You are here
السحر الأسود .. يكفن الحاضر

السحر الأسود .. يكفن الحاضر
شوقي عبد الحميد يحيي
{ .. أصابني مس ..
عليل ، ومريض بهذه الآلة التى أعرفها كما أعرف لون أظافرى وسوء طويتى ،
الكاميرا المخبولة ، الوحش ، تقترب وتفضح ،شوقي عبد الحميد يحيي
تبتعد وتكشف ، تغوص في التفاصيل ، تبصر الأعمى ، تصدم وتذل ، تُجمل وتُكذب وتعري الجميع من الثياب والنيات ، تصطنع وتداري ، تجمع الأضداد والتناقضات ،
مزهوة بوجودها
وحده ، تسلبنى الإرادة والاختيار ، متهورة وهمجية ، بربرية من زمن الأصنام
الجديدة ...} [1] .
بهذه الفقرة يكثف حمدى الجزار رؤيته الكلية ، ورسالته التى أراد توصيلها عبر مائة وواحد وسبعين صفحة معنونة ب " سحر أسود " .
تنتهى الفقرة بجملة شديدة الإيجاز وقوية التعبير " بربرية من زمن الأصنام الجديدة " . البربرية تفتح منجما علي العشوائية ، المادية البهيمية ، اللاقانون ، زمن إنسان الغابة ، كل يفعل ما يريد ، أو بدقة أكثر كل ما يستطيع .
و " زمن الصنام الجديدة " ، في هذا العصر، كل يصنع لنفسه صنما يتعبد له ، فهذا يجعل الجنس معبده ، وذاك يجعل من المال ديدنه ، والجميع يعيش حياته حياتين ، حياة ظاهرية أمام الآخرين ، ويتوارى بها عن حياة أخرى حقيقية وراء الظاهر ، لا ترى بالعين الطبيعية فاستعان بعين الكاميرا ، تلك التى عشقها ، تلك التى تبتعد وتكشف ، وتقترب وتفضح ، تجمل وتعرى ، وتجمع الأضداد .
تبدأ الرواية بفصل مستق – سماه د. مجدى توفيق الفصل صفر – ثم يبدأ عد الفصول بعده ، فيبدو كمقدمة ، أو افتتاحية لفصول الرواية . يتحدث الفصل عن عم ريحان ، يتردد الراوى في البداية في ذكر اسمه ، يعرفه ب " الرجل العجوز " ، وكأنه يريد أن يتركه للمطلق ، ثم يعود ويحاول إدخالنا في حظيرة الواقع المعاش ، فعرفنا أنه عم ريحان . شغلته صنع الأكفان ، ويصنع الكفن من قطعة من القماش الأبيض ، يخيطها ريحان من طرفيها بالخيط الأبيض ، وكأنه يصنع منها كيس ليوضع الميت بداخله .
وتبدأ بعد الفصل التمهيدي لريحان ، فصول الرواية وتتعدد ، علي شكل الفصول المنفصلة المتصلة ، كل فصل يتحدث عن مشهد من مشاهد الكاميرا كاشفة عما وراء السطح . ويبدأ أولا في الحديث عن والده ، امتلأ وجه أبيه بالبثور والتجاعيد ، وجهه مستطيل ، فماذا صنعت فيه الكاميرا { .. كان يبدو لي من خلف العدسة بلا بثور في خديه ، ولا تجاعيد عميقة علي ناصية وجهه المستطيل الكبير ... } [2] . صنعت الكاميرا من الوجه شيئا آخر غير الحقيقي :-
{ .. حينما تتلاحق الصور ، تتسلسل فوق شاشة المونيتور الصغيرة تصبح شيئا آخر غير الذي رأيته بعينىّ راسى الواسعتين الكبيرتين . العينان اللتان استغنيت عن النظر بهما منذ سنوات طويلة ، وركبت مكانيهما عدسة واحدة زجاجية واسعة ودقيقة ، تضع علي الواقع غلالة رقيقة شفافة ، تجعل الألوان الكابية الكالحة ألوانا ساطعة مبهجة ، وتجعل المشهد نكثفا موجزا مقطوعا من الحياة ، شريحة دقيقة واضحة التفاصيل .. } [3] .
إلا أنها ليست دائما تحيل القبيح جميلا ، بل غالبا ما يكون العكس هو الصحيح : -
{ .. كنت أنظر إليهم هؤلاء المتحدثين المهذبين المحترمين في شاشة المونيتور الصغيرة أمامى ، فأراهم بنى آدميين آخرين غير هؤلاء ، مخلوقات أخري غير تلك التى أراها بعيني رأسى بشحمهم ولحمهم وستراتهم الأنيقة وألسنتهم الطويلة يزعقون ويخطبون من خلف منصتهم الفخمة ووجوههم فقط هي الظاهرة والمرئية . وجوههم وجوه ممثلين محترفين يجيدون إخفاء أنفسهم خلف خشبة المنصة ، كانوا لا يرتدون ملابس داخلية تستر أعضاء أجسامهم وعوراتهم المسترخية . كنت أرى أفخاذهم السمينة مترهلة وشاحبة تكسوها التجاعيد والعروق الزرقاء النافرة ، والدوالي المنتفخة ، وأعضاءهم ( وأعضاؤهم ) المنذورة للإثمار منطمثة نائمة رخوة ، مجدبة مثل بركة أثنة سوداء ... } [4] .
تستعرض الرواية بعد ذلك العديد من سلبيات المجتمع ، ويركز بصفة خاصة علي التليفزيون ، بصفته مصورا ، ولما للتليفزيون من تأثير سلبي علي المشاهد ، حيث يحيل المشاهد إلي متلق سلبي ، ثم لما للتليفزيون من سلطة وقدرة علي تكوين وجدان المشاهد : -
{ .. فقط أحس جردل ماسبيرو الضخم الملئ بكل شئ في هذه الدنيا ينسكب فوق دماغي لآخره ، ويترك ملابسي قذرة ملوثة ، وجسدي عفن خربان ، يحيلني إلي آلة جيدة لحشو أدمغة الخلق بالزيف والباطل والحقائق والأوهام والجمال والقبح والمتعة . آلة تفكير جبارة ، هائلة ، متعددة الوظائف ، تفكر للجميع ، وتبني لهم عالما وهميا من اختراعها . آلة تلاحقك بالصور والأفكار والأحداث حتى تصير أمامها أعمى ، كامل العمي لا تري شيئا علي الإطلاق .
لا يمتلك أحد الأن فرصة ابتكار تلفزيونه الخاص ، بنفسه ، لنفسه . لا منفذ ... } [5] . ويستطيع الجزار هنا رسم صورة قلمية تصور إحاطة التليفزيون بالمشاهد بما لا يدع له فرصة الفرار أو التفكير ، أحال الناس إلي كتلة سلبية ، مستسلما ، ولا فرار ، ولا منفذ . ويؤكد ذلك علي نفسه هو وكيف أنه تحول إلي آلة تصنع ما يريده الآخرون ، لا ما يريده هو ، حيث يحيل إنسان العصر إلي مجرد آلة خالية من المشاعر ، مؤكدا ذلك في استمرار علقته – الراوي – مع فاتن مجرد علاقة جسدية ، فهو إنسان لا يعرف ما هو الحب : -
{ .. ونحن عائدين إلي القاهرة ، قالت فاتن إن باسم كان يحب لمياء حبا عميقا .
يجوز ، علي الرغم من أنني لست متأكدا أبدا من معني كلمة " يحب " هذه . أبدا . }[6] ، رغم طول العلاقة وكل ما دار بينه وبين فاتن هذه ، وحيث يعود ويؤكد - كرمز لجيل بأكمله – اختفاء الرومانسية والعمق والانخراط في السطحية والمادية : -
{ .. إن الكلمات الأكثر ابتذالا من قبيل : الحب ، الغرام ، الهوى ، العشق .. ألخ ، مجرد أصوات تخرج من الحنجرة ، والأحبال الصوتية ، واللسان والشفتين ، أصوات مبهمة ، قاصرة ، عاجزة ، مكررة ، لا تقول شيئا ، لا معني لها ، ولا دلالة ، ولا غاية . أصوات لاشئ ، ولكن ماذا يمكنني أن أفعل ، وأنا الذي لا أهوى الكتب والقصص للأسباب نفسها ، ولا أجد ضرورة للتعبير بالكلام .. } [7] . فإذا ما ربطنا بين تلك الرؤية ورؤيته – الراوي – للجنس ، ذلك التعبير المادي – عندما يخلو الجنس من الجانب المعنوي ويتوقف عند كونه استمتاع جسدي ، نستطيع أن نشكل تلك الصورة القلمية التي سعي حمدي الجزار لرسمها : -
{ .. أخذتها في حضني ، وصرت أثرثر ، أتكلم كلاما كثيرا يأتي من مكان عميق مجهول في نفسي . الجنس .. الجنس أيقونة أيامنا هذه . أيقونة وحيدة صارت مقدسة ، ربما أكثر من أي شئ قدسه الناس طوال تاريخهم الطويل . الجنس بكل صوره ولغاته وأنواعه وأوضاعه طافح كفيضان عظيم هائل في ثرثرات النساء علي عتبات الدور في الأحياء الشعبية ، وفي النوادي الخاصة والأثرياء ، في الأحاديث والدردشات والنكت التي يتبادلها العمال والموظفون والأطباء والفلاحون والسياسيون والفنانون ورجال الأعمال ، وكل الأعمال.. في البيوت ، والشوارع وعي كراسي المقاهي والمكاتب والبارات ... ألخ } [8] ، فهكذا تحول الجنس كممارسة جسدية مادية بحتة إلي أيقونة حياة ، وهكذا احتل المنزلة الأولي في حياة مجتمع بكافة مستوياته وطبقاته وانتماءاته .
وهكذا ينجح الجزار في رسم صورة لمجتمع احتلت فيه المادية منزلة أولي حتي اختفى الجانب المعنوي ، أو كاد .
- ويتلاقي الجزار في هذه الجزئية ( ما للتلفزيون من تأثير علي المشاهد ) مع رواية " خيانات شرعية " لسمير عبد الفتاح حيث دارت بالكامل ، تقريبا ، حول نفس الفكرة .
كما يتلاقي مع رواية " كائن العزلة " لمحمود الغيطاني في تصوير سلبية المشاهد واستسلامه ، الأمر الذي يشكل من الروايات الثلاث – مع غيرها – رؤية جديدة لأساليب العصر وتأثيرها علي الفرد والمجتمع ، والتي تشكل أحد إرهاصات تولد رواية جديدة للقرن الواحد والعشرين ، معتمدة علي البعد الواحد للرؤية .
فإذا كانت رواية الستينيات من القرن الماضي قد اعتمدت علي الرمز كأحد أساليبها في الهروب من سطوة السلطة وتسلطها ، وهروبا من بطشها ، واتمدت الرواية فيما بعد الستينيات علي التهويمات والغموض تعبيرا عن الضياع والتشتت وعدم وجود الهدف القومي الجامع ، وعدم الرؤية الواضحة للمستقبل ، وضبابية الرؤية ، فإن ذلك كله أدي إلي السلبية وعدم الانتماء والعزلة ، خاصة عزلة المثقف الذي رأي غياب دوره ومعدومية تأثيره ، فتقوقع في عزلتها مشاهدا من بعيد ، يرقب حركة المجتمع في إضطرابه وفوضاه ، وسطحيته ، وفي ظل إنفتاح الكلام ، واتاحة فرصة ( الجعجعة ) في الفضائيات والصحف المستقلة ، فأصبحت الرواية تسير علي السطح ، تستعرض أكثر مما تتعمق وتبحث في الأسباب ، لم يعد هناك حدث يتتبعه الكاتب من البداية إلي النهاية ، فلم يعد هناك أحداث جسام تستوجب التتبع والمتابعة ، وأصبحت الرواية تسير في خط عرضي مستقيم ، بعد أن كانت تسير في خط رأسي ، أو متعرج ، وأصبحت ذات رؤية أحادية ومستوى واحد للقراءة ، بعد أن كانت تحمل أكثر من مستوي .
وبعد استعراض الرواية – سحر أسود – للعديد من مسالب المجتمع وسلبياته ، وبعد تغافل متعمد لريحان – صانع الأكفان – علي مدي ثلاثين فصلا ، يعود الراوي ليتذكره لسببين :
أولهما ، ليدخله في نسيج العمل و أحد المؤثرات علي وجود وتكوين الراوي ، حيث يقول : -
{ .. ما أعرفه عن ريحان كثير ، لدرجة أنني تائه داخله ، فيه ، لدرجة أنني أكاد أنسي عنه كل شئ . إنه موجود في ركن مظلم من جسدي ( وانظر هنا تعبير الكاتب – من جسدي – ولم يقل من روحي ) مثل سلسلة عمودي الفقاري ، أعرف أنها موجودة هناك ، قلما أراها أو ألمسها كي أتأكد من وجودها في موضعها . ريحان فقرة في هذه السلسلة المنسية . شبه المجهولة في ظهري ، ولكن لا قيام ولا حركة ولا انحناء بدوتها .. إنه موجود دائما فوق دكته الخشبية .. } [9] .
إذن فوجود ريحان ملاصق للراو لصق الموت المتتبع له المتربص القابع في عموده الفقري ، وهو التعبير الرمزي الوحيد في الرواية . وهو الخيط اللامرئي من عناصر الرواية الأساسية التي يحافظ عليها الجزار ، مع مع بقية من حبكة – أيضا غير منظورة – الأمر الذي يحسب للجزار ، حيث يبين كيف أنه درس الرواية في أصولها وهضمها ، ثم حاول الخروج من عباءتها دون التمرد عليها ، ودون افتعال التحديث ، فجعلها كالخط المائي في العملة الورقية ، وهو أحد ما تميز به حمدي الجزار في روايته الأولي ، وإن كان بها قد تجاوز العديد من أخطاء البدايات ، مما يجعلها تتجاوز العمل الأول .
فريحان إذن يدخل في جسد الراوي فاعلا ومؤثرا ، الموت بمعناه الإكلينيكي الملتصق بالبشر عامة ، والموت بمعناه الذي جاء في الرواية ( التطهر ) الملاصق للمثقف المسكون به ، والساكن فيه ، والموت باعتباره رمزا للموت ، هو ما يقودنا إلي العنصر الثاني ، أو الرؤية الثانية لوجود ريحان ، ثم تاخر ظهوره طوال هذه الفصول .
فلننظر ماذا يفع ريحان طوال اليوم : -
{ .. كان كل مساء حين يكون علي وشك إغلاق دكانه يمسك الكفن الذي قضي يومه في خياطته بيم يديه المعروقتين الماهرتين ، وببطء يبأ في فك الخياطة محاذرا أن يحدث أي قطع في الكفن . يفك ما خاطه ليعود الكفن كما كان ، قطعة قماش بفته كبيرة طولها نحو المترين وعرضها متر ، يطويها بعناية ويضعها علي الرف الخشبي إلي جوار قماش الأكفان الأخري .
في الصباح يأتي بهذا القماش نفسه ليبدأ في خياطته من جديد . هكذا كل يوم ، يخيط القماش في النهار ويفضه في المساء . .. } [10] .
فريحان كل يوم ينتظر من يموت غير الموت في شحيح في هذه الأيام : { .. ولأن الموتي قليلون هذه الأيام ..} ، ولكن لمذا الموت شحيح هذه الأيام ؟ . يجيب الجزار :
{ كنت أعرف أن الكفن مثل ملابس الإحرام التي يذهب بها الحجاج إلي بيت الله الحرام لا تخيط . فقط قطعة قماش أبيض تلف الجسد ، تستر العورة ويترك بقية الجسد عاريا ، ثوب بسيط أبيض نقي مثل لفة الوليد . الوليد والحاج والميت ثلاثة أنقياء يستحقون هذا الملبس الرحيم .. }
فالموت هنا هو التهر ، هو الدخول كأحد أضلاع المثلث الطاهر ، الطفولة والحج والموت ، وهو ما يريده الجزار لوطنه ، لا يريد له الموت ، ولكن يريد له التطهر ، العودة للبراءة ، العودة للنقاء . ولكن ذلك يبدو مطلب لا يتحقق فكل يوم يبحث ريحان عمن يتطهر ، عمن يموت ، غير أنه في كل يوم يصنع الكفن وينتظر ، لكن أحدا لا يموت ، فالموت عزيز هذه الأيام .
وعندما ظهر ريحان في الفصل التمهيدي ، فرش القطعة الأولي من الكفن ، وظل ينتظر من يرقد حتى يخيط الجزء الثاني من الكفن وليغطي الميت ، غير أن سلسلة الخطايا التى طالعتنا طوال الفصول المتعددة وبصورها المتعددة ، وقبيل النهاية ، نهاية الرواية ، ونهاية يوم ريحان ، يجمع كل تلك الخطايا والسيئات والسوءات ، يضعها علي القطعة المفروشة من الكفن ، ويوسدها ، ثم يخيط عليها القطعة الأخري ، وكأنه يدفن كل تلك الرزايا , وكأن الجزار يود دفن السلبيات ، وتطهير المجتمع ، في رواية جاء اسلوبها طبيعيا سلسا مناسبا في مواضعه ، متدفقا حتي لا يدع مجالا للقارئ في الهروب ، بعد ما غابت أساليب التشويق التقليدية من حبكة ظاهرة ، أو غموض في الحدث ، في رواية غاب فيها الحدث ، وإن كثرت فيها الحوادث .
