You are here
الموت يعلن الإضراب ـ رواية لساراماجو

الموت يعلن الإضراب
رواية لساراماجو
ترجمة: مصطفى محمود
إن الرواية الساخرة المتألقة الموت على فترات منتظمة لـجوزيه ساراماجو تختبر طبيعة الموت
الموت على فترات منتظمة ـ رواية جوزيه ساراماجو
تميل روايات جوزيه ساراماجو إلى الاعتماد على (فكرة كبيرة واحدة). فالعمى هو اختبار لنتائج طاعون مفاجئ يجتاح الناس بالكامل ويصيبهم بالعمى. وربما تستكشف أعظم رواياته، إنجيل يسوع المسيح، التي تنحرف انحرافاً بسيطاً ـ كان المسيح ابن يوسف وليس ابن الله ـ مسائل الاعتقاد والواجب والخطيئة. روايته الأخيرة المترجمة إلى الإنجليزية لا تختلف. تبدأ رواية الموت على فترات منتظمة بغرور لافت: في يوم ما، بدون تحذير، توقف الناس عن الموت.
الموت على فترات منتظمة ـ رواية جوزيه ساراماجو
تميل روايات جوزيه ساراماجو إلى الاعتماد على (فكرة كبيرة واحدة). فالعمى هو اختبار لنتائج طاعون مفاجئ يجتاح الناس بالكامل ويصيبهم بالعمى. وربما تستكشف أعظم رواياته، إنجيل يسوع المسيح، التي تنحرف انحرافاً بسيطاً ـ كان المسيح ابن يوسف وليس ابن الله ـ مسائل الاعتقاد والواجب والخطيئة. روايته الأخيرة المترجمة إلى الإنجليزية لا تختلف. تبدأ رواية الموت على فترات منتظمة بغرور لافت: في يوم ما، بدون تحذير، توقف الناس عن الموت.
وكما في "المسخ" لـ"كافكا"، فيُعتقد بشكل يقيني أن سلسلة الأحداث تتوالى بمجرد أن يتحقق المستحيل الأول: تنخفض الشكاوى إلى الحكومات من الحانوتية والقائمين على الجنازات الذين يضفون مزايا وتخفيضات للترغيب في الدفن، وترفع مؤسسات التأمين أجل التأمين على الحياة حتى سن الثمانين. فالفعل يتحرك من المستوى الأعلى للمؤسسات السياسية إلى العائلات التي تكافح مع أقربائها المرضى بأمراض خطيرة حيث تصيبهم صدمة الذهول من تساقط أدوات الموت.
تشبه هذه الرواية مثل الكثير من الروايات الفائزة بجائزة نوبل من البرتغاليين، نوعية الحكايات الخرافية التي تظهر في بساطة المجاز المركزي وإطار الفعل ـ بلد صغير مع الأم الملكة المريضة مرضاً خطيراً، ورئيس وزراء براجماتي، وقناة تلفزيونية وحيدة تديرها الدولة. لكن هذه محاولة تقل عن كونها محاولة أوروبية في تعميم الدرس الأخلاقي المستخلص من التجربة الفكرية عن ردود الفعل المختلفة على الخلود غير المتوقع للتركيبة الإنسانية الفانية.
إن الموت على فترات منتظمة تعمل على أن تلمس سلسلة من المناظرات المعاصرة النقدية: هل طول حياة المرء خاصية مميزة للجنس البشري، أو هل يمكن أن نبقى دون أن نفنى؟ هل لدينا الحق في أن ننهي حياتنا أو نساعد هؤلاء الذين يريدون لكن لا يستطيعون؟ فإذا كنا لا نستطيع تخيل حتى الموت، ولندع جانباً ما يأتي بعد الموت، فأي نقطة تلك التي يتحدث عنها الدين. هذا هو ما نلمسه في ترجمة "كوستا" المميزة بطريقة تعدد الأصوت التي حافظت عليها المترجمة بمهارة.
ولعل أهم سؤال هو المتعلق بالموت نفسه، أو نفسها. ذلك لأن الموت مؤنث في اللغة البرتغالية، فهو موتة، وتحافظ الترجمة الإنجليزية على تأنيثه. كذلك الحرف الأول الصغير في بداية الجملة هو أيضاً مهم. فيوجد هناك تتابع رائع، يرسل فيه الموت رسالة شكوى إلى محرر الصحيفة الذي يشير إلى إضراب يقوم به الموت؛ فهذا الموت الآخر هو رعب المشهد حتى للموت الحاصد المحلي الذي يمنح المواطنين في هذا البلد توقفاً عن المحتم. إن الـ"موت" عند ساراماجو يكون على هيئة أمين مكتبة متزن وحكيم أو مدير قطاع عام ناجح، بدلاً من كونه شبحاً مشؤوماً مثل الذي يصوره "بنجت إيكروت" في "الخاتم السابع" لـ"بيرجمان".
ومثل الهيكل العظمي الشهير لـ"تيري براتشت" في "مورت"، فإن الـ"موت" عند ساراماجو يكون دائماً مضحكاً. فعند استنتاج أن انتزاع الحيوات ببساطة بدون تحذير هو ليس فقط قاسياً بل إنه يترك الكثير من النهايات مفتوحة، فهي، أي "الموتة"، تبدأ في إرسال رسائل تحذير بنفسجية صغيرة. ومن المتوقع أن يكون رد فعل السكان هيستيرياً، ويستنتج محلل الخطوط اليدوية المكلف بفحص الرسائل، بذكاء، أن الموت له خط يدوي لسفاح قاتل.
وعلى العكس من "موت" "برادشت"، فإن الموت المحلي في هذه الرواية يمكن أن يتخذ الهيئة الإنسانية، وخصوصاً، في عمليات مثل إضراب الموت عن العمل وتغيير طريقة ممارسة عمله الذي يسبب تعثر النظام القديم الألفي. ويعترف ساراماجو، بل إنه في الحقيقة يلهو معربداً، في عبثياته الكثيرة التي يثيرها: أين يمكن للموتة أن تحصل على حقائبها على سبيل المثال؟ وأين تحتفظ بها قبل أن تحصل على حقيبتها المذكورة؟ ومع التغير من الهيكل العظمي إلى كائن بشري، يأتي أكثر التحولات إثارة في الرواية، فمع اللحم الذي يتيح لها أن تتخفى فيه دون أن نلحظها نحن الفانون، تأتي خصائص أخرى بالمثل: التطفل والعصبية وحتى الشهوة.
وكذلك بالمثل إلى جانب كون الرواية خرافة حديثة رشيقة وهجاء واسع للحياة السياسية والتساؤل الفلسفي، فهي تحتوي أيضاً، باختصار، على لمسة مؤثرة لقصة حب. فقصص الحب تتساءل ما الذي يجمع المحبين إلى بعضهم البعض، وبالتالي، ماهية هذا الذي يجعلنا بشراً. إنها الإجابة المكررة والملتفة بأنه هو الحب الذي يجعلنا بشراً. وبينما يمكن للحب أن يكون جزءاً من تحول الموت، تكتشف شيئاً آخر هو سر الفناء. وكما يرى ساراماجو في ختام رائعته، إن الرواية مفعمة بالأمل، وأن الموت الذي هو نوم، ليس موتاً على الإطلاق.
ترجمة عن الجارديان
تشبه هذه الرواية مثل الكثير من الروايات الفائزة بجائزة نوبل من البرتغاليين، نوعية الحكايات الخرافية التي تظهر في بساطة المجاز المركزي وإطار الفعل ـ بلد صغير مع الأم الملكة المريضة مرضاً خطيراً، ورئيس وزراء براجماتي، وقناة تلفزيونية وحيدة تديرها الدولة. لكن هذه محاولة تقل عن كونها محاولة أوروبية في تعميم الدرس الأخلاقي المستخلص من التجربة الفكرية عن ردود الفعل المختلفة على الخلود غير المتوقع للتركيبة الإنسانية الفانية.
إن الموت على فترات منتظمة تعمل على أن تلمس سلسلة من المناظرات المعاصرة النقدية: هل طول حياة المرء خاصية مميزة للجنس البشري، أو هل يمكن أن نبقى دون أن نفنى؟ هل لدينا الحق في أن ننهي حياتنا أو نساعد هؤلاء الذين يريدون لكن لا يستطيعون؟ فإذا كنا لا نستطيع تخيل حتى الموت، ولندع جانباً ما يأتي بعد الموت، فأي نقطة تلك التي يتحدث عنها الدين. هذا هو ما نلمسه في ترجمة "كوستا" المميزة بطريقة تعدد الأصوت التي حافظت عليها المترجمة بمهارة.
ولعل أهم سؤال هو المتعلق بالموت نفسه، أو نفسها. ذلك لأن الموت مؤنث في اللغة البرتغالية، فهو موتة، وتحافظ الترجمة الإنجليزية على تأنيثه. كذلك الحرف الأول الصغير في بداية الجملة هو أيضاً مهم. فيوجد هناك تتابع رائع، يرسل فيه الموت رسالة شكوى إلى محرر الصحيفة الذي يشير إلى إضراب يقوم به الموت؛ فهذا الموت الآخر هو رعب المشهد حتى للموت الحاصد المحلي الذي يمنح المواطنين في هذا البلد توقفاً عن المحتم. إن الـ"موت" عند ساراماجو يكون على هيئة أمين مكتبة متزن وحكيم أو مدير قطاع عام ناجح، بدلاً من كونه شبحاً مشؤوماً مثل الذي يصوره "بنجت إيكروت" في "الخاتم السابع" لـ"بيرجمان".
ومثل الهيكل العظمي الشهير لـ"تيري براتشت" في "مورت"، فإن الـ"موت" عند ساراماجو يكون دائماً مضحكاً. فعند استنتاج أن انتزاع الحيوات ببساطة بدون تحذير هو ليس فقط قاسياً بل إنه يترك الكثير من النهايات مفتوحة، فهي، أي "الموتة"، تبدأ في إرسال رسائل تحذير بنفسجية صغيرة. ومن المتوقع أن يكون رد فعل السكان هيستيرياً، ويستنتج محلل الخطوط اليدوية المكلف بفحص الرسائل، بذكاء، أن الموت له خط يدوي لسفاح قاتل.
وعلى العكس من "موت" "برادشت"، فإن الموت المحلي في هذه الرواية يمكن أن يتخذ الهيئة الإنسانية، وخصوصاً، في عمليات مثل إضراب الموت عن العمل وتغيير طريقة ممارسة عمله الذي يسبب تعثر النظام القديم الألفي. ويعترف ساراماجو، بل إنه في الحقيقة يلهو معربداً، في عبثياته الكثيرة التي يثيرها: أين يمكن للموتة أن تحصل على حقائبها على سبيل المثال؟ وأين تحتفظ بها قبل أن تحصل على حقيبتها المذكورة؟ ومع التغير من الهيكل العظمي إلى كائن بشري، يأتي أكثر التحولات إثارة في الرواية، فمع اللحم الذي يتيح لها أن تتخفى فيه دون أن نلحظها نحن الفانون، تأتي خصائص أخرى بالمثل: التطفل والعصبية وحتى الشهوة.
وكذلك بالمثل إلى جانب كون الرواية خرافة حديثة رشيقة وهجاء واسع للحياة السياسية والتساؤل الفلسفي، فهي تحتوي أيضاً، باختصار، على لمسة مؤثرة لقصة حب. فقصص الحب تتساءل ما الذي يجمع المحبين إلى بعضهم البعض، وبالتالي، ماهية هذا الذي يجعلنا بشراً. إنها الإجابة المكررة والملتفة بأنه هو الحب الذي يجعلنا بشراً. وبينما يمكن للحب أن يكون جزءاً من تحول الموت، تكتشف شيئاً آخر هو سر الفناء. وكما يرى ساراماجو في ختام رائعته، إن الرواية مفعمة بالأمل، وأن الموت الذي هو نوم، ليس موتاً على الإطلاق.
ترجمة عن الجارديان
09/14/2008 - 09:18
القسم:

