You are here

الصفحة الرئيسية

العابثون في الملاعب المفتوحة







العابثون في الملاعب المفتوحة
شوقي عبد الحميد يحيي

علي الرغم من أن التاريخ العربي عامة ، ليس تاريخا تراكميا رأسيا ، وإنما هو تاريخ أفقى متجزئ ، إلا أن محمد هاشم يبنى روايته الأولي ملاعب مفتوحة على أنه تاريخ تراكمي بشكل ما ، ولكنه تراكم كالركام المتصدع من انهيار علي الرؤوس ،

يسحقها ويحيلها إلي ركام ،فهو تراكم مجموعة من الأخطاء والخطايا التي أدت إلي حالة من الاضطراب والتخبط أدت في النهاية إلي ما آل إليه المجتمع الآن ، وما آلت إليه روايته فى شكلها الذي خرجت عليه من التداخل والتضارب والاضطراب والتخبط العشوائي
فاحالت الوطن إلي ملاعب مفتوحة للعب غير المنظم وغير المنضبط .
لم يكتف محمد هاشم بما أتاحه لجيل جديد من الشباب يمثل ظاهرة روائية لبدايات القرن الواحد والعشرين ، بفتح دار ميريت ذراعيها لهم وتبنيهم ، وإنما أراد أن يدلو بدلوه لتأكيد تلك الظاهرة ، وليثبت أنه ليس مجرد ناشر أو مثقف فقط ، وإنما هو مبدع أيضا يتمتع بإسلوب خاص متميز هو أقرب إلي السهل الممتنع ، يستطيع به الإمساك بتلابيب القارئ منذ أن تقع عينه علي السطر الأول ، يجد نفسه منساقا ونوما حتي يصل السطر الأخير ، ليفكر في معودة القراءة من جديد ، وعلي الرغم من أنها روايته الأولي ، فلا تجد فيها أخطاء البدايات ، وكأنه كاتب متمرس له من السوابق الكثير .
يحتفظ محمد هاشم من كتابات جيله - العمري – في ملعبه المفتوحة بالحبكة الروائية والخط الدرامي الواضح . لكنه لا يلتزم بالتتابع الزمني الأرسطي الصارم ، فرغم أن زمن الحدث محدد بعام ثمانية وستين وتسعمائة وألف كبداية ويمتد به إلي اللحظة الآنية ، إلا أنه يستحضر أيا من فترات تلك الحقبة في مواضع مختلفة بما يساعد في إحداث التراكم الضاغط والمعبر عن تأثير كل تلك المراحل والأحداث في تحديد الفترة الراهنة ، وكأنها من صنع كل ذلك ، وصولا إلي رسم صور الواقع المعاش والآني ، وهو ما يتفق فيه مع تيار رواية القرن الواحد والعشرين والذي أصبحت السمة الغالبة عليه هي الرفض السلبي ، يأسا من القدرة علي التأثير فيه ، والانسحاب الإجباري ضمنا ، الاختياري ظاهريا إلي العزلة والفرجة من بعيد ، والتي كثفها محمد هاشم في بداية ملاعبه المفتوحة في كلمات ضاجة بالمرارة والكبت والمعاناة والصراع واليأس والعجز ، وليجعلها مفتتحا لذلك الأحساس المسيطر علي بطله ومواطني وطنه : { عندما تضاءلت تدريجيا قدرتك علي التنازل . اختفت للأبد قدرتك علي التكيف ، لتنسحب من بين الناس تدريجيا ، تسلم روحك لرياح مجهولة وتبكي .. }
وملاعب محمد هاشم هي ملاعب كرة القدم في الطفولة ، عندما كان الراوي وصديقه سيد ابن المعلم دسوقي هما الوحيدان اللذان يملكان كرتين " يلعب بهما الكبار " ، والتي برغم ما فيها من عشوائية وفجاجة في كثير من الأحيان ، إلا أنها تظل ملاعب الطفولة ، ومرفأ الحنين ، ومنبع الذكريات ، ويظل لها بهجتها وسحرها ، وأصبحت من "مسروقات" الزمن التي لم يعد بالامكان حصرها : { .. حلقة الذكر في الجامع أيام الخميس والدعاء بعودة بركة رمضان في اليوم الأخير . الكحل الاجباري يوم سبت النور وصبيان وبنات وشم النسيم ، مراجيح أم الهنا في العيد ، وعبد الكريم الآرجوز وأخوه سيد .....} . الحنين إلي تلك الفترة التي كانت { .. تعم البهجة أرجاء البيت حين يعرف الأولاد أنهم " مسافرين البلد " ............ غيطان كبيرة ، وبقر وجاموس وحمير وجمال ، أكل حلو وأراضي كبيرة بنلعب فيها ومافيهاش عربيات .... وعندما يعودون كانوا يوزعون قطعا من الفطير والجبن القريش ، وقطعة جبنة قديمة ممزوجة بقليل من المش ..... و ... يعود رزق حاملا علي كتفه جرة سمن فلاحي ، جميل الرائحة ... } .فإذا كانت هذه هي ذكريات الصبا وملاعب الطفولة ، هي نقطة الانطلاق . فكيف أصبحت ملاعبه الأن ؟
{ ..بينما يواجه الضلع الثالث لمثلث الجامع جسر السكة الحديد الممتدة ، والذي يتجاور فيه دكان الشناوي لتصليح الكاوتش ، ودكان تعبئة الملح وجباسة العزقلاني لمواد البنا ، فتحها بعد أن عاد هو وبدير الملاح من حرب اليمن ، لبسا الجلابيب البيضاء ، وراحا يدخنان الشيشة أمام المحلين ويتكلمان حول حرب اليمن ، ويتساءلان إذا كان من الضروري مشاركتهما في الحرب ... } . حيث اختفت البراءة والطبيعة ، اختفي الطبع الريفي وخيرات الأرض التي تحولت إلي دكاكين ، واختفي اللعب وجلس أمام الدكاكين لابسي الجلابيب البيض ، وتحول الحديث إلي الحرب وجدوها وما جرته علي الإنسان المصري .
وبين النقطتين مر خمسة وثلاثين عاما ، فكيف كانت تلك الأعوام ؟ .
فيها يخفت الصوت الفردي وكأنه اللحن الأساسي في في سيمفونية قدرية ليعلو صوت اللآلات النحاسية والوترية في الحركة الثانية من اللحن . يعلو الصوت الجمعي الضاغت علي الفرد ليحدث فيه تأثيره وفعله . ويبدأ بالجذور التي أدت إلي البداية لفترته السابق تحديدها ، إذ لميكن العام الثامن والستون ليظهر منبت الصلة بما أدي إليه . فما الذي أدي إليه ؟ ذلك مايسوقه محمد هاشم بصورة ساخرة وشبه عابرة في مكر فني :
{ .. يتميز هذا الطريق الرئيسي بتغطيته شبه الكاملة لأرض الملعب القديم حيث يبدأ بسور الحاج شوقي للمفصلات ، الذي مات وعبد الحليم يغني " علي راس بستان الاشتراكية .. قاعدين بنهندس علي المية .. ومعانا جمال .. بنغني غنوة فريحية " أولا .}
و .....
{ .. فتحها بعد أن عاد هو وبدير الملاح من حرب اليمن ، لبسا الجلابيب البيضاء ، وراحا يدخنان الشيشة أمام المحلين ، ويتكلمان حول حرب اليمن ، ويتساءلان إذا كان من الضروري مشاركتهما في الحرب ، ويتذكران القتلي والسلاح الذي سرقه اليمنيون ، وأنهما كانا لا يعرفان من الذي يحاربانه بالضبط . ولماذا سافرا أصلا .. } .
و ...
{ .. رغم ولادتك قبل عام من ذلك الذي دعي فيه المئات من الشيوعيين المصريين ، لوليمة ضخمة من كافة الأصناف ، عصي وكرابيج ، وكهرباء في أي وقت يحبون نهارا أو ليلا . مات شهدي عطية الشافعي وهو يهتف باسم الرئيس عبد الناصر ، ونفذ الدكتور لويس عوض مبتسما رغبة شاويش ما في الحفاظ علي البيئة قبل أن يكون للبيئة جهاز بسنوات طويلة فحمل الخراء صامتا . رغم أن ذلك لم يكن يوقف تحية الضرب فس طابور الصباح وطابور المساء ، بالإضافة إلي بعض التسالي الليلية التي تعرض لها سعد زهران ورفاقه فكان يضرب علي ساقه الوحيدة ، دون أن يشعر أحدهم بالخجل ، الكبار الذين يصدرون الأوامر ، ويقسمون باسم المنجزات القومية علي ذبح أي معترض علي استكمال المسيرة الثورية ، أو الصغار الذين ينفذون الأوامر بمزاح سادي ، واستعداد فطري للأذي .. } .