شوقي عبد الحميد يحيي
EM : shawkyshawky2004@yahoo.com
بهذه الفقرة يكثف حمدى الجزار رؤيته الكلية ، ورسالته التى أراد توصيلها عبر مائة وواحد وسبعين صفحة معنونة ب " سحر أسود " .
تنتهى الفقرة بجملة شديدة الإيجاز وقوية التعبير " بربرية من زمن الأصنام الجديدة " . البربرية تفتح منجما علي العشوائية ، المادية البهيمية ، اللاقانون ، زمن إنسان الغابة ، كل يفعل ما يريد ، أو بدقة أكثر كل ما يستطيع .
و " زمن الصنام الجديدة " ، في هذا العصر، كل يصنع لنفسه صنما يتعبد له ، فهذا يجعل الجنس معبده ، وذاك يجعل من المال ديدنه ، والجميع يعيش حياته حياتين ، حياة ظاهرية أمام الآخرين ، ويتوارى بها عن حياة أخرى حقيقية وراء الظاهر ، لا ترى بالعين الطبيعية فاستعان بعين الكاميرا ، تلك التى عشقها ، تلك التى تبتعد وتكشف ، وتقترب وتفضح ، تجمل وتعرى ، وتجمع الأضداد .
تبدأ الرواية بفصل مستق – سماه د. مجدى توفيق الفصل صفر – ثم يبدأ عد الفصول بعده ، فيبدو كمقدمة ، أو افتتاحية لفصول الرواية . يتحدث الفصل عن عم ريحان ، يتردد الراوى في البداية في ذكر اسمه ، يعرفه ب " الرجل العجوز " ، وكأنه يريد أن يتركه للمطلق ، ثم يعود ويحاول إدخالنا في حظيرة الواقع المعاش ، فعرفنا أنه عم ريحان . شغلته صنع الأكفان ، ويصنع الكفن من قطعة من القماش الأبيض ، يخيطها ريحان من طرفيها بالخيط الأبيض ، وكأنه يصنع منها كيس ليوضع الميت بداخله .
وتبدأ بعد الفصل التمهيدي لريحان ، فصول الرواية وتتعدد ، علي شكل الفصول المنفصلة المتصلة ، كل فصل يتحدث عن مشهد من مشاهد الكاميرا كاشفة عما وراء السطح . ويبدأ أولا في الحديث عن والده ، امتلأ وجه أبيه بالبثور والتجاعيد ، وجهه مستطيل ، فماذا صنعت فيه الكاميرا { .. كان يبدو لي من خلف العدسة بلا بثور في خديه ، ولا تجاعيد عميقة علي ناصية وجهه المستطيل الكبير ... } [2] . صنعت الكاميرا من الوجه شيئا آخر غير الحقيقي :-
{ .. حينما تتلاحق الصور ، تتسلسل فوق شاشة المونيتور الصغيرة تصبح شيئا آخر غير الذي رأيته بعينىّ راسى الواسعتين الكبيرتين . العينان اللتان استغنيت عن النظر بهما منذ سنوات طويلة ، وركبت مكانيهما عدسة واحدة زجاجية واسعة ودقيقة ، تضع علي الواقع غلالة رقيقة شفافة ، تجعل الألوان الكابية الكالحة ألوانا ساطعة مبهجة ، وتجعل المشهد نكثفا موجزا مقطوعا من الحياة ، شريحة دقيقة واضحة التفاصيل .. } [3] .
إلا أنها ليست دائما تحيل القبيح جميلا ، بل غالبا ما يكون العكس هو الصحيح : -
{ .. كنت أنظر إليهم هؤلاء المتحدثين المهذبين المحترمين في شاشة المونيتور الصغيرة أمامى ، فأراهم بنى آدميين آخرين غير هؤلاء ، مخلوقات أخري غير تلك التى أراها بعيني رأسى بشحمهم ولحمهم وستراتهم الأنيقة وألسنتهم الطويلة يزعقون ويخطبون من خلف منصتهم الفخمة ووجوههم فقط هي الظاهرة والمرئية . وجوههم وجوه ممثلين محترفين يجيدون إخفاء أنفسهم خلف خشبة المنصة ، كانوا لا يرتدون ملابس داخلية تستر أعضاء أجسامهم وعوراتهم المسترخية . كنت أرى أفخاذهم السمينة مترهلة وشاحبة تكسوها التجاعيد والعروق الزرقاء النافرة ، والدوالي المنتفخة ، وأعضاءهم ( وأعضاؤهم ) المنذورة للإثمار منطمثة نائمة رخوة ، مجدبة مثل بركة أثنة سوداء ... } [4] .
تستعرض الرواية بعد ذلك العديد من سلبيات المجتمع ، ويركز بصفة خاصة علي التليفزيون ، بصفته مصورا ، ولما للتليفزيون من تأثير سلبي علي المشاهد ، حيث يحيل المشاهد إلي متلق سلبي ، ثم لما للتليفزيون من سلطة وقدرة علي تكوين وجدان المشاهد : -
{ .. فقط أحس جردل ماسبيرو الضخم الملئ بكل شئ في هذه الدنيا ينسكب فوق دماغي لآخره ، ويترك ملابسي قذرة ملوثة ، وجسدي عفن خربان ، يحيلني إلي آلة جيدة لحشو أدمغة الخلق بالزيف والباطل والحقائق والأوهام والجمال والقبح والمتعة . آلة تفكير جبارة ، هائلة ، متعددة الوظائف ، تفكر للجميع ، وتبني لهم عالما وهميا من اختراعها . آلة تلاحقك بالصور والأفكار والأحداث حتى تصير أمامها أعمى ، كامل العمي لا تري شيئا علي الإطلاق .
لا يمتلك أحد الأن فرصة ابتكار تلفزيونه الخاص ، بنفسه ، لنفسه . لا منفذ ... } [5] . ويستطيع الجزار هنا رسم صورة قلمية تصور إحاطة التليفزيون بالمشاهد بما لا يدع له فرصة الفرار أو التفكير ، أحال الناس إلي كتلة سلبية ، مستسلما ، ولا فرار ، ولا منفذ . ويؤكد ذلك علي نفسه هو وكيف أنه تحول إلي آلة تصنع ما يريده الآخرون ، لا ما يريده هو ، حيث يحيل إنسان العصر إلي مجرد آلة خالية من المشاعر ، مؤكدا ذلك في استمرار علقته – الراوي – مع فاتن مجرد علاقة جسدية ، فهو إنسان لا يعرف ما هو الحب : -
{ .. ونحن عائدين إلي القاهرة ، قالت فاتن إن باسم كان يحب لمياء حبا عميقا .
يجوز ، علي الرغم من أنني لست متأكدا أبدا من معني كلمة " يحب " هذه . أبدا . }[6] ، رغم طول العلاقة وكل ما دار بينه وبين فاتن هذه ، وحيث يعود ويؤكد - كرمز لجيل بأكمله – اختفاء الرومانسية والعمق والانخراط في السطحية والمادية : -
{ .. إن الكلمات الأكثر ابتذالا من قبيل : الحب ، الغرام ، الهوى ، العشق .. ألخ ، مجرد أصوات تخرج من الحنجرة ، والأحبال الصوتية ، واللسان والشفتين ، أصوات مبهمة ، قاصرة ، عاجزة ، مكررة ، لا تقول شيئا ، لا معني لها ، ولا دلالة ، ولا غاية . أصوات لاشئ ، ولكن ماذا يمكنني أن أفعل ، وأنا الذي لا أهوى الكتب والقصص للأسباب نفسها ، ولا أجد ضرورة للتعبير بالكلام .. } [7] . فإذا ما ربطنا بين تلك الرؤية ورؤيته – الراوي – للجنس ، ذلك التعبير المادي – عندما يخلو الجنس من الجانب المعنوي ويتوقف عند كونه استمتاع جسدي ، نستطيع أن نشكل تلك الصورة القلمية التي سعي حمدي الجزار لرسمها : -
{ .. أخذتها في حضني ، وصرت أثرثر ، أتكلم كلاما كثيرا يأتي من مكان عميق مجهول في نفسي . الجنس .. الجنس أيقونة أيامنا هذه . أيقونة وحيدة صارت مقدسة ، ربما أكثر من أي شئ قدسه الناس طوال تاريخهم الطويل . الجنس بكل صوره ولغاته وأنواعه وأوضاعه طافح كفيضان عظيم هائل في ثرثرات النساء علي عتبات الدور في الأحياء الشعبية ، وفي النوادي الخاصة والأثرياء ، في الأحاديث والدردشات والنكت التي يتبادلها العمال والموظفون والأطباء والفلاحون والسياسيون والفنانون ورجال الأعمال ، وكل الأعمال.. في البيوت ، والشوارع وعي كراسي المقاهي والمكاتب والبارات ... ألخ } [8] ، فهكذا تحول الجنس كممارسة جسدية مادية بحتة إلي أيقونة حياة ، وهكذا احتل المنزلة الأولي في حياة مجتمع بكافة مستوياته وطبقاته وانتماءاته .
وهكذا ينجح الجزار في رسم صورة لمجتمع احتلت فيه المادية منزلة أولي حتي اختفى الجانب المعنوي ، أو كاد .
- ويتلاقي الجزار في هذه الجزئية ( ما للتلفزيون من تأثير علي المشاهد ) مع رواية " خيانات شرعية " لسمير عبد الفتاح حيث دارت بالكامل ، تقريبا ، حول نفس الفكرة .
كما يتلاقي مع رواية " كائن العزلة " لمحمود الغيطاني في تصوير سلبية المشاهد واستسلامه ، الأمر الذي يشكل من الروايات الثلاث – مع غيرها – رؤية جديدة لأساليب العصر وتأثيرها علي الفرد والمجتمع ، والتي تشكل أحد إرهاصات تولد رواية جديدة للقرن الواحد والعشرين ، معتمدة علي البعد الواحد للرؤية .
فإذا كانت رواية الستينيات من القرن الماضي قد اعتمدت علي الرمز كأحد أساليبها في الهروب من سطوة السلطة وتسلطها ، وهروبا من بطشها ، واتمدت الرواية فيما بعد الستينيات علي التهويمات والغموض تعبيرا عن الضياع والتشتت وعدم وجود الهدف القومي الجامع ، وعدم الرؤية الواضحة للمستقبل ، وضبابية الرؤية ، فإن ذلك كله أدي إلي السلبية وعدم الانتماء والعزلة ، خاصة عزلة المثقف الذي رأي غياب دوره ومعدومية تأثيره ، فتقوقع في عزلتها مشاهدا من بعيد ، يرقب حركة المجتمع في إضطرابه وفوضاه ، وسطحيته ، وفي ظل إنفتاح الكلام ، واتاحة فرصة ( الجعجعة ) في الفضائيات والصحف المستقلة ، فأصبحت الرواية تسير علي السطح ، تستعرض أكثر مما تتعمق وتبحث في الأسباب ، لم يعد هناك حدث يتتبعه الكاتب من البداية إلي النهاية ، فلم يعد هناك أحداث جسام تستوجب التتبع والمتابعة ، وأصبحت الرواية تسير في خط عرضي مستقيم ، بعد أن كانت تسير في خط رأسي ، أو متعرج ، وأصبحت ذات رؤية أحادية ومستوى واحد للقراءة ، بعد أن كانت تحمل أكثر من مستوي .
وبعد استعراض الرواية – سحر أسود – للعديد من مسالب المجتمع وسلبياته ، وبعد تغافل متعمد لريحان – صانع الأكفان – علي مدي ثلاثين فصلا ، يعود الراوي ليتذكره لسببين :
أولهما ، ليدخله في نسيج العمل و أحد المؤثرات علي وجود وتكوين الراوي ، حيث يقول : -
{ .. ما أعرفه عن ريحان كثير ، لدرجة أنني تائه داخله ، فيه ، لدرجة أنني أكاد أنسي عنه كل شئ . إنه موجود في ركن مظلم من جسدي ( وانظر هنا تعبير الكاتب – من جسدي – ولم يقل من روحي ) مثل سلسلة عمودي الفقاري ، أعرف أنها موجودة هناك ، قلما أراها أو ألمسها كي أتأكد من وجودها في موضعها . ريحان فقرة في هذه السلسلة المنسية . شبه المجهولة في ظهري ، ولكن لا قيام ولا حركة ولا انحناء بدوتها .. إنه موجود دائما فوق دكته الخشبية .. } [9] .
إذن فوجود ريحان ملاصق للراو لصق الموت المتتبع له المتربص القابع في عموده الفقري ، وهو التعبير الرمزي الوحيد في الرواية . وهو الخيط اللامرئي من عناصر الرواية الأساسية التي يحافظ عليها الجزار ، مع مع بقية من حبكة – أيضا غير منظورة – الأمر الذي يحسب للجزار ، حيث يبين كيف أنه درس الرواية في أصولها وهضمها ، ثم حاول الخروج من عباءتها دون التمرد عليها ، ودون افتعال التحديث ، فجعلها كالخط المائي في العملة الورقية ، وهو أحد ما تميز به حمدي الجزار في روايته الأولي ، وإن كان بها قد تجاوز العديد من أخطاء البدايات ، مما يجعلها تتجاوز العمل الأول .
فريحان إذن يدخل في جسد الراوي فاعلا ومؤثرا ، الموت بمعناه الإكلينيكي الملتصق بالبشر عامة ، والموت بمعناه الذي جاء في الرواية ( التطهر ) الملاصق للمثقف المسكون به ، والساكن فيه ، والموت باعتباره رمزا للموت ، هو ما يقودنا إلي العنصر الثاني ، أو الرؤية الثانية لوجود ريحان ، ثم تاخر ظهوره طوال هذه الفصول .
فلننظر ماذا يفع ريحان طوال اليوم : -
{ .. كان كل مساء حين يكون علي وشك إغلاق دكانه يمسك الكفن الذي قضي يومه في خياطته بيم يديه المعروقتين الماهرتين ، وببطء يبأ في فك الخياطة محاذرا أن يحدث أي قطع في الكفن . يفك ما خاطه ليعود الكفن كما كان ، قطعة قماش بفته كبيرة طولها نحو المترين وعرضها متر ، يطويها بعناية ويضعها علي الرف الخشبي إلي جوار قماش الأكفان الأخري .
في الصباح يأتي بهذا القماش نفسه ليبدأ في خياطته من جديد . هكذا كل يوم ، يخيط القماش في النهار ويفضه في المساء . .. } [10] .
فريحان كل يوم ينتظر من يموت غير الموت في شحيح في هذه الأيام : { .. ولأن الموتي قليلون هذه الأيام ..} ، ولكن لمذا الموت شحيح هذه الأيام ؟ . يجيب الجزار :
{ كنت أعرف أن الكفن مثل ملابس الإحرام التي يذهب بها الحجاج إلي بيت الله الحرام لا تخيط . فقط قطعة قماش أبيض تلف الجسد ، تستر العورة ويترك بقية الجسد عاريا ، ثوب بسيط أبيض نقي مثل لفة الوليد . الوليد والحاج والميت ثلاثة أنقياء يستحقون هذا الملبس الرحيم .. }
فالموت هنا هو التهر ، هو الدخول كأحد أضلاع المثلث الطاهر ، الطفولة والحج والموت ، وهو ما يريده الجزار لوطنه ، لا يريد له الموت ، ولكن يريد له التطهر ، العودة للبراءة ، العودة للنقاء . ولكن ذلك يبدو مطلب لا يتحقق فكل يوم يبحث ريحان عمن يتطهر ، عمن يموت ، غير أنه في كل يوم يصنع الكفن وينتظر ، لكن أحدا لا يموت ، فالموت عزيز هذه الأيام .
وعندما ظهر ريحان في الفصل التمهيدي ، فرش القطعة الأولي من الكفن ، وظل ينتظر من يرقد حتى يخيط الجزء الثاني من الكفن وليغطي الميت ، غير أن سلسلة الخطايا التى طالعتنا طوال الفصول المتعددة وبصورها المتعددة ، وقبيل النهاية ، نهاية الرواية ، ونهاية يوم ريحان ، يجمع كل تلك الخطايا والسيئات والسوءات ، يضعها علي القطعة المفروشة من الكفن ، ويوسدها ، ثم يخيط عليها القطعة الأخري ، وكأنه يدفن كل تلك الرزايا , وكأن الجزار يود دفن السلبيات ، وتطهير المجتمع ، في رواية جاء اسلوبها طبيعيا سلسا مناسبا في مواضعه ، متدفقا حتي لا يدع مجالا للقارئ في الهروب ، بعد ما غابت أساليب التشويق التقليدية من حبكة ظاهرة ، أو غموض في الحدث ، في رواية غاب فيها الحدث ، وإن كثرت فيها الحوادث .
شوقي عبد الحميد يحيي
EM : shawkyshawky2004@yahoo.com
05/20/2006 - 17:56
القسم:
اقرأ أيضا للكاتب:


التعليقات
يجيد العزف على أوتار الكلمات .. مستخدما حروفا براقة .. وكلمات لامعة
شكرا لك سيدى على هذا الابداع .. وفى انتظار المزيد من أعمالك الرائعة
دعاء لطفى