You are here

الصفحة الرئيسية

الضوء و الانكسار




الضوء .. والانكسار
محمد عطية محمود


ينطلق " السهم الذهبي " عائدا ، يمتطى صهوة طريقه الإسفلتي الممتد ، يجتاز الحد الفاصل بين إغفاءة فلول أشعة الشمس الهاربة ، وأفول وشيك للشمس خلف أفق غير معلوم مداه .

في زي عملها المتناغم ، تبدو بقوامها المتناسق ، شعرها الذهبي المسترسل على كتفيها ، خلف وجهها المائل إلى الاستطالة .. تكسوه مسحة طفيفة من المساحيق ، تزيّنه عينان عسليتان .. تعلوان أنفا دقيقا ، وفما مبتسما .

من مقدمة العربة ، ترسل سهام عينيها .. توزعها صوب ساكني المقاعد البادين لها . تدفع قدميها في الممر . تنبّه ـ رغم التحذيرات المعلنة ـ على عدم التدخين . تسرى في البدن رهبة .. تتكرر ـ رغم تمرسها ـ مع بداية كل رحلة . تطوف بالبال أشياء عدة ، تكاد تجرها بعيدا .. تدنيها من صورة فارسها ،تداعب خيالها المتشوق .

تستفيق .. تتوقف .. تتخير من تبدأ معه الحوار . تفك متاريس الكلام بحوار دافئ .. يتواصل .. يزيد من دفئه اندفاع صدرها بوجهها نحو محدثها بعفوية .. يعضده عبق أنثوي متسلل . تضيق المساحات بين الوجوه ، وتتسع . تسقط فواصل ، وتعلو أسوار تحكم حدود الحوار .

في رقة ، تلح في عرض قائمة أصناف المشروبات والشطائر . في خفة تنتشل وجهها .. تتنقل .. تتوغل بين الصفوف العرضية ، المقطوعة بالممر حتى تصل إلى المؤخرة الشاغرة .

تعود ، مدوّنة ما طلب منها . ترمق في إطلالات مشعة سريعة وجوها لم يصل إليها وهج لحظات اقترابها الخاطفة

تتحسس عيناها جسدها على مهل . تغيب في باطن العربة ، ثم تلوح صاعدة تحتضن(السرفيس)

***

يصير " السهم " ككتلة ضوء تخترق الظلام الدامس ، تغازل أضواءاً متباعدة .. متناثرة .. متضائلة فيما حول الطريق .

تلقى بجسدها على مقعد إلى جوار القائد . تلتقط مسامعها همسا حالما بـفيلم يدور بتلفاز العربة . يطبق جفناها على صورة فارسها .. تكاد تسكرها لذة لحظات التداني .

يباغتها دخان سيجارة .. يتسلل إلى أنفها ، ولا توليه انتباها . تهزها يد القائد ؛ لتواجهها نظرته القامعة المستفسرة . تنتفض واقفة .

تسرع . تتسمر في مكان انبعاث الزفرات . يغرز الرجل عينيه في عينيها مبتسما .. تشع نظرته المستغرقة بخليط من إعجاب مطارد ، وتوسل . ترفع الشعر عن جبينها ، تعالج به أثر فرط النظرات المفترسة . تحرك سباتها نحو المؤخرة الشاغرة ، تهمس بصوت خفيض :
ـ إن كان لابد من التدخين .. فليكن بالمؤخرة ، ولتحاذر .

وتعود .. تمسح الصفوف بعينيها الهاربتين . تداعب يدها خصلات شعرها المنسدلة ، ترفعها . تشد قامتها مع صدرها المكتنز . تشعل الإيماءات ، والنظرات المتناثرة حولها مكامنها المحتبسة .

يسدل الصمت ستائره ، فتحتويها أريحية المقعد . يشف ذهنها المتوقد. تندلع في جوانحها الأسرار والحكايات .. تتبدى .. تتكشف .. يفرد لها الخيال بساطه ؛ فتستسلم لغفوة .. ترتحل فيها ، تعانقها أحلام عطشى. تتناثر بقع الضوء المتماهية . تتوه في محيطها المتسع . تلاحقها أطياف . تدنيها آمال . تتقلب على فراش من خواء .. تلملم أجزاء الحلم . تتلاشى منها . تأتيها . تعود للاندحار والتلاشي .

***

يلوح مدخل المدينة المبهر الأضواء . يصير بريق " السهم " باهتا ، يذوب ضوءه في محيط الضوء الباهر
تبرز مرة أخرى من أحشاء العربة ، في ملابسها الشخصية . يتدلى شعرها ملموما ، مربوطا خلف ظهرها . تكسو وجهها نظرة محايدة . يعلوها كدر ككدر ما بعد الصحو .

تتوغل بين المقاعد . تقوم بالتحصيل .. ثم تعود .. تلازم مقعدها الأمامي متيقظة ، بينما يلج " السهم " ميدان ربوضه .


محمد عطية محمود
عضو اتحاد كتاب مصر
عضو نادى القصة

صورة محمد عطية محمود
القسم: 

التعليقات

 
القاص محمد عطية المحترم
اهنؤك على هذه اللغة المتسامية والى مزيد من التألق
سالم شاهين
صورة سالم شاهين
 
الصديق العزيز الأستاذ / سالم شاهين
أشكرك على اطرائك الو مرورك الكريمين
دمت مبدعآ
مع أمنيات التواصل
محمد عطية محمود
محمد عطية محمود
صورة محمد عطية محمود

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات