ابحث
إقرأ أيضا للكاتب
- ومضات الحمراء المستديرة.. والنوع الأدبي الجديد
- سماء العراق .. هل عادت إلي أهلها ؟
- إنسان العولمة في "مثلث العشق"
- القصة القصيرة في زمن الرواية
- هل القصة القصيرة في أزمة ؟
- شوكة في القلب
- طارق إمام ... بين القتلة والأرملة
- هدوء القتلة .. بحثا عن الفردوس المفقود
- بواكير الرواية العربية
- ما تثيره (كأس بيرة) لسهيلة بورزق
- لذات الجزار السرية
- جناحها الشعر .. ونثرها .. زهرة عاطرة
- الصبار ينمو فى مرايا الروح
- خور الجمّال ... رحلة الزمان عبر المكان
- السماوي يحفر التاريخ علي جذع الوطن 2 / 2
- السماوي يحفر التاريخ علي جذع الوطن 1 /2
- صندوق جدتي
- الفراشة
- القنابل في عسل .. سلوي النعيمي
- تغريدة البجعة .. وجناية البدايات
- في بعض اللحظات .. الموت هو الخلاص ..عند الغيطاني
- الأحلام المحبطة في .. قرن غزال
- هكذا يعبثون .. بما حدث في 73
- الرواية ديوان العرب
- الرواية وتغيرات المجتمع
- نجيب محفوظ شاهد علي العصور
- المرآة
- رؤية الرواية ليوليو 52 _ الزيني بركات ... 3 / 3
- رؤية الرواية ليوليو 52 ـ خالتي صفية والدير .. 2 /3
- رؤية الرواية ليوليو 52 ـــ زينب و العرش 1 / 3
- الرواية و النكسة 2 / 2
- الرواية و النكسة 1 / 2
- قراءة في مجموعة ( عطش الماء ) للقاص / سمير الشريف ( أحد كتاب الورشة )
- قصة ( الورشة ) القصيرة في عام 3 - الصوت النسائي
- التداوي بالحب .. في القلاع الضامرة
- قصة الورشة القصيرة .. في عام
- قصة الورشة القصيرة ... في عام ... محمد البلبال نموذجاً
- والجنة مثوانا في .. بهجة العمي
- ليس دائما يعمل .. قانون الوراثة
- ذاكرة إبتسام التريسي
- نقرات الزمن في ..... نقرات الظباء
- دستور خيري في .. ( كتاب التوهمات )
- بمناسبة الحياة ..
- عباس .. الأميبا .. لمن هو عبد
- الواقع والمتخيل في .. عمارة يعقوبيان
- العابثون في الملاعب المفتوحة
- السحر الأسود .. يكفن الحاضر
- رحلة الإنسان .. في .. مثل واحد آخر
القنابل في عسل .. سلوي النعيمي
الثلاثاء, 04/08/2008 - 23:29 | شوقي عبد الحميد يحيي
القنابل في عسل .. سلوي النعيمي
شوقي عبد الحميد يحيى إذا كانت الكتابة الروائية في الوطن العربي قد ارتبطت
بالظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للبلاد في كل قطر منه ، وأدي
تشابه تلك الظروف إلي وجود الكثير من عناصر التشابه في هذه الكتابات ، حيث
تأثير المناخ علي الكتابة .
فإذا خرج أحد كتاب العربية من هذا المناخ ، ووقع تحت تأثير مناخ آخر ، تري كيف ستكون الكتابة ؟ هل ستظل تلك العناصر مؤثرة ، أم سطغي المناخ الجديد علي المناخ الأصلي ؟
إن دراسة العديد من نماذج كتابة الطيور العربية المهاجرة ، تكشف عن أن الجوهر يظل له تأثيره ، حيث يظل الوطن الأم في الأعماق ، تحرك الكاتب والكتابة همومه وأحلامه ، طموحاته وآلامه . غير أن الشكل ، أو طريقة التناول لابد تتأثر بالمناخ الجديد .
ذلك ما تكشف عنه الدراسة الأتية .
....................
أرقص حول نيران تاريخهم مهزومة معهم
تتفجر كلماتي قنبلة ويتطايرون من حولي شظايا
بهذ الكلمات ، تنبأت السورية سلوي النعيمي في شعرها ما عبر عن روايتها التي تحولت بها من الشعر إلي الرواية ، منضمة إلي عديد الشاعرات العربيات اللائي تحولن من الشعر إلي الرواية من أمثال المصرية سهير المصادفة ، والإمارتية ميسون صقر ، وغيرهن
فما أن حامت حول تاريخ العرب من خلال كتب السابقين ، حتي تفجرت القنبلة في المحيط الثقافي ، فأثارت من حولها شظايا النقد والتعنيف ، وكانت أقوي الشظايا ، منع دخول روايتها " برهان العسل "[1] من معرض دمشق الدولي للكتاب . متغافلين عما ركزت عليه من سؤال جوهري يحتاج بالفعل لإجابة ( هل الفضيحة في الفعل ؟ أم في إعلان الفعل ؟ ) .
ويتلخص الخط الدرامي في العمل حول عربية تعمل في إحدي مكتبات باريس – التي تعيش وتعمل فيها الكاتبة - وبعد أحداث 11 سبتمبر ، تكلفها إدارة المكتبة بعمل بحث حول موضوع الجنس عند العرب ، لتقديمه في معرض في أمريكا . فتستعين الرواية بتجاربها الخاصة وولعها بموضوع البحث ، فتسرد بعضا من تجربتها مع المفكر ، والكثير مما جاء بكتب الأقدمين من أمثال التيفاشي والييجاني والسيوطي والنفزاوي ، إضافة إلي العديد من الأحاديث النبوية التي تتحدث في الموضوع . الأمر الذي يجعل من الرواية لا تكتسي ثوب كتب الجنس فقط ، وإنما تنحي منحاه في المتن أيضا .
وليس هذا محاولة لتبسيط العمل أو اختزاله ، وإنما هي حقيقته الظاهرة . بالعمل إذا ما وضعنا في مختبر الرواية ، فسنجده يحمل كل عناصر العمل الأول . الشخصيات المحدودة – الرواية والمفكر ، ثم مجموعة من الشخصيات الثانوية الهامشية الباهتة ، التي تتكئ عليها الراوية في المزيد من الإخبار - ، إضافة إلي ظهور الشخصيات ( الرئيسية منها ، الراوية والمفكر ) من البداية إلي النهاية دون أي تطور أو تصاعد في الكشف عنها .
الحدث المفرد ذو الاتجاه الواحد – حيث لا تشعبات ولا تشابكات ، فلا يحتاج العمل إلي تفكيك أو إعادة تركيب . الزمكان المحدد ، والذي جاء غالبا في إحدي مكتبات باريس . وهو الأمر الذي انعكس واضحا علي العمل ، الذي اصطبغ بصبغة نظرية أكثر منها عملية ، علي العكس مما قد يتبادر للقارئ من أن العمل يعكس تجربة فعلية ، وهو ما أدي إلي الكثير من الغضب الحادث علي الرواية ، وينفيه – مؤكدا رأينا – تحول المفكر نفسه في النهاية إلي مجرد وهم أو تصور ، نافيا عنه وجوده كشخص حي : لذا فإنه يتعين قراءة العمل من الجانب النظري ، مبتعدين عن الإسقاطات المؤدية إلي الاعترافات ، التي هي المادة المحببة إلي القارئ ، خاصة القارئ العربي ، وخاصة في هذا الموضوع تحديدا ، و هذه الأخيرة هي جوهر العمل – علي ما أتصور – وما هدفت الكاتبة إليه من وراء عملها ، أو إن شئنا قلنا مغامرتها بالخوض في هذا المضمار .
البطل الحقيق في الرواية الجديدة
تتفق " برهان العسل " مع اتجاهات الرواية في القرن الجديد في كون الشكل هو البطل الحقيقي في العمل ، إذ أصبح هو الحامل للرسالة المرجوة ، وهو الفاعل الأول فيه . حيث اعتمد علي انتهاج شكل الكتب القديمة – المتحدثة عن موضوع الجنس تحديدا – من حيث التبويب وجعل عنوان لكل فصل فيها ، واضعة القارئ في مواجهة عملية لتلك الكتب ، وكأنها تعيده إلي زمن تلك الكتب ، وكأنها تقول ، أنا لم آت بجديد ، ولكن هاك تراثك ، وما تحاول التنصل منه ، وهذه حقيقتك وما تحاول التنصل منها . إضافة إلي استعمال إسلوب الكتابة المكشوفة – وهو ما ستعملته تلك الكتب أيضا – وكأنها تكسر جدران الوهم ، أو تكسر الحاجز الوهمي بين الواقع المعاش في الحقيقة ، وبين الباطن المغلف ، وهو موجود ، أن تكسر الازدواجية المعيشضة في الوطن العربي ، فما يعيشه علي السطح ، غير ما يعيشه في الحقيقة . فما فعلته الرواية هي أنها حملت المرآة ووضعتها أمام القارئ العربي الذي فزع من مواجهة وجهه .
ولم يكن عفويا أن تختار الراوية " المفكر " ليكون طرفها الآخر ، والمشارك لها في تسيير الحدث . فإذا كانت هي من جعلت من جسدها منبعا ووسيلة للثقافة { هناك من يستحضر الأرواح ، أنا أستحضر الأجساد . لا أرف روحي ولا أرواح الآخرين ، أعرف جسدي وأجسادهم . هذا يكفيني . } [2] ، أي أن الرواية إذا كانت تمثل الجانب المادي ، فغن المفكر بالتالي يمثل الجانب الفكري ، فالمواجهة إذن ، أو المقابلة – إن شئنا الدقة – هي بين المادة والروح ، وكأن الكاتبة سعت للدلالة علي الفصل بين الروح والجسد ، أو الفصل بين المادة والفكر في عالمنا العربي ، آملة حدوث التزاوج واندماج بين الطرفين ، بطريقة تمنح الفرصة لكلا الطرفين ( الروح والجسد ) أن يتعايشا معا ، وأن يجد فيها كل منهما متعته {
السيرة الذاتية والرواية
عندما يلجأ الكاتب لاستعمال ضمير المتكلم في السرد ، إما سعيا وراء منح القارئ تلك الحميمية التي يشعرها فيما يشبه البوح ، وإما ليمنح نفسه الفرصة للغوص داخل الشخصيات والأحداث المختلفة بحكم كون – في هذه الحالة – الراوي العليم .
إلا أن هذه التقنية في ذات الوقت توقع الكاتب في مأزق الاعترافات ، أو السيرة الذاتية ، ذلك للتقارب الشديد في المسافة بين كل من المؤلف الحقيقي والمؤلف الضمني ( الراوي ) ، الامر الذي ليس بالضرورة مستحب في كل الأحوال ، خاصة في مثل روايتنا " برهان العسل " لما يضفيه من قيم مجتمعية – غير مرغوب فيها – في مثل مجتمعاتنا . لذا يلجأ الكاتب في الكثير لحيل سردية تحطم هذا النوع من التلقي ، وينبه القارئ بين الحين والآخر ، بأنه إنما يقرأ عملا إبداعيا ، وليس سيرة ذاتية .
ففي برهان العسل ، وبعد أن تستدرجنا الكاتبة بالإيهام بتماهي الكاتبة في الراوية ، وامتزاجهما في شخص واحد ، تعود قبيل النهاية وتفصل بينهما ، وكأنها تقول أنها – الكاتبة – ما هي إلا شخص خارج النص ، راصد لحركة الشخوص والمجتمع ، قارئ لها ، مثلها مثل القارئ الخارجي تماما .
{ كنت بحاجة إلي كل هذه السنوات وإلي ذريعة خارجية كي أتجرأ علي إنجاز دراسة عن الكتب الجنسية . كي أعلن ما كنت أعده سرا ..} [3] .
غير أن سلوي النعيمي ساعدت القارئ العادي علي الوقوع فيما وصل إليه من اتهامات ، بتغييبها عملية التبئير ، وعدم وضوح فعل التخيل ، فكل ما روته الرواية يقع تحت طائلة الإسلوب الخبري أو التقريري ، دون أن يكون هناك ما يمكن أن يبتعد عن ذلك ، الأمر الذي ساعد علي ( تصديق ) كل ما هو مروي فالتبس الأمر وصدق كليف جيمس " إن معظم الروايات الأولي هي سيرة ذاتية مقنعة ، هذه السيرة الذاتية هي رواية مقنعة "[4] .
خاتمة
سلوي النعيمي ، ذهبت للعيش في فرنسا حاملة معها موروثها الثقافي الذي يؤرقها ، ربما لما سببه من تصادم مع موروث ثقافي مختلف ، اقتنعت به فاستعارت منه الغلاف الذي به غلفت ما هو مكنون في الأعماق . فأحدث التصادم شرارات ، وانطلقت قنابل وجهتها لتحطيم التابوهات المقدسة لدي أبناء جلدتها ، والمتمثل في الدين والسياسة والجنس ، واختارت الأخير الذي يتلاءم مع البيئة الجديدة لها أو ما يتناسب معها ، { يبدو انهم لا يتابعون ما ينشر الآن في العالم العربي. كأنهم لم يكتشفوا بعد انه لم يبق من الثلاثي المحرم الا اثنان.. الدين والسياسة المباشرة بالاسماء الصريحة. سقط الجنس من منخل الرقابة او لنقل.. انه اتسعت فتحاته } ، فانفجرت القنبلة في أرض العرب ، فأثارت من الزوابع والعواصف ما قد يكون ارتد إليها شخصيا . وهي غير عالمة أن الكثيرين من أبنائ جلدتها قد بدأوا في تسليط نيران مدافعهم الروائية علي هذه التابوهات ، ليصنعوا جيلا من كتاب الرواية يحفر لنفسه مكانا متميزا علي خريطة الكتابة الروائية .
فإذا خرج أحد كتاب العربية من هذا المناخ ، ووقع تحت تأثير مناخ آخر ، تري كيف ستكون الكتابة ؟ هل ستظل تلك العناصر مؤثرة ، أم سطغي المناخ الجديد علي المناخ الأصلي ؟
إن دراسة العديد من نماذج كتابة الطيور العربية المهاجرة ، تكشف عن أن الجوهر يظل له تأثيره ، حيث يظل الوطن الأم في الأعماق ، تحرك الكاتب والكتابة همومه وأحلامه ، طموحاته وآلامه . غير أن الشكل ، أو طريقة التناول لابد تتأثر بالمناخ الجديد .
ذلك ما تكشف عنه الدراسة الأتية .
....................
أرقص حول نيران تاريخهم مهزومة معهم
تتفجر كلماتي قنبلة ويتطايرون من حولي شظايا
بهذ الكلمات ، تنبأت السورية سلوي النعيمي في شعرها ما عبر عن روايتها التي تحولت بها من الشعر إلي الرواية ، منضمة إلي عديد الشاعرات العربيات اللائي تحولن من الشعر إلي الرواية من أمثال المصرية سهير المصادفة ، والإمارتية ميسون صقر ، وغيرهن
فما أن حامت حول تاريخ العرب من خلال كتب السابقين ، حتي تفجرت القنبلة في المحيط الثقافي ، فأثارت من حولها شظايا النقد والتعنيف ، وكانت أقوي الشظايا ، منع دخول روايتها " برهان العسل "[1] من معرض دمشق الدولي للكتاب . متغافلين عما ركزت عليه من سؤال جوهري يحتاج بالفعل لإجابة ( هل الفضيحة في الفعل ؟ أم في إعلان الفعل ؟ ) .
ويتلخص الخط الدرامي في العمل حول عربية تعمل في إحدي مكتبات باريس – التي تعيش وتعمل فيها الكاتبة - وبعد أحداث 11 سبتمبر ، تكلفها إدارة المكتبة بعمل بحث حول موضوع الجنس عند العرب ، لتقديمه في معرض في أمريكا . فتستعين الرواية بتجاربها الخاصة وولعها بموضوع البحث ، فتسرد بعضا من تجربتها مع المفكر ، والكثير مما جاء بكتب الأقدمين من أمثال التيفاشي والييجاني والسيوطي والنفزاوي ، إضافة إلي العديد من الأحاديث النبوية التي تتحدث في الموضوع . الأمر الذي يجعل من الرواية لا تكتسي ثوب كتب الجنس فقط ، وإنما تنحي منحاه في المتن أيضا .
وليس هذا محاولة لتبسيط العمل أو اختزاله ، وإنما هي حقيقته الظاهرة . بالعمل إذا ما وضعنا في مختبر الرواية ، فسنجده يحمل كل عناصر العمل الأول . الشخصيات المحدودة – الرواية والمفكر ، ثم مجموعة من الشخصيات الثانوية الهامشية الباهتة ، التي تتكئ عليها الراوية في المزيد من الإخبار - ، إضافة إلي ظهور الشخصيات ( الرئيسية منها ، الراوية والمفكر ) من البداية إلي النهاية دون أي تطور أو تصاعد في الكشف عنها .
الحدث المفرد ذو الاتجاه الواحد – حيث لا تشعبات ولا تشابكات ، فلا يحتاج العمل إلي تفكيك أو إعادة تركيب . الزمكان المحدد ، والذي جاء غالبا في إحدي مكتبات باريس . وهو الأمر الذي انعكس واضحا علي العمل ، الذي اصطبغ بصبغة نظرية أكثر منها عملية ، علي العكس مما قد يتبادر للقارئ من أن العمل يعكس تجربة فعلية ، وهو ما أدي إلي الكثير من الغضب الحادث علي الرواية ، وينفيه – مؤكدا رأينا – تحول المفكر نفسه في النهاية إلي مجرد وهم أو تصور ، نافيا عنه وجوده كشخص حي : لذا فإنه يتعين قراءة العمل من الجانب النظري ، مبتعدين عن الإسقاطات المؤدية إلي الاعترافات ، التي هي المادة المحببة إلي القارئ ، خاصة القارئ العربي ، وخاصة في هذا الموضوع تحديدا ، و هذه الأخيرة هي جوهر العمل – علي ما أتصور – وما هدفت الكاتبة إليه من وراء عملها ، أو إن شئنا قلنا مغامرتها بالخوض في هذا المضمار .
البطل الحقيق في الرواية الجديدة
تتفق " برهان العسل " مع اتجاهات الرواية في القرن الجديد في كون الشكل هو البطل الحقيقي في العمل ، إذ أصبح هو الحامل للرسالة المرجوة ، وهو الفاعل الأول فيه . حيث اعتمد علي انتهاج شكل الكتب القديمة – المتحدثة عن موضوع الجنس تحديدا – من حيث التبويب وجعل عنوان لكل فصل فيها ، واضعة القارئ في مواجهة عملية لتلك الكتب ، وكأنها تعيده إلي زمن تلك الكتب ، وكأنها تقول ، أنا لم آت بجديد ، ولكن هاك تراثك ، وما تحاول التنصل منه ، وهذه حقيقتك وما تحاول التنصل منها . إضافة إلي استعمال إسلوب الكتابة المكشوفة – وهو ما ستعملته تلك الكتب أيضا – وكأنها تكسر جدران الوهم ، أو تكسر الحاجز الوهمي بين الواقع المعاش في الحقيقة ، وبين الباطن المغلف ، وهو موجود ، أن تكسر الازدواجية المعيشضة في الوطن العربي ، فما يعيشه علي السطح ، غير ما يعيشه في الحقيقة . فما فعلته الرواية هي أنها حملت المرآة ووضعتها أمام القارئ العربي الذي فزع من مواجهة وجهه .
ولم يكن عفويا أن تختار الراوية " المفكر " ليكون طرفها الآخر ، والمشارك لها في تسيير الحدث . فإذا كانت هي من جعلت من جسدها منبعا ووسيلة للثقافة { هناك من يستحضر الأرواح ، أنا أستحضر الأجساد . لا أرف روحي ولا أرواح الآخرين ، أعرف جسدي وأجسادهم . هذا يكفيني . } [2] ، أي أن الرواية إذا كانت تمثل الجانب المادي ، فغن المفكر بالتالي يمثل الجانب الفكري ، فالمواجهة إذن ، أو المقابلة – إن شئنا الدقة – هي بين المادة والروح ، وكأن الكاتبة سعت للدلالة علي الفصل بين الروح والجسد ، أو الفصل بين المادة والفكر في عالمنا العربي ، آملة حدوث التزاوج واندماج بين الطرفين ، بطريقة تمنح الفرصة لكلا الطرفين ( الروح والجسد ) أن يتعايشا معا ، وأن يجد فيها كل منهما متعته {
السيرة الذاتية والرواية
عندما يلجأ الكاتب لاستعمال ضمير المتكلم في السرد ، إما سعيا وراء منح القارئ تلك الحميمية التي يشعرها فيما يشبه البوح ، وإما ليمنح نفسه الفرصة للغوص داخل الشخصيات والأحداث المختلفة بحكم كون – في هذه الحالة – الراوي العليم .
إلا أن هذه التقنية في ذات الوقت توقع الكاتب في مأزق الاعترافات ، أو السيرة الذاتية ، ذلك للتقارب الشديد في المسافة بين كل من المؤلف الحقيقي والمؤلف الضمني ( الراوي ) ، الامر الذي ليس بالضرورة مستحب في كل الأحوال ، خاصة في مثل روايتنا " برهان العسل " لما يضفيه من قيم مجتمعية – غير مرغوب فيها – في مثل مجتمعاتنا . لذا يلجأ الكاتب في الكثير لحيل سردية تحطم هذا النوع من التلقي ، وينبه القارئ بين الحين والآخر ، بأنه إنما يقرأ عملا إبداعيا ، وليس سيرة ذاتية .
ففي برهان العسل ، وبعد أن تستدرجنا الكاتبة بالإيهام بتماهي الكاتبة في الراوية ، وامتزاجهما في شخص واحد ، تعود قبيل النهاية وتفصل بينهما ، وكأنها تقول أنها – الكاتبة – ما هي إلا شخص خارج النص ، راصد لحركة الشخوص والمجتمع ، قارئ لها ، مثلها مثل القارئ الخارجي تماما .
{ كنت بحاجة إلي كل هذه السنوات وإلي ذريعة خارجية كي أتجرأ علي إنجاز دراسة عن الكتب الجنسية . كي أعلن ما كنت أعده سرا ..} [3] .
غير أن سلوي النعيمي ساعدت القارئ العادي علي الوقوع فيما وصل إليه من اتهامات ، بتغييبها عملية التبئير ، وعدم وضوح فعل التخيل ، فكل ما روته الرواية يقع تحت طائلة الإسلوب الخبري أو التقريري ، دون أن يكون هناك ما يمكن أن يبتعد عن ذلك ، الأمر الذي ساعد علي ( تصديق ) كل ما هو مروي فالتبس الأمر وصدق كليف جيمس " إن معظم الروايات الأولي هي سيرة ذاتية مقنعة ، هذه السيرة الذاتية هي رواية مقنعة "[4] .
خاتمة
سلوي النعيمي ، ذهبت للعيش في فرنسا حاملة معها موروثها الثقافي الذي يؤرقها ، ربما لما سببه من تصادم مع موروث ثقافي مختلف ، اقتنعت به فاستعارت منه الغلاف الذي به غلفت ما هو مكنون في الأعماق . فأحدث التصادم شرارات ، وانطلقت قنابل وجهتها لتحطيم التابوهات المقدسة لدي أبناء جلدتها ، والمتمثل في الدين والسياسة والجنس ، واختارت الأخير الذي يتلاءم مع البيئة الجديدة لها أو ما يتناسب معها ، { يبدو انهم لا يتابعون ما ينشر الآن في العالم العربي. كأنهم لم يكتشفوا بعد انه لم يبق من الثلاثي المحرم الا اثنان.. الدين والسياسة المباشرة بالاسماء الصريحة. سقط الجنس من منخل الرقابة او لنقل.. انه اتسعت فتحاته } ، فانفجرت القنبلة في أرض العرب ، فأثارت من الزوابع والعواصف ما قد يكون ارتد إليها شخصيا . وهي غير عالمة أن الكثيرين من أبنائ جلدتها قد بدأوا في تسليط نيران مدافعهم الروائية علي هذه التابوهات ، ليصنعوا جيلا من كتاب الرواية يحفر لنفسه مكانا متميزا علي خريطة الكتابة الروائية .
