي الذي يرتكز عليه هذا المبدع في الكتابة والتأصيل لأفكار تغيب -ربما- على مستوى السطح لكنها لا تموت وتظل قابعة في "لا وعيه" الواعي الذي يكتبه، لا نستطيع أن نغفل أيضا تداخل المتلقي في إنتاج النص وتأويله بحسب تعبير بارت "مُنْتِج للنص" كعنصر فعال في صياغته وتركيبته النهائية التي ربما تختلف اختلافا كليا أو جزئيا عما أراده المبدع، وربما أستعيد هنا كلمة بارت الشهيرة "كل نص هو تناص"، للتعبير عن تفاعل لغوي وتركيبي ما بين "نص غائب" و "نص ماثل" لتكون "نصا" تفاعلت فيه النصوص الغائبة فرادى أو مجتمعين من مرجعيات الكاتب الثقافية ومحتواه الفكرى - الشعوري واللاشعوري- باعتبارها أدوات الإبداع، لتكون نصا ماثلا حاضرا بين يدي متلقٍ هو أداة تفسير النص وتأويله طبقا لمرجعياته الخاصة وثقافته المتفقة أو المختلفة أو المتقاطعة مع ثقافة كاتب النص، لتظل العلاقة في تجاذب بين أخذ وعطاء وقبول ورفض بين المتلقي والنص مما يشكل تناصا آخر مع مرجعيات القارئ... ويجدر بي هنا أن أنوه أنه ليس من الضروري رغم اقتناعي بكثير مما طرحه "بارت" أن أكون مؤمنا أو ملمحا لفكرته الشهيرة "موت المؤلف" حتى وإن اقتعت كليا أو جزئيا برؤيته عن التناص، أو برؤية جوليا كريستيفا من أن النص لوحة فسيفسائية من الاقتباسات.
ربما كانت هذه المقدمة ضرورية بشكل ما للحديث عن قصة تسقط على الواقع المعاش بشكل ما وهذا الإسقاط في عقيدتي نوع من أنواع التناص، فليس كل تناص يعني تقاطعا لغويا "textile" لكنه يتخذ أشكالا عدة سنحاول استبيانها باختصار من خلال قراءتنا لعمل يستحق القراءة بالفعل....
العنوان:
جاء العنوان بسيطا جدا من كلمة معجمية لم تعد مستخدمة بشكل كبير، تحمل نفسا أسطوريا، فقد وردت في العهد القديم حوالي أربعة وخمسين مرة، وفي العهد الجديد حوالي ثمانِ مرات...
فَلْيُعْطِكَ اللهُ مِنْ نَدَى السَّمَاءِ وَمِنْ دَسَمِ الأَرْضِ. وَكَثْرَةَ حِنْطَةٍ وَخَمْرٍ. سفر التكوين - العهد القديم
وَتَصْنَعُ لِنَفْسِكَ عِيدَ الأَسَابِيعِ أَبْكَارِ حِصَادِ الْحِنْطَةِ. وَعِيدَ الْجَمْعِ فِي آخِرِ السَّنَةِ. سفر الخروج - العهد القديم
أَرْضِ حِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ وَكَرْمٍ وَتِينٍ وَرُمَّانٍ. أَرْضِ زَيْتُونِ زَيْتٍ، وَعَسَل. سفر التثنية - العهد القديم
وَفِيمَا النَّاسُ نِيَامٌ جَاءَ عَدُوُّهُ وَزَرَعَ زَوَانًا فِي وَسْطِ الْحِنْطَةِ وَمَضَى. إنجيل متى - العهد الجديد
وَقَالَ الرَّبُّ: «سِمْعَانُ، سِمْعَانُ، هُوَذَا الشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَالْحِنْطَةِ! إنجيل لوقا - العهد الجديد
اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ. إنجيل يوحنا
وقد كانت مصر كا ذكر بليني - تملك أفضل أنواع الحنطة. وافضلها على لإطلاق، وتبين النقوش الفرعونية سنابل الحنطة على الآثار المصرية القديمة. ولا يخفى المعنى المبطن من أن مصر التي تملك الحنطة تساعد في تجويع غزة بكل وضوح...!
إذن نحن أمام عنوان يحفز المخيلة ويهيؤها للدخول إلى أسطورة ما، أو حكاية لها من التمادي في المطلق ما لها.
اللغة:
لغة بسيطة وجمل قصيرة مقطعة،متتابعة في سلاسة، أحالتني مرجعيا للنصوص المصرية القديمة وخاصة كتاب الموتى - ربما أكون مبالغا في ذلك لكنه تفاعلي مع النص على كل حال - وأرى أن هذه الإحالة تتماشي مع ما أراده د. مصطفى من تعليق على أحداث تلفنا الآن، أحداث غزة تحديدا، فمع كل التناقض في الموقف السياسي المصري كان لابد أن تستدعى حضارة مصر الخالدة ليصير التناقض بينا للعيان بين ماضٍ تليد وحاضر مخزٍ ومستقبل لا كنه له... فمفردات مثل "الحيات" و "قرص الشمس" و "الأفاعي" و "العقارب" و "الحنطة" لا يمكن لها ألا تحيلنا إلى النصوص المصرية القديمة، ناهيك عن تركيبة الجملة وديناميكيتها...
