ابحث
إقرأ أيضا للكاتب
القطار
كان الشريط الحديدي طويلا و غائرا في الأفق، و كانت جوانبه مليئة بالعشب و الفضلات و لم يمر فوقه قطار منذ أعوام طويلة، و صار فاقدا لسمعته كسكة حديديه، لكنه لا يزال قائما و يستطيع ما نجا منه من الصدأ ان يلمع تحت أشعة الشمس كلما ارتفعت في الأفق، و يمكن لقطار أن يمر عليه (لكنهم تناسوا ذلك) صار عتيقا و صدئا. لم يعد يخيفهم ملمس الفولاذ المفتول . قلت لهم انه ضرب من الجنون أن نبني منزلنا فوق شريط القطار ، لكنهم تبادلوا البسمات الصامتة ربما يمر قطار في أي وقت، لم يحدث هذا منذ أعوام طويلة، لكن احتمال أن يحدث ما زال قائما. ربما تم الغاؤه، لكنهم يحتفظون به فوق الأرض. آلاف الأمتار منه اختفت تحت الأرض و الزمن لكنه ما زال قائما هنا. ما الذي يمنع قطارا من أن يمر عليه؟
أعوام كثيرة مرت من هنا عندما حملوني و لم أكن أتجاوز الرابعة لأودعها لآخر مرة. كانت طبقة رقيقة من طينة الشتاء الجافة قد كست حذائي فتحاشيت الاقتراب منها. لم تعد ثانية في القطار و لم تظهر في شوارع البلدة كما ظهروا ورغم أنها لم تعد حتى اليوم فما الذي يمنع ان تعود مع القطار التالي؟ قلت لهم ألا يقوموا ببناء منزلنا فوق هذا الشريط فربما يمر قطار في وقت ما.
لم يكن هناك غيرنا سوى امرأة وحيدة متشحة بالسواد. كانت فارعة الجسد وعيناها سوداوان ترسلهما بعيدا كلما وقفت على الرصيف الخالي. كان جسدها ناحلا يتمايل مع أشجار الغاب الرفيعة التي تحدث أصواتا حادة كلما هب الهواء الصامت و كانت تنتظر أن ياتي قطار ما في اي وقت أو أن يأتي الهواء في اللحظة التالية معبقا ببوقه القوي، لكن هذا لم يحدث. كنا نعرف ذلك حين نلتقي و حين ينفرد كل منا بنفسه، لكن المرأة ما تزال تنتظر أن يظهر قطار ما في أي وقت، لذا فقد قلت لهم انه من الجنون أن نبني منزلنا فوق شريط القطار.......
في صباح ما جاءت الريح محملة ببوق قطار بعيد فانتفضت المرأة من سكون الأعوام المتراكمة و تقدمت الى الرصيف. كان سواد ملابسها يتطاير من حولها و هي تقترب من حافة الرصيف..... تنبهوا جميعا أيضا، و أطلت رؤوس كثيرة من فتحات المنزل، ثم ظهر بوجهه الحجري، كان يندفع بسرعة كبيرة و يتطاير من حوله الغبار و الضوضاء. كانت المرأة ما تزال تتقدم نحو حافة الرصيف ..... نحن أيضا رأيناه و هو يقترب نحو المحطة، وقفنا ننتظر حتى يتوقف القطار في المحطة و عندها سنذهب الى السائق و نخبره أن هذا الطريق قد تم الغاؤه منذ زمن و أنه لابد قد سلكه بطريق الخطأ و أننا بنينا منزلنا ههنا فوق الشريط و أنه ليس أمامه سوى أن يعود أدراجه مرة أخرى ربما يرفض أن يعود دون أن يكمل الرحلة و لكن من المستحيل أن نسمح له بأن يهدم منزلنا.
كان حجم القطار يزداد أضعافا بطريقة غريبه، اقترب من الرصيف ....ثم .... جاوزه بنفس السرعة. كان يجب أن ننتبه الى أنه لابد أن تكون المحطة قد ألغيت، و كانت تلك هي المرة الأولى التي يمر فيها القطار من بيتنا، لقد انفجر الحائط فجأة و تطاير كالرذاذ و دوى صوته الهادر و هو يشق فضاء المنزل و .... يخرج من الحائط المقابل، هبت معه عاصفة قوية من التراب و الضجيج. مر في بقايا لحظة... ثم ....ساد صمت طويل بعدها ثم تدافع الهواء ببطء. كان صوت الريح مسموعا بعدها بوضوح، لم يكن هنالك شيء قد تغير، فقط كان هناك فجوتان هائلتان متقابلتان تماما في جدران المنزل، و كانت لعب اخوتي مبعثرة بطول الشريط الحديدي. لم تعد تصلح الآن لشيء، لذا فقد استعضنا عنها بالتسابق فوق القضبان الفولاذية الملساء و لعبة الاختفاء بين عيدان الغاب الأخضر.
أعوام كثيرة مرت من هنا ، و كانت المتشحة بالسواد ما تزال تنتظر القطار القادم و بين الحين و الآخر تلتفت متفحصة الغاب المهتز من خلفها في حيرة ......... فربما يمر قطار في اي وقت... و ربما يأتي ذلك اليوم الذي تدرك فيه أننا ما نزال ههنا نلهو حتى تنضج لنا الطعام وأنه لم تكن الريح وحدها هي التي تعبث باعواد الغاب من خلفها.

تعليق: القطار
تعليق: القطار
محمد الناصح
يسعدني ان اقرا لك
سكان
جوار سكة الحديد
يلدون كثيرا
لماذا تركب ولاتركب القطار
ماذا يعني هذا القطار
نص جميل
متمنياتب لك بالتوفيق
تعليق: القطار
دوما تهل علينا بروعتك
قاص قدير ...
كاتب رفيع المستوى
نعلو نحن بك ....
فما أروع وجودك
لك كل تقديرى واحترامى
دعاء لطفى
تعليق: القطار
كل عام و أنتم بخير
كل سنه و انت طيبه يا دعاء
و انت أيضا يا بلبال
انا لا أعرف صوركم و لا أشكالكم
لذا فقد اخترع خيالي لكما صورا تشبه آلهة الاغريق
و بالنسبه للعيد
............... عيد بأي حال عدت يا عيد
أبي الذي غيبه الموت و أمي التي غيبها السفر
سلام عليكما
من طفلكما الكبير
تعليق: القطار
تجربة جديرة بالقراءة مرات ومرات
انا بستعذب كثيرا هذا النمط من السرد القصصي القصير
والذي يمزج الواقعية بالفنتازية لدرجة انها تصبح لوحة مغرقة في الوجودية
ادعو الاخوة مرة اخرى لتلقي هذا الجميل مودتي
تعليق: القطار
الأغرب أن نبني بيتنا في مكان غير آمن
ثم نطلب الأمن ونتمناه
ومن يفعل عليه دوما أن يتوقع الخطر
دمت بخير وإبداع
قصتان
قصة( قطار) وقصة( لا) من القصص التي لا انساها ابدا وذلك لما لهما من براعة في التصور ولغة سينمائية تجعلك وكأنك تشاهد احداث القصتين.
جرب تكتب للسينما
و أخيرا " القطار"
أعلم يقينا أنها كانت البداية
"القطار " قصة وتعارف حقيقي ليس على الشخص
بل العالم الكامن خلفه
عالم باتساع حواديت ماركيز ، و جنون إيزابيل الليندي
يتآلف فيه السحر بالواقع بالحقيقة بالخيال
كنت بوابتي الأولى على ذلك العالم
الذي تعرف دروبه بامتياز
وتمتلك مفاتيح العزف بداخله
إذن
فـتلك القصة أحمل لها إعجابا وإعزازا خاصا
كنص قصصي متكامل يحمل سمات الواقعية السحرية لغةشاعرية وتخييلا غرائبيا متمازجا مع واقع موجع وتهكم داكن بلون وشاح أبطاله والقطار الحجري القادم .
تحية واعتزاز