You are here

الصفحة الرئيسية

الكلب




الكلب
إبراهيم درغوثي



سمعت دقا خفيفا على الباب ، فخرجت من الدار استقبل القادم . رأيت رجلا يبتعد ، ورأيت تحت الباب رسالة ... تركت الرجل يذهب والتقطت الرسالة . قرأت سطورها فلم أفهم شيئا . أعدت قراءتها مرة ومرات ، فاستعصى علي فك رموزها . وضعتها فوق طاولة صغيرة بجانب السرير ، وخرجت من البيت ... قررت الذهاب إلى البحر . في منتصف الطريق عدت وأنا أكاد أجري . خفت أم يصل حامد قبلي إلى البيت ويقرأ الرسالة . وحامد صديقي . يقاسمني نفس البيت ، ولا أخفي عنه حتى خلجات قلبي . لكنني لا أريده أن يقرأ هذه الرسالة . هذه الرسالة جرح أريد أن أزرعه في قلبي ، ولن يشاركني ألمه أحد .

*****
عندما دفعت باب المنزل ، خبطتني رائحة القهوة التركية ، واستقبلني حامد بكأس يصاعد منها البخار . وضعت الكأس فوق الطاولة الصغيرة ، قرب السرير ومددت يدي نحو الرسالة .
قال حامد :
- مبروك . أخبار سارة إن شاء الله ؟
وضحك .
فوخزتني سكين حادة في قلبي .
قلت له :
- شكرا .
وخرجت .
قال :
- اشرب قهوتك .إنها ستبرد .
قلت :
- لا يهم . هل لديك وصية لأهلك ، رسالة أو نقود . إنني عائد إلى البلد .
قال :
- لا .
لا وخزتني كطرف السكين الحاد .
وقام يغلق في وجهي الأبواب .
قلت :
- اتركني يا حامد . فما عاد لي متسع من الوقت أضيعه
فقال :
- هل أخذت مستحقاتك من مؤجرك ؟
قلت :
- سأعود . لن أبقى طويلا في الوطن . سأقضي شأنا خاصا ، وسأعود بسرعة .
قال ، وهو يكاد يبكي :
- لن تعود .
قلت وأنا أطبطب على كتفه بحنان :
- مع السلامة يا صاحبي
قال ، وهو يمسح دمعة نزلت على خده
- لا تترك الرسالة تقتلك .
قلت ، وقد صار شكي يقينا :
- و هل قرأتها ؟
فقال :
- الرسائل لا تقرأ على الورق . إنها مكتوبة على جبينك يا صاحبي .
وخرجت .
فخرج ورائي .
*****

ذهبت إلى محطة سيارات الأجرة ... والرسالة في جيبي ... والكلب ينبح داخلها ... كنت أسمع نباحه الأجش ، فأرتعش ، وتصيبني رعدة . وأقول وصراخي يخرج من كهوف الروح :
من يوصلني إلى البلد فأدفع له مقابل السفرة روحي .
ولا مجيب . إلى أن جاء حامد إلى المحطة .ناولته الرسالة فردها إلى جيبي وهو يقول :
- عد معي الآن إلى البيت .
تركته يسوقني ، وأغلقت فمي بالمفتاح .
وعدنا ... ونباح الكلب لم يسكت . كان يهر ويشخر ويعصر قلبي عصرا .
عندما وصلنا إلى البيت ، قصدت المطبخ واخترت سكينا حادة وأخرجت الرسالة من جيبي وأخرجت حورية من بين سطور الرسالة ، فذبحتها .
ذبحتها من الوريد إلى الوريد
*****

هل تعرفون حورية ؟
سأحدثكم عنها قليلا ولن أخجل . هي ابنة عمي الكبرى . وها ابنة العم تخون الماء والملح وتعشق كلبا .
وها معشوقها يعقر قلبي ، ويستوطنني داء بين الضلوع .
رأيت الدم يقطر على الأرض . ورأيت الكلب – كلبها – يخرج من الورقة التي غطت بها سوأتها حين لدغتها السكين .
تشمم الكلب الدم المسكوب فوق البلاط ، وهر داخل قلبي . ضربته بالسكين بين عينيه ، وقلت لحامد وهو يدفع الباب بكتفيه دفعا قويا :
- لا تحاول ، فوراء الباب مزلاج كبير .
قال مستعطفا :
- وأنت ، لماذا لا تخرج ؟
قلت :
- حتى أنتهي من قتل حورية والكلب .
قال :
- وهل هانت عليك ابنة عمك إلى هذا الحد ؟
وابتعد عن الباب ...
فعادت حورية تسكن أسطر الرسالة . وعاد الكلب يهر داخل جيبي .
*****
هذا الكلب الذي يهر الآن داخل جيبي هذا الكلب الأبيض كالثلج – كلبها – وجدته ذات يوم في البرية . لقيته جروا أعمى ، تركته قافلة في طريقها ، وارتحلت إلى الشمال .
قافلة تسير * في بلاد الخير .
سيري أيتها القوافل ، ولا تتوقفي .
سيري أيتها القوافل ، قوافل الجمال وقوافل سيارات الأندروفر برجالك البيض السمان ، الملثمين بالكوفية العربية .
سيري أيتها القوافل ولا تتوقفي . واتركي لنا في طريقك مما شئت : بعر الجمال والعوازل الجنسية وحبوب منع الحمل ومرض الإيدز والكلاب .
*****

هذا الكلب السمين الذي يهر الآن في جيبي ربيته مع أولادي في البيت . نام معهم في فراش واحد . وأكل مما يأكلون . وكبر حتى صار كالأسد .
قلت لحورية وأنا أغادرها والبيت والأولاد والأحلام التي لم تتحقق ، وأقتفي أثر قوافل الجمال المحملة بالملح والخرز وجلود الخرفان المدبوغة :
- تركت لك رجلا يحرسك ، فلا تخافي .
وربت على ظهر الكلب .
ردت وكأنها تترقب إقراري هذا :
- لن نخاف مادام معنا بوبي
هكذا أسمت الكلب .
وراحت تثني على شمائله وكأنها تتغزل بحبيب ، وأنا أعد حقائب السفر .
وذهبت ، وبقي بوبي في الدار يحرس النعاج وقن الدجاج ، وينبح السحاب المار فوق سماء البيت ، وينام في الليل متوسدا ذراع الباب . حتى جاء الرجل الغريب ودفع بالرسالة تحت بابي . وذاب ...
هتك الغريب أسراري هناك ، وجاءني غماما أسود حط فوق القلب المثخن بالجراح :
زوجتك تخونك مع الكلب في بيت نومك .
*****

أغلقت أبواب السماوات السبع وفتحت باب المطبخ بهدوء حتى لا يسمعني حامد . ورجعت إلى سريري . ولم أشعل نور الكهرباء . تحسست بيدي الغطاء ، وتمددت على السرير . جعلت الرسالة تحت الحشية ، وتمددت بكامل ثيابي فوق الفراش البارد .
سمعت طرقا خفيفا على الباب . أغمضت عيني وقلت :
- ادخل يا حامد
قال الطارق :
- باسم الله مرساها
ولفحت وجهي نسمة خفيفة . وسمعت أزيزا وصريرا يشبه احتكاك عجلات طائرة بأرض المطار . وأصابتني رعدة شديدة ، فناديت :
- دثرني يا حامد ...
زملني يا حامد ...
فرد على استغاثتي صوت نسائي أعرفه جيدا :
أنا حورية يا أيها المزمل . قم وانظر في عيني إن استطعت .
ورميتها بالرسالة ، فقالت
- آه ... الكلب ؟ ألم توصني به خيرا وأنت تعد حقائب السفر ؟ .
ألم تقل إنه أحفظ للود من بني البشر ؟
فصحت :
- إذن فعلتها ؟
فقالت :
- ألم تقل إنه رجل البيت بعدك . فكيف لا أطيعه إذا دعاني ؟
وجلست على حافة السرير .
التفت يمنة ويسرة ، فرأيت أمامي صورة معلقة على الجدار . في الصورة ، فدائي يحمل رشاشا و ... ثورة ثورة ... حتى النصر . غمزته بعيني فأعطاني الرشاش ، فصوبت نحو رأس حورية وأطلقت النار .
رأيتها تتخبط في دمها . وجاء حامد يجري . قال :
- فعلتها ... ، إنها لن تموت بطلقة واحدة .
وخرج .
أرجعت للفدائي رشاشه ، فرفع في وجهي علامة النصر معكوسة إلى الأسفل . وأعدت صورته ّإلى الجدار فغطى وجهه بالكوفية ، وبكى نشيجا متواصلا ، لا ينتهي ...
قلت له : حطم بلور الصورة ، وتعال عندي أحررك وتحررني .
وسكت ، فسكت .
*****

ودفع حامد من جديد باب الدار ، ودخل ، فدخل وراءه كلب .
قلت : هذا كلبنا ، فمن جاء به إلى هنا ؟
رد حامد مرتبكا :
- وجدته في صندوق البريد مع الرسائل .
وتشمم الكلب حورية ، فأفاقت .
قال حامد ، وفي عينيه إصرار غريب على الانتصار :
- ألم أقل إنها لن تموت بطلقة واحدة .
وأقعى الكلب بجانب حورية ، فدست رأسها بين قائمتيه الخلفيتين ومصت ذكرة . فسال لعابه و عوى وحرك ذنبه يمنة ويسرة . أصابني القرف وهي تتعرى أمامي وتغازل الكلب ، تحت صورة الفدائي ، فهممت بهما لكن الكلب كشر عن أنيابه ونبح بصوت راعد . أخافني النباح ، فناديت حامدا لكنه قال لي :
- أنت وشأنك يا صاحبي . هذه قضية داخلية لا ناقة لي فيها ولا جمل .
فرددت عليه محزونا :
- دعنا من النوق والجمال يا أخي ، وتعال نتعاون على هذا الكلب الذي أكل المرأة وسيأكلنا بعدها لا محالة .
قال ، وهو يهز كتفيه :
- أكلها بإرادتها : والبندقية فوق رأسك .
بحثت عن الصورة ، وناديت الفدائي . قلت عله يساعدني في هذه الساعة العصيبة .
قال ، مستسلما لقدره :
أنا كما ترى يا سيدي ، صورة معلقة في الجدار للزينة
فقط للزينة لا غير ، فأغمضت له عينيه حتى لايرى المرأة والكلب .
وذهبت إلى المحطة . جلست في المقعد الخلفي في سيارة الأجرة الراجعة إلى البلد . دفعت لصاحب السيارة معلوم مقعدين ومددت رجلي محاولا النوم ، فدست على لحم سخن ، طري . كانت حورية بجانبي تجلس في المقعد الخالي ، وتتألم بصوت مرتفع جعل السائق يلتفت وراءه ويسألني إن كنت أحمل في داخلي إمرأة ؟
لم أرد على إهانته ، فشجعها سكوتي ، ومدت لي لسانها ، وعرت عن فخذ سمين .
قلت ، مستسلما لمشيئتها :
لماذا تتعهرين في هذا المكان العمومي ؟
ودست على فخذها بحذائي الملوث بالطين ، فكنت كمن يدوس على ظل .
وجاء الكلب وهي تتعطر . جلس بيني وبينها وجعل يتشممها ، ثم عضها من خصرها عضا لطيفا . وهم بها .
قلت : أرى الكلب يتغزل بك ؟
قالت : أتغار من كلب ؟
قلت : بعد العودة ، سأجعلك والكلب في خازوق واحد ، وأبيع صوركما إلى مجلة ( بلاي بوي ) لتجعلها حدث الموسم .
قالت : ستزيدني شهرة حتى لكأني بريجيت باردو ، ولن أخسر سوى سراويلك .
ووضعت كعبها في أسفل بطني وقالت :
- عقولكم هنا يا أولاد القحاب ، يا عرب آخر الزمان .
يااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا .
وأفقت وسائق سيارة الأجرة يسب ويشتم سائق شاحنة كادت تدهسنا .
قلت : هل وصلنا ؟
رد بنرفزة : إلى جهنم وبئس المصير إن شاء الله .
وأوقف السيارة لإصلاح عجلة انفلق إطارها .
ونزلت أعاونه فقال : عد إلى مكانك يا رجل ، فأنت أكثر من نجاسة .
قلت " لماذا ؟
قال : لأن رائحة بول الكلاب ترشح من أثوابك .
فعدت إلى جوار حورية وكلبها فسألتني : لماذا عدت ولم تساعد الرجل ؟
قلت لها أنني نجس ، وتفوح مني رائحة بول الكلاب .
قالت : حقا لقد سكنك الكلب يا صاحبي .
قلت : أي من الكلاب تعنين فهم أكثر من العد .
قالت : أنا الآن أعني كلب الرسالة التي في جيبك . أما بقية الكلاب فلم تعد تعنيني .
ووضعت يدها في مكان القلب ، فسكت إلى أن عاد السائق
التفت الرجل إلى الوراء ورفع يده يسد بها أنفه وهو يردد :
ما أنتن هذه الرائحة .
فقال بقية الركاب الذين ظلوا صامتين طيلة الرحلة :
هي رائحة بول الكلاب .
ونزلوا من السيارة . وتركوني وحدي ، فأخرجت الكلب من جيبي ، وبدأنا في النباح .
*****

جاء حامد يجري . دفع باب الدار كالمجنون ، ووضع يده على فمي حتى كاد يقطع أنفاسي . هززت جسمي هزا عنيفا فوق السرير ، وفتحت عيني .
قال : مالك تنبح هكذا أيها المجنون هل تحولت إلى كلب ؟
أدرت وجهي جهة الحائط ، وعدت أنبح من جديد .
كنت يقظا هذه المرة .

dargouthibahi@yahoo.fr
www.arab-ewriters.com/darghothi/

صورة إبراهيم درغوثي
القسم: 

التعليقات

 
 

التجريد وغلبة الحوار علي السرد ، جعلا الرمز واضحا لا يحتاج لتأويل .
غير أن التحول الذي جاء في آخر سطور القصة ، ذلك التوحد الذي حدث بين السارد والكلب ، جاء إيجابيا ، وحول القصة كلها إلي الإيجابية . جعل من السارد الهارب خارج البلاد ، وجعلنا كلنا مسؤلون عما حدث ويحدث ، جعلنا كلنا ( ك. لا. ب. ) .
شوقي عبد الحميد يحيي
صورة شوقي عبد الحميد يحيي
 

تحياتي أستاذ ابراهيم
أنت دائما مدهش وأنا أقرِؤك باستمرار
أحب أن اتناول قصتك بشيء من ردة الفعل الناتجة عن قراءتها (حتى لا أقول بشيء من النقد ،لأن النقد نوعان عندنا نقد أكاديمي يحتاج إلى جهد في تتبع بنية النص ولغته وفواعله وكل ما تعلمه من آليات النقد تتبعا مقيسا يأخذ بنتائج احصائيات الحروف والأفعال واستحضر هنا دراسة الشوقيات التي انجزها الأستاذ محمد الهادي الطرابلسي .. والنقد بالمعنى الشائع عندنا ( في تونس) والمفيد لمعنى بيان العيوب وتجاهل ،جهلا، كل أو حتى بعض المحاسن ( موش المحاسن تشوزر ما أجمل تلك اللهجة المليئة بالشعر ) 
أحب سيد ابراهيم أن أسجل أمرين
1 من المعروف أن هناك مخاتلة من الكاتب أو السارد تجاه القارئ يحاول بها أن يقنعه بواقعية النص فيتوسل بالوسائل الفنية المعروفة .  وأنت تحاول في هذا الاتجاه أيضا ولكن من خلال السعي نحو اقناعنا بلا واقعية الواقع  محاولا "سحب " الغطاء الملون الجميل على المستور الحقيقي الذي تمتص فيه حورية ذكر الكلب (ملاحظة وردت كلمة ذكره بتاء مربوطة كأني باللغة قد أصابها الخجل والتقزز فوضعت تاءها فوق هائها لتستر فعل التعرية الذي ارتكبته بدرجة من الجنون ...) وحورية أسم جمع تتجاوز معانيه حدود الملفوظ فيه فهو إيماء إلى الجميلات من نسائنا (الحور العين) وهو يتضمن لفظ الحرية الذي يعلو كل مداخل ومخارج التاريخ بل كل لفاته وزواياه .. كذلك الأمر عندما تحول الفدائي إلى صورة للزينة أو عندما تكلمت حورية بذلك الخطاب الوقح :- عقولكم هنا يا أولاد القحاب ، يا عرب آخر الزمان كاشفة عن " قعر الدرج" (والعبارة للأستاذ أحمد يحي) لدى ابراهيم الدرغوثي الذي يومئ إلى واقع فيه جلد للذات بلغ حد التحقير والاستهجان المقرف لنص يفترض أنه دفة للحلم والأمل إلى جانب دفة فقئ الدملة .أريد أن أسألك أستاذ ابراهيم وأين عقول الآخرين "هم" (أترك لك تقدير الضمير) متهمون عندنا بماذا ؟ أليسوا إباحيين ومتهرطقين وعديمي أخلاق إلى آخر الاسطوانة ثم أين كانت عقول عرب بقية الأزمان لا أريد أن أذكر لك الأمثلة فأنت تعرفها معرفتك تفاصيل يديك (من امرئ القيس يوم نحر ناقته إلى العرب المزواجين إلى السلطان عبد الحميد الذي كان يجمع "الحوريات" عاريات لينظر إليهن من ثقب الباب يستنهض ذكرا قتلته كثرة الأعمال (ثم قالوا عنه إنه ....)
  
2 أنت تستنهضنا أستاذ ابراهيم ولكنك جعلت أمهاتنا من مصصاصات ذكور الكلاب فهن قحاب ونحن ابناؤهن وحين انتهى السارد إلى كلب ينبح كأننافي النهاية بين أن نصبح كلابا أو أبناء قحاب ..لا خيار ... فعلى من تقرأ زبورك يا داوود .
أنت مدهش دائما أستاذ ابراهيم أرجو ألا تكتب من أجل نفسك اكتب من أجلنا من أجل أبنائنا وحورياتنا الأدب لا يضحك على التاريخ فقط الأدب يصنع التاريخ .. المشاريع الكبيرة تبدأ حلما صغيرا . مع تحياتي وتقديري

توفيق السالمي
صورة توفيق السالمي
 
الأحداث غرائبية ، والمشاهد يسكنها خيال جامح بين كلب الرسالة وكلب آخر واقعي ، تركه البطل مع حبيبته ليحرسها فسكنها. صورة الرشاش بيد الفدائي ليس أكثر من زينة. والنباح يسكن الأشياء العزيزة.
 نص موجع يحتمل تخاريج كثيرة.
 
شكرا لإبراهيم درغوثي.
سمير الفيل
صورة سمير الفيل
 
نص موغل في انزياحه اللغوي,مجاز يروم نزع الألفة لخلق صفة الاغراب...
بحثت عن الصورة ، وناديت الفدائي . قلت عله يساعدني في هذه الساعة العصيبة .
قال ، مستسلما لقدره : "
أنا كما ترى يا سيدي ، صورة معلقة في الجدار للزينة
فقط للزينة لا غير ، فأغمضت له عينيه حتى لايرى المرأة والكلب "
نص يظل عميقا .
دام لك هذا البهاء. 
الحمري محمد
صورة الحمري محمد
 
أصبح الكلب في بعض النصوص القصصية ملفتا للنظر، خاصة في الكتابات الحديثة .تحتفظ ذاكراتي بشظايا قصة قرأتها فينهاية السبعينات لإبراهيم بوعلو بعنوان على ما اعتقد كلب ابنة المدير .قرأتها وعمري 16 سنة .وما زلت أتذكر أنها قصة تحاول أن تفضح التناقضات الاجتماعية الموجودة في مغرب 70 .فالكلب كان أوفر حضا من الحارس الذي كان يحرسه .ومن المفارقة ان الكلب الحقيقي ، إي وضعا ، في النص هو الحارس بحيث يستبدلان المواقع الاجتماعية ،وعبر هذا التحول يعرى الواقع الذي يمتهن كرامة أبنائه .وقبل أيام قرأت رواية مصطفى لغتيري رجال وكلاب .وهي رواية نعطي للكلب دورا آخر، انه الحلم والبديل لشخصيات النص .فلم يعد الوجه المفارق كما كان الأمر عند بوعلو . وتروم الرواية من بين ما تروم إليه من خلال توظيف الكلب ، إلى وصف هشاشة الإنسان وتنزله بحيث لم تعد لديه أحلام سوى التشبه بالكلب ممارسة وسلوكا،مما يعني اندحار الأحلام في واقعنا وتنزلها .وانا أقرا قصة إبراهيم درغوثي أثارني أيضا هذا التوظيف الذي يتقاطع مع رواية رجال وكلاب .بالرغم أن إبراهيم تونسي ومصطفى مغربي .لكن اعتقد أن جغرافية الشمال الأفريقي وبنيته الفكرية والسياسية تتيح الكثير من التقاطعات . قصة إبراهيم درغوثي تحمل الكثير من التجريب والغرابة وأعتقد أن الأول طريق الثاني .فالنص يهجر عباءة القصة التقليدية المبنية على وحدة الأحداث والشخصيات والمركزة على الفكرة الاجتماعية أو السياسية الواضحة .ليرمي بنا في عوالم غرائبية لا تمثل للتجربة والواقع .فالشخصية في الصورة تغادر إطارها الزجاجي والورقي لتشارك في الحدث. في حين يفترض فيها أن تكون مجرد ديكور يحدد المكان .والكلب وحورية وهما الشخصيتان الورقيتان في الرسالة يتذمران من سطورهذه الأخيرة ليواجها السارد بحقيقتهما .وبين البداية والنهاية يقع القارئ في فخ الحكاية ومكرها .فبقدر ما تصر البداية على تأرجحها بين الخيا ل والغرائبي تأتي النهاية لتسحب كل شيء وتضع القارئ على عتبة الحلم ليدرك أن ما مضى كان مجرد تخيلات جادت بها الذاكرة أثناء النوم .لكن الكتابة القصصية تقول أكثر من ذلك .فالغرابة التي تسم النص هي غرابة الواقع الذي ينقله السارد بطريقة رمزية تثمن كفاءة الكاتب وقدرته .وهذا شيء غير غريب على كاتب مثل إبراهيم درغوثي الذي يمتع القراء بالجديد قصة وخطابا . عالم القصة عالم غرائبي قلق تبدو الغرابة من خلال هذا التحول الذي اشرنا إليه على مستوى الواقع النصي للشخصيات .وهي غرابة تطال الحدث ايضا بحيث يصبح الكلب إنسانا فحلا وغريما جنسيا للرجل يحب زوجته وتحبه، يذوذ عنها وتحتمي به يمارسان معا الجنس في حضرة الزوج الحاضر /الغائبي إنها نص مليء بالعبث واللامعقول الذي هوترجمة لعبثية واقعنا ليس المغربي فحسب بل العربي وافنساني حيث كل سيء يخضع للمسخ والتهجين
فما اروعها من قصة وما لإقدر صاحبها على خلق القصة .لأننا بالفعل ودون مجاملة فىحاجة إلى من يحفظ للإبداع وجهه وكرامته
بديعة الطاهري المغرب

بديعة الطاهري
صورة بديعة الطاهري

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات