You are here
الخروج من الجسد

الخروج من الجسد
عبد الجواد خفاجي
جلس على حافة الطريق ينتظر عودتها .. لكنها لم تعد .. النهار ينتصف .. يرتفع لهيب الشمس .. تموت مرة أخرى ويحل الظلام ، ومع ذلك لم تعد .
شجرة
الجميز البدينة كانت لا تزال فى ربيعها الأول يوم أن وقف على حافة الطريق
للمرة الأولى ، لم يكن ظلها يمتد لأكثر من خطوتين .. يومها كان الظل يكسو
كل جسده ، ويترك رأسه عارية .. يمتد الظل رويدًا ، حثيثًا عامًا بعد عامٍ
.. شاخت الشجرة ، ولايزال ظلها يمتد ، والرجل لا يزال كعصًا صغيرةٍ غُرست
بجوارها ! ، ينتظر عودتها بلا حياء أو ملل ، وقد ورف الظل من حوله ، وأصبح
لا يرى الشمس .. يتحول الظلام إلى ظل ويتعاقب الظلام ، وهو لم يتزحزح خطوة
.
هو يعرف أنها ستعود .. واثق من عودتها ، ولم يكن ثمة أحد حوله يعرف سر الوقوف .. فقط كانت حوارات ساذجة بين الفلاحين عندما يقيلون تحت الشجرة .. حوارات هامسة كانت تدور حوله لم تكن أذنه تميزها ، وفى كل يوم كان الفلاحون يأتون فيه إلى الشجرة كانت تلتقط همسة جديدة .
قال أحدهم يومًا إنه درويش مجذوب ، من أهل الخطوة ، ومرة أخرى كان الفلاح الفصيح نفسه يصر على إن الرجل الواقف هذا من أهل الخطوة ، ويؤكد قوله بالبراهين ويسأل الآخرين : ـ هل رأيتموه يأكل الجميز ؟
الجميع فى صوت واحد : ـ لا .
ـ هل رأيتموه يأكل أى شىء آخر ؟
ـ لا .
ـ هل رأيتموه يقضى حاجته ؟
ـ لا ..
ـ هل رأيتموه جالسًا يومًا ما ؟
ـ لا .
ـ إذن فماذا تقولون فيه وهو لا يأكل ، ولا يقضى حاجته ، ولا يمل الوقوف ؟
الفلاحون فى صوت واحد :
ـ الله أعلم ! .
ويضرب الرجل رأسه بيده ويقول بصوت مخنوق :
ـ يا عالم .. إنه من أهل الخطوة !
وينتهى اليوم ذاك ، ويحل الظلام ويأكل هو الجميز ويقضى حاجته بجوار الشجرة ، ثم ينام حتى يحل الظل من جد يد .
سألوه يومأ :
ـ من أنت ؟
لم يتكلم .. كانت الكلمات عاجزة عن الإفصاح .. أسئلة كثيرة ، وسيتبع كل سؤال سؤال ، وسيعرف الناس سر وقوفه ؛ لذلك آ ثر الصمت وتعود عليه ، وفهم الفلاح الفصيح أن الرجل لا يتكلم ؛ فأضاف إلي براهينه برهانًا آخر ، وراح يسأل الآخرين :
ـ هل رأيتموه يتكلم مثلنا ؟
وكان جواب الآخرين :
ـ لا ..
ـ إذن فهو من أهل الخطوة .
ويرد الجميع في صوت واحد :
ـ الله أعلم .
لكن الفلاح الفصيح يضرب رأسه بيده ويصيح بصوت مخنوق:
ـ يا عالم صدقوني .. الرجل مجذوب ! .
وتمضي الأيام والفلاح الفصيح يحاول أن يقنع الناس بأن الرجل من أهل الخطوة ، وفي كل مرة كان الآخرون يواجهونه بجملة واحد : " الله اعلم " ، والرجل علي حالته لا يتكلم ولا يكل الوقوف .. عيناه متطلعتان إلي أقصي الطريق حيث مشارف القرية ، ينتظر عودتها بلا حياء .. هو يعرف أنها ستعود .. متأكد من عودتها ، ويستمر الوقوف سنه .. سنتين .. سنين كثيرة ، ولكنها لم تعد .. العمر يمضي .. السنون تتكسر والرجل لا يمل الانتظار.
الفلاح الفصيح يصيبه الهرم .. ينقطع عن الخروج إلي الحقل ويتزعم الجلسة تحت الجميزة فلا ح آخر .. سمعه مرة يقول للآخرين :
ـ هذا الرجل مجنون .
يعرض الآخرون عن قوله ويواجهونه بالجملة المعتادة :
ـ الله اعلم .
لكن الزعيم يغتاظ ويهرش رأسه ويسألهم :
ـ من فيكم يعرف قصته ؟ .
فيردون في صوت واحد :
ـ لا أحد .
فيقول الزعيم بثقة :
ـ إذن فاسألوه من أنت ؟ .
ويتقدم أحد الفلاحين ليسأل الرجل .. ويخطو خطوة .. ثم يعود مسرعًا وقد أشاح الرجل الواقف بوجهه نحوه ، فيصيح الزعيم :
ـ ألم أقل لكم إنه مر عب .. عيناه .. شعره الكثيف الذي يكسو كل جسده .. ثيابه المهلهلة .. وقفته المريبة كل ذلك يؤكد أن الرجل مجنون .
فيرد الفلاحون علي الزعيم :
ـ ولماذا لا تقول إنه من أصحاب الخطوة فيصيح الزعيم :
ـ لا .. أصحاب الخطوة لا يرعب الناس منظرهم .
يغتاظ الرجل الوقف من الزعيم ويحاول أن يتكلم .. أراد أن يقول له شيئاً يخرسه ، لكن لسانه كان قد تعود علي الكمون ؛ فيأتي الصوت من داخله كفحيح الأفعي .. إنها المرة الأولي في عمره الطويل يحاول أن يتكلم .. يحاول أن يقول للزعيم كلمة واحد تخرسه ولكنه كان قد آثر الصمت منذ مطلع عمره ، ولكن الزعيم الجريء يصر على الحديث بصوت عالٍ على عكس ما كانت عادة الفلاح الفصيح الذى كان يهمس همسًا ، وهو يوضح للناس رأيه فى الرجل .. وصبر الرجل الواقف قد نفد ، ومع ذلك كان يعجبه قول الفلاحين الجالسين مع الزعيم .. كان يعجبه قولهم : " الله أعلم ".
ذات مرة كان الزعيم يريد أن يلجم الجميع ويثبت لهم بالدليل القاطع أن الرجل مجنون .. جلس مستلقيا كعادته تحت الجميزة ، وقد تجمع الفلاحون من حوله ، فصاح فيهم بصوته الجهورى :
ـ لو كان هذا الرجل من أهل الخطوة لأصبح قولى أنه مجنون مجرد تهكم وسخرية ، ولأصابتنى لعنة الرجل بالنقمة وسوء الحظ .. وها أنتم تعلمون أن امرأتى ولدت لى بالأمس توأم ذكور .. وبقرتى أيضا قد ولدت منذ أسبوع ، وأرضى ـ كما ترون ـ مكسوة بالخضرة .. فأين إذن لعنة الرجل ؟ .
فغر بعض الفلاحين أفواههم وقالوا :
ـ كلامك معقول
بينما ردد البعض الآخر عبارتهم المعتادة : " الله اعلم ".
ومنذ ذلك الحين انقسم الفلاحون إلى فريقين فريق يقول : " الله اعلم " ، وفريق يقول : " كلامك معقول " .
ولكن الرجل الواقف يغتاظ وترسل حنجرته صوتا مكظومًا كفحيح الأفعى ، ويشيح برأسه تجاه الزعيم وصحبه ، ويتقدم خطوة أو خطوتين نحوهم ؛ فيهب الزعيم وصحبه يحملون فؤوسهم على عجل فوق أكتافهم ، ويطلقون أرجلهم تسابق الريح وهم يصيحون :ـ المجنون .. المجنون .
ومن يومها لم يعد الزعيم إلى الجلوس تحت الجميزة ، وارتاح الرجل من صوته الجهورى الغليظ ، ومن جرأته فى المجاهرة بظنونه .
وتمضى السنون والرجل كعادته واقف تحت الجميزة ، لا يكل الوقوف أبدًا .. عيناه إلى أقصى الطريق حيث الكرم الأخضر ومشارف القرية ، وأشجار الزيزفون العتيقة .. يحلم بعودتها .. هو واثق من عودتها .. فهى تحبه .. نعم هى قالت ذلك يوم أن رآها لآخر مرة .. سنون طويلة مضت على ذلك اليوم الغائر فى عمق الدهر ، ولكنه لفرط تعلقه بها يتذكر ذلك اليوم وكأنه الأمس القريب .
ويتعاقب الظل على الرجل وتتعاقب الليالى ويظل هذا اليوم هو الأمس القريب .. الأمس بالنسبة له هو يوم رحيلها .. وغدًا هو يوم عودتها .. وما بين الرحيل والعودة عمر طويل .. سنون عدة لم يحسبها .. كلها بالنسبة له يوم واحد .. كلها تمثل الآن .. لقد غربت الشمس يوم رحيلها ولم تطلع منذ ذلك اليوم .. كل ما فى الأمر ظل يتجدد ، وظلام يتعاقب ، لكنه لم يكن يرى الشمس أبدًا منذ أن ورف ظل الجميزة ، وامتد ، وغطى كل جسده ، بَيْدَ أنه لم يكن يسأل نفسه كيف يتعاقب الظلام ، وكيف يتجدد الظل ، وطالما أنه لم يرَ الشمس بعينيه فلا معنى إذن لأن يسأل عن مصدر الظل ، ونفسه لن تجيبه ، وكل ما فى نفسه كان ينكر تعاقب الأيام ، وينكر جريان السنين ، ويؤكد أن الشمس لم تطلع بعد منذ غروبها يوم ودعها على أمل العودة في الغد .
ولكن أهل القرية يحسبون عمر الرجل .. عمره هو نفسه عمر الجميزة .. ثمانون عامًا بالتمام والكمال .. كيف لرجل أن يظل واقفاً ثمانين عامًا دون أن يسأم الوقوف .. يتشبث بأطراف الأرض دون أن يتقدم خطوة وكأنما قد غرست رجلاه فيها ، وهم فى غمرة حيرتهم وتساؤلهم يعيدون أقوال الفلاح الفصيح والفلاح الزعيم .
نسوة القرية يؤيدون قول الفلاح الفصيح ويصرون أن الرجل من أهل الخطوة .. وشيوخ القرية يقولون : ـ الله أعلم ، ويتحدثون عن كرامات أهل الخطوة ويروون لأبنائهم قصة الدرويش الذى كان يروى لهم أحلامهم قبل أن يرووها له .. بل يفسرها لهم . ويتحدثون أيضاَ عن المرأة الذكية التى أرادت أن تتعرف على كرامات الدرويش فوضعت الحية في الجرة وذهبت إليه وقالت : ـ هذه مليئة بالسمن . وقبل أن يفتح الدرويش الجرة ردد الكلمات : " شخلول يا بخلول شيل الحيَّة وحط الفول " .. وفتح الدرويش الجرة فإذا هى مليئة بالفول .. ومن يومها وأهل القرية يعشقون أكل الفول ويتفننون فى طهيه ويرون فيه البركة .
وكرامات أخرى كثيرة عن الدرويش يرويها الشيوخ للصبية والشباب ليعلموهم أن لا يطلقوا الأحكام جزافاً .. فربما الرجل من أهل الخطوة ، وربما تظهر لهم بعض كراماته عندما ينظر الرجل إلى أعلى .
ويسال الشيوخ : هل رأيتم الرجل ينظر إلى أعلى ؟
فيجيب الشباب بأن الرجل فقط ينظر إلى الأمام يتطلع إلى رؤية شىء ما على أول الطريق . فيؤكد الشيوخ أن الرجل ربما ينظر يومًا إلى أعلى فتظهر له بعض الكرامات أما الآن فإننا نقول فقط : " الله أعلم ".
أما أقوال الزعيم فلم تلقَ قبولاً مطلقاً عند شيوخ القرية ؛ فالرجل لم يؤذِ أحدًا يومًا ، ولم يخنق لهم شاة واحدة .. فكيف يكون مجنونًا ؟ .. لا .. لا .. إنهم يذكرون أمام الجميع قصة " سمعان اللمعان " الذى أصيب بالجنون عندما طلعت له الجنية من الساقية المهجورة ذات ليلة ظلماء ولحست عقله .. لقد عاش بقية عمره وهو يهذى بكلمات غير مفهومة ، وكان يقذف المارة بالحجارة ، ويشعل النار فى أكوام القش ، حتى كرهه أهل القرية فربطوه فى الساقية المهجورة ذات ليلة ، وأخذته الجنية ولم يعد من يومها .
وهكذا اختلط الأمر على شباب القرية ، وانقسموا على أنفسهم ، فكان أكثرهم يمتنع عن الإفتاء فى أمر الرجل ؛ ربما لأنهم لا يرون له كرامة تذكر، ومن ثم أكتفوا بقولهم : " الله أعلم " ، أما الباقون فقد انقسموا إلى فريقين ، فريق يؤيد كلام الفلاح الفصيح وفريق يؤيد كلام الزعيم .
وهكذا ظل أهل القرية يتخبطون فى فهمهم .. لا أحد على وجه التحديد يستطيع أن يحسم القول ويقول الحقيقة التى لا يختلف عليها ، وظل الرجل الواقف تحت الجميزة هو اللغز المحير ..لا أحد يعرف سر غيره .
وتمضى السنون على الرجل والشمس لم تطلع بعد .. فقط يتعاقب الظلام والرجل يتطلع إلى أول الطريق حيث مشارف القرية والكرم الأخضر، ينتظر بلا حياء عودتها .. هو واثق من عودتها .. هو متأكد أنها ستعود .. فهى تحبه .. لقد قالت ذلك يوم رحيلها .. يوم تركته على أمل اللقاء فى الغد .
لقد مضى على رحيل الرجل زمن طويل لم يعد أهل القرية يتذكرون بدايته ، فكل أهل القرية الذين عاصروا مجيئه الأول قد رحلوا عن الدنيا .. الزعيم نفسه مات ، والفلاح الفصيح أيضًا ، ولم تبقَ منهما سوى أقوالهما التى قالاها فى الرجل .. حتى الجميزة لم يعد أحد يستظل بها منذ ذلك اليوم الذى فرَّ فيه الفلاحون من تحتها خوفًا من الرجل المجنون ، ولم يعد أحد يذكر عمر الجميزة حتى الكهول من أبناء القرية .. ما من أحد يسألهم عن عمر الجميزة إلا ويجيبون : " الله أعلم ".
وذات يوم استيقظ الرجل كعادته مبكرًا قبل أن ينزاح الظلام ، ليجد الجميزة العجوز وقد جفت أوراقها ونضبت فيها الخضرة .. احتضن الرجل الجميزة ،وزرف دموعاً غزيرة .. لقد ظل الرجل طوال السنين الماضية واقفاً تحت الجميزة ، لم يبرح المكان ولا الظل .. يأكل ويشرب وينام ويقضى حاجته تحتها ..إنها الشجرة الوحيدة فى هذا الكون التى أنس لها .. هى شجرته .. نعم شجرته .. لقد غرستها له يوم مولده وتركته تحتها ؛ ليستظل بها ، وقالت إنها ستعود ، وربما أن هذا هو سر تعلق الرجل بالجميزة .. ولن يبرحها حتى تعود فهى لن تعود إلا إلى هذا المكان الذى تواعدا على اللقاء به .
وأحس الرجل بالجوع .. لم يجد ثمرة واحدة تحت الجميزة ، وازدادت دموعه وهو يتحسس بطنه ، ومن ثم راح يحتضن جزع الجميزة .. لقد أدرك الرجل منذ تلك اللحظة فقط أنه سيرى الشمس ولن يكون هناك ظل أبدًا بعد أن جفت أغصان الجميزة .. لقد قالت هى ذلك يوم رحيلها عنه .. قالت سأعود غدًا ومعى زاد وفير ، وعددت له أصنافاً كثيرة من الطعام تفتحت لها شهيته قبل أن يراها ، وتركته ليأكل من الجميزة ولم تعد إلى أن جفت أغصانها وتوقف ثمرها . ولكن الرجل متأكد من عودتها .. واثق من ذلك .. فهى تحبه وهو يحبها .. هى ستعود بعد طلوع شمس الغد ـ كما قالت وها هو الغد قد حل ولم يبقَ كثير وقتٍ على طلوع الشمس وتعود ، ليراها ويهنأ بقربها وبالعيش معها ويودع الجميزة اليابسة ؛ ويملأ معدته بما لذ وطاب من أطايب الطعام .
وبدا الظلام ينزاح حول الرجل رويدًا حتى انزاح تمامًا ، وسقطت أشعة ذهبية على رأسه ، وزحفت إلى عينيه حتى لاح قرص الشمس الأحمر ، وتطلع الرجل إلى أعلى ؛ ليرى الشمس لأول مرة فى حياته منذ رحيل محبوبته .
لقد تجمع أهل القرية يومها حول الرجل بعد أن ترامى إلى أسماعهم أن الرجل ينظر إلى أعلى .. ينتظرون كرامته ..وكل واحد يسترجع القصص التى سمعها عن كرامات الدراويش .. الجميع ينظرون إلى الرجل فى وجوم .. قليل من الوقت وتظهر الكرامة للأعين ، ويعلو صوت الفريق الذى قال عن الرجل إنه من أهل الخطوة .
لقد أوشكت الحقيقة أن تطل على أعينهم .. هكذا سمعوا من الأجداد .. سمعوا أن الرجل ستظهر كراماته عندما ينظر إلى أعلى . لكن أحدًا على وجه العموم لم يكن يعرف السر وراء تطلع الرجل إلى قرص الشمس .. ولا أحد يعرف على وجه التحديد كيف يستقى الرجل كراماته من التطلع إلى أعلى ، لكنهم فهموا أن هناك سرًّا ما سيهبط فجأة على الرجل من السماء ؛ فيتغير حاله ويصبح من أصحاب الكرامات .
هكذا كان تفسير أهل القرية الذين تجمعوا حول الرجل .. لكن حقيقة الأمر لم يكن يعلمها إلا هو .. الرجل نفسه .. الرجل الذى يحس بالجوع والعطش ، ويزرف الدموع ، ويحتضن جزع الجميزة ، وينظر إلى أعلى ، وينتظر عودة محبوبته التى ودعته بالأمس .. هو نفسه يعرف سر تطلعه إلى أعلى .. زمان طويل قضاه الرجل فى ظل وظلام ، واليوم هو يرى الشمس ، وقد أشتاق كثيرًا لرؤيتها ، فهى الشىء الوحيد الذى يزف إليه قرب اللقاء .
ولم يمضِ وقت طويل بعد طلوع الشمس حتى لاحت على أول الطريق امرأة عجوز
متدثرة فى أسمالها البالية ، تمشى على مهلٍ ، تتوكأ على عصاها ، وعلى رأسها صرة كبيرة.
قطعت الطريق إلى الجميزة مخترقة الزحام دون أن تسأل أحدًا.. تساءل الناس عن العجوز وسر علاقتها بالرجل .. إنها غريبة .. لا أحد يعرفها ، حتى الرجل المتطلع إلى أعلى ، لم يلقِ لها بالاً عندما حطت بصرتها تحت الجميزة وراحت تناديه .
أخيرًا نظر الرجل إليها بطرف عينه وهى تقول :
ـ أرجو ألا أكون قد تأخرت عليك كثيرًا يا حبيبى .
ولأول مرة يتكلم الرجل ويتحرك لسانه ويتساءل :
ـ من أنت ؟
ضحكت العجوز الشمطاء وقالت:
ـ أنا محبوبتك .
ارتفعت بعض الأصوات من حولهما :
ـ اسمعوا .. إن الرجل يتكلم .
ويرد الآخرون:
ـ لقد قالوا إنه أبكم .
ويمصمص بعض آخر شفتيه قائلا :
ـ إنها كرامات الرجل .. ألم نقل لكم إنه من أهل الخطوة ؟ .. ها هو يتكلم بعد صمت طويل .. لقد اقتربنا من السر الأعظم .
وترتفع أصوات غاضبة:
ـ أنصتوا.. أنصتوا.. الرجل يتكلم .. دعونا نفهم ما يدور .
وتتحدث العجوز الشمطاء وقد جلست منهكة تحت الجميزة :
ـ أو هل نسيتنى ؟! .. لقد أحضرت لك كل صنوف الطعام والماء والكساء .. هنا .. هنا فى الصرة .
ويبتعد الرجل عنها وقد أشاح بوجهه قائلاً :
ـ مستحيل !!
تضحك العجوز وتنهض من جلستها موكأة على عصاها وتقترب من الرجل وتسأله :
ـ ماذا .. أتقول مستحيل ؟؟
يرد الرجل فى استغراب :
ـ هل أنت جبيبتى ؟
ـ نعم .
ـ لقد تغيرت كثيرا !
تضحك العجوز وتقول :
ـ وأنت أيضا تغيرت كثيرًا .. لقد انطفأ وجهك وضمر جسدك وخارت قواك .. أين أنت من ذلك الذى تركته هنا تحت الجميزة طفلاً بريئاً ناضرًا مفعماً بالحياة ؟ .. لقد تغيرت كثيرًا يا حبييى .. لقد كسا الشعر جسدك وتوارى خديك تحت لحية كثيفة ، وتدلى شاربيك على شفتيك وأصبحت كالقرد العجوز ، ولكننى مع هذا مازلت أحبك .. مازلت أرى فيك معنى وجودى ..اقترب .. اقترب .
وبينما كانت العجوز تهمس بصوتها الشائخ : " اقترب .. اقترب " كان الرجل يبتعد ويبتعد هامسًا فى نفسه : " مستحيل .. مستحيل " إلى أن سألها :
ـ هل أنت محبوبتى .. أين أنت من تلك الفاتنة ذات الوجنتين العسليتين ، التى تفوح منها رائحة الورد والرياحين .ز أين أنت منها أيتها الشمطاء ؟! .
وأشاح الرجل بوجهه إلى السماء وقال فى أسى :
ـ ماذا أرى يا إلهى ؟! .. أهذه هى محبوبتى ؟! .. امرأة ملأت التجاعيد وجهها ، وتكسرت أسنانها على آخر واحدة فى فمها .. امرأة تقوس ظهرها ، وتراخت أطرافها .. امرأة تعافها الخنازير يا إلهى !! .
وعادت المرأة العجوز تضحك ، وتهزأ ، وهى تقول :
ـ أنا كما أنا .. لم أتغير يومًا يا حبيبى .. كل ما هنالك أن نظرتك إلىَّ هى التى تغيرت ، فعينك بالأمس ليست هى عينك اليوم ، أما أنا فشمطاء منذ ولادتك ، غير أنى لم أفرض عليك حبي يومًا ما .. إنني حملتك بين ذراعي صغيرًا ، وتركتك تحت الجميزة .. وأنت .. أنت كنت تتغزل فى عيني وفى وجنتي ، وصورت منى إحدى حوريات الجنَّة حتى أحببتك .. أحببت تهافتك علىَّ ، وتعلقك بي ، ومن ثم بادلتك حبًّا بحب .. وها أنا ذا اليوم أعود إليك ؛ لكي أوسعك حبًّا من جديد .
صاح الرجل فى وجه العجوز :
ـ ليت بيني وبينك بعد المشرقين ، فبئس القرين !
هنا بكت العجوز وعادت إلى صرتها تحملها ، وهى تردد :
ـ أنا ما زلت قادرة على الحب ، ولن أفقد ثقتي فى القلوب .. عزائي الوحيد أنني لم أفرض عليك قلبي .. فأنت الذى تهافت علىّ ، وعشت حياتك تنتظر عودتي .
وافترقت العجوز والرجل .. كل يعطى ظهره للآخر ، ويسير نحو غاية أخرى ، وشاهد الناس الجميزة الجرداء تهتز فجأة وكأنها تبكى فراق الرجل .ورفعت العجوز جفنيها قليلاً وهى تودع المكان ، وتساءلت مع الجموع الغفيرة التى تجمهرت حول الجميزة تنتظر كرامات الرجل :
ـ هل سمعتم ما دار بيني وبين الرجل ؟
فقالوا جميعًا :
ـ لا .
هنالك ضحكت العجوز وقالت :
ـ الآن فقط أطمئن أن عشاقي كثيرون .
وعادت تسأل وهى تشير إلى محبوبها الذى بدأ يغيب عن الأنظار :
ـ هل تعرفون وجهة ذاك الرجل الذاهب ؟
فردوا جميعًا بصوت واحد :
ـ الله أعلم .
وما أن غاب الرجل عن الأنظار حتى انتفضت العجوز ، وخلعت أسمالها البالية ، وخيل لهم أنها فتاة جميلة ، تفوح منها رائحة الورد والرياحين ، وعادت إلى الجميزة تحتضنها ، وخيل لهم أن الحضرة قد عادت إليها ، وهنالك تعالت أصوات الجميع ، وهرعوا مسرعين يلتفون حول المرأة والجميزة وهم يتصايحون :
ـ يا إلهى .. لقد ظهرت كرامات الرجل .. لقد ظهرت كرامات الرجل .
( تمت )
أبو تشت فى 10 / 7 / 1987
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عبدالجواد خفاجى : كاتب روائي ، وشاعر وناقد أدبي مصري ـ ولد عام 1958 ـ يعمل بالتدريس ، ويعيش فى جنوب مصر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حصلت هذه القصة على المركز الثاني فى مسابقة نادى القصة عام 1992 م ـ كما نُشِرت هذه القصة فى مجلة " القصة " التى تصدر عن نادى القصة بمصر ، وذلك بالعدد رقم ( 70 ) الصادر
هو يعرف أنها ستعود .. واثق من عودتها ، ولم يكن ثمة أحد حوله يعرف سر الوقوف .. فقط كانت حوارات ساذجة بين الفلاحين عندما يقيلون تحت الشجرة .. حوارات هامسة كانت تدور حوله لم تكن أذنه تميزها ، وفى كل يوم كان الفلاحون يأتون فيه إلى الشجرة كانت تلتقط همسة جديدة .
قال أحدهم يومًا إنه درويش مجذوب ، من أهل الخطوة ، ومرة أخرى كان الفلاح الفصيح نفسه يصر على إن الرجل الواقف هذا من أهل الخطوة ، ويؤكد قوله بالبراهين ويسأل الآخرين : ـ هل رأيتموه يأكل الجميز ؟
الجميع فى صوت واحد : ـ لا .
ـ هل رأيتموه يأكل أى شىء آخر ؟
ـ لا .
ـ هل رأيتموه يقضى حاجته ؟
ـ لا ..
ـ هل رأيتموه جالسًا يومًا ما ؟
ـ لا .
ـ إذن فماذا تقولون فيه وهو لا يأكل ، ولا يقضى حاجته ، ولا يمل الوقوف ؟
الفلاحون فى صوت واحد :
ـ الله أعلم ! .
ويضرب الرجل رأسه بيده ويقول بصوت مخنوق :
ـ يا عالم .. إنه من أهل الخطوة !
وينتهى اليوم ذاك ، ويحل الظلام ويأكل هو الجميز ويقضى حاجته بجوار الشجرة ، ثم ينام حتى يحل الظل من جد يد .
سألوه يومأ :
ـ من أنت ؟
لم يتكلم .. كانت الكلمات عاجزة عن الإفصاح .. أسئلة كثيرة ، وسيتبع كل سؤال سؤال ، وسيعرف الناس سر وقوفه ؛ لذلك آ ثر الصمت وتعود عليه ، وفهم الفلاح الفصيح أن الرجل لا يتكلم ؛ فأضاف إلي براهينه برهانًا آخر ، وراح يسأل الآخرين :
ـ هل رأيتموه يتكلم مثلنا ؟
وكان جواب الآخرين :
ـ لا ..
ـ إذن فهو من أهل الخطوة .
ويرد الجميع في صوت واحد :
ـ الله أعلم .
لكن الفلاح الفصيح يضرب رأسه بيده ويصيح بصوت مخنوق:
ـ يا عالم صدقوني .. الرجل مجذوب ! .
وتمضي الأيام والفلاح الفصيح يحاول أن يقنع الناس بأن الرجل من أهل الخطوة ، وفي كل مرة كان الآخرون يواجهونه بجملة واحد : " الله اعلم " ، والرجل علي حالته لا يتكلم ولا يكل الوقوف .. عيناه متطلعتان إلي أقصي الطريق حيث مشارف القرية ، ينتظر عودتها بلا حياء .. هو يعرف أنها ستعود .. متأكد من عودتها ، ويستمر الوقوف سنه .. سنتين .. سنين كثيرة ، ولكنها لم تعد .. العمر يمضي .. السنون تتكسر والرجل لا يمل الانتظار.
الفلاح الفصيح يصيبه الهرم .. ينقطع عن الخروج إلي الحقل ويتزعم الجلسة تحت الجميزة فلا ح آخر .. سمعه مرة يقول للآخرين :
ـ هذا الرجل مجنون .
يعرض الآخرون عن قوله ويواجهونه بالجملة المعتادة :
ـ الله اعلم .
لكن الزعيم يغتاظ ويهرش رأسه ويسألهم :
ـ من فيكم يعرف قصته ؟ .
فيردون في صوت واحد :
ـ لا أحد .
فيقول الزعيم بثقة :
ـ إذن فاسألوه من أنت ؟ .
ويتقدم أحد الفلاحين ليسأل الرجل .. ويخطو خطوة .. ثم يعود مسرعًا وقد أشاح الرجل الواقف بوجهه نحوه ، فيصيح الزعيم :
ـ ألم أقل لكم إنه مر عب .. عيناه .. شعره الكثيف الذي يكسو كل جسده .. ثيابه المهلهلة .. وقفته المريبة كل ذلك يؤكد أن الرجل مجنون .
فيرد الفلاحون علي الزعيم :
ـ ولماذا لا تقول إنه من أصحاب الخطوة فيصيح الزعيم :
ـ لا .. أصحاب الخطوة لا يرعب الناس منظرهم .
يغتاظ الرجل الوقف من الزعيم ويحاول أن يتكلم .. أراد أن يقول له شيئاً يخرسه ، لكن لسانه كان قد تعود علي الكمون ؛ فيأتي الصوت من داخله كفحيح الأفعي .. إنها المرة الأولي في عمره الطويل يحاول أن يتكلم .. يحاول أن يقول للزعيم كلمة واحد تخرسه ولكنه كان قد آثر الصمت منذ مطلع عمره ، ولكن الزعيم الجريء يصر على الحديث بصوت عالٍ على عكس ما كانت عادة الفلاح الفصيح الذى كان يهمس همسًا ، وهو يوضح للناس رأيه فى الرجل .. وصبر الرجل الواقف قد نفد ، ومع ذلك كان يعجبه قول الفلاحين الجالسين مع الزعيم .. كان يعجبه قولهم : " الله أعلم ".
ذات مرة كان الزعيم يريد أن يلجم الجميع ويثبت لهم بالدليل القاطع أن الرجل مجنون .. جلس مستلقيا كعادته تحت الجميزة ، وقد تجمع الفلاحون من حوله ، فصاح فيهم بصوته الجهورى :
ـ لو كان هذا الرجل من أهل الخطوة لأصبح قولى أنه مجنون مجرد تهكم وسخرية ، ولأصابتنى لعنة الرجل بالنقمة وسوء الحظ .. وها أنتم تعلمون أن امرأتى ولدت لى بالأمس توأم ذكور .. وبقرتى أيضا قد ولدت منذ أسبوع ، وأرضى ـ كما ترون ـ مكسوة بالخضرة .. فأين إذن لعنة الرجل ؟ .
فغر بعض الفلاحين أفواههم وقالوا :
ـ كلامك معقول
بينما ردد البعض الآخر عبارتهم المعتادة : " الله اعلم ".
ومنذ ذلك الحين انقسم الفلاحون إلى فريقين فريق يقول : " الله اعلم " ، وفريق يقول : " كلامك معقول " .
ولكن الرجل الواقف يغتاظ وترسل حنجرته صوتا مكظومًا كفحيح الأفعى ، ويشيح برأسه تجاه الزعيم وصحبه ، ويتقدم خطوة أو خطوتين نحوهم ؛ فيهب الزعيم وصحبه يحملون فؤوسهم على عجل فوق أكتافهم ، ويطلقون أرجلهم تسابق الريح وهم يصيحون :ـ المجنون .. المجنون .
ومن يومها لم يعد الزعيم إلى الجلوس تحت الجميزة ، وارتاح الرجل من صوته الجهورى الغليظ ، ومن جرأته فى المجاهرة بظنونه .
وتمضى السنون والرجل كعادته واقف تحت الجميزة ، لا يكل الوقوف أبدًا .. عيناه إلى أقصى الطريق حيث الكرم الأخضر ومشارف القرية ، وأشجار الزيزفون العتيقة .. يحلم بعودتها .. هو واثق من عودتها .. فهى تحبه .. نعم هى قالت ذلك يوم أن رآها لآخر مرة .. سنون طويلة مضت على ذلك اليوم الغائر فى عمق الدهر ، ولكنه لفرط تعلقه بها يتذكر ذلك اليوم وكأنه الأمس القريب .
ويتعاقب الظل على الرجل وتتعاقب الليالى ويظل هذا اليوم هو الأمس القريب .. الأمس بالنسبة له هو يوم رحيلها .. وغدًا هو يوم عودتها .. وما بين الرحيل والعودة عمر طويل .. سنون عدة لم يحسبها .. كلها بالنسبة له يوم واحد .. كلها تمثل الآن .. لقد غربت الشمس يوم رحيلها ولم تطلع منذ ذلك اليوم .. كل ما فى الأمر ظل يتجدد ، وظلام يتعاقب ، لكنه لم يكن يرى الشمس أبدًا منذ أن ورف ظل الجميزة ، وامتد ، وغطى كل جسده ، بَيْدَ أنه لم يكن يسأل نفسه كيف يتعاقب الظلام ، وكيف يتجدد الظل ، وطالما أنه لم يرَ الشمس بعينيه فلا معنى إذن لأن يسأل عن مصدر الظل ، ونفسه لن تجيبه ، وكل ما فى نفسه كان ينكر تعاقب الأيام ، وينكر جريان السنين ، ويؤكد أن الشمس لم تطلع بعد منذ غروبها يوم ودعها على أمل العودة في الغد .
ولكن أهل القرية يحسبون عمر الرجل .. عمره هو نفسه عمر الجميزة .. ثمانون عامًا بالتمام والكمال .. كيف لرجل أن يظل واقفاً ثمانين عامًا دون أن يسأم الوقوف .. يتشبث بأطراف الأرض دون أن يتقدم خطوة وكأنما قد غرست رجلاه فيها ، وهم فى غمرة حيرتهم وتساؤلهم يعيدون أقوال الفلاح الفصيح والفلاح الزعيم .
نسوة القرية يؤيدون قول الفلاح الفصيح ويصرون أن الرجل من أهل الخطوة .. وشيوخ القرية يقولون : ـ الله أعلم ، ويتحدثون عن كرامات أهل الخطوة ويروون لأبنائهم قصة الدرويش الذى كان يروى لهم أحلامهم قبل أن يرووها له .. بل يفسرها لهم . ويتحدثون أيضاَ عن المرأة الذكية التى أرادت أن تتعرف على كرامات الدرويش فوضعت الحية في الجرة وذهبت إليه وقالت : ـ هذه مليئة بالسمن . وقبل أن يفتح الدرويش الجرة ردد الكلمات : " شخلول يا بخلول شيل الحيَّة وحط الفول " .. وفتح الدرويش الجرة فإذا هى مليئة بالفول .. ومن يومها وأهل القرية يعشقون أكل الفول ويتفننون فى طهيه ويرون فيه البركة .
وكرامات أخرى كثيرة عن الدرويش يرويها الشيوخ للصبية والشباب ليعلموهم أن لا يطلقوا الأحكام جزافاً .. فربما الرجل من أهل الخطوة ، وربما تظهر لهم بعض كراماته عندما ينظر الرجل إلى أعلى .
ويسال الشيوخ : هل رأيتم الرجل ينظر إلى أعلى ؟
فيجيب الشباب بأن الرجل فقط ينظر إلى الأمام يتطلع إلى رؤية شىء ما على أول الطريق . فيؤكد الشيوخ أن الرجل ربما ينظر يومًا إلى أعلى فتظهر له بعض الكرامات أما الآن فإننا نقول فقط : " الله أعلم ".
أما أقوال الزعيم فلم تلقَ قبولاً مطلقاً عند شيوخ القرية ؛ فالرجل لم يؤذِ أحدًا يومًا ، ولم يخنق لهم شاة واحدة .. فكيف يكون مجنونًا ؟ .. لا .. لا .. إنهم يذكرون أمام الجميع قصة " سمعان اللمعان " الذى أصيب بالجنون عندما طلعت له الجنية من الساقية المهجورة ذات ليلة ظلماء ولحست عقله .. لقد عاش بقية عمره وهو يهذى بكلمات غير مفهومة ، وكان يقذف المارة بالحجارة ، ويشعل النار فى أكوام القش ، حتى كرهه أهل القرية فربطوه فى الساقية المهجورة ذات ليلة ، وأخذته الجنية ولم يعد من يومها .
وهكذا اختلط الأمر على شباب القرية ، وانقسموا على أنفسهم ، فكان أكثرهم يمتنع عن الإفتاء فى أمر الرجل ؛ ربما لأنهم لا يرون له كرامة تذكر، ومن ثم أكتفوا بقولهم : " الله أعلم " ، أما الباقون فقد انقسموا إلى فريقين ، فريق يؤيد كلام الفلاح الفصيح وفريق يؤيد كلام الزعيم .
وهكذا ظل أهل القرية يتخبطون فى فهمهم .. لا أحد على وجه التحديد يستطيع أن يحسم القول ويقول الحقيقة التى لا يختلف عليها ، وظل الرجل الواقف تحت الجميزة هو اللغز المحير ..لا أحد يعرف سر غيره .
وتمضى السنون على الرجل والشمس لم تطلع بعد .. فقط يتعاقب الظلام والرجل يتطلع إلى أول الطريق حيث مشارف القرية والكرم الأخضر، ينتظر بلا حياء عودتها .. هو واثق من عودتها .. هو متأكد أنها ستعود .. فهى تحبه .. لقد قالت ذلك يوم رحيلها .. يوم تركته على أمل اللقاء فى الغد .
لقد مضى على رحيل الرجل زمن طويل لم يعد أهل القرية يتذكرون بدايته ، فكل أهل القرية الذين عاصروا مجيئه الأول قد رحلوا عن الدنيا .. الزعيم نفسه مات ، والفلاح الفصيح أيضًا ، ولم تبقَ منهما سوى أقوالهما التى قالاها فى الرجل .. حتى الجميزة لم يعد أحد يستظل بها منذ ذلك اليوم الذى فرَّ فيه الفلاحون من تحتها خوفًا من الرجل المجنون ، ولم يعد أحد يذكر عمر الجميزة حتى الكهول من أبناء القرية .. ما من أحد يسألهم عن عمر الجميزة إلا ويجيبون : " الله أعلم ".
وذات يوم استيقظ الرجل كعادته مبكرًا قبل أن ينزاح الظلام ، ليجد الجميزة العجوز وقد جفت أوراقها ونضبت فيها الخضرة .. احتضن الرجل الجميزة ،وزرف دموعاً غزيرة .. لقد ظل الرجل طوال السنين الماضية واقفاً تحت الجميزة ، لم يبرح المكان ولا الظل .. يأكل ويشرب وينام ويقضى حاجته تحتها ..إنها الشجرة الوحيدة فى هذا الكون التى أنس لها .. هى شجرته .. نعم شجرته .. لقد غرستها له يوم مولده وتركته تحتها ؛ ليستظل بها ، وقالت إنها ستعود ، وربما أن هذا هو سر تعلق الرجل بالجميزة .. ولن يبرحها حتى تعود فهى لن تعود إلا إلى هذا المكان الذى تواعدا على اللقاء به .
وأحس الرجل بالجوع .. لم يجد ثمرة واحدة تحت الجميزة ، وازدادت دموعه وهو يتحسس بطنه ، ومن ثم راح يحتضن جزع الجميزة .. لقد أدرك الرجل منذ تلك اللحظة فقط أنه سيرى الشمس ولن يكون هناك ظل أبدًا بعد أن جفت أغصان الجميزة .. لقد قالت هى ذلك يوم رحيلها عنه .. قالت سأعود غدًا ومعى زاد وفير ، وعددت له أصنافاً كثيرة من الطعام تفتحت لها شهيته قبل أن يراها ، وتركته ليأكل من الجميزة ولم تعد إلى أن جفت أغصانها وتوقف ثمرها . ولكن الرجل متأكد من عودتها .. واثق من ذلك .. فهى تحبه وهو يحبها .. هى ستعود بعد طلوع شمس الغد ـ كما قالت وها هو الغد قد حل ولم يبقَ كثير وقتٍ على طلوع الشمس وتعود ، ليراها ويهنأ بقربها وبالعيش معها ويودع الجميزة اليابسة ؛ ويملأ معدته بما لذ وطاب من أطايب الطعام .
وبدا الظلام ينزاح حول الرجل رويدًا حتى انزاح تمامًا ، وسقطت أشعة ذهبية على رأسه ، وزحفت إلى عينيه حتى لاح قرص الشمس الأحمر ، وتطلع الرجل إلى أعلى ؛ ليرى الشمس لأول مرة فى حياته منذ رحيل محبوبته .
لقد تجمع أهل القرية يومها حول الرجل بعد أن ترامى إلى أسماعهم أن الرجل ينظر إلى أعلى .. ينتظرون كرامته ..وكل واحد يسترجع القصص التى سمعها عن كرامات الدراويش .. الجميع ينظرون إلى الرجل فى وجوم .. قليل من الوقت وتظهر الكرامة للأعين ، ويعلو صوت الفريق الذى قال عن الرجل إنه من أهل الخطوة .
لقد أوشكت الحقيقة أن تطل على أعينهم .. هكذا سمعوا من الأجداد .. سمعوا أن الرجل ستظهر كراماته عندما ينظر إلى أعلى . لكن أحدًا على وجه العموم لم يكن يعرف السر وراء تطلع الرجل إلى قرص الشمس .. ولا أحد يعرف على وجه التحديد كيف يستقى الرجل كراماته من التطلع إلى أعلى ، لكنهم فهموا أن هناك سرًّا ما سيهبط فجأة على الرجل من السماء ؛ فيتغير حاله ويصبح من أصحاب الكرامات .
هكذا كان تفسير أهل القرية الذين تجمعوا حول الرجل .. لكن حقيقة الأمر لم يكن يعلمها إلا هو .. الرجل نفسه .. الرجل الذى يحس بالجوع والعطش ، ويزرف الدموع ، ويحتضن جزع الجميزة ، وينظر إلى أعلى ، وينتظر عودة محبوبته التى ودعته بالأمس .. هو نفسه يعرف سر تطلعه إلى أعلى .. زمان طويل قضاه الرجل فى ظل وظلام ، واليوم هو يرى الشمس ، وقد أشتاق كثيرًا لرؤيتها ، فهى الشىء الوحيد الذى يزف إليه قرب اللقاء .
ولم يمضِ وقت طويل بعد طلوع الشمس حتى لاحت على أول الطريق امرأة عجوز
متدثرة فى أسمالها البالية ، تمشى على مهلٍ ، تتوكأ على عصاها ، وعلى رأسها صرة كبيرة.
قطعت الطريق إلى الجميزة مخترقة الزحام دون أن تسأل أحدًا.. تساءل الناس عن العجوز وسر علاقتها بالرجل .. إنها غريبة .. لا أحد يعرفها ، حتى الرجل المتطلع إلى أعلى ، لم يلقِ لها بالاً عندما حطت بصرتها تحت الجميزة وراحت تناديه .
أخيرًا نظر الرجل إليها بطرف عينه وهى تقول :
ـ أرجو ألا أكون قد تأخرت عليك كثيرًا يا حبيبى .
ولأول مرة يتكلم الرجل ويتحرك لسانه ويتساءل :
ـ من أنت ؟
ضحكت العجوز الشمطاء وقالت:
ـ أنا محبوبتك .
ارتفعت بعض الأصوات من حولهما :
ـ اسمعوا .. إن الرجل يتكلم .
ويرد الآخرون:
ـ لقد قالوا إنه أبكم .
ويمصمص بعض آخر شفتيه قائلا :
ـ إنها كرامات الرجل .. ألم نقل لكم إنه من أهل الخطوة ؟ .. ها هو يتكلم بعد صمت طويل .. لقد اقتربنا من السر الأعظم .
وترتفع أصوات غاضبة:
ـ أنصتوا.. أنصتوا.. الرجل يتكلم .. دعونا نفهم ما يدور .
وتتحدث العجوز الشمطاء وقد جلست منهكة تحت الجميزة :
ـ أو هل نسيتنى ؟! .. لقد أحضرت لك كل صنوف الطعام والماء والكساء .. هنا .. هنا فى الصرة .
ويبتعد الرجل عنها وقد أشاح بوجهه قائلاً :
ـ مستحيل !!
