You are here
العجلة!

العجلة
عبد الله توتي
…
سْرْتْ
سْرْتْ سْرْتْ سْرْتْ، رِجل تدير دواسة، و دواسة تدير عجلة حجرية ( أو على
الأقل كذلك بدا المشهد) فرائس متصلبة، و عضلات تتبدى من خلال القميص
المليء بالثقوب. أياد سوداء تغطيها الكدمات، و ثغر أدرد ينادي هنا و هناك.
رجل حافية على < <البدالة>> تتحرك، و صليل حجر و حديد يتزايد.
سْرْتْ سْرْتْ سْرْتْ سْرْتْ. مسام تتفتح و عرق يتقاطر. حديد يتآكل و فثيت
يتساقط…
ها أنا ذا انتهيت و لم أنته بعد. ما أنا إلا و هم
رجل طوحت به الأقدار في أحشاء بئر مسننة. ظل يومي لرجل يعيش على الانتحار.
أموت فأبعث، ثم أموت فأبعث، أموت ولا أبعث، و أبعث و لا أموت. أنزع قلبي
ثم رأسي، أحملهما بيداي و أضعهما في حقيبتي. أدير الدواسة فانطلق، سْرْتْ
سْرْتْ سْرْتْ سْرْتْ .. حديد يتآكل و فثيت يتساقط…
باكرا
أو متأخرا، لا يهم، خفيفا أو ثقيلا. ما هي إلا أيام معدودة أعيشها بالساعة
أو دون الساعة، بالدقيقة أو دونها، لا يهم. و لأنه فَرض علي، أسير دون
محطة…
أمر العجلة واضح منذ البداية… إنقذفت برهة من النافذة
دون سابق إنذار.. طوحت بالجسد الممدد على السرير ثم صرخت… أمسكت بي أياد
متحجرة، من خلال الظلمة المستبدة، رفعتني في الهواء ثم قذفت بي إلى
الشارع.. إرتطم جسدي بالرصيف ثم انفجرت بوووووو م م م م م م.
مرتديا
أو عاريا، لا يهم، و لأني كنت أول المنفجرين، فقد كان لابد لي من مغناطيس،
من شيئ يلم فتيتي المبعثر، بنظام أو دون انتظام، أضع أصابع قدمي أولا، ثم
رجلي ففخذي فالباقيات الصالحات…
الدقائق و الكيلومترات
رميتها في سلة المهملات، كما وضعت رأسي و قلبي في حقيبتي. لم يتبق مني إلا
النوابض والعضلات، أدير و أدير و أدير… أضغط و أضغط و أضغط… سكين تمتد
نحوي، و أخرى في يدي لمعت صفحتها، و أخرى في جيبي، و بجاني، في الدوامة و
في الخرج و في عصبة الساق… في كل مكان.. أنا كرة سكاكين.. اضغط.. أدير..
المع.. لست ادري من أين أبدأ و لا كيف أبدا. لا أريد الإطالة عليكم.. نعم،
أنا كرة سكاكين، كيان مسنن… سموني كيفما تريدون.. المهم أنني أنا لست
الأنا، لأن الأنا ليست أنا، و أناي ليست أناي ولا أناكم، لأن أنانا لا
ثمثل الأنا ولا أناكم تمثلني أنا.. انعتوني إذن كيفما اتفقتم: أنت أنت هو
هي هم هما هن… كيفما اتفق لكم.. لا يهمني ما تنعتوني به، لست أنا، و لا
أريد أن أكون أنا… أنا بالون منتفخ ينتظر وخزة الانفجار… أنا شيء من ذلك
القبيل، شيء كروي بلا أرجل و لا أيدي… برميل بنزين ضاعت منه سكة الدولار،
تائه في الخلاء و دحرجته رياح عبر الرمال… نفخته الشمس، ابتلعه المجهول،
بات في العراء و أصبح مرحاضا للثعالب و الوردان… نعم أنا هو.. تعرفونني؟
إذن لا داعي لأن اسمي نفسي، لست مدنيا و لا حالة مدنية لدي، أنا عسكري،
لكني لم أخض غير حرب الحياة
!
02/05/2008 - 19:46
القسم:


التعليقات
ما عدتُ أتذكر متى رأيت مثل هذا الرجل آخر مرة ... لكن المؤكد أنني رأيته قبل سنين أكثر من عدد أصابع يديّ وقدميّ مضافا اليها عدد ضفائر طفلتي : كان رجلا ً في مقتبل الجوع ، يحمل على ظهره دولابا حديديا يشبه عجلة دراجة هوائية ينتهي بدواسة خشبية شـُدّت اليه بحزام سميك يشبه تلك الأحزمة العريضة التي كانت شرطة الأمن تجلدنا بها في ذلك الزمن الجميل ( نعم ، كان زمنا جميلا ، الشرطة فيه ـ أعني شرطة الأمن ـ لم تكن ترغم المعتقلين السياسيين على شرب عصير البرتقال المخلوط بالثاليوم ، أو تتبول في أفواههم وتهددهم بالإغتصاب الجنسي ... وكانت الرشوة لا تتعدى نصف دينار ـ لا كما هو حال شرطة الأمن اليوم ، فالرشوة لا تقل عندهم عن ثمن سيارة مستعملة وأحيانا ثمن بيت ) في ذلك الزمن ، وقفت مندهشا وأنا أتابع حركة قدم الرجل على الدواسة الخشبية والشرر يتطاير من حجر الصوّان الذي يشحذ السكين .... كان يشحذ سكاكين القصاب " حاج محمد شلال " القريب من دكان أبي ... يومها ارتعبت وراودتني فكرة أن هذا الرجل قد يشحذ يوما سكين مجرم قاتل دون أن يدري فيكون شريكا في جريمة لا علم له بها ...
ولكن ، هل من علاقة لسطوري هذه بقصة الأخ الأديب عبد الله توتي ؟
نعم .... هنالك علاقة حميمة جدا ... فالأدب الحقيقي هو الذي يعيد النبض لحيوات ٍ ميتة ٍ ـ أو يخلق حيوات جديدة .... وقصة عبد الله توتي قد حملتني من حيث أجلس الان في حضن الكهولة ، الى حيث كنت أعدو في ملاعب الصبا ... بل ، وجعلتني أشعر بعذاب ذلك الرجل الذي كان في مقتبل الجوع ... الرجل الذي تركض قدمه ساعات طويلة ولكن : دون أن تتخطى الدواسة الخشبية لينتهي ركض قدمه برغيف خبز
قصة عبد الله تقول الكثير ، فشكرا له ومحبة .