You are here
اليأس المجدي ( دراسة مقاربة للشاعرين أحمد يحيى ونجاة كريم )

اليأس المجدي
( دراسة مقاربة للشاعرين أحمد يحيى ونجاة كريم )
فلاح شاكر
( دراسة مقاربة للشاعرين أحمد يحيى ونجاة كريم )
فلاح شاكر
مدخل :
قد أتقبل من الفكر .. الإرث الماركسي بعض طروحاته حول الأدب … ومنها أن الإبداع أو الجمال ينطلق من حاجة الطبقات أو التقسيمات الحادة التي وضعها … الفلاحين ، العمال ، البورجوازية … الخ
ورغم
المأزق الذي صارت إليه النظرية الجمالية الماركسية والبحوث الجمالية
الفلسفية المحنطة منها والمتقولبة ضمن إطار الفكر العام الماركسي وبحوث
أخرى بقت مخلصة للإرث الماركسي ولكنها حاولت الخروج من الطروحات العامة
للنظرية الجمالية أمام تحديات خلود بعض النصوص الإبداعية بانتفاء أو
انتهاء حاجة الفئات .. الطبقات أو حتى انتهاءها كعصر الملوك والأمراء
والإقطاعيات ـ في أوروبا مثلاً ـ بغض النظر عن الحكم الرمزي غير الفاعل
الموجود حالياً في بعض الدول الأوروبية … المهم في هذا المدخل أن الفكر
الماركسي فرّق مضطرّاً وأكررها مضطراً للتفريق بين حاجة الطبقات وانتهاء
إبداع المرحلة بانتفاء الطبقة أو تحوّلها إلى القول أن هناك مفاهيم عامة
ملازمة للإنسان بغض النظر عن انتماءه مثل مفاهيم الصدق ، الخلود ، الوطن ،
الحب … الخ وبغض النظر عن تعريف ماهية هذه المفاهيم فإن بعض الإبداعات
التي تتناولها يكتب لها الخلود أو البقاء لزمن طويل بعد انتهاء المرحلة أو
الحاجة التي تتطلبها كتابة هذه النصوص ومنها كتابات شكسبير مثلاً أو
رسومات ولوحات دافنشي أو … الخ …
اضطررت
لهذا المدخل رغم اختلافي في تفاصيل كثيرة حول الفكر الماركسي لأقول أن
للإنسان حاجات تتفوّق أحياناً على احتياجاته البايلوجية … كالحب والوطن ..
والإنجاب … الخ
وإن
تداخلت في بعض الأحيان مع العوامل الاقتصادية ولكن أحياناً قد تكون كثيرة
يتراجع هذا الجانب في الأولوية رغم الحاجة أو الفقر ...حتى لا يدخل هذا
الإبداع ضمن التصنيفات المنفرة والمزعجة كالبورجوازية … الخ ، ومن هنا
نستطيع أن ندخل إلى قصيدتين مختلفتين في الزمن ومن بيئتين يفصل بينهما عقد
كامل من الزمن ومن بيئتين مختلفتين ـ رغم الانتماء الجمعي ـ ولكن الطبيعة
السياسية وحتى التقاليد الاجتماعية مختلفة في الكثير من ظواهرها ولا أقول
جوهرها وأكرر أن الانتماء الجمعي لا يعني التشابه .. بل هو اختلاق ولا
أقول خلاف في معطيات كل شكل يتحكم في مفهوم أو طبيعة الانتماء للشاعرين في
مصر الكنانة وعراق الرافدين …
ولا
أريد أن أدخل في خلفية الشاعرين فهذا يعقّد الدراسة التي أودّها بسيطة
للوصول إلى القارئ العام والابتعاد أيضاً عن الحساسية السياسية التي تثير
الخلاف والاختلاف وهذا ليس هدف هذه الدراسة التي تريد للانتماء الجمعي أن
يتقدم كما هو في القصيدتين ( أوراق في عيد الموت ، وندى ثغرك ) على
الاختلاف الظاهري الطبيعي للانتماء الجغرافي الذي تتحكم فيه طبائع مختلفة
حتى في أجزاء القطر الواحد .. ولكن سنجد في القصيدتين سمات عامة هي ثوابت
جوهرية لحقيقة الانتماء الجمعي لكل المبدعين الحقيقيين في لغة الضاد أو
حرف غيره .. ولكننا سنبقى في حرف الضاد لأن النموذجين ينتميان إليه أولاً
.. ولحاجتنا الماسة إلى قصائد تبرز فيها حقيقة وصدق الإبداع في صور جمالية
تصل إلى الناس كحاجة ملحّة تتظافر أو تتجاوز حاجاته البايلوجية إلى مفهوم
الانتماء … والبناء … لنلاحظ السمات العامة رغم اختلاف الصورة واللغة
1 ـ اليأس المجدي
حين
يبدأ الشاعر أحمد يحيى قصيدته بإدّعاء مخاتل فني جميل بإدّعاء أن العنوان
ورقة بريئة ولكنها في تفاعل الصورة ليست بريئة على الإطلاق بل هي دعوة
جمالية وفكرية إلى إعادة القداسة إلى الوطن أو دونه الموت
في وقت ما
سأشقّ أنا صدري
كي أخرج ذاك القديس الأبيض
وأرميه ببئر من آبار الحزن الأسود
وأموت
ورغم
أن اللغة هنا تجنح إلى المضادات كالأسود والأبيض ومرادفات مثل أشقّ صدري
.. وأموت ... إلاّ أنها توحي في النهاية إلى مشروع استعداد للاستشهاد في
معركة داخلية .. فالعدو ظاهر ولكنه مخفي في آن واحد ..
بينما الشاعرة نجاة كريم تظهر هذا اليأس المجدي بوضوح أكثر وانفعال غاضب يطغي على المقطع الأول
تخثر
على أصابعي
سبابة
تطلق
موروث ثأر
يهادن
لحين قاتلك
رغم
اختلاف اللغة والشاعرة هنا قد اقتربت بعض الشيء من المباشرة ـ وهذا نتيجة
لحالتها السيكولوجية ـ فإنها من يأسها من مجهول القتلة ، تنتظر الوقت لكي
تتضح معالم القتلة .. ويموت .. بينما الشاعر أحمد يحيى يريد البياض للوطن
حتى لو كان هو سيموت .. والشاعرة نجاة تريد البقاء للوطن بموت القاتل ..
من هنا نرى أن اليأس في هذين المقطعين مجدي .. ومؤلم .. أحدهم يريد أن
يموت من أجل قداسة الوطن والآخر يريد أن تتضح صور القتلة .. حتى تعود
البراءة إلى الوطن .. وإذا قرأنا الورقة الثانية للشاعر أحمد سنجد أنه
يستفزّ القارئ إلى الوقوف ضدّه .. بمعنى آخر أن الشاعر يتقمّص دور المتلقي
لكي يجعله يثور على الحالة التي يفترض الشاعر أن المتلقي يعيشها
في موكب صمت كان الجمع يسير وئيداً
والموسيقى تعزف لحن يحتضر
وعصافير القلب تنوح على رأسي
والجثمان المسكون بعشقي يهبط في طيات الأرض
لحظتها أدركت
أني أسقط ..
أسقط ..
أسقط في صمت ..
إذا
تنبهنا إلى تدرج الصورة الشعرية نلاحظ أن الشاعر بذكاء أوحى لنا أن الموكب
جنازة لشهيد … فالموسيقى لا تعزف إلاّ بتشييع الشهداء .. كالسلام الجمهوري
.. ثمّ أتمم الصورة بأن الشهيد عشقه .. والعصافير والموسيقى وحركة الجمع
الذي يسير وهبوط الجثمان كلّها أفعال تدلّ على حركة وعالم خارجي يحيط
بالشاعر بأفعال تتطلب الاستجابة وإذا تفاجأ أن البطل .. يسقط في الصمت ..
وهو هنا نوع هائل من الاحتجاج على المراسيم التي لا تؤدي إلى فعل مجدي ..
قد يصل إلى حدّ التثوير الخفي من خلال التقمص الذكي للشاعر … بينما نجد
الشاعرة نجاة أكثر وضوحاً ولا تتقمّص سواها بل تطلق صرختها الشعرية للشهيد
ليس من أجله أو الوطن بل من أجل نفسها أيضاً
يا سافر الدم
أطلقتني
رصاصة
تصل الدروب
حتفاً
يقلبك أنه خلفك
يستشيط
وجه … الحقد
والخثارة تتصلب
تزيدني جمرة
لا … ميسرة
رغم
التناقض الذي نجده في اللغة الظاهرة بين المقطعين .. إلاّ أن الهدف واحد
وصريح إذا درسنا طبيعة الرؤى أو مفهوم الترميز عند الشاعرين … فالشاعر
أحمد يتقمص دور المتلقي من أجل إخراجه من اليأس إلى المجدي بينما الشاعرة
نجاة تفصح عن نفسها في دعوة صريحة فالشهيد عندها سافر الدم .. والمفردات
حولها تضجّ بالتثوير .. الرصاص .. الحتف .. الحقد .. الجمرة .. الخ ، نحن
نقرأ صورتين مختلفتين تماماً في الأسلوب ولكنهما يتضحان بالهدف .. اليأس
المجدي .. من أجل الوطن أموت حتى أخرج البياض .. أو أقتل قاتلك حتى يبقى
البياض دون اغتيال ..
2 ـ الوطن أمنية الشهيد في داخلنا
رغم
أن الشاعرين عبّرا بطريقة رائعة مع اختلاف الأسلوب عن أن الشهداء هم الذين
يضعون حياتنا بأمنياتنا الذين تجرءوا واستشهدوا من أجلها فالشاعر أحمد
يخفي روح الشهيد كما هي الصورة السائدة في هذه القصيدة فيجعله حيـّاً
يتنادم معه …
أهداني غنّاً للزيتون
لكي أغرسه بجرحي النازف
وحمام يأكل من عشب العينين الأخضر
أهداني كأساً من دمي
كي نشرب نخب العيد سوياً في حان الوطن
ها
هنا الشاعر لا يتقمص دور الشهيد أو المتلقي .. بل يتبناه .. أو يقيم علاقة
تجعل وكأن الشاعر هو الشهيد الذي عليه أن يملأ كأس أمنيات مَنْ فقد ..
بينما نجد أن الشاعرة نجاة تتفق معه هنا في المعنى الأولي العام ولكنها تفترق في الصورة
تعطر
يا ساحر الرقاد
ببارود فمي
وأثغر نداك
مداداً
يعلقم
جرح لحدك
حتى
يعتريني
فأكون
أنا …
شاهدة
على قبرك
رغم
أن الصورة مختلفة ولكن يمكن ملاحظة التشابه المدهش في المشاعر في الصورتين
فبين مفتتح يبدأ به الشاعر أحمد يوحي بالأمل أهداني غناً للزيتون وبين
مفتتح الشاعرة تعطر يا ساحر الرقاد فجأة يفاجئك الشاعران ... الزيتون يغرس
في الدم وساحر الرقاد يتعطر ببارود الفم ويعود الشاعر أحمد إلى حمام يأكل
من العشب الأخضر تقابله الشاعرة نجاة وأثغر نداك مداداً للعلقم .. حتى
تنتهي أن تكون أمنية للشهيد شاهدة على قبره .. لكي يبقى خالداً .. بينما
الشاعر أحمد في ذات الأمنية أن يشرب نخب العيد في حانة الوطن …
إن
اختلاف الصوت واللغة والصورة الشعرية عند الشاعرين ليس هدف هذا الانطباع
بل الهدف الأساسي .. هو البحث الجمالي الشعري عن الوطن النبيل .. من خلال
النبلاء .. الشهداء .. والشعراء .. والشرفاء هذا انطباع عام لا يرقى إلى
التحليل الأسلوبي والدراسة المنهجية المقارنة .. ولكن أعتقد أن هذه
الانطباعات مفيدة ومحفّزة للآخرين أن لا نكتفي بالتعليقات القصيرة .. رغم
أهميتها ونحاول أن نفتح باب للحوار …
05/21/2006 - 17:42
القسم:
اقرأ أيضا للكاتب:


التعليقات
فقد شرفتنى مرتين
مرة بقراءتك الخبيرة لقصيدتى المتواضعة
و مرة لمقارنتى بالمبدعة .. سادنة مملكة ألف ليلة و ليلة نجاة كريم
فوجب الشكران
كنت ادرك انك شاعر كبير...............................
كنت ادرك انك حالم كبير.................................
كنت ادرك انك عراقي كبير................................
لكني لم ادرك انكك ناقد كبير ايضا.........................
........................................................
........................................................
هذا العراقي الذي ينبض في صدرك مشكلة، انه قادر على ان يكون ما يريد متى ما اراد
بوركت
وبورك احمد يحيى
وبوركت الحبابة نجاة
بين شفافية الشعراء أحمد ونجاة ازادنا الله من امثا لهما ومكان وترجمة كلمة الماركسية
ولكنك يا سيدي ناقد من ذوي الإحساس العالي والمقارنة السلسة بين احمد من إختارالشهادة بداية نهايتها سكرة النصر والفرح في حانة الوطن وبين نجاة وهي فراشة الاحساس المرهف بالشهد والوطن هل يوجد بيننا من يبكي ويسكر ويكتب ويسهر على وطنٍٍ يصغر؟؟؟؟؟