You are here

الصفحة الرئيسية

الكيميائي والفكرة الصفر








الكيميائي و الفكرة الصفر

عبد الله توتي

" عندما ترغب بشيء، يتآمر الكون كله لكي تحقق أمنيتك"

يعد باولو كويلو من الكتاب الأكثر قراءة في العالم، وتعد روايته الكيميائي أفضل أعماله، ترجمت إلى العديد من اللغات، و تحكي قصة راعي غنم اسمه سانتياغو يتخلى عن عمله كراع ويسافر بحثا عن حلم.

وتقع أحداث هذه الرواية في كل من اسبانيا و المغرب ثم الصحراء فأهرامات مصر حيث يعود منها البطل إلى بلده الأصلي اسبانيا حيث الكنز في انتظاره. رواية تطورت أحداثها في مسار دائري من الغرب في اتجاه الشرق، عكس عقارب الساعة، تتطابق و الفلسفة الصوفية خاصة عند ابن عربي حيث العالم مبني على دورة كونية كبرى: << ما خلق الذي خلق من الموجودات خلقا خطيا من غير أن يكون فيه ميل إلى الاستدارة أو مستديرا في عالم الأجسام و المعاني>> .. هذه الدائرة كما يقول فريد الزاهي << تمكن ابن عربي من تفادي خطية العلاقة بين الحق والخلق, من جهة, ومبدأ القطيعة أو الهوة الأنطولوجية المطلقة بين الذات الإلهية والعالم, واتصال المبدأ والمنتهى, واعتبار العالم تجليا للمعاني الإلهية. كما أنها تعبر في الآن نفسه عن دائرية المعرفة ودور الخيال الخلاق فيها: »فالحائر له الدور والحركة الدورية حول القطب فلا يبرح منه, وصاحب الطريق المستقيم مائل خارج عن المقصود طالب ما هو فيه صاحب خيال إليه غايته: فله من وإلى وما بينهما«. فالمعرفة الصوفية حتى تمسك بموضوعها تتطابق مع ماهيته الدائرية وتحاكيها وكأنها بذلك تأتي على صورتها, بالشكل نفسه الذي أتى به الإنسان على صورة خالقه. فالإنسان بوصفه صورة يغدو مطالبا بمعرفة نفسه من حيث هو كذلك, ومن خلال تلك المعرفة يتمكن من معرفة الأصل كمنطلق ومآل. إنه صورة مفكرة تعيش وجودها الخيالي في نمط نشيط فعال لا منفعل فقط. بهذا الشكل تكون دائرية المعرفة تعبيرا عن دائرية الوجود وتأكيدا لها وكشفا لصيرورتها وحركيتها التي من خلالها ينشد الخلق إلى الحق.>> هذه الدائرة التي رسمها كويلو تعبيرا منه عن البحث عن الذات أو أسطورة الشخصية كما وردت في الرواية، جعلت الكاتب يقع في شرك الاستشراق دون إدراك خطورة المسالة وتأثيراتها على الفكرة المحورية المبنية على الحرية و الحوار و التسامح. فالوجود مبني على الآخر كما هو مبني على الفكر، غير أن هذا ليس بموضوعنا، بل سنحاول رصد صورة هذا الآخر كما صورها كويلو في روايته، ومن خلالها سنعرف إلى أي حد استطاع الكاتب ـ المرشد ـ أن يتحرر فكريا، و أن يصبح خارج المكان، لا داخله.
جواب نجزم فيه بالنفي، فباولو كويلو لم يستطع التخلص من طابوهات الفكر و الاديولجية الغربية، رغم زيارته لأغلب البلدان العربية و الإسلامية، فهو لم يستطع التخلص من رواسب الفكرة التي كتب عنها، واغلب الظن انه أعاد كتابتها ، كما استوحاها من كتب الأسفار و الرحلة و التاريخ و الأدب و السينما و وسائل الاعلام. و إذا بحثنا عن الآخر في رواية الكيميائي فان أول شيء يلفت أنظارنا هو كليشه الغجر الذي لم يتغير منذ القرن 17 حتى أن ثرفانتس في احد رواياته النمودجية االاثناعشرة Las Novelas Ejemplares انتقد تلك الرؤية إلى الغجر متحديا طابوهات المجتمع مدافعا عن حرية الفرد فكتب روايته الغجرية La Gitanilla وبدأها بالمطلع الآتي:
<< يبدو أن الغجر يولدون فقط لكي يصبحوا لصوصا: ينحدرون من آباء لصوص، ويكبرون مع اللصوص، و يدرسون اللصوصية و في النهاية يصبحون لصوصا...>>Cervantes, 1612 :49))
هذه الصورة هي نفسها حاليا، في المجتمع الاسباني، لم يتغير منها شيء، و قد اقتبسها كويلو كما هي و أعاد تركيبها في روايته الكيميائي في صورة غجرية، نصابة ذكية تعرف جل أنواع الخدع في الكسب:
<< عد إلى حلمك، فلدي قدر على النار. ومن جهة أخرى، أنت لا تملك الكثير من المال، فلا تأخذ وقتي كله>>...<< لن اطلب منك أجرا ألان، لكن أريد عشر الكنز إذا ما عثرت عليه.>> ( ص 25 – 26) (3)...<< أذكياء هم الغجر! ربما لأنهم كثيرو الترحال>> ص (4)215
إن اختيار كويلو للغجرية هنا لم يكن عشوائيا، بل هنالك معارف مسبقة عن الغجر جعلت الكاتب يقود بطل روايته إلى عجوز غجرية أسندها دور عرافة و محتالة تماما كصورة الغجر كما هي في كتب الآداب أو السينما... أفلم يكن بمقدور الكاتب أن يجعل سانتياغو يلتقي بالمسن المرشد بدل الذهاب إلى عجوز غجرية؟
بلى، لكن لإضفاء سمة التشويق على النص، كان لا بد للكاتب أن يسلك نفس الطريق الذي سلكه كل من سبقوه، ليحاول اللعب "بورق العادة" حتى يبتعد عن دائرة الغرابة أو الغرائبي، هذا ليكون عمله كما أراده، وسيلة للإرشاد وتعليم بساطة الحياة، ونصا مشوقا ليس فيه من جديد، و لا يغدو أن يكون إبداعا بقدر ما هو نص يفتقر إلى فكر حر.
يقول ادوارد سعيد في الموضوع: " ... ثمة إذن جدلية معقدة للتعزيز و الامتداد تتحدد بموجبها تجارب القراء، في الواقع، بما كانوا قرؤوه من كتب، ثم يؤثر هذا، بدوره، على المؤلفين دافعا إياهم إلى تناول موضوعات محددة سلفا بتجارب القراء." ( سعيد،1978: ص 118)
من هنا يتضح لنا أن الكاتب لم يختلق السرقة في كل من المغرب و أهرامات مصر عبثا، بل ثمة معرفة مسبقة حثته على اختلاق الفكرة في تلك الأماكن بالذات، فأصبح المغربي و المصري لصوصا. أو ليست هي نفس الفكرة التي تراج حولنا؟
يقول السارد عن سانتياغو: " كان الفتى لا يفارق بعينيه صديقه الجديد. هو لا ينسى أن كل ما لديه من مال غدا بين يدي هذا الأخير. فكر مليا في أن يستعيده منه، ولكن كان يقول في داخله، أن ذلك سيجعل منه شخصا عديم اللياقة، خاصة وانه لا يعرف عادات هذه الأراضي الغريبة و التي يطأ ألان تربتها."( الكيميائي: ص55)
هذه الفكرة تتناقض و قول السارد مسبقا: "...شعر الفتى بمزيد من الاطمئنان"(الكيميائي: ص53)، ففي الجملة السابقة تتضح من خلالها علامات عدم الارتياح، و سانتياغو كما توضح ذلك جملة السارد، كان حدسه ينبئه بوقوع شيء غير مريح، هذا الشيء الغير المريح لم يكن نابعا من نفس البطل بل هو صورة عن الفكرة التي كانت تستحوذ على فكر الكاتب، فالكاتب كان لابد له من حدث غير عادي يؤثر في مجرى الأحداث و بطريقة غير مباشرة في القارئ، وكان كويلو مسبقا يعي جيدا أن هذا الحدث و هذه الفكرة لا بد و أن تكون سرقة. لذلك، و فيما بعد يرثي الكاتب (السارد) بطل قصته قائلا: " مخجل أن يبكي. لم يبك أبدا أمام خرافه. لكن ساحة السوق كانت خالية، وكان هو بعيدا عن وطنه. فبكى. بكى لان الرب لم يكن عادلا و لأنه يجازي، بهذه الطريقة، الناس الذين يؤمنون بأحلامهم الخاصة."( الكيميائي: ص57)
أما في الفضاء المصري فقد كان الكاتب قد وصل المرحلة الأخيرة من الدورة الوجودية التي التي بني عليها المسار السردي للقصة، و كان الكاتب بحاجة إلى تغير مسار السرد من جديد للعودة إلى نقطة البداية ، لتكتمل بذلك الدائرة. لكن هذه المرة أضاف مسالة الضرب و التعذيب إلى السرقة، حتى يتيح لنفسه إمكانية فك العقدة، و استعمال المفتاح الذي هو بمثابة قفل في نفس الآن، به الحلقة المفرغة من الدائرة و به انحل اللغز:
<< لن تموت، سوف تعيش، وتتعلم أننا لا يجب أن نكون أغبياء إلى هذا الحد. هنا، و في هذا المكان بالتحديد، حيث أنت، مر على ذلك الآن سنتان، كنت قد رأيت حلما تكرر... كان قد وجد الكنز>>( الكيميائي: ص 210-211)
أما السمات الأخرى للاستشراق في رواية هذا الكاتب البرازيلي، فتتجسد في عدة مقاطع جسد فيها الكاتب تفوق الإنسان الأوربي و ذكاءه على الإنسان العربي، فنلاحظ ، راعي غنم، يتألق في التجارة، كيف لا و هو الذي رد الاعتبار و الحيوية إلى متجر تاجر البلوريات! كما رأى ما تخبئه الأيام من مفاجآت و انقد الواحة من بطش الطغاة.
يقول ادوارد سعيد في هذا الصدد: " في الأفلام و التلفاز يرتبط العربي أما بالفسق أو بالغدر و الخديعة المتعطشة للدم. ويظهر منحلا، ذا طاقة جنسية مفرطة، قديرا، دون شك، على المكيدة البارعة المراوغة لكنه، جوهريا، سادي، خؤون، منحط، تاجر رقيق، راكب جمال، صراف، وغد متعدد الضلال... وكثيرا ما يرى العربي القائد ( للصوص المغيرين، والقراصنة، و العصاة " من السكان الأصليين") ... وفي أشرطة الأخبار المصورة، يظهر العرب دائما بأعداد ضخمة. لا فردية، لا خصائص أو تجارب شخصية. وتمثل معظم الصور الهيجان و البؤس الجماعيين، أو الإشارات و الحركات ألاعقلانية( و إشادة حتى اليأس، بالتالي). و خلف هذه الصور جميعا يتربص خطر الجهاد المهدد. و العاقبة: الخوف من المسلمين ( أو العرب) سوف يحتلون العالم."( سعيد،1978: ص 287 )
كل هذه الأمور، إلى جانب الاستشراق الجنسي الذي لم يغب عن الرواية، و الذي يمكن استحصاله من خلال ألاشعور، ومن خلال تطبيق منهج التحليل النفسي على النص، لنجد جملا لا تتجاوز أن تكون تعبيرا عن الحب في مفهومه الجنسي، و ليس الحب في مفهومه الروحي السامي، ويتضح ذلك في علاقة سانياغو بفاطمة:
... وعندما يلتقي ذانك الشخصان، وتتقاطع نظراتهما، كل الماضي وكل المستقبل يغدوان بعد ذلك بدون أدنى أهمية، اللحظة الحاضرة هذه هي وحدها الكائنة، هذا اليقين العجيب بان كل شيئ تحت قبة السماء كان قد كتب بنفس اليد. اليد التي تعمل على خلق الحب، والتي أنشأت روحا توأم لكل كائن يعمل...>>( الكيميائي:ص126 -127)
<< حدثني عن الملك المسن،عن الكنز. و حدثني عن الإشارات. لذا فأنا لا أهاب شيئا، لان تلك الإشارات هي التي قادتك إلي. فانا جزء من حلمك، من أسطورتك الشخصية، كما تقول ذلك مرارا. لهذا السبب ذاته، أريدك أن تواصل طريقك في اتجاه ما جئت تبحث عنه. وإذا كان ينبغي لك انتظار نهاية الحرب، فذاك أمر حسن.>>( الكيميائي: ص131)
في هذان النصان، يتضح ما اشرنا إليه سابقا، ففطامة لا تكاد تكون أكثر من نقطة عبور ليس إلا، لحظة يعيشها البطل بكل جوارحه، ثم يمضي مقفلا في اتجاه حلمه، دون أدنى إحساس بالفراق أو الحنين. هكذا الجنس؛ فلا يغدوا أن يكون أكثر من لحظة عابرة يعيشها الإنسان ، يشبع فيها نزوة عابرة، ثم يمضي خفيفا صافي الذهن.
هذه هي صورة فاطمة، صورة عن المرأة العربية، التي تبدي رضاءها دائما، واكتفاءها "بالمكتوب".. لا ضرر و لا ضرار! العربي دائما راض وغبي و راغب و الأوربي يستفيد!

على سبيل الختام:

من كل هذا يتضح ادن، أن الكيميائي لم يكن أكثر من عمل جمع فيه الكاتب كل الكليشهات المعروفة عن الشرق. و لم يكن لكويلو أدنى معرفة عن الآخر، بل صور ألأشياء كما وصفت له؛ حتى و إن زار الشرق فانه لم يأخذ ادني فكرة عن الآخر. كيف لا و هو الذي تحدث في روايته عن الآذان و السجود الفوري. شيء لا وجود له في الثقافة الإسلامية كما انه تحدث عن سوق يومي تنصب فيه الخيام، في طنجة المغربية، فما عسى المغربي يقول وهو العارف بأسواق الخيام، تلك الأسواق الأسبوعية لا اليومية!
إن كويليو لم يتحرر شخصيا حتى يرشد الآخرين إلى التحرر. و إذا ما تأملنا في القصة، وجدنا الكنز في الغرب ( اسبانيا) لا في الشرق( الرحلة)، و ما الرحلة إلا درس تأكد من خلاله لسانياغو أن لا شيء في الشرق، سوى الجواري الراغبات الراضيات ، واللصوص و الغباء.. ويبقى الغرب دائما المكان ألائق الطاهر النظيف للجواهر و أنفس ما على الأرض من كنوز.


هوامش:
1ـ فريد الزاهي، ابن عربي: الصورة والآخر، من موقع :
http://www.jehat.com/Jehaat/ar/SeeratAlthoua/fareed.htm
3ـ باولو كويلو، الكيميائي، ترجمة عبد الحميد الغرباوي، طبعة برينتنار( برشلونة) 2005.
ـ ادوارد سعيد، الاستشراق، ترجمة كمال ابو ديب، مؤسسة الابحاث العربية، الطبعة السادسة 2003 بيروت لبنان.

2- Cervantes, Miguel de, Novelas Ejemplares, Vo I, Narrativa, N52, ed Cultura. ترجمة شخصية للمقطع


صورة عبد الله توتي
القسم: 

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات