ابحث
إقرأ أيضا للكاتب
- ومضات الحمراء المستديرة.. والنوع الأدبي الجديد
- سماء العراق .. هل عادت إلي أهلها ؟
- إنسان العولمة في "مثلث العشق"
- القصة القصيرة في زمن الرواية
- هل القصة القصيرة في أزمة ؟
- شوكة في القلب
- طارق إمام ... بين القتلة والأرملة
- هدوء القتلة .. بحثا عن الفردوس المفقود
- بواكير الرواية العربية
- ما تثيره (كأس بيرة) لسهيلة بورزق
- لذات الجزار السرية
- جناحها الشعر .. ونثرها .. زهرة عاطرة
- الصبار ينمو فى مرايا الروح
- خور الجمّال ... رحلة الزمان عبر المكان
- السماوي يحفر التاريخ علي جذع الوطن 2 / 2
- السماوي يحفر التاريخ علي جذع الوطن 1 /2
- صندوق جدتي
- الفراشة
- القنابل في عسل .. سلوي النعيمي
- تغريدة البجعة .. وجناية البدايات
- في بعض اللحظات .. الموت هو الخلاص ..عند الغيطاني
- الأحلام المحبطة في .. قرن غزال
- هكذا يعبثون .. بما حدث في 73
- الرواية ديوان العرب
- الرواية وتغيرات المجتمع
- نجيب محفوظ شاهد علي العصور
- المرآة
- رؤية الرواية ليوليو 52 _ الزيني بركات ... 3 / 3
- رؤية الرواية ليوليو 52 ـ خالتي صفية والدير .. 2 /3
- رؤية الرواية ليوليو 52 ـــ زينب و العرش 1 / 3
- الرواية و النكسة 2 / 2
- الرواية و النكسة 1 / 2
- قراءة في مجموعة ( عطش الماء ) للقاص / سمير الشريف ( أحد كتاب الورشة )
- قصة ( الورشة ) القصيرة في عام 3 - الصوت النسائي
- التداوي بالحب .. في القلاع الضامرة
- قصة الورشة القصيرة .. في عام
- قصة الورشة القصيرة ... في عام ... محمد البلبال نموذجاً
- والجنة مثوانا في .. بهجة العمي
- ليس دائما يعمل .. قانون الوراثة
- ذاكرة إبتسام التريسي
- نقرات الزمن في ..... نقرات الظباء
- دستور خيري في .. ( كتاب التوهمات )
- بمناسبة الحياة ..
- عباس .. الأميبا .. لمن هو عبد
- الواقع والمتخيل في .. عمارة يعقوبيان
- العابثون في الملاعب المفتوحة
- السحر الأسود .. يكفن الحاضر
- رحلة الإنسان .. في .. مثل واحد آخر
السماوي يحفر التاريخ علي جذع الوطن 2 / 2
الجمعة, 07/11/2008 - 20:09 | شوقي عبد الحميد يحيي
السماوي يحفر التاريخ علي جذع الوطن 2 /2شوقي عبد الحميد يحيى
هذا عراقك يا "رشـيد" كبـا به *** جور وعدوان وفأسُ شِـقاق
لو أن لي أمرا علي قلبـي فقد *** عجَلتُ من تهيـامه بطـلاق
الشعر الدرامي
يعاني يحيي السماوي ألمين في ذات الوقت . ألم الغربة عن الوطن ، وألم انحباس الوطن – من قبل ومن بعد – أي من قبل الاحتلال ومن بعده . فيحاول كسر الغربة بمد الحوار بينه وبين وطنه – ناسه – لكسر حدة الغربة . ويسعي لحثهم علي الجهاد والتحرير لمقاومة حالة الانحباس . أي أن الأمر في الحالين يتطلب إقامة الحوار ، وهذا ما أدي بالسماوي إلي الاعتماد علي الشعر الدرامي الذي يتفق مع الموضوع ، وليأت اتفاق الموضوع والشكل في الديوان . فإذا كان طه حسين قد اعتبر الغنائية في الشعر – مع غيره كثيرين رأوا نفس الرأي – هي مرحلة بدائية أولية . وأمام نكبات الوطن – العراق – تباعدت الاهتمامات الشخصية للشاعر ، وانزاحت إلي مراحل أبعد ، واحتل الوطن وشؤونه وشجونه مقدمة الاهتمام . فكان ضروريا أن يأتي ديوان السماوي مختلفا ، لا من حيث الشكل فقط ، وإنما شكلا ومضمونا . فالديوان يقوم علي خلق الحوار، خلق الصور المجسدة والمشخصة ، خلق الديناميكية ، التي تعبر عن الحركة ، ورفض الاستكانة والاستنامة التي لا تحرر وطنا ، ولا تطرد محتلا ، وسواء جاء هذا الحوار في صيغة مباشرة ، أو بطريقة ضمنية . وقد عبر عن هذا الانزياح وذاك التزاوج – والزواج – بينه وبين الوطن العليل في هذه الأبيات :
عقدتْ – ولا ندم – عليه قرانها *** روحي فمهري – غربة – وصداقي
أخفقت في عشقي فكنت طريده *** إن التغرب منتهي الإخفـاق
وقد تعددت صور الدرامية والحركية في الديوان ، بتنويع الضمائر لتغيير بؤرة الحدث ، وتغيير موقع المتحدث ، وكذلك تعدد الأصوات الشعرية التي تصنع – أيضا – حركية ديناميكية ، فتنشأ الحركة علي نحو ما سنري :
1 – في أولي صائد الديوان " اخرجوا من وطني " جاءت القصيدة بضمير المتكلم ، موجها الخطاب للأعداء ، وكأنه يبدأ المواجهة :
{ فاتركونا بسلام آمنين
نحن لا نستبدل الخنزير بالذئب
ولا الطاعون بالسل
وموتا بالجذام
فاخرجوا من وطني
خوذة المحتل لا يمكن أن تصبح عشا للحمام
فاخرجوا من وطني ...... } إلخ إلخ
2 – ثم تعلو نبرة الدرامية وتوضيح الصورة ، فنري العراقي ( كما لو أنه موسي ) ووقد انتحي جانبا بأحد الشيوخ ( وكأنه الخضر) في قصيدة " أصل الداء " لتشخيص العلة بعد استعراض الأعراض في عملية أقرب ( للحكي ) للسرد حتي أوشكت موسيقي الشعر الظاهرة أن تغيب :
{ أربعة كنا مصابين بداء
أعجز الطبيب والعطار في مدينة
جميع أهلها يعانون من التعاسة
ومرت الأيام
حتى حل في البلدة شيخ طاعن
مهنته الفراسة
زرناه نستفهم عن أمراضنا
بادرني بقوله : من أي شئ تشتكي ؟
قلت : من الضباب في بصيرتي
ومن شعور غامض
أفقدني الوقار والكياسة ...........
إلي أن تصل القصيدة لنهايتها يكون الثلاثة قد عرضوا شكايتهم واوضحوا علتهم ، فيأتي تشخيص العلة علي لسان الحكيم :
فأطرق الشيخ مليا ..
ثم قال جازما :
أمراضكم جميعا مصدرها :
" جرثومة الكرسي " في " مستنقع الرئاسة " ! }
وكأنه يتحدث عن الأمة كلها ، لا عن عراقها فحسب .
3 – ثم يشخص - السماوي – بغداد ويقف الشاعر أمامها ليخاطبها ( ضمير المخاطب ) في قصيدة " لا تسأليه الصبر " :
لا تسأليه الصبر لو جزعا *** مما رأي .. بغداد .. أو سمعا
فرد ٌ ولكن بين أضـلعه *** وطن وشـعب يخفقـان معا
صادٍ يبلل بالـلظي شفة *** ويصد عن مسـتعذب ٍ نبـعا
أنف انتهال اراح لا بطرا *** أو خوف ملـتص ولا ورعا إلخ
فالشاعر هنا يقف أمام " بغداد " متضرعا ومناجيا في صورة تشخص أمام العيان ملاتسمة في ذهن القارئ فور قراءة رجاء المخاطب " لا تسأليه " .
- صورة أخري يستحضرها الشاعر في قصيدة " ذعر " حيث يستحضر الطفولة مجسدة مذعورة شاخصة أمام العيان ، باستحضار مجموعة المشاهد التي عبر كلها عن فترة الطفولة :
مذعورة مرت علي شباك ذاكرتي الطفولة
مذعورة مرت طيور يفاعتي ..
وحبيبتي مرت علي بستان أحلامي خجولة
والدرب مر علي مرتبكا
ومر النهر محتضنا نخيله
هربا من الأرض الذليلة
وأنا مررت عليَ .. بت اثنين
صحراء .. وسنبلة عليلة !