ثم يصل إلي النتيجة الحتمية ، إلي ذروة الإنحدار والنهيار والتصدع ، يصل إلي الزلزال النفسي الذي كان بداية اللحظة الآنية لصاحبنا :
{ .. الزمن ، والقدر ، الأحباء الراحلون ، كل الأعداء الغامضين أصبحوا وروحك نسيجا واحدا يطارد البهجة ويشيع الألم ، حضرة الخميس والشيخ أحمد أبو سنة ، الذي كان يصدح مناديا الله والرسول ، سخونة حلقة الذكر ، صعودها لأقصي الدرجات في نداء أخير بائس بعد وكستنا الغريبة أمام إسرائيل والاستعمار وأعوانه – الله .. الله .. الله ، ثم خفوت الصوت وتسلله وانسحاب القشعريرة المتصاعدة عند ذروة النداء ، انخرطوا جميعا في بكاء مر . دهان الشبابيك بالأزرق ، صيحات الدفاع المدني : طفوا النور ، وصفارة الغارة والخوف من طيارات العدو بعد فضائح الطيران والتساؤل عن المسئولية في محاكمات الطيران . تيمور الملواني كان يصيح في هندسة الإسكندرية " عبد الناصر المسئول .. لا صدقي ولا الغول .. } . حيث تلتحم وتتوحد المرارة الفردية والمرارة الجمعية في عزف لحن المرارة الجنائزي .
تلك الشعارات الجوفاء والغناء الثوري المزيف ، وتلك المغامرات غير المدروسة التي أودت بشاب الوطن في حرب غير معلومة الهدف – ظاهريا – وذلك الاذلال لرموز الوطن الذي طال رموز الاشتراكية نفسها كشهدي عطية في عام 1954 ، وأحد رموز الثقافة والفكر – لويس عوض – كل ذلك كان البداية التي وصلت براوي روايتنا إلي عام 1968 الذي خرج فيه من بلدته مطرودا مطاردا ليبدأ الشتات والتشتت ، ويبدأ فيه أول موت في مسيرتنا " الحاج شوقي صاحب أول مصنع يحمل رمز الصناعة الوطية رغم بساطته ، والذي استتبعه موت الخبرة في أبنائه في الجمهورية الثانية ، ليتواصل مسلسل الموت ، لا المادي فقط وإنما المعنوي كذلك بتوالي مراحل جمهوريات مصر المنكوبة بجمهورياتها الثلاث :
{ .. ثم مات ثلاثة من أولاده الكبار ، القادرين علي الادارة والتصرف ، تباعا فيما عدوية يعلن سلطة السح الدح إمبو ، ونجوي فؤاد ترقص لنيكسون وكيسنجر ، الذي أعلنه السادات صديقا لكونه رجل ثقافة واستراتيجي ، وتنازع الآولاد الباقون حول ملكية الأرض الخراب ، والمكن المتوقف ، وتاهوا في الأسواق بعد أن صرفوا آلافا كانت كثيرة في مشروعات لا يعرفونها ، بعد إعلان السادات ، القوانين التي قال إنها سوف تزيل الفقر ، وتغرق البلاد في نعيم " البزنس " بعد التخلص من صداع الحرب ونكد فلسطين .. } .
إذن أبانت الحقيقة سذاجة الأحلام والأوهام المتفتقة عن الكارثة في جمهورية مصر الأولي ، وتاهت الحقيقة بين وهم الثراء وخديعة البزنس في جمهوريتها الثانية ، واستمر مسلس الكبت والبصاصين والتوهان في جمهوريتها الثالثة لتصل براوينا وبنا إلي اللحظة الأنية :
{ .. إنكم جميعا موجودون دفعة واحدة أمام عدسات السي إن إن ، والنايل t.v. في الوقت نفسه ، يقولون هنا ما لا يقولونه هناك . المغنية التي تتلوي ، من أجل توشكي ، والمغني الذي يقول بعد ثلاثين عاما من عبور القناة يا حلاوة الضربة الجوية ، نقترب من ثلثين عاما من القتل المستمر ، وضرب الذين ما زالوا يخرجون للصراخ في الميادين المحاصرة ، لم أعد قادرا علي تصديق شاعر توشكي والضربة الجوية ، والسلام السلام في عز الحرب ، وعز الضرب .. } .
فأدي به ذلك إلي :
{ .. امتلأ صدرك بالحشيش ، وروحك بالاهانة لمجرد أن تصافحهم وتضطر لمجالستهم ، تلك الدبابير التي تهوي اللدغ ، والأذي والشر المجاني ، أبناء الحواري المتسلقين كجرذان المجاري .. تصرخ ؟ نعم كان لا بد من إعلان قرفك من روائح النساء اللائي يسرحوهن ، خمارات الفقراء أو النايت كلوب لتصيد الأخبار والأحلام ، العجين السياسي الخاص بابن الرئيس ، القاعد علي الكرسي من ستة 1981 يطلع مبتسما في عيد العمال ، أمام نفر من النقابيين الصفر ، وآخرين من العمال ، يهتف واحدهم سنويا " المنحة يا ريس " ويضحك الريس وتضج القاعة بالتصفيق والضحك ، والرئيس يعلن قيمة المنحة ويستمر مسلس الضحك والتصفيق ، والعمال يتركون المصانع دفعات خلف دفعات أخري ، تريد اشعال حجر آخر حجر يتيم وحيد قبل أن يصحو أطفالك للمدرسة ... } . ففي جمهورية مصر الثالثة ، يستمر مسلس الضحك والتصفيق ، لينسحب الفرد / الراوي ليدخن الحجر الوحيد الباقي ، ربما استطاع به الهروب من واقع مزيف مر ، أمام سطوة بصاصين مزيفين يبحثون عن خبر أوحلم يلتقطونه ليهرسون به الفرد الذي لم يعد أمامه سوي الهرب والعزلة ... والبكاء ، لنصل إلي الحركة الثالثة في سيفونية الوطن ، وكأنه الكمان ينسل منفردا في أنين خافت بعد أن أخذت باقي آلات الأوركستر في التباعد والتلاشي .
الإسلوب والبني الكلامية
قلنا فيما سبق أن محمد هاشم يبحث في ملاعبه المفتوحة عن الزمن الجميل ، حيث يري في ملاعب الطفولة البراءة والخير الذي لم يعد موجودا في جمهوريات مصر المتعاقبة ، وإذا ما تصورنا – برؤية بنيوية – أن الماضي هو الفعل الموجب ، أو هو البناء ، و ما تلاه هو السالب ، أو الهدم ، وفقا لما عليه صيرورة الحياة القائمة علي الهدم والبناء ، يبني محمد هاشم - أيضا – إسلوبه علي هدم ما هو مبني ، إنطلاقا من فعل تلك الجمهوريات . فإذا ما نظرنا إلي عبارات من مثل :
{ .. لأن هناك كرة وفريقين وربما بعض المشجعين ، فإن صفارة مباراتنا كانت تنطلق مع نهاية " الماتش " بغالب ومغلوب ، مما يؤدي لإطلاق المشاعر الريئة ، التي تؤدي بدورها لتبادل بعض السباب الرئ ، الذي يصف الأم بالمومس والأب بالقواد ، والبنات في العائلتين ب"شراميط"المستقبل .......... }
فبينما يستدرجنا الكاتب نحو السكون في استخدامه لكلمة البريئة " المشاعر البريئة " مما يعتبر فعلا إيجابيا ، أو فعل بناء ، فسرعان ما يدهمنا "ببلدوزر" يهدم تلك المشاعر والأحاسيس التي ولدتها كلمة البريئة ، حيث يدهمنا إحساس مناقض ، بل وحاد عندما يدخلنا في دوامة الأحاسيس المتولدة عن استخدام كلمات " مومس " و"قواد" و"شراميط " .
كما لا أري من تعسف القول إن قلت بأن تقديم البناء / الموجب في " البريئة " علي الهدم / السالب في " مومس " و"قواد" و"شراميط " فيه ما يتفق والرؤية الكلية الشاملة في العمل بكامله والذي يري أنه كان يوجد ما هو بناء / موجب ، تلاه ماهو هدم / سلبي ، للتفق الرؤية مع الوسيلة – ولا أود القول إتفاق المضمون مع الشكل ، خشية اعتراض البعض بماضوية القول ومرور الزمن عليه - .
فضلا عن المقابلة التي تنشأ بين الإحساسين الناشئين في العبارة الواحدة وما يؤديه من خلق حركية ديناميكية في تجعل القارئ في حالة من الصحيان المترقب القلق ، والتي تتسارع بأنفاسه وراء السطور – رغم عدم تسارع الأحداث - .
وكما يقيم محمد هاشم حوارا جدليا بين ما هو خاص وما هو عام – في مثل ما سبق دكره حين الحديث عن { .. مصنع الحاج شوقي الذي مات وعبد الحليم يغني " علي راس بستان الاشتراكية ....... إلخ
و { ثم مات ثلاثة من أولاده فيما عدوية يعلن سلطة السح الدح إمبو ... إلخ }
كذلك فإنه يمارس فعل التلاعب اللغوي بالكلمات حين يجمع المتناقضات و يقيم بينها حوارا يشكل تقابلا حواريا حركيا فعالا ، في مثل :
{ ... أرض الأسفلت السوداء يلمع فيها " البلك " صيفا ، ويختلط بالطين شتاء ، والسيارات تمضي عليها بطيئة لكثرة المطبات والحفر ، قد يحدث أن تتعطل إحداها أو تصطدم بها أخري ، اتندلع مشاجرة تصحصح الجو ، ويجد أهل السكة تسلية ..... إلخ } .
حيث إلي جانب رسم صورة السكة بمافيها من عورات ومن فيها من بشر لهم طبائع مميزة تخصهم ، فهي أيضا تُخلّق الأشياء من نقيضها وكأنه حوار بين طبيعتين متناقضتين ، فمن بين مالمشاجرة بما تعنيه من ضرب وكسر ودم ، يستخرج ما يصحصح الجو بما توحيه الكلمة من انتعاش وصحوة ونشاط ، ثم .. ويجد أهل السكة تلسية ، بما توحيه أيضا من راحة بال ، ونفض للكسل والوخم ، وما يؤديه هذا الحوار بين الكلمات من إثراء وحركية في السرد يجعل القارئ في يقظة دائمة .
الإسلوب وبنية التراكم
لا شك في أن محمد هاشم في ملاعبه المفتوحة أثبت أنه يملك إسلوبا مميزا أشبه فيه بلاعب الملاكمة خفيف الحركة الذي يحوم كفراشة ويلدغ كعقرب ، فبينما هو يخدعك بالحديث الهادئ الناعم السلس لتستنيم وتستسلم له ، فإذا به يغافلك ويلطمك بضربة خطافية سريعة ، وقبل أن تفيق ، يكون قد عاد لحديثه العادي الناعم ، وكأن شيئا لم يحدث ، وكأنه ما صدمك بتلك الخطافية ، ولتفيق في النهاية لعدد الضربات التي طالك بها ، فإذا بها قد هدت قواك ولم تعد تقدر علي غير الاستسلام والانسحاب من الساحة ، لتجد نفسك وحيدا ، وربما تبكي . ساعده في ذلك استخدام بنية التراكم التي تتتميز بكونها مفتتة ، تجميعية.
فإذا ما تتبعنا الاستشهادات السابق ذكرها حول جمهورية مصر الأولي وحدها ، وغيرها كثير في الرواية – لم نشأ ذكرها جميعا – لوجدناها مبعثرة بطول الرواية جميعها حيث وردت في صفحات 14 ، 23 ، 40 ، 53 ، 73 ، 88 ، 89 . أي أنه فتت الوحدة الواحدة وبعثرها علي طول الصفحات ، وكأنه جسد أوزوريس / النص ، تبعثر بطول الوطن ، وعلي إيزيس / القارئ ، جمعه وإعادة تركيبه .
وعلي الجانب الأخر فإنه يجمع ويحشد ويكرس ويكدس العديد من الأشياء والمعارف والخبرات في جملة أوفقرة ، ممايدير رأس القارئ باحثا عما يحدث . فإذا ما راجعنا تلك الفقرة السابق الاستشهاد بها مرة أخري – رغم طولها - :
{ .. يتميز ÷ذا الطريق الرئيسي بتغطيته شبه الكاملة لأرض الملعب القديم حيث يبدأ بسور مصنع الحاج شوقي للمفصلات ، الذي مات وعبد الحليم يغني " علي راس بستان الاشتراكية .. قاعدين بنهندس ع المية .. ومعانا جمال .. بنغني غنوة فرايحية " ، ثم مات ثلاثة من أولاده الكبار ، القادرين علي الإدارة والتصرف ، تباعا فيما عدوية يعلن سلطة السح الدح إمبو ، ونجوي فؤاد ترقص لنيكسون وكسينجر ، الذي أعلنه السادات صديقا لكونه رجل ثقافة واستراتيجي ، وتنازع الأولاد الباقون حول ملكية الأرض الخراب ، والمكن المتوقف ، وتاهو في الأسواق بعد أن صرفوا آلافا كانت كثيرة في مشروعات لا يعرفونها ، بعد إعلان السادات ، القوانين التي قال إنها سوف تزيل الفقر وتغرق البلاد في نعيم " البزنس " بعد التخلص من صداع الحرب ونكد فلسطين . } .
فتجمع هذه الفقر الواحدة وتكثف الرؤية الكلية لحقبة زمنية تمتد من بدايات الستينيات ، وما تضمنته من شعارات غنائية ساذجة عبرت عن مرحلة الجمهورية الأولي في مصر ، امتد الحديث ليشمل مرحلة المفاوضات في الجمهورية الثانية ، وما تلاها من فترة الانفتاح ، وكأنه جمع زمن الرواية – ملاعب مفتوحة – في فقرة ، الأمر الذي جعل الرواية رغم صغرها النسبي – وهي أيضا السمة العامة لرواية القرن الواحد والعشرين – بستثناء لهو الأبالسة لسهير المصادفة – جعلها مكثفة تسير إلي الهدف مباشرة في أقل الكلمات . وهو أيضا ما يضعها في مكانها في رواية القرن الواحد والعشرين ، رغم اختلاف عمر الكاتب عن كتاب هذه المرحلة كما سبق أن ذكرنا .
إختلاف السارد باختلاف السرد
لقد أصبح من المعروف أن تحديد نوع السارد يحدد زاوية الرؤية في السرد ، وقد استعمل محمد هاشم ثلاثة أنواع من السارد ، سارد أنطقه بضمير المتكلم . وقد استعمله في الجانب الشخصي من السرد ، ذلك عندما يريد استبطان الخصية ، أو يريد الحديث عن المستتر عن السارد العادي ، وهذا النوع هو الغالب في الرواية ، في مثل :
{ .. وحيدا كنت بعد بنات سبع ، وكان سيد وحيدا للمعلم وزوجتيه وعشرة عربجية .... }
{ .. يتصادف كل بضع سنوات أن أمر من هنا ... }
ويساعد ذلك في منح السرد حميمية ويجعل القارئ يشعر كما لو كان يقرأ سيرة ذاتية ، وهو ما يخدع الكثيرين ويقع بهم في وهم اتحاد السارد والكاتب في شخصية واحدة .
السارد المستتر ، وهو السارد العليم غير محدد الضمير ، ويتميز بالحيادية . وستخدمه الكاتب في تلك الحالات التي لا تتطلب تحديد موقف محدد ، ورؤية محددة ، إنما يجئ السرد في هذه الحالة كنوع من التمهيد لحدث ما أوموقف ما سيأتي فيما بعد . وهو هنا في مثل :
{ .. إبراهيم ربعة الجزمجي مات بعد انتفاضة يناير 1977 بشهور تاركا زمزم والأولاد في عهد الله ، وظل حتي مات يؤكد أن يظل " العبد وسيده علي المحطة " .... }
{ .. والولد ماكي ابن مناعه ، الحرامي كان محبا للأذي بطبعه .... }
ثم السارد المتحدث باسم المخاطب ، وفيه يقترب السرد من المواجهة أو المحاكمة ، في مثل ما استخدمه الكاتب في :
{ .. رن جرس الهاتف ليخبرك المحامي ، بأن ستة شهور سجن في انتظارك ، لعدم سداد دين عبثي . تتحول لشخص آخر ، عندما يحط عليك الفلس ، يكتم أنفاسك ، وبيبطر عليك شعور سخيف بأن كل من يري وجهك يكتشف للوهلة الأولي جيبك الجنيه وربع التاريخيين نفسيهما }
{ .. امتلأ صدرك بالحشيش ، وروحك بالإهانة لمجرد أن تصافحهم .. }
و { .. قالوا لك أنهم طلعوا فب الجرنال ، بعد تبادل حوار قصير استمر لثلاث ساعات ..}
وهكذا يتبين أنه رغم قصر الرواية – نسبيا – فإنها حافلة بالكثير من تقنيات السرد التي تضع محمد هاشم في مصاف كتاب الرواية المخضرمين , رغم أنها روايته الأولي . وأثبت أن ملاعبه المفتوحة لم تزل مفتوحة علي مصراعيها يدخل إليها العابثون لا اللاعبون ، ويحكم فيها كل من يحمل طبلة أو سيفا يرفعه لمن يري الخطيئة ويريد أن يقولها ، لا من يحمل فيها صفارة يطلقها عندما يكون هناك خطأ .
شوقي عبد الحميد يحيي

EM: shawkyshawky2004@yahoo.com
صورة شوقي عبد الحميد يحيي
القسم: 

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات