You are here
الرواية و النكسة 2 / 2
رواية الستينيات .. تجسيد للهزيمة
أحقا كنا نحلم أم كان كابوسا ؟
أحقا ما كنا نعيش أم وهما عشناه وخدعة كبرى؟

شوقي عبد الحميد يحيى
رواية الستينيات .. تجسيد للهزيمة
عناصر رواية الستينيات:
كما سبق أن قلنا فإن الهزة العنيفة التي أحدثتها وقائع يونيو 1967 والشك والقلق والحيرة التي تكثفت من بعدها حول ما قبلها ، وتضخم السؤال المؤرق بحثا عن الحقيقة واليقين .
أحقا كنا نحلم أم كان كابوسا ؟
أحقا ما كنا نعيش أم وهما عشناه وخدعة كبرى؟
لاشك أن ذلك القلق صادف هوى لدى تفتح وعي كتاب تلك الفترة ذلك الهوى الساعي نحو التجديد والتحديث والخصوصية... فصادفت تلك الثورة على الأوضاع الثورة العالمية نحو التجديد والتحديث (والتي سبق أن أشرنا إليها في حديث د. عبد الملك مرتاض)، فتوافق التغيير المرتجي عربيا ومصريا مع التغيير العالمي متمثلة في رفض الموروث من التقاليد الأدبية والتي تمثلت بالدرجة الأولى في التغيرات الشكلية فأصبح البحث عن شكل جديد هو الشغل الشاغل لأبناء هذا الجيل، لذا حملت هذه الفترة ملامح وسمات محددة هي التي يمكن أن نطلق عليها – بارتياح – أدب الستينيات – وهنا نود أن نختلف مع البعض الذي يحاول أن يطلق هذه التسمية على الذين خرج إنتاجهم للنور في هذه الفترة، فهم يرجعون بذلك الانتماء إلى هذه التسمية للكم وليس للكيف .
فإذا ما نظرنا إليها من هذه الزاوية ، نجد أن أغلب من أطلق عليهم هذه التسمية – وكذلك يحملون كل ملامحها – لم يخرج إنتاجهم إلا في نهاية الستينيات ، بينما كان أغزر إنتاجهم في السبعينيات ، مثل جمال الغيطاني ويوسف القعيد ، والبساطي وأصلان وغيرهم، بل إن واحدا من أبرز من ينتمون إلى تلك الفترة وهو بهاء طاهر لم تخرج أولى إبداعاته (مجموعة الخطوبة) إلا في أوائل السبعينيات على الرغم من أن أعماله تحمل كل سمات أدب الستينيات، شكلا وموضوعا.
وعلى هذا نجد أن اصطلاح أدب الستينيات هو الأقرب إلى الموضوعية من جيل الستينيات حيث العبرة والأساس هي فترة التكوين للكاتب والظروف والمناخ الذي عايشه في فترة تكوينه، وهي التي تحدد السمات الأسلوبية له، لذلك فإن بهاء طاهر كان في ذروة الانفعال والتفاعل مع المتغيرات السياسية والاجتماعية في الستينيات، إضافة إلى ذروة نهمه للارتواء من عطاء الإنسانية فقراءاته وتجاربه في تلك الفترة – لاشك – هي التي ترسخت في وجدانه وكونت عطاءه الذي لم يخرج إلا بعد ذلك حتى ولو كانت كتبت بعد ذلك وهي التي كونت شخصيته ورؤيته وقناعاته سواء بالرفض أو القبول.
فما هي إذن العناصر الشكلية لرواية الستينيات وكيف كان دور أحداث يونيو 1967 فيها ؟
* إذا كان من أهم أسباب ما حدث في يونيو هو تأليه الفرد وطغيانه والانسياق وراء سطوته بما أدى إليه من غياب للديمقراطية ونشوء مراكز القوى – المتمثلة أيضا في أفراد بعينهم – فإن رد الفعل الطبيعي للفئة المثقفة عامة وللكتاب خاصة، هي رفض هذه الفردية وطغيانها، فانعكس ذلك على تغيب الشخصية الروائية، فلم تعد تعتمد الرواية على الشخصية المتطورة المتجسدة النابضة بالحياة، مثلما في شخصية كمال عبد الجواد في ثلاثية نجيب محفوظ أو في شخصية زينب أو دياب أو عبد الهادي الجزار في رواية فتحي غانم (زينب والعرش)، وإنما أصبحت تقوم على شخوص أو مجرد رموز مثلما نجد في شخصية العمدة في رواية (العطش) لحسن محسب الذي يمكن أن ندرك على الفور أنه ليس مجرد كبير القرية ، وإنما هو كبير الدولة وتتم تحركاته وتصرفاته من هذا المنطلق ، أو مثلما نجد في شخصية خديجة في رواية (خديجة وسوسن) لرضوى عاشور، والتي تركز الكاتبة على إبراز أنها ليست شخصية حقيقية وإنما هي مجرد رمز لمصر عبر العصور.
كما تحولت شخوص الرواية في بعض الأحيان إلى رمز لمبدأ أو اتجاه لإبراز الاعتراضات عليه أو تأييده من خلال تصرفات الشخصية ذاتها ، مثلما في شخصية الراوي في كل من ( شرق النخيل ) و ( قالت ضحى ) لبهاء طاهر الذي يمثل غالبية الشعب المصري إزاء الأحدث ، وما يمتلكانه من سلبية معيبة يرفضا الكاتب، وكذلك في شخصة سيد بشارة في رواية (في الصيف السابع والستين)، لإبراهيم عبد المجيد الذي يمثل الاتجاه الماركسي وأيضا عند نجيب محفوظ ذاته الذي قدم العديد من الشخصيات الحية – في روايات ما قبل الستينيات – مثل كمال عبد الجواد في الثلاثية ومثل سعيد مهران في (اللص والكلاب) ، فإن مثل هذه الشخصيات تختفي تماما في الروايات التي تنتمي إلى أدب الستينيات – وإن لم تخرج كلها في الستينيات – مثل (ثرثرة فوق النيل) (ميرامار) و (الكرنك) ، وغيرها..
* كما ينبثق عن الخاصية السابقة – الخاصة بالشخصية – خاصية أخرى هي استخدام الرمز والذي تولد أيضا عن فترة الستينيات وما صاحبها سيطرة حكم الفرد والأحكام العسكرية ، الأمر الذي حدا بالكثيرين أن يلجأوا إلى استخدامه هروبا من الأحكام أو التأويلات التي تمارسها تقارير السلطة والتي قد تكون لأغراض غير أدبية في بعض الأحيان ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر محاولة كتاب الستينيات البحث عن الغموض في بعض الأحيان وفي أحيان أخرى الرغبة في إشراك القارئ بإيجابية في عملية الإبداع بمحاولة فلك رموز وطلاسم العمل بأعمال الفكر وتشغيل العقل ، لا أن يستسلم لكاتب يحمله على بساط الخيال إلى أحضان النوم ، مثلما نجد في الأمثلة التي ذكرناها آنفا والتي تتضح بصورة أكثر تفصيلا في الدراسة التطبيقية لهذا الكتاب.
مع ملاحظة أنه كانت قد ظهرت النظريات النقدية الحديثة مثل نظرية التلقي التي تنادي بهذا المعنى الأخير.
* وأيضا – تنبثق خاصية أخرى لأدب الستينيات من الخاصية السابقة – خاصية الرمز – هي خاصية تعدد مستويات القراءة التي تدفع بالكاتب محاولة تحقيق المعادلة الصعبة، حيث يقدم عمله على أحد مستويات القراءة من الناحية الجمالية أو الإنسانية أو الاجتماعية وفيها نرى شخوصا تتحرك وأحداثا تدور وتتفاعل الشخوص مع الأحداث لتكون رؤية إنسانية أو اجتماعية ما على المستوى المباشر للأحداث ، يستطيع القارئ أن يقف عندها ويكون قد وجد بغيته ومتعته الجمالية.. إلا أن خبث وذكاء الكاتب يدفعه لأن يدس السم في العسل، حيث يمكن تفصيل رؤيا كاملة على مستوى آخر غالبا ما تكون سياسية – إلا أنها مغلفة يبتعد بها عن المباشرة من جانب ، ومن جانب آخر يبتعد به عن أعين الرقيب ويد السجان – مع العلم بأن نسبة لا بأس بها من كتاب الستينيات قد دخلوا السجون – بل قد يصل الأمر في بعض الأحيان إلى إمكانية الوصول إلى ثلاث مستويات أو ثلاث رؤى متكاملة للعمل الواحد وهذه الخاصية بالطبع تحسب للكاتب وتضاف إلى قدراته الإبداعية حيث تثري العمل وتفتح مجالا للتأويل وتبتعد به عن المباشرة والأحادية.
ونستطيع أن نجد مثل ذلك في روايتي علاء الديب (أطفال بلا دموع) و ( قمر على مستنقع )، كما نجدها في رواية بهاء طاهر (خالتي صفية والدير) ، وبدرجة ما في رواية محمد المنسي قنديل (انكسار الروح) وصورة مختلفة في رواية جمال الغيطاني (الزيني بركات).
* كما أدت العوامل السياسية في الستينيات إلى غياب الديمقراطية والحكم العسكري إلى استخدام الرمز وصولا إلى توصيل الرسالة بأمان إلى متلقيها، كذلك دفعت البعض إلى الارتماء في أحضان التاريخ القديم، بحثا من خلاله عن رموز يحملها مضامينه الحاضرة ويسقط عليها رسالته الموجهة إلى الحكام كقوله حق متخفية أو درسا من عبر التاريخ للشعب، من جانب وبحثا من خلاله عن عناصر قوة أو بطولة سالفة يستلهمها الكاتب استنهاضا للحاضر أو بحثا عن السلوى والعزاء ، أو رفضا للواقع المرير، ورفض باطني للهزيمة ، وأبرز مثال على ذلك رواية (السائرون نياما) لعبد الله الطوخي ورواية (الزيني بركات) لجمال الغيطاني، على نحو ما سنوضحه تفصيلا.