سيطرت على اللغة ألفاظ اليأس والموت والبشاعة في بعض الأحيان، فالجو العام للقصة يستوجب ذلك، من هاربين لا أمل لهم من قرية "بربرة" بعد موت الأب"بكار" وموت الأم "برية" وموت الإبن "فرح" ونفاذ الحنطة، فنرى ألفاظا مثل "حيات" و"نيران" و"قذائف" و"عقارب" و"قبر" و"موت" و"أنقاض" و"تصلب" و"ظلام" ونرى تركيبات تنضح باليأس مثل "تصلبت الرمال أمام أظفارنا" و "أنترك عظامك تنبت الأشواك" و"الأرض هنا لن تجود بقبرك" و"لظلام مطبق" و"الصمت يملأ جسدي" ثم زروة المأساة في "ثم تلاحقت . . . أسنانهم على اللحم المنتفخ"...
دلالات الاسماء:
استوقفتني كثيرا دلالات الأسماء التي اختارها د.مصطفى والتي جاءت متوافقة تماما مع الجو النفسي للحكاية
الأم "برية" :
جاء في لسان العرب أن البرية هي "الأَرضَ المنسوبةُ إِلى البَرِّ وهي بَرِّيَّةً إِذا كانت إِلى البرِّ أَقربَ منها إِلى الماء"، فالأم "برية" ماتت أي أن الأرض ماتت، وموت الأرض لا يخفى معناه من الضياع والتشرد والشتات...
الرضيع "فرح":
مات هو الآخر رضيعا، فلا "فرح"، ولن يكون فالأم ماتت والأب مات...
الأب "بكار":
احترت كثيرا أمام دلالة الاسم هنا هل يحيل على "بكار" الشخصية الكرتونية المصرية الجنوبية المتوقدة الذكاء والفطنة؟ أم يحيل على "بكار بن قتيبة" الذي أرسله الخليفة المتوكل لتولى القضاء في مصر، والذي عرف عنه العدل والعفة والنزاهة وكان له موقف شهير من ابن طولون الذي حاول تسييس القضاء باستصدار فتوى بخلع "الموفق" فأبى بكار فسجنه ابن طولون وحاول استرضائه قبل مماته فقال له كلمته الشهيرة "شيخٌ فانٍ، وعليلٌ مُدنف، والملتقي قريب، والقاضي الله عز وجل"... وأنا أميل إلى هذا الطرح فهو الأقرب لجو القصة وما ترمي إليه، وما آل إليه حال قضاء مصر الذي كنا نباهي به ذات يوم.
بلدة "بربرة":
يحيلنا اسم البلدة فورا إلى تخيل ما حدث بها، لابد أن يكون عنيفا فجا شرسا "بربريا" باختصار على اعتبار المعنى الشائع للفظة "بربرية"، غير أننا يمكننا أيضا أن نحمل على هذا الاسم معنى "البربرة" والبربرة هي الثرثرة والجلبة بلا طائل والهذيان ولا يخفى ما اشتهرنا به - كعرب - من مطولات الكلام ولا أفعال، وظهر ذلك جليا في "حالة غزة"...
الحكاية :
كما أسلفنا في غير ذات موضع أن "القاص فما يشطب لا فيما يكتب"... نحن لا نعرف من أين أتوا ولا إلى أين ذاهبون، فقط هم أتوا من بلدة "بربرة"، بكل ما يوحيه الاسم لنا من ممارسات بربرية وثرثرة لا طائل من ورائها، ويريدون الوصول للحدود، لكن في كلمات بسيطة نستطيع أن نفهم أنهم هاربون من القصف "تُعالي صوت القذائف"، هي الحرب إذن، ولا نجاة مع موت "بكار" وموت "برية" وموت "فرح"، فضلا عن توحد زمن الحكاية مع زمن السرد مما يوحي بإطلاق الحكاية ولا محدودية زمنها، وتهويم المكان كل ذلك يصب في خانة إطلاق الحكاية، إنها حكاية كل الأزمنة في أرض بلا رحمة...
الحوار وأصوات النص:
لعل أهم ما يميز هذه القصة هو تعدد أصواتها، في تتابع حيث تبدأ كل شخصية الحديث و لا تتركه إلا بالموت... إنه اليأس ثانية، إنه الموت الذي يخرس كل شيء،
وأرى رغم كل ما يخيم على جو القصة من يأس وموت وضياع أنها تنتمي لأدب المقاومة بمحاولة تشكيل وعي جمعي يؤمن بالحرية وسبلها، ويستنكر فقدان كل القيم من عدالة وحق في الحياة بأبسط مقوماتها، فالأديب لا ييأس أبدا مها كتب عن اليأس والإحباط والضياع، فكتابته في حد ذاتها هي عمل إيجابي يستنفر الطاقات لفعل عكسي ثائر ورافض لكل السلبيات التي تغمرنا، فالإغراق في اليأس محاولة لوخز الأمل وصدم الوعي الجمعي يدفعه قسرا لتبني موقف مضاد ومقاوم، فالكتابة عن السلبيات بكل هذه القتامة هي إيمان بالقيمة المفقودة وبحث عنها وكما قيل "الكتابة عن السلبيات أشرف بكثير من الكتابة عن الإيجابيات"...