تضحك العجوز وتنهض من جلستها موكأة على عصاها وتقترب من الرجل وتسأله :
ـ ماذا .. أتقول مستحيل ؟؟
يرد الرجل فى استغراب :
ـ هل أنت جبيبتى ؟
ـ نعم .
ـ لقد تغيرت كثيرا !
تضحك العجوز وتقول :
ـ وأنت أيضا تغيرت كثيرًا .. لقد انطفأ وجهك وضمر جسدك وخارت قواك .. أين أنت من ذلك الذى تركته هنا تحت الجميزة طفلاً بريئاً ناضرًا مفعماً بالحياة ؟ .. لقد تغيرت كثيرًا يا حبييى .. لقد كسا الشعر جسدك وتوارى خديك تحت لحية كثيفة ، وتدلى شاربيك على شفتيك وأصبحت كالقرد العجوز ، ولكننى مع هذا مازلت أحبك .. مازلت أرى فيك معنى وجودى ..اقترب .. اقترب .
وبينما كانت العجوز تهمس بصوتها الشائخ : " اقترب .. اقترب " كان الرجل يبتعد ويبتعد هامسًا فى نفسه : " مستحيل .. مستحيل " إلى أن سألها :
ـ هل أنت محبوبتى .. أين أنت من تلك الفاتنة ذات الوجنتين العسليتين ، التى تفوح منها رائحة الورد والرياحين .ز أين أنت منها أيتها الشمطاء ؟! .
وأشاح الرجل بوجهه إلى السماء وقال فى أسى :
ـ ماذا أرى يا إلهى ؟! .. أهذه هى محبوبتى ؟! .. امرأة ملأت التجاعيد وجهها ، وتكسرت أسنانها على آخر واحدة فى فمها .. امرأة تقوس ظهرها ، وتراخت أطرافها .. امرأة تعافها الخنازير يا إلهى !! .
وعادت المرأة العجوز تضحك ، وتهزأ ، وهى تقول :
ـ أنا كما أنا .. لم أتغير يومًا يا حبيبى .. كل ما هنالك أن نظرتك إلىَّ هى التى تغيرت ، فعينك بالأمس ليست هى عينك اليوم ، أما أنا فشمطاء منذ ولادتك ، غير أنى لم أفرض عليك حبي يومًا ما .. إنني حملتك بين ذراعي صغيرًا ، وتركتك تحت الجميزة .. وأنت .. أنت كنت تتغزل فى عيني وفى وجنتي ، وصورت منى إحدى حوريات الجنَّة حتى أحببتك .. أحببت تهافتك علىَّ ، وتعلقك بي ، ومن ثم بادلتك حبًّا بحب .. وها أنا ذا اليوم أعود إليك ؛ لكي أوسعك حبًّا من جديد .
صاح الرجل فى وجه العجوز :
ـ ليت بيني وبينك بعد المشرقين ، فبئس القرين !
هنا بكت العجوز وعادت إلى صرتها تحملها ، وهى تردد :
ـ أنا ما زلت قادرة على الحب ، ولن أفقد ثقتي فى القلوب .. عزائي الوحيد أنني لم أفرض عليك قلبي .. فأنت الذى تهافت علىّ ، وعشت حياتك تنتظر عودتي .
وافترقت العجوز والرجل .. كل يعطى ظهره للآخر ، ويسير نحو غاية أخرى ، وشاهد الناس الجميزة الجرداء تهتز فجأة وكأنها تبكى فراق الرجل .ورفعت العجوز جفنيها قليلاً وهى تودع المكان ، وتساءلت مع الجموع الغفيرة التى تجمهرت حول الجميزة تنتظر كرامات الرجل :
ـ هل سمعتم ما دار بيني وبين الرجل ؟
فقالوا جميعًا :
ـ لا .
هنالك ضحكت العجوز وقالت :
ـ الآن فقط أطمئن أن عشاقي كثيرون .
وعادت تسأل وهى تشير إلى محبوبها الذى بدأ يغيب عن الأنظار :
ـ هل تعرفون وجهة ذاك الرجل الذاهب ؟
فردوا جميعًا بصوت واحد :
ـ الله أعلم .
وما أن غاب الرجل عن الأنظار حتى انتفضت العجوز ، وخلعت أسمالها البالية ، وخيل لهم أنها فتاة جميلة ، تفوح منها رائحة الورد والرياحين ، وعادت إلى الجميزة تحتضنها ، وخيل لهم أن الحضرة قد عادت إليها ، وهنالك تعالت أصوات الجميع ، وهرعوا مسرعين يلتفون حول المرأة والجميزة وهم يتصايحون :
ـ يا إلهى .. لقد ظهرت كرامات الرجل .. لقد ظهرت كرامات الرجل .
( تمت )
أبو تشت فى 10 / 7 / 1987
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عبدالجواد خفاجى : كاتب روائي ، وشاعر وناقد أدبي مصري ـ ولد عام 1958 ـ يعمل بالتدريس ، ويعيش فى جنوب مصر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حصلت هذه القصة على المركز الثاني فى مسابقة نادى القصة عام 1992 م ـ كما نُشِرت هذه القصة فى مجلة " القصة " التى تصدر عن نادى القصة بمصر ، وذلك بالعدد رقم ( 70 ) الصادر
08/20/2007 - 19:19
القسم:
اقرأ أيضا للكاتب:


التعليقات
قصة ماتعة لا تجود بنفسها من القراءة الاولي
دوما قصصك عند حسن ظن القارئ بها
كل الود يا أخي
دمتى طيبة
لك مودة
عبدالجواد خفاجى
رائع ما قرأت هنا...
دمت مبدعا بهيا
نص رائع
أدهشتني تفاصيله الفنية المكتوبة بحس راق
أحييك
سهيلة بورزق
دمتى طيبة
أشكر لك جهد المتابعة وتفضلك بقراءة هذا النص وتفضلك بالتعليق الذى يكشف عن عميق ثقافتك
دام ودك
ولك مودة عبدالجواد خفاجى
لكم أنا محظوظ بمثل هذاه الوقفة التى تشف عن ثقافتك الرفيعة ووعيك المتميز
أشكرك إذن
ولك مودتى ودمتى طيبة
عبدالجواد خفاجى
رائعة هي قصتك وتناولك لكل تفاصيلها بهذا اليسر المتناهي
أرى فيها شيئا حقيقيا برغم استحالته
تحياتي لقلمك المبدع
ولكن استطيع فقط أن اقول ان ما قرأتة اكثر من رائع
اسلوب جميل من قصاص محترف
على توقفك عند النص وقراءتك للنص وتفضلك بالعليق
لك خالص مودة عبدالجواد خفاجى