* ومن أبرز ما أفرزته الحروب في قرننا – القرن العشرين - كذلك القلق الذي أدي إلى تداخل المشاعر واضطراب الأحاسيس وغياب اليقين، الذي ولد في الأدب بصفة عامة ما سمي بتيار الوعي، وقد تجلى بصورة أوضح في القصة القصيرة لدى كثيرين من كتاب الستينيات ، إلا أن الرواية لم تكن ببعيدة عن ذلك متمثلا بصورة كلية في رواية محمود عوض عبد العال (سكر مر) وبصورة ما في أعمال بهاء طاهر وإبراهيم عبد المجيد.
* كما ساهمت نفس الظروف التي أحاطت بنكسة 1967 وكل الخصائص السابقة إلى ظهور التجريد في الأعمال الأدبية والفنية، وكأن الكاتب يريد أن يقف عاريا بما وصل إليه من حالة نفسية – ومعبرا عن ظهور الحقيقية عارية مجردة، فكانت الرسالة واضحة أقرب إلى المباشرة، مثلما نجد في (العطش) لحسن محسب و (في الصيف السابع والستين)، لإبراهيم عبد المجيد و (خديجة وسوسن)، لرضوى عاشور، وقد عبرت كل هذه الروايات عن سخونة الحدث وتأثيره الأولى المباشر.
* كذلك يعتبر من السمات المميزة لأدب الستينيات بعامة وأثر نكسة 1967 عليها بخاصة، ارتفاع صوت الرومانسية فيه، وقد يبدو هذا الكلام غريبا ، فمن قائل بموت الرومانسية من زمن ، ومن قائل بأنه وسط آلام النكسة وصرخات ضحاياها ودمار آثارها وخلخلة النفوس من جرائها... كيف للرومانسية أن يعلو صوتها في هذه الأجواء؟ ولكنا نبادر فنرفض القول بموت الرومانسية رغم ظهور العديد من المذاهب الأدبية فيما بعدها خاصة الواقعية التي فرضت سطوتها على كل الآداب فترة طويلة وتشعب مدارسها بين واقعية اشتراكية وواقعية نقدية وغيرها.. ورغم أننا منذ البداية في هذه المقدمة ركزنا على أن الرواية نشأت أساسا بالواقعية.. إلا أنه بالنظر إلى سمات الرومانسية – وهو مذهب متفتح الحدود أبى علي التعريف الدقيق- نجد أنه الأدب الذي يعتمد على الجانب الذاتي وعلى الشعور، فإذا كان الفهم والشعور هما جناحا الإدراك لدى الإنسان، فإن الشعور هو المحرك الأول للأدب الرومانسي، والمبدع لا يستطيع أن يبتعد عن ذاته – مهما حاول ذلك أو ادعى غير ذلك – فالإبداع ذاتي بالدرجة الأولى، إذ لابد أن يخرج الإبداع مصبوغا بصبغة كاتبه، نابعا من قناعاته –وهو الجانب الواقعي – ومن شعوره وارتياحاته – وهو الجانب الرومانسي، لذا فإنه لا يمكن القول بموت الرومانسية إلا إذا قلنا بموت الإبداع، فإذا كان المبدع أمام الهزة التي حدثت في يونيو 1967، قد أصابه الجزع والفزع من الواقع الخارجي، فإنه انكمش على ذاته، وراح يؤنبها – خاصة وأن الغالبية من كتاب تلك الفترة يعدون من أنصار ما يسمى بالناصرية ، لهذا فإن اللوم والعتاب والتعذيب الذي يمارسونه إنما يمارسونه على أنفسهم وذواتهم، كما أنه أمام الذهول لما حدث وغياب الحقائق، لم يكن لديه غير شعوره وإحساسه يعتمد عليهما في البحث عن إجابة الأسئلة المحيرة، فظهرت معظم كتاباتهم أقرب إلى محاكمات للذات أمام محكمة التاريخ، ولذلك تحدث الراوي في الكثير من كتابات هذه الفترة بضمير المتكلم، وكأنه يقدم العمل من خلال ذاته، فإذا كانت الخامة التي يستخدمها الكاتب واقعية بمعنى تناولها من الواقع المعاش، فإنه يتناولها بمنظور رومانتيكي بحت، ولهذا جاء التفاوت في الرؤية للواقعية ذاتها، الرؤية للأسباب والرؤية للنتائج، حتى أن البعض الذي تطرق إلى انتصارات أكتوبر 1973 اعتبرها هزيمة بينما اعتبر ما حدث في 1967 انتصارا ، أليست هذه رومانتيكية بمفهوم الذات. لا بمفهوم العاطفة والحب؟
وحول هذا المفهوم أيضا تقول غادة محمد عفيفي:
(.. ومادام الإنسان مدفوعا نظريا إلى التعبير عن تجاربه وتصويرها من خلال نظرته إليها، ومن خلال إحساسه بوقعها وتأثيرها، وأثرها فإن هذا يجعلنا نقرر مطئمنين أن للحرب تأثير كبير على الحياة الأدبية...)(5).
وعلى هذا فإن الرومانسية ممتدة بطول الإبداع إلا أنها ازدادت وضوحا وظهورا تحت وطأة القهر النفسي الذي مارسته نكسة 1967، عندما ردت المبدعين إلى أنفسهم وذواتهم.
وبعد فإن الحديث عن أثر نكسة 1967 على الأدب سيظل إلى أمد بعيد قيد البحث والدراسة، وما هذه الدراسة إلا واحدة لجزئية منها.. إن كان ينقصها الكمال، فكل ما أتمناه ألا ينقصها ما أريده لها من آمال.
عناصر رواية الستينيات:
كما سبق أن قلنا فإن الهزة العنيفة التي أحدثتها وقائع يونيو 1967 والشك والقلق والحيرة التي تكثفت من بعدها حول ما قبلها ، وتضخم السؤال المؤرق بحثا عن الحقيقة واليقين .
أحقا كنا نحلم أم كان كابوسا ؟
أحقا ما كنا نعيش أم وهما عشناه وخدعة كبرى؟
لاشك أن ذلك القلق صادف هوى لدى تفتح وعي كتاب تلك الفترة ذلك الهوى الساعي نحو التجديد والتحديث والخصوصية... فصادفت تلك الثورة على الأوضاع الثورة العالمية نحو التجديد والتحديث (والتي سبق أن أشرنا إليها في حديث د. عبد الملك مرتاض)، فتوافق التغيير المرتجي عربيا ومصريا مع التغيير العالمي متمثلة في رفض الموروث من التقاليد الأدبية والتي تمثلت بالدرجة الأولى في التغيرات الشكلية فأصبح البحث عن شكل جديد هو الشغل الشاغل لأبناء هذا الجيل، لذا حملت هذه الفترة ملامح وسمات محددة هي التي يمكن أن نطلق عليها – بارتياح – أدب الستينيات – وهنا نود أن نختلف مع البعض الذي يحاول أن يطلق هذه التسمية على الذين خرج إنتاجهم للنور في هذه الفترة، فهم يرجعون بذلك الانتماء إلى هذه التسمية للكم وليس للكيف .
فإذا ما نظرنا إليها من هذه الزاوية ، نجد أن أغلب من أطلق عليهم هذه التسمية – وكذلك يحملون كل ملامحها – لم يخرج إنتاجهم إلا في نهاية الستينيات ، بينما كان أغزر إنتاجهم في السبعينيات ، مثل جمال الغيطاني ويوسف القعيد ، والبساطي وأصلان وغيرهم، بل إن واحدا من أبرز من ينتمون إلى تلك الفترة وهو بهاء طاهر لم تخرج أولى إبداعاته (مجموعة الخطوبة) إلا في أوائل السبعينيات على الرغم من أن أعماله تحمل كل سمات أدب الستينيات، شكلا وموضوعا.
وعلى هذا نجد أن اصطلاح أدب الستينيات هو الأقرب إلى الموضوعية من جيل الستينيات حيث العبرة والأساس هي فترة التكوين للكاتب والظروف والمناخ الذي عايشه في فترة تكوينه، وهي التي تحدد السمات الأسلوبية له، لذلك فإن بهاء طاهر كان في ذروة الانفعال والتفاعل مع المتغيرات السياسية والاجتماعية في الستينيات، إضافة إلى ذروة نهمه للارتواء من عطاء الإنسانية فقراءاته وتجاربه في تلك الفترة – لاشك – هي التي ترسخت في وجدانه وكونت عطاءه الذي لم يخرج إلا بعد ذلك حتى ولو كانت كتبت بعد ذلك وهي التي كونت شخصيته ورؤيته وقناعاته سواء بالرفض أو القبول.
فما هي إذن العناصر الشكلية لرواية الستينيات وكيف كان دور أحداث يونيو 1967 فيها ؟
* إذا كان من أهم أسباب ما حدث في يونيو هو تأليه الفرد وطغيانه والانسياق وراء سطوته بما أدى إليه من غياب للديمقراطية ونشوء مراكز القوى – المتمثلة أيضا في أفراد بعينهم – فإن رد الفعل الطبيعي للفئة المثقفة عامة وللكتاب خاصة، هي رفض هذه الفردية وطغيانها، فانعكس ذلك على تغيب الشخصية الروائية، فلم تعد تعتمد الرواية على الشخصية المتطورة المتجسدة النابضة بالحياة، مثلما في شخصية كمال عبد الجواد في ثلاثية نجيب محفوظ أو في شخصية زينب أو دياب أو عبد الهادي الجزار في رواية فتحي غانم (زينب والعرش)، وإنما أصبحت تقوم على شخوص أو مجرد رموز مثلما نجد في شخصية العمدة في رواية (العطش) لحسن محسب الذي يمكن أن ندرك على الفور أنه ليس مجرد كبير القرية ، وإنما هو كبير الدولة وتتم تحركاته وتصرفاته من هذا المنطلق ، أو مثلما نجد في شخصية خديجة في رواية (خديجة وسوسن) لرضوى عاشور، والتي تركز الكاتبة على إبراز أنها ليست شخصية حقيقية وإنما هي مجرد رمز لمصر عبر العصور.
كما تحولت شخوص الرواية في بعض الأحيان إلى رمز لمبدأ أو اتجاه لإبراز الاعتراضات عليه أو تأييده من خلال تصرفات الشخصية ذاتها ، مثلما في شخصية الراوي في كل من ( شرق النخيل ) و ( قالت ضحى ) لبهاء طاهر الذي يمثل غالبية الشعب المصري إزاء الأحدث ، وما يمتلكانه من سلبية معيبة يرفضا الكاتب، وكذلك في شخصة سيد بشارة في رواية (في الصيف السابع والستين)، لإبراهيم عبد المجيد الذي يمثل الاتجاه الماركسي وأيضا عند نجيب محفوظ ذاته الذي قدم العديد من الشخصيات الحية – في روايات ما قبل الستينيات – مثل كمال عبد الجواد في الثلاثية ومثل سعيد مهران في (اللص والكلاب) ، فإن مثل هذه الشخصيات تختفي تماما في الروايات التي تنتمي إلى أدب الستينيات – وإن لم تخرج كلها في الستينيات – مثل (ثرثرة فوق النيل) (ميرامار) و (الكرنك) ، وغيرها..
* كما ينبثق عن الخاصية السابقة – الخاصة بالشخصية – خاصية أخرى هي استخدام الرمز والذي تولد أيضا عن فترة الستينيات وما صاحبها سيطرة حكم الفرد والأحكام العسكرية ، الأمر الذي حدا بالكثيرين أن يلجأوا إلى استخدامه هروبا من الأحكام أو التأويلات التي تمارسها تقارير السلطة والتي قد تكون لأغراض غير أدبية في بعض الأحيان ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر محاولة كتاب الستينيات البحث عن الغموض في بعض الأحيان وفي أحيان أخرى الرغبة في إشراك القارئ بإيجابية في عملية الإبداع بمحاولة فلك رموز وطلاسم العمل بأعمال الفكر وتشغيل العقل ، لا أن يستسلم لكاتب يحمله على بساط الخيال إلى أحضان النوم ، مثلما نجد في الأمثلة التي ذكرناها آنفا والتي تتضح بصورة أكثر تفصيلا في الدراسة التطبيقية لهذا الكتاب.
مع ملاحظة أنه كانت قد ظهرت النظريات النقدية الحديثة مثل نظرية التلقي التي تنادي بهذا المعنى الأخير.
* وأيضا – تنبثق خاصية أخرى لأدب الستينيات من الخاصية السابقة – خاصية الرمز – هي خاصية تعدد مستويات القراءة التي تدفع بالكاتب محاولة تحقيق المعادلة الصعبة، حيث يقدم عمله على أحد مستويات القراءة من الناحية الجمالية أو الإنسانية أو الاجتماعية وفيها نرى شخوصا تتحرك وأحداثا تدور وتتفاعل الشخوص مع الأحداث لتكون رؤية إنسانية أو اجتماعية ما على المستوى المباشر للأحداث ، يستطيع القارئ أن يقف عندها ويكون قد وجد بغيته ومتعته الجمالية.. إلا أن خبث وذكاء الكاتب يدفعه لأن يدس السم في العسل، حيث يمكن تفصيل رؤيا كاملة على مستوى آخر غالبا ما تكون سياسية – إلا أنها مغلفة يبتعد بها عن المباشرة من جانب ، ومن جانب آخر يبتعد به عن أعين الرقيب ويد السجان – مع العلم بأن نسبة لا بأس بها من كتاب الستينيات قد دخلوا السجون – بل قد يصل الأمر في بعض الأحيان إلى إمكانية الوصول إلى ثلاث مستويات أو ثلاث رؤى متكاملة للعمل الواحد وهذه الخاصية بالطبع تحسب للكاتب وتضاف إلى قدراته الإبداعية حيث تثري العمل وتفتح مجالا للتأويل وتبتعد به عن المباشرة والأحادية.
ونستطيع أن نجد مثل ذلك في روايتي علاء الديب (أطفال بلا دموع) و ( قمر على مستنقع )، كما نجدها في رواية بهاء طاهر (خالتي صفية والدير) ، وبدرجة ما في رواية محمد المنسي قنديل (انكسار الروح) وصورة مختلفة في رواية جمال الغيطاني (الزيني بركات).
* كما أدت العوامل السياسية في الستينيات إلى غياب الديمقراطية والحكم العسكري إلى استخدام الرمز وصولا إلى توصيل الرسالة بأمان إلى متلقيها، كذلك دفعت البعض إلى الارتماء في أحضان التاريخ القديم، بحثا من خلاله عن رموز يحملها مضامينه الحاضرة ويسقط عليها رسالته الموجهة إلى الحكام كقوله حق متخفية أو درسا من عبر التاريخ للشعب، من جانب وبحثا من خلاله عن عناصر قوة أو بطولة سالفة يستلهمها الكاتب استنهاضا للحاضر أو بحثا عن السلوى والعزاء ، أو رفضا للواقع المرير، ورفض باطني للهزيمة ، وأبرز مثال على ذلك رواية (السائرون نياما) لعبد الله الطوخي ورواية (الزيني بركات) لجمال الغيطاني، على نحو ما سنوضحه تفصيلا.
* ومن أبرز ما أفرزته الحروب في قرننا – القرن العشرين - كذلك القلق الذي أدي إلى تداخل المشاعر واضطراب الأحاسيس وغياب اليقين، الذي ولد في الأدب بصفة عامة ما سمي بتيار الوعي، وقد تجلى بصورة أوضح في القصة القصيرة لدى كثيرين من كتاب الستينيات ، إلا أن الرواية لم تكن ببعيدة عن ذلك متمثلا بصورة كلية في رواية محمود عوض عبد العال (سكر مر) وبصورة ما في أعمال بهاء طاهر وإبراهيم عبد المجيد.
* كما ساهمت نفس الظروف التي أحاطت بنكسة 1967 وكل الخصائص السابقة إلى ظهور التجريد في الأعمال الأدبية والفنية، وكأن الكاتب يريد أن يقف عاريا بما وصل إليه من حالة نفسية – ومعبرا عن ظهور الحقيقية عارية مجردة، فكانت الرسالة واضحة أقرب إلى المباشرة، مثلما نجد في (العطش) لحسن محسب و (في الصيف السابع والستين)، لإبراهيم عبد المجيد و (خديجة وسوسن)، لرضوى عاشور، وقد عبرت كل هذه الروايات عن سخونة الحدث وتأثيره الأولى المباشر.
* كذلك يعتبر من السمات المميزة لأدب الستينيات بعامة وأثر نكسة 1967 عليها بخاصة، ارتفاع صوت الرومانسية فيه، وقد يبدو هذا الكلام غريبا ، فمن قائل بموت الرومانسية من زمن ، ومن قائل بأنه وسط آلام النكسة وصرخات ضحاياها ودمار آثارها وخلخلة النفوس من جرائها... كيف للرومانسية أن يعلو صوتها في هذه الأجواء؟ ولكنا نبادر فنرفض القول بموت الرومانسية رغم ظهور العديد من المذاهب الأدبية فيما بعدها خاصة الواقعية التي فرضت سطوتها على كل الآداب فترة طويلة وتشعب مدارسها بين واقعية اشتراكية وواقعية نقدية وغيرها.. ورغم أننا منذ البداية في هذه المقدمة ركزنا على أن الرواية نشأت أساسا بالواقعية.. إلا أنه بالنظر إلى سمات الرومانسية – وهو مذهب متفتح الحدود أبى علي التعريف الدقيق- نجد أنه الأدب الذي يعتمد على الجانب الذاتي وعلى الشعور، فإذا كان الفهم والشعور هما جناحا الإدراك لدى الإنسان، فإن الشعور هو المحرك الأول للأدب الرومانسي، والمبدع لا يستطيع أن يبتعد عن ذاته – مهما حاول ذلك أو ادعى غير ذلك – فالإبداع ذاتي بالدرجة الأولى، إذ لابد أن يخرج الإبداع مصبوغا بصبغة كاتبه، نابعا من قناعاته –وهو الجانب الواقعي – ومن شعوره وارتياحاته – وهو الجانب الرومانسي، لذا فإنه لا يمكن القول بموت الرومانسية إلا إذا قلنا بموت الإبداع، فإذا كان المبدع أمام الهزة التي حدثت في يونيو 1967، قد أصابه الجزع والفزع من الواقع الخارجي، فإنه انكمش على ذاته، وراح يؤنبها – خاصة وأن الغالبية من كتاب تلك الفترة يعدون من أنصار ما يسمى بالناصرية ، لهذا فإن اللوم والعتاب والتعذيب الذي يمارسونه إنما يمارسونه على أنفسهم وذواتهم، كما أنه أمام الذهول لما حدث وغياب الحقائق، لم يكن لديه غير شعوره وإحساسه يعتمد عليهما في البحث عن إجابة الأسئلة المحيرة، فظهرت معظم كتاباتهم أقرب إلى محاكمات للذات أمام محكمة التاريخ، ولذلك تحدث الراوي في الكثير من كتابات هذه الفترة بضمير المتكلم، وكأنه يقدم العمل من خلال ذاته، فإذا كانت الخامة التي يستخدمها الكاتب واقعية بمعنى تناولها من الواقع المعاش، فإنه يتناولها بمنظور رومانتيكي بحت، ولهذا جاء التفاوت في الرؤية للواقعية ذاتها، الرؤية للأسباب والرؤية للنتائج، حتى أن البعض الذي تطرق إلى انتصارات أكتوبر 1973 اعتبرها هزيمة بينما اعتبر ما حدث في 1967 انتصارا ، أليست هذه رومانتيكية بمفهوم الذات. لا بمفهوم العاطفة والحب؟
وحول هذا المفهوم أيضا تقول غادة محمد عفيفي:
(.. ومادام الإنسان مدفوعا نظريا إلى التعبير عن تجاربه وتصويرها من خلال نظرته إليها، ومن خلال إحساسه بوقعها وتأثيرها، وأثرها فإن هذا يجعلنا نقرر مطئمنين أن للحرب تأثير كبير على الحياة الأدبية...)(5).