الحــنطـة2
دلالات الاسماء:
استوقفتني كثيرا دلالات الأسماء التي اختارها د.مصطفى والتي جاءت متوافقة تماما مع الجو النفسي للحكاية
الأم "برية" :
جاء في لسان العرب أن البرية هي "الأَرضَ المنسوبةُ إِلى البَرِّ وهي بَرِّيَّةً إِذا كانت إِلى البرِّ أَقربَ منها إِلى الماء"، فالأم "برية" ماتت أي أن الأرض ماتت، وموت الأرض لا يخفى معناه من الضياع والتشرد والشتات...
الرضيع "فرح":
مات هو الآخر رضيعا، فلا "فرح"، ولن يكون فالأم ماتت والأب مات...
الأب "بكار":
احترت كثيرا أمام دلالة الاسم هنا هل يحيل على "بكار" الشخصية الكرتونية المصرية الجنوبية المتوقدة الذكاء والفطنة؟ أم يحيل على "بكار بن قتيبة" الذي أرسله الخليفة المتوكل لتولى القضاء في مصر، والذي عرف عنه العدل والعفة والنزاهة وكان له موقف شهير من ابن طولون الذي حاول تسييس القضاء باستصدار فتوى بخلع "الموفق" فأبى بكار فسجنه ابن طولون وحاول استرضائه قبل مماته فقال له كلمته الشهيرة "شيخٌ فانٍ، وعليلٌ مُدنف، والملتقي قريب، والقاضي الله عز وجل"... وأنا أميل إلى هذا الطرح فهو الأقرب لجو القصة وما ترمي إليه، وما آل إليه حال قضاء مصر الذي كنا نباهي به ذات يوم.
بلدة "بربرة":
يحيلنا اسم البلدة فورا إلى تخيل ما حدث بها، لابد أن يكون عنيفا فجا شرسا "بربريا" باختصار على اعتبار المعنى الشائع للفظة "بربرية"، غير أننا يمكننا أيضا أن نحمل على هذا الاسم معنى "البربرة" والبربرة هي الثرثرة والجلبة بلا طائل والهذيان ولا يخفى ما اشتهرنا به - كعرب - من مطولات الكلام ولا أفعال، وظهر ذلك جليا في "حالة غزة"...
الحكاية :
كما أسلفنا في غير ذات موضع أن "القاص فما يشطب لا فيما يكتب"... نحن لا نعرف من أين أتوا ولا إلى أين ذاهبون، فقط هم أتوا من بلدة "بربرة"، بكل ما يوحيه الاسم لنا من ممارسات بربرية وثرثرة لا طائل من ورائها، ويريدون الوصول للحدود، لكن في كلمات بسيطة نستطيع أن نفهم أنهم هاربون من القصف "تُعالي صوت القذائف"، هي الحرب إذن، ولا نجاة مع موت "بكار" وموت "برية" وموت "فرح"، فضلا عن توحد زمن الحكاية مع زمن السرد مما يوحي بإطلاق الحكاية ولا محدودية زمنها، وتهويم المكان كل ذلك يصب في خانة إطلاق الحكاية، إنها حكاية كل الأزمنة في أرض بلا رحمة...
الحوار وأصوات النص:
لعل أهم ما يميز هذه القصة هو تعدد أصواتها، في تتابع حيث تبدأ كل شخصية الحديث و لا تتركه إلا بالموت... إنه اليأس ثانية، إنه الموت الذي يخرس كل شيء،
وأرى رغم كل ما يخيم على جو القصة من يأس وموت وضياع أنها تنتمي لأدب المقاومة بمحاولة تشكيل وعي جمعي يؤمن بالحرية وسبلها، ويستنكر فقدان كل القيم من عدالة وحق في الحياة بأبسط مقوماتها، فالأديب لا ييأس أبدا مها كتب عن اليأس والإحباط والضياع، فكتابته في حد ذاتها هي عمل إيجابي يستنفر الطاقات لفعل عكسي ثائر ورافض لكل السلبيات التي تغمرنا، فالإغراق في اليأس محاولة لوخز الأمل وصدم الوعي الجمعي يدفعه قسرا لتبني موقف مضاد ومقاوم، فالكتابة عن السلبيات بكل هذه القتامة هي إيمان بالقيمة المفقودة وبحث عنها وكما قيل "الكتابة عن السلبيات أشرف بكثير من الكتابة عن الإيجابيات"...