فالبدء باستعمال الحال ( مذعورة ) يشخص الحال أمام العيان ، ثم يأتي بالفعل المرتبط بشخص الأب ، وكأنه يستحضره كذلك ليحيل الفعل للآن :
وأبي أطل عليَ من أمسي :
نصحتك أن تكف عن التحدث إلخ .
4 – الشعر أساسا فن صوتي ، وكان في السابق يقوم علي الإلقاء – وكان هناك من اشتهروا في إلقاء الشعر – لذا كان للنطق في الشعر دور كبير في إيصال شعريته ، والوقوف علي جماليات الشعر ، خاصة في الشعر الحديث القائم علي الموسيقي الداخلية أساسا للجمال .
و في أطول قصائد المجموعة ، والتي منحت المجموعة اسمها " نقوش علي جذع نخلة " والتي تعتبر القصيدة الأم في المجموعة ، والحاملة لكل عناصرها – تقريبا – نستطيع تتبع الأصوات العديدة الممتدة عبر مقاطع القصيدة الثلاثين ، والتي تتغير فيها لغة الحديث ، ودرجة الصوت ، إرتفاعا وانخفاضا ، مما يشكل تغير الإحساس ، وبالتالي خلق الحركة الدرامية .
يبدأ المقطع الأول من القصيدة ، بلغة رصينة ، ومعان فلسفية عالية النبرة :
الكون مرآة
كل النهايات بدايات ..
إذن
كل البدايات نهايات
وتلك آيات
وبعد التأمل يرتفع الإحساس باليأس من الحياة ومن كل شئ :
أتستحق هذه الحياة أن يعيشها الإنسان
مسخا .. ذليلا .. خائفا .. مُهان ؟
............
........
........
وتزداد مساحة التنقيط ( النقط ) بما يدع مساحات للتأمل والمرارة – فعندما يثقل الإحساس علي المرء يشعر بثقل العالم علي صدره ويفقد الكثير من القدرة علي( الكلام ) . فكأن السماوي يرسم الحركة بالكلام ، ويحدد للممثل ، هنا يتكلم ، هنا يصمت . هنا يرتفع الصوت ، وهنا تخف النبرة .
وفي المقطع الثالث يبرر أسباب اليأس والمرارة :
ما قيمة التحرير
إنْ كان الذي هب إلي نجدتنا
حررنا
واعتقل الوطن ؟
..............
............
فإذا كان الذي تصورناه جاء لنجدتنا وتحريرنا ، لم يكن مبتغاه مصلحتنا ، [ فلم تكن الديمقراطية الأمريكية المزعومة ] وإنما كان هدفه الوطن ذاته ، مصلحته هو ، فكنا ( كعرب ) كالمستصرخ من الرمضاء بالنار .
وفي المقطع الخامس ، يعود السماوي إلي التاريخ ، وعندما يأت ذكر التاريخ ، فالعبرة هي المبتغي . فيذكر أخت ثمود ، وثمود هو أصل قوم نبي الله صالح ، والتي كانت في أرض الحجاز واليمن - القريبة من العراق - ، وفي إشارة إلي الأصل الرافض للإيمان والنصيحة {يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين} الأعراف: 79. وكأن الشاعر يقوم في قومه نبيا ناصحا ، محذرا من تأصل الأصل الرافض :
لثمود أخت
أشركت يوما .. وبايعت الضلال
دينا
فأوحل في الينابيع الزلال
فاشهر حسامك
أيها الشعب الموزع بين خوف المستريب
وبين عار الاحتلال
فإذا كان هنا يدعو لإشهار السلاح ، فإنه في المقطع التالي ( السادس ) يبرر أسباب هذه الدعوة ويعلن أن الخطأ ، بال الخطيئة هي الاستسلام والخنوع ، أو الشكوي للظالم نفسه :
خطيئة أن يستمر الجرح
في شكواه للسكين
خطيئة أن يألف القيد
فلا يبذل ما في وسعه لكسره
مضطهد سجين .. إلخ إلخ
أما في المقطع السابع فيريد الشاعر إدخال شئ من السخرية المريرة ، وكأنه يريد تخفيف حدة المرارة المعتملة في النفوس :
أخر ما تضمنته نشرة الأخبار
أن إمام القصر أفتي
بوجوب السير في معركة الحوار
إذن
أعدوا لعدوكم – عدو الله – ما يرهبه
من قوة اللسان
وما استطعتم من خيول الخطب العصماء
والبيان
ذودوا عن التراب والمال
وعن عرض المحصنات بالأشعار إلخ إلخ
وفي المقطع الثامن وما يليه من مقاطع ، يعود الشاعر ليرتدي معطف الحكمة ويحاول إلقاء الدرس وبيان العبرة ، ومحاولة تشخيص الحالة العراقية الآن :
وراء كل مستبد :
نخبة تعمل في صناعة الألقاب
وزمرة من المصفقين لا تتعب من نفاقها
وثلة من أدعياء الفكر تسترزق من أقلامها
تجيد فن " المدح والردح "
أو الرقص علي وقع رنين التبر إلخ
ثم يعود من جديد في المقطع الثالث عشر ليرتدي ثوب الحكمة ، وكأنه أحد أبطال العرض جاء دوره من جديد ليقول كلمته ، وليعلن خرافة الذي يدعيه المستسلمون لوعود المحتل .. خرافة :
خرافة ...
كل الذي أدلي به الناطق باسم القصر
عن تسابق الجموع في " الكرخ " وفي " الرصافة "
للرقص في مأدبة اللئام
تعبيرا عن الضيافة
خرافة
.....
خرافة
أن يؤمن الليب بالخرافة
وهكذا يستمر التنوع في الأصوات ، حتي يصل إلي المقطع السادس والعشرين ، ويكون الجهد منه قد قارب علي النفاد ، فيسوق القصص ، ففي القصص عبرة { "لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" }[1] إذ ربما فعل القص ما لم يفعله القول المباشر ، ولما ييأس ويجهده المسير ، يخرج الصوت كأنما هو آت من بيد ، يحمل اليأس ، والمرارة والإجهاد ، فتبكي في هذا المقطع الكلمات ( الرثاء ، الحرب ، الريح و... العنقاء ) :
من الذي أرثيه ؟
يومي ؟
أم غدَ البلاد ؟
أتبعث العنقاء من رمادها
وعصف ريح الحرب يا بغداد
لم تبق حتي حفنة الرماد ؟
...........
خلاصة :
تجذر السماوي في أرض العراق ، وما كانت التربة لتنبت غير النخيل ، فأنبتت نخلة ، أثمرت النخلة تمرا ، راح يوزع التمر علي أبناء وطنه الصائمين عن الحياة ، وينقش لهم من تاريخهم، ما قد يثير حميتهم لينفضوا عن كاهلهم غبار الديكتاتورية التي ولت ، وألا يستسلموا للاحتلال المبشر بديمقراطية مزعومة ، مؤكدا أن الحدأة لا تقذف الكتاكيت . وأن تحرير الرقاب ليس باحتلال الوطن ، فما كان الوطن ثمنا للفرد ، ولكن دائما ما يكون الفرد ثمنا للوطن . فكان السماوي بذلك، ليس عبر ديوانه الحالي فقط ، وإنما أيضا من خلال إثني عشر ديوانا أصدرها قبله، الشاعر الذي يعيش هموم وطنه المنكوب ، قبلا في طاغيته وقتل أطفاله ، وبعده في احتلال مخادع ، استبدل الطغيان بالاحتلال ، واستبدل التمر بالرصاص . والحرية بالدولار.
فاستحق السماوي ، ليس فقط جائزة البابطين لهذا العام ، وإنما ما هو أكبر منها .
شوقي عبد الحميد يحيي
EM : shyehia@yahoo.com
لو أن لي أمرا علي قلبـي فقد *** عجَلتُ من تهيـامه بطـلاق
الشعر الدرامي
يعاني يحيي السماوي ألمين في ذات الوقت . ألم الغربة عن الوطن ، وألم انحباس الوطن – من قبل ومن بعد – أي من قبل الاحتلال ومن بعده . فيحاول كسر الغربة بمد الحوار بينه وبين وطنه – ناسه – لكسر حدة الغربة . ويسعي لحثهم علي الجهاد والتحرير لمقاومة حالة الانحباس . أي أن الأمر في الحالين يتطلب إقامة الحوار ، وهذا ما أدي بالسماوي إلي الاعتماد علي الشعر الدرامي الذي يتفق مع الموضوع ، وليأت اتفاق الموضوع والشكل في الديوان . فإذا كان طه حسين قد اعتبر الغنائية في الشعر – مع غيره كثيرين رأوا نفس الرأي – هي مرحلة بدائية أولية . وأمام نكبات الوطن – العراق – تباعدت الاهتمامات الشخصية للشاعر ، وانزاحت إلي مراحل أبعد ، واحتل الوطن وشؤونه وشجونه مقدمة الاهتمام . فكان ضروريا أن يأتي ديوان السماوي مختلفا ، لا من حيث الشكل فقط ، وإنما شكلا ومضمونا . فالديوان يقوم علي خلق الحوار، خلق الصور المجسدة والمشخصة ، خلق الديناميكية ، التي تعبر عن الحركة ، ورفض الاستكانة والاستنامة التي لا تحرر وطنا ، ولا تطرد محتلا ، وسواء جاء هذا الحوار في صيغة مباشرة ، أو بطريقة ضمنية . وقد عبر عن هذا الانزياح وذاك التزاوج – والزواج – بينه وبين الوطن العليل في هذه الأبيات :
عقدتْ – ولا ندم – عليه قرانها *** روحي فمهري – غربة – وصداقي
أخفقت في عشقي فكنت طريده *** إن التغرب منتهي الإخفـاق
وقد تعددت صور الدرامية والحركية في الديوان ، بتنويع الضمائر لتغيير بؤرة الحدث ، وتغيير موقع المتحدث ، وكذلك تعدد الأصوات الشعرية التي تصنع – أيضا – حركية ديناميكية ، فتنشأ الحركة علي نحو ما سنري :
1 – في أولي صائد الديوان " اخرجوا من وطني " جاءت القصيدة بضمير المتكلم ، موجها الخطاب للأعداء ، وكأنه يبدأ المواجهة :
{ فاتركونا بسلام آمنين
نحن لا نستبدل الخنزير بالذئب
ولا الطاعون بالسل
وموتا بالجذام
فاخرجوا من وطني
خوذة المحتل لا يمكن أن تصبح عشا للحمام
فاخرجوا من وطني ...... } إلخ إلخ
2 – ثم تعلو نبرة الدرامية وتوضيح الصورة ، فنري العراقي ( كما لو أنه موسي ) ووقد انتحي جانبا بأحد الشيوخ ( وكأنه الخضر) في قصيدة " أصل الداء " لتشخيص العلة بعد استعراض الأعراض في عملية أقرب ( للحكي ) للسرد حتي أوشكت موسيقي الشعر الظاهرة أن تغيب :
{ أربعة كنا مصابين بداء
أعجز الطبيب والعطار في مدينة
جميع أهلها يعانون من التعاسة
ومرت الأيام
حتى حل في البلدة شيخ طاعن
مهنته الفراسة
زرناه نستفهم عن أمراضنا
بادرني بقوله : من أي شئ تشتكي ؟
قلت : من الضباب في بصيرتي
ومن شعور غامض
أفقدني الوقار والكياسة ...........
إلي أن تصل القصيدة لنهايتها يكون الثلاثة قد عرضوا شكايتهم واوضحوا علتهم ، فيأتي تشخيص العلة علي لسان الحكيم :
فأطرق الشيخ مليا ..
ثم قال جازما :
أمراضكم جميعا مصدرها :
" جرثومة الكرسي " في " مستنقع الرئاسة " ! }
وكأنه يتحدث عن الأمة كلها ، لا عن عراقها فحسب .
3 – ثم يشخص - السماوي – بغداد ويقف الشاعر أمامها ليخاطبها ( ضمير المخاطب ) في قصيدة " لا تسأليه الصبر " :
لا تسأليه الصبر لو جزعا *** مما رأي .. بغداد .. أو سمعا
فرد ٌ ولكن بين أضـلعه *** وطن وشـعب يخفقـان معا
صادٍ يبلل بالـلظي شفة *** ويصد عن مسـتعذب ٍ نبـعا
أنف انتهال اراح لا بطرا *** أو خوف ملـتص ولا ورعا إلخ
فالشاعر هنا يقف أمام " بغداد " متضرعا ومناجيا في صورة تشخص أمام العيان ملاتسمة في ذهن القارئ فور قراءة رجاء المخاطب " لا تسأليه " .
- صورة أخري يستحضرها الشاعر في قصيدة " ذعر " حيث يستحضر الطفولة مجسدة مذعورة شاخصة أمام العيان ، باستحضار مجموعة المشاهد التي عبر كلها عن فترة الطفولة :
مذعورة مرت علي شباك ذاكرتي الطفولة
مذعورة مرت طيور يفاعتي ..
وحبيبتي مرت علي بستان أحلامي خجولة
والدرب مر علي مرتبكا
ومر النهر محتضنا نخيله
هربا من الأرض الذليلة
وأنا مررت عليَ .. بت اثنين
صحراء .. وسنبلة عليلة !
فالبدء باستعمال الحال ( مذعورة ) يشخص الحال أمام العيان ، ثم يأتي بالفعل المرتبط بشخص الأب ، وكأنه يستحضره كذلك ليحيل الفعل للآن :
وأبي أطل عليَ من أمسي :
نصحتك أن تكف عن التحدث إلخ .
4 – الشعر أساسا فن صوتي ، وكان في السابق يقوم علي الإلقاء – وكان هناك من اشتهروا في إلقاء الشعر – لذا كان للنطق في الشعر دور كبير في إيصال شعريته ، والوقوف علي جماليات الشعر ، خاصة في الشعر الحديث القائم علي الموسيقي الداخلية أساسا للجمال .
و في أطول قصائد المجموعة ، والتي منحت المجموعة اسمها " نقوش علي جذع نخلة " والتي تعتبر القصيدة الأم في المجموعة ، والحاملة لكل عناصرها – تقريبا – نستطيع تتبع الأصوات العديدة الممتدة عبر مقاطع القصيدة الثلاثين ، والتي تتغير فيها لغة الحديث ، ودرجة الصوت ، إرتفاعا وانخفاضا ، مما يشكل تغير الإحساس ، وبالتالي خلق الحركة الدرامية .
يبدأ المقطع الأول من القصيدة ، بلغة رصينة ، ومعان فلسفية عالية النبرة :
الكون مرآة
كل النهايات بدايات ..
إذن
كل البدايات نهايات
وتلك آيات
وبعد التأمل يرتفع الإحساس باليأس من الحياة ومن كل شئ :
أتستحق هذه الحياة أن يعيشها الإنسان
مسخا .. ذليلا .. خائفا .. مُهان ؟
............
........
........
وتزداد مساحة التنقيط ( النقط ) بما يدع مساحات للتأمل والمرارة – فعندما يثقل الإحساس علي المرء يشعر بثقل العالم علي صدره ويفقد الكثير من القدرة علي( الكلام ) . فكأن السماوي يرسم الحركة بالكلام ، ويحدد للممثل ، هنا يتكلم ، هنا يصمت . هنا يرتفع الصوت ، وهنا تخف النبرة .
وفي المقطع الثالث يبرر أسباب اليأس والمرارة :
ما قيمة التحرير
إنْ كان الذي هب إلي نجدتنا
حررنا
واعتقل الوطن ؟
..............
............
فإذا كان الذي تصورناه جاء لنجدتنا وتحريرنا ، لم يكن مبتغاه مصلحتنا ، [ فلم تكن الديمقراطية الأمريكية المزعومة ] وإنما كان هدفه الوطن ذاته ، مصلحته هو ، فكنا ( كعرب ) كالمستصرخ من الرمضاء بالنار .
وفي المقطع الخامس ، يعود السماوي إلي التاريخ ، وعندما يأت ذكر التاريخ ، فالعبرة هي المبتغي . فيذكر أخت ثمود ، وثمود هو أصل قوم نبي الله صالح ، والتي كانت في أرض الحجاز واليمن - القريبة من العراق - ، وفي إشارة إلي الأصل الرافض للإيمان والنصيحة {يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين} الأعراف: 79. وكأن الشاعر يقوم في قومه نبيا ناصحا ، محذرا من تأصل الأصل الرافض :
لثمود أخت
أشركت يوما .. وبايعت الضلال
دينا
فأوحل في الينابيع الزلال
فاشهر حسامك
أيها الشعب الموزع بين خوف المستريب
وبين عار الاحتلال
فإذا كان هنا يدعو لإشهار السلاح ، فإنه في المقطع التالي ( السادس ) يبرر أسباب هذه الدعوة ويعلن أن الخطأ ، بال الخطيئة هي الاستسلام والخنوع ، أو الشكوي للظالم نفسه :
خطيئة أن يستمر الجرح
في شكواه للسكين
خطيئة أن يألف القيد
فلا يبذل ما في وسعه لكسره
مضطهد سجين .. إلخ إلخ
أما في المقطع السابع فيريد الشاعر إدخال شئ من السخرية المريرة ، وكأنه يريد تخفيف حدة المرارة المعتملة في النفوس :
أخر ما تضمنته نشرة الأخبار
أن إمام القصر أفتي
بوجوب السير في معركة الحوار
إذن
أعدوا لعدوكم – عدو الله – ما يرهبه
من قوة اللسان
وما استطعتم من خيول الخطب العصماء
والبيان
ذودوا عن التراب والمال
وعن عرض المحصنات بالأشعار إلخ إلخ
وفي المقطع الثامن وما يليه من مقاطع ، يعود الشاعر ليرتدي معطف الحكمة ويحاول إلقاء الدرس وبيان العبرة ، ومحاولة تشخيص الحالة العراقية الآن :
وراء كل مستبد :
نخبة تعمل في صناعة الألقاب
وزمرة من المصفقين لا تتعب من نفاقها
وثلة من أدعياء الفكر تسترزق من أقلامها
تجيد فن " المدح والردح "
أو الرقص علي وقع رنين التبر إلخ
ثم يعود من جديد في المقطع الثالث عشر ليرتدي ثوب الحكمة ، وكأنه أحد أبطال العرض جاء دوره من جديد ليقول كلمته ، وليعلن خرافة الذي يدعيه المستسلمون لوعود المحتل .. خرافة :
خرافة ...
كل الذي أدلي به الناطق باسم القصر
عن تسابق الجموع في " الكرخ " وفي " الرصافة "
للرقص في مأدبة اللئام
تعبيرا عن الضيافة
خرافة
.....
خرافة
أن يؤمن الليب بالخرافة
وهكذا يستمر التنوع في الأصوات ، حتي يصل إلي المقطع السادس والعشرين ، ويكون الجهد منه قد قارب علي النفاد ، فيسوق القصص ، ففي القصص عبرة { "لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" }[1] إذ ربما فعل القص ما لم يفعله القول المباشر ، ولما ييأس ويجهده المسير ، يخرج الصوت كأنما هو آت من بيد ، يحمل اليأس ، والمرارة والإجهاد ، فتبكي في هذا المقطع الكلمات ( الرثاء ، الحرب ، الريح و... العنقاء ) :
من الذي أرثيه ؟
يومي ؟
أم غدَ البلاد ؟
أتبعث العنقاء من رمادها
وعصف ريح الحرب يا بغداد
لم تبق حتي حفنة الرماد ؟
...........
خلاصة :
تجذر السماوي في أرض العراق ، وما كانت التربة لتنبت غير النخيل ، فأنبتت نخلة ، أثمرت النخلة تمرا ، راح يوزع التمر علي أبناء وطنه الصائمين عن الحياة ، وينقش لهم من تاريخهم، ما قد يثير حميتهم لينفضوا عن كاهلهم غبار الديكتاتورية التي ولت ، وألا يستسلموا للاحتلال المبشر بديمقراطية مزعومة ، مؤكدا أن الحدأة لا تقذف الكتاكيت . وأن تحرير الرقاب ليس باحتلال الوطن ، فما كان الوطن ثمنا للفرد ، ولكن دائما ما يكون الفرد ثمنا للوطن . فكان السماوي بذلك، ليس عبر ديوانه الحالي فقط ، وإنما أيضا من خلال إثني عشر ديوانا أصدرها قبله، الشاعر الذي يعيش هموم وطنه المنكوب ، قبلا في طاغيته وقتل أطفاله ، وبعده في احتلال مخادع ، استبدل الطغيان بالاحتلال ، واستبدل التمر بالرصاص . والحرية بالدولار.
فاستحق السماوي ، ليس فقط جائزة البابطين لهذا العام ، وإنما ما هو أكبر منها .
شوقي عبد الحميد يحيي
EM : shyehia@yahoo.com

السماوي يحفر التاريخ علي جذع الوطن 2 / 2
بمِداد نبضك ـ أو أن مدادي كان يخط ُّ حروفه على قرطاسك
فخر لبصري أن يهتدي ببصيرتك ..
يا صديقي المبدع شوقي : أظنك تعرف لماذا أشعر الان بأمطار فرح ٍ قد لا تتسع لها وديان كهولتي ..
الشكر لا يكفي ... سأتمّه بدعاء حميم يليق بكتاب يمينك ..
السماوي يحفر التاريخ علي جذع الوطن .. عندما يصبح الفرد .. وطنا
أبحرت معك إلي جزيرة السماوي
في رحلة أردت لها أن تطول وتطول
وتمنيت أن تتركني هناك .. حيث وجدت أنها الجزيرة التي أنتمي إليها
تلك الجزيرة التي صنعت لنفسها أرضا وكيانا .. وسط كل هذا المحيط المتلاطم الأوجاع
حيث أستطاع السماوي ..
أن يكون ( الوطن الفرد ) أو ( الفرد الوطن ) ..
لم ينحني بغربة ..
لم ينكسر بإغتراب ..
بل قاوم وقاوم سعيا وراء ( هدف كبير وغاية سامية )
هو أن يكون لنا .. القدوة .. والمثل ..
ليعلمنا ( نحن تلاميذه ومريده ) أنه علينا أن نقاوم .. وأن نسعي بكل ماأوتينا من قوة وحتي وأن لم نحقق نجاحا (علي المستوي القريب ) فعلينا آلا نيأس .. وأن نستمر
وحتي وإن متنا علي هذا .. فيكفينا أن نكون قد ( لقنا ) أبنائنا درسا عمليا ..
في ( شرف ) المحاولة ..
وأنه طالما أن الموت واقع .. واقع .. فعلينا أن نموت وأن يموتوا من بعدنا
كالأشجار .. واقفين ..
يعلم ( السماوي )
أن سلاحه هو .. الكلمة
وأن رصاصاتة هي .. الأحرف
وأنه معانية هي .. القذائف
وأن القنبلة هي .. القصيدة
وأن المفجر هو .. المتلقي
وأن الدوي هو .. التأثـيــــــــــــــر
وأن الإنفجــــــــــــــــــــار
قادم .. لا محالة
هكذا كان .. وهكذا يبقي
السماوي
الرجــــل .. الثـــــــــــــــورة
والقصيدة .. القنبلـــــــــــــــة
والفــــرد .. الوطـــــــــــــــن
.........
دمت أخي شوقي
ودام آمثالك من النقاد
الذين يسلطون أضواء علمهم .. وثقافاتهم .. ورؤيتهم الأقرب للشاعرية
علي مث هذه النوعية من الإبداع
ومثل هؤلاء الرواد .. من المبدعين
خالص الشكر والتقدير
لشخصك النبيل
زينات القليوبي
السماوي يحفر التاريخ علي جذع الوطن 2 / 2
تعرفت على الشاعر يحي السماوي من خلال هذا المكان
ومن هنا تعلمت منه الكثير
هو الأخ الكبير الذي يساعدنا على الوصول بكل مايحمله من حب وتواضع
لايكفي أن تتعرف على الشاعر من خلال كتابته
لكننا هنا تعرفنا على الانسان فيه
تواضعه وصدقه
فكلمة شاعر لاتعني فقط التمكن من اللغة والعزف على ايقاعات النغم الجميل
الشاعر هو الانسان بداخلنا يكبر بالشعر
هكذا أرى السماوي
شكرا قليلة جدا في حقك أستاذ شوقي
كل التقدير لك
السماوي يحفر التاريخ علي جذع الوطن .. عندما يصبح الفرد .. وطنا
ليس بالمستغرب أن يجمعنا أول لقاء الشاعر الحبيب الأستاذ يحيي السماوي
فله الشكر أن يجعل قلمك يصافح صفحتي
وكلماتك الرقيقة تطيب صهد غربتي ووحشتي
تقبلي إمتناني وعظيم شكري
شوقي
السماوي يحفر التاريخ علي جذع الوطن 2 / 2
كم تسعدني كلماتك الحانية دائما علي ما أكتب ، والتي تضفي فيض شاعريتك علي جفاف كلماتي
فشكرا لك دائما
وشكرا للصديق العزيز يحيي السماوي الذي جمع الأقلام من حولي
شوقي
السماوي يحفر التاريخ علي جذع الوطن 2 / 2
طوبى لمن يحظى بك ناقدا لأعماله
فقد قرأت نقدك الرائع والجميل للروائية ابتسام تريسي المنشور في هذا الموقع عام 2007
واليوم قرأت الجزء الثاني من نقدك لديوان شاعرنا الكبير يحيى السماوي
فرأيت أنّك خير من نقد وبحث واستبحث في تلافيف الألفاظ والصور والعبارات والمعاني
تضع الإصبع فوق الجرح وتداوي
سعدت بقراءة ما كتبت وسأسعد أكثر عندما أراك يوما تمرّ على بعض ما أكتب
محبتي ومودتي
السماوي يحفر التاريخ علي جذع الوطن 2 / 2
كم تخجلني كلماتك التي هي وسام علي صدري
كما يشرفني بالطبع أن أقرأ ما تكتب
وكم أتمني من الله أن يكون لي كلمة تضئ فتكون لبنة بناء
وأبعدنا الله عن أن نكون معول هدم
خالص تحياتي وشكري
شوقي عبد الحميد يحيي