وعلى هذا فإن الرومانسية ممتدة بطول الإبداع إلا أنها ازدادت وضوحا وظهورا تحت وطأة القهر النفسي الذي مارسته نكسة 1967، عندما ردت المبدعين إلى أنفسهم وذواتهم.
وبعد فإن الحديث عن أثر نكسة 1967 على الأدب سيظل إلى أمد بعيد قيد البحث والدراسة، وما هذه الدراسة إلا واحدة لجزئية منها.. إن كان ينقصها الكمال، فكل ما أتمناه ألا ينقصها ما أريده لها من آمال.
الهوامش:
1) نشوء الرواية: تأليف إيان واط، ترجمة ثائر ديب، دار شرقيات، ص18.
2) الخطاب الروائي: تأليف: ميخائيل باختين، ترجمة د. محمد برادة، دار الفكر للدراسات والنشر القاهرة، ص9.
3) في نظرية الرواية: تأليف د. عبد الملك مرتاض، سلسلة عالم المعرفة، عدد 240، ص53.
4) العنقاء الجديدة: تأليف د. غالي شكري، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1993، ص248.
5) غادة محمد عفيفي، رسالة الدكتوراه المقدمة إلى قسم اللغة العربية كلية الألسن، جامعة عين شمس، سنة 1997، بعنوان (الحروب العربية المعاصرة وأثرها في الرواية المصرية، 1965- 1975).
شوقي عبد الحميد يحيي
EM : shyehia@yahoo.com
06/19/2007 - 17:44
القسم:
اقرأ أيضا للكاتب:


التعليقات
وتضعنا على نقاط مفصلية لأدب هذه الفترة
الاحباط والرومانسية
النكسة والذاتية
وتيار الوعي في القصة والرواية المصرية
في عصر الإحباط يزداد الحب
لذا تجد الحب يزداد تحت القصف ،
أشكرك على دراسة تفجر أسئلة وتنير طريقا
وبالفعل كانت الرواية إبان النكسة تبحث عن إجابات للأسئلة المحيرة داخل الضمائر .. نصبت من أجلها محاكمات قاسية لجلد الذات
تحية وتقدير
أمانى
أكثر ما يسعد أي كاتب أن يري ويقرأ صدي لكلماته
ويسعده أكثر أن يكون هناك اتفاق علي ما كتبه
وقد سعدت حقيقة بمرورك الكريم
فشكرا وألف شكر
شوقي
أكثر ما يسعد أي كاتب أن يري ويقرأ صدي لكلماته
ويسعده أكثر أن يكون هناك اتفاق علي ما كتبه
وقد سعدت حقيقة بمرورك الكريم
فشكرا وألف شكر
شوقي
في كل يوم تزداد قناعتي بارتباط الأدب بحركة المجتمع
حتي يمكنني القول أن الآدب هو المؤرخ الصادق للأحداث وحركة المجتمعات
وقد كانت هزة يونيو 67 أكبر هزة في تاريخنا المعاصر
لذا كان الأدب المعبر عن إرهاصاتها ونتائجها من أخصب فترات التحول في أدبنا المعاصر
أتمني أن أكون دائما حيث تتمنين أن أكون
محبتي
طبعت الجزء الأول والثاني من دراستك العميقة
التي تحتاج الى جلسة هادئة مع كوب شاي في الشرفة حوالي الساعة السادسة مثلا
فالوقت له ضرورته لكسر الكسل والثخمة من قرف بعض النصوص التي لا تقول شيئا أحيانا ... وبصراحة يهمني جمع الأجزاء التالية للغرق في أعماقها مرّة واحدة
أصارحك أنا لا أقرأ وأنا مجهدة حتى لا يضيع مني جمال الفهم
أحييك على جهدك ووقتك
ودمت مختلفا
سهيلة بورزق
أمريكا
منذ أن قرأت لك ، رسخ في يقيني أنك أنت المختلفة .
تتجاوز كتاباتك حدود الجسد التي انحسرت فيها كتابات الكثيرات .
وها أنت تؤكدين صدق حدسي باختلافك ونفورك من الكتابات التي لا تقول شيئا .
وليست هذه هي الخاصية الوحيدة التي تجمعنا . إذ وجدت عدم القدرة والرغبة في القراءة
في حالة التعب ، وكم أغبطك علي جلسة الشاي في السادسة التي تعيد ذكريات
أيام مضت ، كان الذهن فيها خاليا ، والفرصة للتدبر والتأمل أكثر اتساعا .
وكم يسعدني أن أهدي إليك كتابي حول الموضوع بعنوان " يونيو 67 وأثره في الرواية المصرية " .
سعدت بمرورك وتعقيبك .
منذ ثلاثة ايام وانا اقرئك هنا .. وكلما هممت بكتابة تعليق
لا اجد ما يليق بك من كلمات ... لأصف بها روعتك وبهائك
رائع انت حقا ... في انتظار المزيد من دراساتك الممتعة
تحياتي،،،
دعاء
مرت الرواية العربية بالعديد من المحطات الأساسية التي أدت إلى تطورها وتزايد انتاجها بشكل ملحوظ حتى أطلق على هذا الزمن زمن الرواية وقد يكون حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل أحد هذه الأسباب ولابد لأي فن أن يكون معبراً عن الواقع بل أحياناً يكون صورة مطابقة له فسواء كانت الحرب أو هذا التغيير الهائل الذي يحدث لنا فإن الكاتب لابد أن يسقط الواقع على كتابته بغرض التغيير أحيانا وبغرض عرض الحقائق التاريخية أحيانا أخرى فكما كان الشعر ديوان العرب أصبحت الرواية اليوم تقوم بوظيفة الشعر في نقل الواقع
وعلى الرغم من دخول الرواية اليوم عالم السيرة الذاتية إلا أن هذا لم يمنعها من تدوين واقعنا المعاش بشكل واضح
وكل ما شحنت الرواية بالرمزية دل ذلك على انعدام فضاء الحرية
الحرية التي عبر عن ضياعها بالرمز في كليلة ودمنه نعبر عنها أيضا بنفس الوسيلة في المنجز الروائي الحالي
لك كل تقدير على هذه القراءة التي تضيف حتما نظره أبعد لقراءة العمل الإبداعي
ومنذ أن تفضل الأخ الكريم أحمد يحيي بالنشر للجزء الثاني
وأنا أنتظر وأتوقع زيارتك وكلماتك المشجعة والمحفزة
والتي أعجز عن الرد عليها
دمت متألقة ومتوهجة نورا وضياء لكل محبي الورشة
أرجو أن تسمحي لي بالاختلاف في وجهة النظرافي جزئية ارتباط
حصول نجيب محفوظ علي نوبل وانطلاق مقول أن زمننا زمن الرواية
حيث أخذت الرواية في الازدهار منذ الستينيات
وأخذت في التصاعد حتي يومنا هذا ولأسباب عديدة
أذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر
حيث يحتاج الموضوع لدراسات - ربما أتاحت لي الظروف تبيان وجهة نظري فيها مستقبلا - أولها الشعر ذاته حيث فقد عرشه يوم فقد قارئه
وفقد قارئه يوم تخلي عن الموسيقي الظاهرية التي تطرب القارئ العادي
في أمة يسود فيها أمية الراءة والكتابة
فضلا عن الأمية الثقافية التي تلتهم نسبة كبيرة جدا من متعلمي القراءة والكتابة
ويوم استغرق في استخدام الرموز الموغلة الإبهام حتي وصلت حد الطلاسم والألغاز
ودون الاستطرادات العديدة أقول فقد الشعر عرشه يوم فقد قارئه
وعلي الجانب الآخر جذبت الرواية هذا القارئ يوم نزلت إلي أرض الواقع ولامست مشكلاته وأوجاعه وهمومه
وقد يكون من المجحف في حق العديد من الروائيين أن أختصر مثالا واحد
هو عمارة يقوبيان
ولكن الاختيار فقط لأنها الأكثر جماهيرية والأكثر مبيعا أيضا
حيث تناولت وعبرت عما في صدور الناس من انتقادات ووضعت
نقطة من كحول علي جراحهم
وعموما الأسباب عديدة ولكن فقط
أردت أن نسير معا في نقاش موضوعي تفضلت بفتحه
شاكرا وحانيا رأسي احتراما لتفضلك بالقراءة الجادة ومحاولة
إثراء الموضوع
لي ثقة كبيرة في رأيك ربما لاتكون هذه المقولة صحيحة لكنها تقال
كما ان البعض يؤكد ان اهتمام الغرب بالرواية العربية جاء بعد حصول محفوظ على نوبل
ولا اختلف معك أبدا في إن الأسباب التي أدت لأزدهار الرواية عديدة
منها انحسار الشعر والإغراق في الرمزية كما تفضلت
لكني أقف أمام المثال الذي ذكرته
عمارة يعقوبيان
اذكر كم هي مشوقة وقريبة من الواقع
لكني كنت افتقد لجانب مهم فيها
ذاك جانب اللغة لم استمتع بها كعمل أدبي متكامل
يبقى ذلك انطباعي عنها
عموما
مايلفت نظري هو التوجه لكتابة السيرة الذاتية في العمل الروائي
والذي اتمنى أن تتيح لك الظروف بالكتابة عن هذه الظاهرة والوقوف على أسبابها
لك مني كل الاحترام والتقدير
لسعة صدرك وتقبلك