You are here

الصفحة الرئيسية

باب

لم يكن ليساوره أى شك فى أنها القبلة .. من هذا الاتجاه .. اتجاه الباب ..
فلماذا يكاد يُقتل دون يقينه الآن ؟؟... ولماذا ما كان راسخ كالجبل .. يتلاشى فى لمح بالبصر ؟؟

سنوات خمس قضاها فى تلك المنطقة الموحشة .. ورغم أن الجميع أحبوه إلا أنه كان ينفر منهم ...
لم يكن بغريب عنهم ... هو من نفس الحى لكن الجهة البحرية .. ومنذ خرج من السجن انتقل للعيش بينهم ..
فى ذلك الشق القبلى المنعزل .. ليجاور الجريمة والعنف والفساد .. ويتعايش معهم ..
كانوا يعلمون كونه ليس بمجرم ... كان مدمنا إذا صح التعبير ...
تم إلقاء القبض عليه بكمية من مخدره زائدة عن حاجته ...كان يدخرها لبعض الوقت ... وقيدت القضية اتجارا وليس إدمانا ...
نجح محاميه فى تقليص الحكم عليه إلى سبع سنوات ... وخرج هو من بعد سنينه العجاف ليواجه ماهو متوقع ...
وفاة أمه ... وسفر أخته بعد تزوجها إلى حيث يجهل .. وتنكر بقية الصحب وخلان الأيام الخوالى له ..

بخروجه .. وهو على أعتاب الحياة .. تلك التى لايمكن أبدا أن يقال عنها " الجديدة " وإنما هى البقايا المتهدمة من حياته ..
كان لايفكر فى شىء .. عاد إلى البيت فوجد مالكه قد استولى على شقة أبيه .. كان سيرحل إلى أى مكان آخر ..
لكن الرجل قال له أن ذلك لا يرضيه أبدا ... وأنه إكراما لوالده واصله الطيب سوف يعوضه عما كان ..
فمهما حدث الراحل كان صديقه والأقرب منه ... وهو لم يستول على حق ابنه .. وإنما أخذه بالقانون ...
ولظنه أنه لايظلمه بذلك قط ..

الحقيقة أن الرجل قد تأثر بمظهره ... ولم يصدق أن الذابل أمامه هو ذلك الولد الشقى فى أول الأيام ..
الطاووس الذى لم يرتد غيره ريشه المعجز والمفاخر .. والذى لم يترك مفسدة إلا اقترفها ..
عزا بالاثم .. ولجوءا للباطل ..

أعطاه تلك الحجرة وطرقتها الصغيرة فى منزله البسيط هذا ... ولم يطالبه بأى أجر محدد ..
وأكثر من ذلك إنه ساعده فى شراء فرش صغير كان صاحبه يملأ عليه الولاعات الفارغة من الغاز
ويبيع بطاريات الساعات .. وبعض أنواع السجائر المُهرَّبة ...

كان أول ما فعله أن امتنع عن العمل فى السجائر و الولاعات .. وكان يضحك فى ذاته لأنه ليس بأهل أن يجاهر
وسط جيرانه بأن التدخين حرام ... وليس عليه أن يسأل زبائنه فيما سوف يستخدمون ولاعاتهم ..
.كان قد تاب وأناب فى فترة حبسه وعزلته .. بعد أن تعافى بدنه وشفيت روحه من الإدمان ..
أطلق لحيته .. وانتظم فى الصف ..
لم يكن الأمر مجرد ادعاء وظاهرية .. لكنه كان يشعر بيأس شديد ..

كان يضحك فى ذاته أيضا حين يذكر كونه انحرف للاسبب .. واستقام ايضا للاسبب ..
وكان ضحكه يشتد حين يرى الناس من حوله رغم إنهم يدركون حقيقته سواء من سمع عنه
أو من سمع منه ... إلا إنهم يعاملونه على إنه شيخ صالح ... ورغم انه لم يقرب اى مزار
مقدس مما يشد له الرحال ...وحتى المساجد الكبرى لم يعرف لها طريق قط ..
الا انهم لقبوه بالحاج .. الحاج سليم .

لم يكن هو بالزاهد ... فقط لم يجد حوله ما يشتهيه ..
كان يعمل طيلة النهار ... وكان الانتظار هو حرفته .. لم يكن الناس من حوله فى حاجة الى
الاقلام ولا الكتيبات ولا المسابح .. ولا حتى الابر والامشاط والقطع البلاستيكية البسيطة ...
بضاعته كانت غير مطلوبة ... لكنه لم يفكر فى الانقلاب عليها ..

كان رزقه يصل اليه ... ولم يذكر انه احتاج فى يوم .. وكانت اموره كلها عادية ...
حتى اصابه الوسواس القاتل ...
اين هى القبلة ؟؟

كان يصلى .. و كان الوقت فجرا ... وقرأ واحسن التلاوة .. واطال ..
ثم تفكر ... اينما كنتم ثم وجه الله ... صلاته ليست باطلة ... لكنه حقا لا يعلم اين هى القبلة ...
فى بيتهم القديم كان ابواه يصليان فى هذا الاتجاه ... اتجاه الباب ..
وهنا هو لم يفكر طويلا ... وضع سجادة الصلاة بالطرقة الصغيرة ... حتى لا يمر من عليها بدون ان يصلى ...
الان وفقط هو يسئل فى بساطة تامة ... اين هى القبلة ...
والامر يسير ... نزل الى الشارع متجها لعمله ... وبدأ يرسم فى ذهنه اتجاهات المكان ..
وقياسا على وضع القبلة عند البيت القديم توصل الى اتجاهها حيث هو الان ...
وكان ما هو عليه يبدو صحيحا ..

لم تكن تلك البقعة العشوائية لتعرف وجود المساجد ولا حتى الزوايا الصغرى ...
الناس بها مسلمين .. لكن لايدركون ذلك قط ... اذ انهم ربما لو كانت لهم اوراق رسمية ...
لعرفوا من خانة الديانة كيف هو ما عليهم اعتناقه ...
خليط من العشش والبيوت الهزيلة .. الايلة للسقوط رغم حداثة بناءها ...
الرجال بها من منهم ليس فردا فى عصابة للسطو او الاتجار بالمخدرات ... فهو هارب من القانون ..
او مدمن عاكف على امره للنهاية ...
والنساء فواحش ... يتناسلن من حيث لا تعلم اى منهن ابا لابنائها ...
الا فيما ندر ...

لو سَئل اى منهم لاعتُبر مجنونا ... من يسئل من ؟؟
لكنه فعل ذلك بعد ان نزل من بيته فى صلاة الظهر ... عاده الوسواس مرة اخرى ...
اين هى القبلة ؟؟ ... ما اعياه انه كان يجاهد فى تركيزه وابعاد الامر عنه ... ثم يكتشف انه لم يصنع جديدا
السؤال راسخ امامه ... يتجدد من حيث تلاشى ...يولد من موته ...

العجيب ان جميع من حوله اعطوه مع ابتساماتهم الساخرة المتعجبة ... اجابات متناقضة ...
كل فى اتجاه مختلف عن الاخر ... ولكنه لم يبتسم لجهلهم كعادته من قبل ... فقط نظر لبعيد ...
الى خارج نطاقه القريب ... ترك اشياءه البسيطة على قارعة الطريق ... وهم باللحاق بالعصر
فى مسجد الجهة الاخرى الكبير ... سيدى عماد الدين !

تردد فى الدخول وهو بالباب ... رغم تعاطفه .. يخشى الصلاة فى المساجد التى بها اضرحة ...
رغم انه تنسم انفاس ابيه العطرة ذلك الذى كان قلبه معلق بهذا المكان ...لم يدخل ..
و توجه الى زاوية قريبة فى نفس الطريق ... وصلى فيها ... ثم اقترب من الشاب الذى أمهم فى الصلاة ...
وسئله ... كيف يعرف القبلة مهما تنقل مابين الامكنة ؟؟؟

الشاب التقى الورع كما ظهر له ... لمس شيئا بداخله ... ففى البداية شرح له ان اتجاهه يبدو صحيحا ...
ثم طلب منه ان يبعد عنه تلك الوساوس ... ولا يلق لها اى بال ...
الامر لا محل للبلبلة فيه ... والشك ليس بالامر المحمود ولا بالمستحب ...
ولا يجب ترك تلك المداخل مفتوحة للشيطان ... هكذا .

خرج من عنده وهو يستعيذ بالله ... كان يود لو شعر بالراحة ... لكنه استسلم للقلق ...
هل هو تاب حقا ؟؟ وهل قبلت توبته تلك ؟؟

اضحت فروضه معاناة جمة ... لايكاد يفقه ما يتلوه فيها او مايدعو به ...
لم يعد منتبها لعدد ركعاته او سجداته ... هل ختم الصلاة بصورة صحيحة ... ام انه نهض بدون ان يختمها ...
فقط نفس السؤال يصعق روحه ... ويعصف بوجدانه ...
اين هى قبلتك ؟؟ ...

ايام مضت متلاحقة وحاله يزداد سوءا ..
دائم الشرود ... دائم الوجوم ... لا يذوق للنوم طعما قط ... ولا يكاد يدخل جوفه الا الماء ...
وكأن له ملوحة دمعه الغزير ...
عينه صارت الى ذبول وضوءها بات خافتا ...
وكان يسير بين الناس من حوله كأنه فى عالم اخر .. يكلمونه ولا يسمعهم ... وحديثه عندهم غير مفهوم ...

فى اللحظة التى شعر بكونه ضعيف متخاذل ...
لم يقو على المسير ... واشتاق الى ايام الضياع عبثا وهباءا منثورا ...
كان يقاوم الوهن بداخله ... و حينئذ ..فكر فى الشدة بعد اللين الطويل وعهده البائد ...
ولذلك اضحى لا يخرج عن بيته مطلقا ...
لم يفكر فى عمل او عيش ... فقط ... بقى يصلى .. ليل نهار بطرقته المواجهة للباب ..
كان يقف بالساعات دون ان يدرك هل حقا قد قرأ السور الطوال التى حفظها مؤخرا ..
ام انه كان صامتا ؟؟؟

كان يركع ليدعو فتبتل الارض من تحته بدموعه وصوت حسرته وضيقه يخرج بالكاد ...
حشرجة لا اكثر ...
وكان لا ينتبه مطلقا لاصوات الطرق على بابه التى تكررت من جيرانه الذين افتقدوه ..
وخشوا عليه الموت ... او ان يكون قد اصابه مكروه ...
كانوا ينصرفوا عنه اذا ما سمعوا تكبيراته الهزيلة او حتى سعاله البائس ...

سقط مغشيا عليه ...
وافاق بعد حين .. ثم تفكر ... هل من مكروه اشد مما كان فيه ؟؟
شعر بنوع من الطمأنينة رغم جميع ما كان ... وشعر ايضا بضياع الوهن من اوصاله ...
جلس الى الارض كمن يخط بها شيئا ... وطالت جلسته ...
ثم قام ليصلى ...
وحين عاده الوسواس ... ختم صلاته وهو واقف ... كان يدرك انه انهى الفاتحة ...
كان يدعو و يُأمِّن على دعاءه برجاء المخلص ...

حين توقف كان يتمتم ... ربما كان يستأنف دعاءه ...
فتح بابه ... وهرول بأخر ما لديه ...

ولم يعد مطلقا حيث كان ...
لكنه كان فى طريقه الى الوصول .

صورة محمد عبد الرحمن
القسم: 
اقرأ أيضا للكاتب: 

التعليقات

 

أهلا بالأستاذ محمد عبد الرحمن على صفحات الورشة

alwarsha
صورة alwarsha
 

مرحبا بك أستاذ عبدالرحمن في الورشة الخصب

نتمنى لك اقامة ممتعة مع لظى الحرف

ضحى بوترعة
صورة ضحى بوترعة
 

يحق لى ان اشكر حضرتك مرتين .. الاولى على الترحيب الطيب النبيل والثانية على قراءة
موضوعى المتواضع وابداء رأيك الجليل فيه .. جزيل الشكر لحضرتك مجددا وان كنت اعتذر عن تأخرى فى الرد .. تحياتى .

محمد عبد الرحمن
صورة محمد عبد الرحمن
 

نص جميل ، ومتعدد مستويات الدلالة.. لكن به بعض الإطالة أخى محمد عبد الرحمن..ننتظر منك الأجمل ، مودتى

محمد شمخ
صورة محمد شمخ
 

اشكر لحضرتك حضورك الكريم .. ورأيك شهادة اعتز بها .. وملاحظتك جديرة بان اضعها فى اهم اعتبارات الاتى .. اتمنى ان انال دوما شرف المتابعة ...
وكنت اتمنى لو ادركت اراء جميع السادة الافاضل الذين اطلوا على الموضوع ..
تحياتى للجميع ..

محمد عبد الرحمن
صورة محمد عبد الرحمن
 

حين توقف كان يتمتم ... ربما كان يستأنف دعاءه ...
فتح بابه ... وهرول بأخر ما لديه ...

ولم يعد مطلقا حيث كان ...
لكنه كان فى طريقه الى الوصول

نص عميق له عدة دلالات وجودية وجدانية

استمتعت جدا بقراءةهذا النص

تحياتي

ضحى بوترعة
صورة ضحى بوترعة

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات