You are here
الموت ضحكاً !!

الموت ضحكاً
محمد سامي البوهي
عاش معي عشرة أشهر ، كان رجلاً لطيفاً ، أحببت مجالسته ليلا حيث يحلو السهر، نحتسي معا كؤوسا من الشراب المنكه بالنعناع ، والمسكر بطعم البرتقال ، ثم أبتلع بعض الأقراص البلاستيكية ، التي ترغم جسدي على ملاحقة الأجساد ، فتجعله يطير عبر الأزمنة ، والأمكنة ، فيحلق بخياشيم الأحرف ليتنفس من صلب الحياة ..
عندما أذكر للمختصين بأنني أستضيف هذا الرجل في رئتي اليسرى ، بالفص العلوي ، جوار القلب تماماً ، تتسع أحداقهم ، وتشرئب أعناقهم .. لأن الماثل أمامهم هو إنسان ميت لا محالة، فأعكف على لملمة نظرات الشفقة من أعينهم ،ثم أدهسها بحذائي ...
مازلت أذكر هذا الرجل الذي قابلت آهاته غرفتي بمستشفى (عين شمس التخصصي) عندما زارني ليلاً وربت على كتفي ، قائلاً لي بملء فمه ... (لا تخف ،ستعيش)،ثم تركني وانصرف دون أن ينبس بكلمة واحدة .. بكيته كثيراً عندما تفاجأت بالصباح أن سريره كساه البياض..
في تلك الليلة ، كانت المستشفى هادئة إلا من فخامتها التي بانت أمامي بكل تفاصيلها ، أرضية خشبية لامعة ، جدران نظيفة ، وسقف ممتليء بالمصابيح الصغيرة ، تلفاز متوهج بالزاوية البعيدة ، وزر يعتليني للاستدعاء الطارئ..
حاولت مقاومة الفراش للوقوف على قدمي ، لكن باءت كل محاولاتي بالفشل ، لم أيأس من منح جسدي وهم الحراك ، مددت يدي حيث انتهت الأنامل عند أطراف كتاب وضعه أخي على الطاولة جواري قبل رحيله ، كان كتاباً قد أهدته لي زميلتي (شذى) عندما أتت لزيارتي صباحاً ، تفحصت العنوان، فشعرت بسعادة غامرة، عندما اطمأننت أن قدرتي على القراءة مازالت بخير (أمريكا الضاحكة زمان - مصطفى أمين)، أعدت قراءة العنوان بصوت مسموع،مرات ومرات،ثم نظرت للوجوه (الكاركتورية) الضاحكة المرسومة على الغلاف ،انفجرت ضحكاً ،فداهمني السعال..
تراءت أمامي أشكالٌ هلامية،لم أشعر بشيء بعدها،فقدت الأضواء المنتشرة بالسقف ، وبريق الأرضية الخشبية،ووهج التلفاز ووووو ...
عندما أفقت علمت أن ضيفي يكره الضحك ، لعنته .. و لعنت رئتي اليسرى .. و لعنت أمريكا وشذى ، ابتسمت الدكتورة (وفاء) للعناتي التي أعادتني للحياة...
طلبت من أخي (د. أيمن) دفتراً فارغاً ، وقلماً ،لكنه تهرب من طلبي، لا أعلم لمَ ؟؟، فسألت نفسي هل يكره ضيفي الأوراق والأقلام ؟، استفزني السؤال ،حتى أني صرخت في وجه أمي ليلاً ... بأن أفكاري تصارعني ، أريد ورقة وقلماً (ورقة وقلم يا عالم)،ربتت بيدها الحانية على صدري، وغابت عني ..
بالصباح ضغطت زر الاستدعاء الطارئ ،طلبت من الممرضة أن تزيح الستائر ،وتفتح النوافذ ، وتضيء الأنوار،وتشعل التلفاز ، وتحضر عمال النظافة لتلميع الأرضية،وتبديل الملاءات..
فقالت مستغربة : (طيب طيب ... على مهلك ..كل ده؟! )
السابعة مساءً..
عن يميني أبي ، وأخي ، وخالي ، وعن يساري أصدقائي ؛ نبيل ،ووليد ،وياسر ،تنحدر أعناقهم لركن التلفاز ،كانت المباراة النهائية لكأس الأمم الإفريقية ، والبداية مبشرة ،بهدف لصالح منتخبنا الوطني سجله اللاعب (أحمد حسن) في مرمى منتخب (جنوب إفريقيا ) ، كنت أتابع في شغف منتظراً النصر ، و من بين الصيحات ، والضحكات ، وأنباء الفرح ، تسربت آلامي ، لكن سرعان ما تناسيتها حينما اقشعر جسدي على وقع مراسم الفوز ، والأغاني الوطنية ..
التاسعة مساءً ..
انتهت الزيارة ...
رحلوا جميعاً ،وعاد الصمت ..
التقطت الكتاب بأطراف أناملي ، (أمريكا الضاحكة زمان)، بصوت مسموع كنت أردد ، وقعت عيني من جديد على صور الغلاف فابتلعت ضحكاتي ، أخذت أقلب الصفحات ، صفحة تلو الصفحة،لا جديد ، فأمريكا هي أمريكا ،شعرت بملل ،أخذت في عد المصابيح المنتشرة بسقف الغرفة ، توقفت لقضم أظافري، أخذت في عد المصابيح من جديد ، يبدو أني أخطأت العد ، لعنت المصابيح ، واعتذرت لأمريكا ، واعتذرت لرئتي اليسرى،وصديقتي (شذى) ، ثم حصرت الكتاب بين يدي ، تمعنت في الوجوه (الكاركتورية) على الغلاف ، لم استطع التماسك ، انفجرت ضحكاً ، وأنا أضغط زر الاستدعاء الطارئ..
عندما أذكر للمختصين بأنني أستضيف هذا الرجل في رئتي اليسرى ، بالفص العلوي ، جوار القلب تماماً ، تتسع أحداقهم ، وتشرئب أعناقهم .. لأن الماثل أمامهم هو إنسان ميت لا محالة، فأعكف على لملمة نظرات الشفقة من أعينهم ،ثم أدهسها بحذائي ...
مازلت أذكر هذا الرجل الذي قابلت آهاته غرفتي بمستشفى (عين شمس التخصصي) عندما زارني ليلاً وربت على كتفي ، قائلاً لي بملء فمه ... (لا تخف ،ستعيش)،ثم تركني وانصرف دون أن ينبس بكلمة واحدة .. بكيته كثيراً عندما تفاجأت بالصباح أن سريره كساه البياض..
في تلك الليلة ، كانت المستشفى هادئة إلا من فخامتها التي بانت أمامي بكل تفاصيلها ، أرضية خشبية لامعة ، جدران نظيفة ، وسقف ممتليء بالمصابيح الصغيرة ، تلفاز متوهج بالزاوية البعيدة ، وزر يعتليني للاستدعاء الطارئ..
حاولت مقاومة الفراش للوقوف على قدمي ، لكن باءت كل محاولاتي بالفشل ، لم أيأس من منح جسدي وهم الحراك ، مددت يدي حيث انتهت الأنامل عند أطراف كتاب وضعه أخي على الطاولة جواري قبل رحيله ، كان كتاباً قد أهدته لي زميلتي (شذى) عندما أتت لزيارتي صباحاً ، تفحصت العنوان، فشعرت بسعادة غامرة، عندما اطمأننت أن قدرتي على القراءة مازالت بخير (أمريكا الضاحكة زمان - مصطفى أمين)، أعدت قراءة العنوان بصوت مسموع،مرات ومرات،ثم نظرت للوجوه (الكاركتورية) الضاحكة المرسومة على الغلاف ،انفجرت ضحكاً ،فداهمني السعال..
تراءت أمامي أشكالٌ هلامية،لم أشعر بشيء بعدها،فقدت الأضواء المنتشرة بالسقف ، وبريق الأرضية الخشبية،ووهج التلفاز ووووو ...
عندما أفقت علمت أن ضيفي يكره الضحك ، لعنته .. و لعنت رئتي اليسرى .. و لعنت أمريكا وشذى ، ابتسمت الدكتورة (وفاء) للعناتي التي أعادتني للحياة...
طلبت من أخي (د. أيمن) دفتراً فارغاً ، وقلماً ،لكنه تهرب من طلبي، لا أعلم لمَ ؟؟، فسألت نفسي هل يكره ضيفي الأوراق والأقلام ؟، استفزني السؤال ،حتى أني صرخت في وجه أمي ليلاً ... بأن أفكاري تصارعني ، أريد ورقة وقلماً (ورقة وقلم يا عالم)،ربتت بيدها الحانية على صدري، وغابت عني ..
بالصباح ضغطت زر الاستدعاء الطارئ ،طلبت من الممرضة أن تزيح الستائر ،وتفتح النوافذ ، وتضيء الأنوار،وتشعل التلفاز ، وتحضر عمال النظافة لتلميع الأرضية،وتبديل الملاءات..
فقالت مستغربة : (طيب طيب ... على مهلك ..كل ده؟! )
السابعة مساءً..
عن يميني أبي ، وأخي ، وخالي ، وعن يساري أصدقائي ؛ نبيل ،ووليد ،وياسر ،تنحدر أعناقهم لركن التلفاز ،كانت المباراة النهائية لكأس الأمم الإفريقية ، والبداية مبشرة ،بهدف لصالح منتخبنا الوطني سجله اللاعب (أحمد حسن) في مرمى منتخب (جنوب إفريقيا ) ، كنت أتابع في شغف منتظراً النصر ، و من بين الصيحات ، والضحكات ، وأنباء الفرح ، تسربت آلامي ، لكن سرعان ما تناسيتها حينما اقشعر جسدي على وقع مراسم الفوز ، والأغاني الوطنية ..
التاسعة مساءً ..
انتهت الزيارة ...
رحلوا جميعاً ،وعاد الصمت ..
التقطت الكتاب بأطراف أناملي ، (أمريكا الضاحكة زمان)، بصوت مسموع كنت أردد ، وقعت عيني من جديد على صور الغلاف فابتلعت ضحكاتي ، أخذت أقلب الصفحات ، صفحة تلو الصفحة،لا جديد ، فأمريكا هي أمريكا ،شعرت بملل ،أخذت في عد المصابيح المنتشرة بسقف الغرفة ، توقفت لقضم أظافري، أخذت في عد المصابيح من جديد ، يبدو أني أخطأت العد ، لعنت المصابيح ، واعتذرت لأمريكا ، واعتذرت لرئتي اليسرى،وصديقتي (شذى) ، ثم حصرت الكتاب بين يدي ، تمعنت في الوجوه (الكاركتورية) على الغلاف ، لم استطع التماسك ، انفجرت ضحكاً ، وأنا أضغط زر الاستدعاء الطارئ..
محمد سامي البوهي
الفكرة : فبراير 1998
الفكرة : فبراير 1998
05/24/2008 - 22:46
القسم:


التعليقات
قصه معبره واقعيه رشيقه ..
أعجبنى أسلوب القص .. وبساطة الكلمات .. وحرفية الصياغة ..
محمود عبد الحليم
أسلوبك جميل وسخى
د.رضا
بداية الله يسلمك
سعدت جدا بوجودك ، وتعقيبك الرقيق
أما عن الصلة بين أمريكا والقصة ، فهو المرض
الذي احتل أنفاسنا
لعل أكثر الأوقات صعوبة على الإنسان هي تلك التي يقضيها بين الحياة والموت تحت الإشراف الجبري من الآخرين أياً كانوا..ولأننى من أولئك المشرفين ثقيلي الظل أستطيع أن أجزم أن المبدع قد يموت شوقاً إلى إبداعه بين الأسرة البيضاء فى المعتقل الصحي الذى تفرضه علينا سلطات الألم الذى نتحرك فى دوائره ولانستطيع الخروج منها إلا بالموت..أو....بالهروب منا إلى مهاربنا الممنوحة لنا منذ طرقنا أبواب الدنيا...
جميلة بالفعل قصتك أستاذ محمد..دمت ودام صدق إبداعك..
الأستاذ محمود عبد الحليم
التحيات المباركات
أشكر جميل ردك ، ونظرتك الواعية للقصة ، ورأيك الذي أسعدني حقاً ..
تحية وعرفان
ولنا لقاء قريب
فور عودتي مصر
أرجو أن تعطيني رقم جوالك
وليكن على رسالة خاصة
محمد
وعد الحر دين عليه
لازم تقاوم اى شىء فى سبيل رجوعك بالسلامه
محمد من فضلك خلى بالك من نفسك ومن صحتك
وارجوك طمنى عليك
امال
وجودك أسعدني جداً ، فأنت من الشخصيات المحترمة ، التي أثق في رأيهم
" محمد البوهي "
لم أستطع إلا الوقوف عند قصتك
قراءتها أكثر من مرة في الواقع
وفي كل مرة يزداد إعجابي
قص متقن ، وسرد سلس
صدق في الإحساس وبراعة في التعبير
أسجل إعجابي واستمتاعي
وأعتقد أنني سوف أقوم باستعارة الكتاب منك قريبا
ربما استطعت الضحك من القلب
رغم كل الكائنات الصغيرة التي تنهش القلب والروح
تحياتي
جيهان عبد العزيز
أختلط على الامر فى الاسماء
بعتذر مرة ثانيه
امال
صدقيني حتى لو كان التعليق جاء عن طريق الخطأ ، إلا انني قراته على أنه لي ، ولم ألحظ أبداً انه كتب عن طريق الخطأ ..
اعدك أنني سأعود
وأعدك باني هخلي بالي من صحتي