You are here
القفز إلى الخلف
القفز إلى الخلف
يحيى فضل سليم
الجلوس خلف البوابة ليلا , أشبه بحبس انفرادى ,خاصة بعد إلغاء وردية
الليل , صوت القطار كالنعيق , يصيبنى بالتوتر , آت من بعيد يدق الجدران ,
ارتج معها , أرنو إلى السماء , القمر مخنوق , و احتجاجات تقرع علب الصفيح
, تقترب , تقرع طبلة أذنى .
***قدمت له أوراقك الحبيسة , داخل حافظة متربة , عليها خيوط دقيقة , ترسم لوحة حزينة , من كثرة أصابع , تناولتها , ضغطت عليها , ثم وارتها بين أكوام , من ذات النقش , وذات اللون.
دائما مكشر , ربما عيناه الضيقتان , و انفه الغليظ المعوج , الذى يحتل أكبر مساحة من وجهه , هو ما يعطيك هذا الإحساس .
أخذ الحافظة , ربما ابتسم فى وجهك , و أنت تشرح ظروفك , أهملت ذبابة , قرصت قفاك , ألقى بالحافظة خلفه , فتح الثلاجة , أخرج علبة عصير , يشرب بتلذذ , ينظر لك , ثم يطلب قهوة سادة ,
دائما تصدنى تكشيرته , القمر شاحب , وصخب القرع يتغلغل داخلى , تنازلت عن مؤهلى , منذ ثلاث سنوات , قبلت العمل , ساعيا , مؤقتا , حتى يكون لى الأولوية فى التعيين بالمؤهل , عند طلب موظفين , هكذا كان تخطيطى , مشفوعاً بنصائح أبى , أدعية أمى , وسخرية أخى الأصغر , إلى أن بيع المصنع .
زملاؤك من الموظفين , أقصد من كنت ستصبح زميلا لهم , نقل أغلبهم إلى فروع أخرى , فى مدن بعيدة , بعضهم خرج إلى المعاش المبكر , وبعضهم فصل , أمّك مازالت تدعو لك , العمال الباقون يعملون وردية واحدة , يجبرون على أخذ الأجازات , يومان أو ثلاثة أسبوعياً , يحصلون على وعود وجزء من أجورهم ,
دائما مشغول , لا يعطيك فرصة لتحدثه , اشترى المصنع منذ ستة أشهر , جاء هو وأعوانه , بتكشيرتهم القابعة فوق وجوههم , مكاتب الإدارة صارت كالقبور , المصنع غلبه النعاس أغلب الوقت , رغم محاولة القلة الباقية من العمال إيقاظه .
***دائما مشغول , لا يعطيك فرصة لتحدثه , اشترى المصنع منذ ستة أشهر , جاء هو وأعوانه , بتكشيرتهم القابعة فوق وجوههم , مكاتب الإدارة صارت كالقبور , المصنع غلبه النعاس أغلب الوقت , رغم محاولة القلة الباقية من العمال إيقاظه .
مللت نصائح والدى , يعمل صول بالداخلية , يقول : اصبر ما دام لم يطردوك .
أحضرت القهوة , قبل أن تفتح فمك , أمرك أن تنزل إلى المصنع , تتفقد أحوال الباقين من العمال , و تعود فى نهاية الوردية , ظننت أنه سيجعلك رئيساً للعمال , عدت إليه فى نهاية الوردية , طلب قهوة سادة , سألك أسئلة كثيرة عن أخبارهم ,
فى اليوم التالى , رجعت إلى الإدارة , بعد ساعة واحدة من نزولك للمصنع , بعد أن اعتدى عليك بعض العمال بالضرب و السب , و أوقفوا العمل .
اصفر وجهه , احمر , احتقن , أمسك بالتليفون , جاءت الشرطة , قبض على بعض العمال , واضطر الآخرون إلى استئناف العمل مكرهين .
قال والدى : ثلاثة شهور أو ستة على الأكثر ,حتى يكون لك أولوية عند طلب موظفين .
رفضت . تساءلت : كيف أقبل هذا الوضع ؟ , أعمل ساعياً بينهم ثم أصبح موظفا زميلا لهم , كيف ؟!
ثار أبى , حدق فى وجهى , لم يجد شاربى , برطم بكلام عن طولى , عرضى , جسمى الذى صار فى حجم البغل , رضخت ووافقت مكرهاً .
صوت القطار يربكك , يهزك , يزلزل المصنع من أساسه , يتردد وهو يغادر حواسك المفعمة بالقلق , تجتر الأحلام المجهضة , تنتظر فرصة غيابه عن المكتب , تبحث عن حافظة أوراقك , لا تجد لها أثراً , ربما وضعها فى مكان ونسيها , ربما ألقاها من النافذة ,
حاولت سؤاله , نظر بتكشيرته المعتادة , تناول فنجان القهوة , أخذ رشفة , أشعل سيجارة , ضاقت عيناه أكثر , طلب منك أن تحضر مساءً , تبيت بالمصنع مكان الحارس.
أصبح المكان علبة صفيح صدئة , ألقى بها فى جسد الليل , المرقع ثوبه بعيون حادة تخترقنى , تروعنى , يمزق غلاف السكون , نعيق ينذر بقدومه , يأتى مسرعاً، يدق القضبان , يحطم عظامى، يسحقنى .
انظر إلى السماء ,القمر مازال محتقن الوجه, يختلط فى أذنى نعيق القطار بالنعيق الصادر من السكون , القمر يحتضر, تعلو أصوات قرع الطبول و علب الصفيح .
أبى مازال مصراً , يقدم لى كل صباح و مساء جرعات من الصبر , أمى لم يفتر قلبها , وفى عينيها أسى , أخى تحولت نظراتة إلى نظرة اشفاق وترقب .
انظر إلى السماء , أتلفت حولى , أفتش جسد الليل , لا شىء , غير العيون الحادة و النعيق ,أهب واقفاً, أرفع قميصى , فانلتى, أحصر طرفهما تحت ذقنى, أرنو إلى السماء, و يدى فى حركات سريعة تقرع جدار البطن.
الإسكندرية


التعليقات
إستطعت أن تنقل لي كمتلقي .. كل حالات :
القلق / الخوف / الرعب / الفزع / الهلع / الترقب
والإنتظار لما .. لايجئ !!!
فتوحدت .. مع بطل القصة .. حتي صرت أعاني مايعانيه .. من حالة النزف
المستمر .. والمتقطع في آن !!!
للكرامــــــــــــــة .. والإنسانيــــــــة
تلك الحالة التي صار عليها .. كل شباب الخرجين في / مصــــــــــر
إنها حالة / الضيـــــــــــــــــــاع
التي تصحاب كـــــــــــل حالات
( الإجهــــــــــــــــاض المنذرة / بسقوط الأحــــــــــــــــــــلام )
!!!
فتحي فضل سليم
شكراً علي كل .. ما أمتعتني
وأوجعتني
!!!
زينات القليوبي
إستطعت أن تنقل لي كمتلقي .. كل حالات :
القلق / الخوف / الرعب / الفزع / الهلع / الترقب
والإنتظار لما .. لايجئ !!!
فتوحدت .. مع بطل القصة .. حتي صرت أعاني مايعانيه .. من حالة النزف
المستمر .. والمتقطع في آن !!!
للكرامــــــــــــــة .. والإنسانيــــــــة
تلك الحالة التي صار عليها .. كل شباب الخرجين في / مصــــــــــر
إنها حالة / الضيـــــــــــــــــــاع
التي تصحاب كـــــــــــل حالات
( الإجهــــــــــــــــاض المنذرة / بسقوط الأحــــــــــــــــــــلام )
!!!
فتحي فضل سليم
شكراً علي كل .. ما أمتعتني
وأوجعتني
!!!
زينات القليوبي
اسعدنى كثيراً قراءتكِ العميقة وإحساسكِ الكبير بالنص وبالواقع الموجع
اسعد الله إيامك
تمنياتى بدوام الإبداع والتألق
يحيى فضل سليم
وليس فتحى
اسعدنى تعليقك على القصة وطرحك الواعى والمهم لمضمون النص وعلاقاته البينية بإحساس وجدانى وعقلانى صادق
تحياتى وتقديرى
يحيى فضل سليم