You are here

الصفحة الرئيسية

بغداد - لغة -




بغداد - لغة -
محمد علوان جبر



قبل ان ينتهي من الاكل اصطدمت عيناه بعيني الفتاة التي تجلس في الطرف البعيد من المائدة المزدحمة ، عدل عن محاولة النهوض فانشغل بمضغ طعامه بهدوء، كان يبدو متحفزا لاستقبال شيء ما ، حيث امتزجت امامه صور الزحام والمرأة التي تشغل الطرف البعيد من المائدة وهي ترمقه بنظرات مبهمة .

- ربمـــــــــــــا ........

– قالها كانه يحدث نفسه وصمت.. اكتملت الصورة التي كان يحسها ناقصة في عقله حينما نهضت المرأة وبان جسدها خلف بنطلون جينز ضيق وبلوزة زرقاء مطرزة بنجوم كثيرة اظهرت تكور نهديها ، زحفت عيناه تتوغلان في ثنايا وتعرجات الجسد العملاق وهي تسير ببطء امام المائدة التي يشغلها ،همست في اذن النادل الذي كان يقف خلف مثلث من خشب يلمع تحت الاضواء الملونة التي تتقاطع فيما بينها وهي تدور في الفضاء الواسع للقاعة وعادت الى مكانها ، اطرق النادل قليلا قبل ان يرمقه بنظرة غامضة لم يفهم منها شيء ،ثم رفع الحاجز الخشبي وتقدم مخترقا صف الموائد التي توزعت على الجانب الايمن من القاعة الدائرية العملاقة ، كان وجهه يظهر ويختفي كلما مر تحت اضواء النيونات البيض والصفر الساقطة من السقف . حينما جلست احس انها تراقبه خلسة ، مثله تماما فهو ينظر بتواصل ولكن بطرف خفي موهما الاخرين انه لاينظر اليها ‘ كان يحس ان ثمة شيء يشبه الدخول في دوامات تحيله الى مكان ما خارج الزحام ، ايقن انه يواجه الامر بصيغة مختلفة عما كان يفعله سابقا واحس انها ربما رسائل لايجيد فك كلماتها تصله بين لحظة واخرى ، كان بعضها يصله بوضوح بل يحمل الكثير من الود ، لم يجب عليها لانه انشغل بمراقبة نهديها اللذين تكورا امامها فوق اللون الازرق الغامق الذى يغطي المائدة ، لكن الاشارة الثانية بدأت اسرع واوضح - انها واضحة .... هل انا اتوهم ذلك – اوقف بحثه عن مكان تكور النهدين، بحث عن النادل فرأه يقف في مكان ليس بعيدا عن المكان الذي تجلس فيه الفتاة ، رفع النادل يده الى الاعلى والى الامام ، وحرك ابهامه في حركة سريعة وهو يشير نحو باب الخروج ، وحينما لم يجد اهتماما منه ادار وجهه ناحية مثلث الخشب ، فشرع بارتداء قبعة عسكرية ووضع شارات ملونة على صدره .. اثار منظر النادل بقبعته العسكرية التي تشبه قبعة الضباط استغرابه لكنه تجاهل هذه الاحاسيس وانشغل مرة اخرى في ألمرأة التي كانت تركز نظرات جريئة فيه ، وثمة ضلال باهتة لابتسامة غامضة يمكن ان يفسر معناها بوضوح اذا فسرت كما هي وحدها بمعزل عن النظرات المتجهمة للنادل وهو يواصل ضرب المائدة التي امامه برتابة العسكرى الذي يتحسب او ينتظر شارة هجوم ما . لم يجد مايشغل به نفسه سوى ملعقة الشاى التي بدأ يديرها في الكوب الذى امامه منذ فترة ، واصل تحريك الملعقة في الكوب الابيض الذي رسمت على جوانبه مجموعة من الازهار الملونة وسط اغصان خضر شكلت مع بياض الكوب الناصع اكتمالا فطريا متجانسا ، لم يصدق عينيه ، حينماراىبوضوح اشارة معلنة من الفتاة موجهة اليه وليس الى غيره فعاد الى النادل يبحث عنه كانه يستأذنه بمايجب ان يفعل ، وجد النادل يحمل مجموعة اكياس كبيرة ويتجه بها ناحية الباب لكنه رأه يدير وجهه الى الخلف باتجاهه فلم يستطع ان يمنع نفسه من الصراخ بصوت اختلط معناه على وعيه حفزه كثيرا على النهوض والركض -دون ان يعرف لماذا- باتجاه الباب ، كانت حركة نهوضه مفاجئة وسريعة جعلت ساقه تصطدم بالمائدة التي تمايلت فامسكها قبل ان تسقط لكنه لم يستطع ان يمنع سقوط كوب الشاي وتشظيه على الارض، رفعت الفتاة رأسها من المائدة حينما سمعت الضجة التي احدثها نهوضه السريع واسقاطه كوب الشاى ،قهقهت بصوت عال ،اكمل طريقة غير عابىء باحد ، فتح الباب لفحه تيار بارد لكنه وقبل ان يعود رأى بوضوح سيارة عسكرية مطلية بالوان غريبة ، تقف قريبة من الباب واحد ابوابها مفتوحا والنادل يناول احدا ما في داخلها الاكياس التي كان يحملها ، عاد الى المائدة وفي نيته ان يعتذر من المرأة على مافعله حينما اسقط الكوب، لكن صورة السيارة العسكرية الملونة بالوان عديدة كانت تهيمن على عقله..تمنى ان تشاركه المرأة مائدته .علىالاقل ليسألها عن سرالعربةاو النادل ، لكنه قبل ان يصل المائدة اعتمرت المرأة قبعة عسكرية تشبه القبعة التي ارتداها النادل ووقفت وسط مجموعة من رجال ونساء تتشابه سحناتهم وفكت ازرار بنطلون الجينز الازرق وسحبته الى الاسفل، لم تواجه صعوبة في نزعه ، وبحركة سريعة نزعته والقته جانبا على الارض، بان من تحته لباس عسكرى مطلي بالوان كثيرة تشبه الوان السيارة التي هيمن منظرها على المساحة الوحيدة المتاحة امام الجميع حيث يسد شكلها والوانها باب القاعة، واصلت الفتاة سيرها وهي تواصل نزع ماتبقى من لباس اخر كانت ترتديه تحت البنطلون لكنها لم تنزع قميصها الازرق ذى النجوم الكثيرة واتجهت ناحية الباب ادارت للجميع ظهرها فبان الخصر النحيف اسفل النهدين الكبيرين المترجرجين مع حركتها التي تتناغم مع اصوات مبهمة طغت على اجواء القاعة وفتحت الباب واختفت.مسح يديه بالشرشف الذي يغطي المائدة على عجل ونهض بعد ان رسم على وجهه ابتسامة كان يدرك جيدا ان المحيطين به يعرفون ماتعنيه فنفخ صدره وحاول ان يوهم نفسه والاخرين من حوله بان مايجرى لايعنيه، فسار بهدوء مفتعل ، رغم غرابة الصور التي تتالت بشكل سريع وماحدث بينه وبين الفتاة وبينه وبين النادل " ربما " رددها مع نفسه بصمت وفكر.ربما هي لغة اعلى مما ادرك او ربما هو مجرد اعجاب شديد من قبل فتاة غريبة " ولكن...؟ اعتصرته غصة وهويتجه نحو الباب..كان يعرف ماينتظره ..بسببا سيارة عسكريةغريبة تهيمن على كل المشهد امام الباب لان نهوضه بسرعة خلف الفتاة لايمكن ان يخفى على احد ، فلم يبال بالنظرات التي احسها انها مصوبة عليه بشكل مقزز فسار الخطوات القليلة التي تفصله عن الباب بسرعة ، فتحه ، وجد نفسه امام الليل الذي هيمن على المشهد كله رغم الاضواء القليلة التي اخترقت فضاءات الشارع الذي اقفر الا منه وثمة صدى صرخات يسمعها من بعيد ، شيء يشبه القهقات ، تصاعدت الغصة الى صدره وهيمنت على كل مشاعره بعد ان طال وقوفه وبحثه في كل الاتجاهات عن المرأة او مايشير الى وجودها او وجود العربة العسكرية الغامضة..كان يشم رائحة احتراق او تداخل روائح اشياء تحترق وسط الليل والصمت .عاد الى المطعم واتخذ له مكانا في زاوية ، بعد ان بحث في كل الوجوه عن الفتاة فلم يجد لها اثرا لكنه كان يحس بقسوة النظرات المصوبة اليه ، وجد نفسه وحيدا وسط الصخب الذي كان يتصاعد من خلف مثلث الخشب اللماع ويتوزع بانتظام بين الموائد فحدق بامعان في الوجوه التي تحدق فيه عد ل عن شرب كوب الشاي الذي كان قد طلبه ، فنهض ببطىء متجها نحو البوابة التي كانت لاتزال مشرعة وفي الشارع المقفر والساكن كانت رؤاه القلقلة مهيمنة على مشاعره وصورة امرأة ترتدي الجينز وتنزعه وشخص غريب يركبان مركبة عسكرية غريبة دون ان يراهما احد ، ربما حتى هو.!رغم حضورهما المهيمن الطاغي على كل الموجودات امام الجميع .

صورة محمد علوان جبر
القسم: 

التعليقات

 
الرائع ابو دنيا
احييك من الأعماق
وكلنا نمتلك تلك القسوة من النظرات
ونناضل  حتى لانرى عواهرهم
مرتديات الجينز المخلوع والقمصان  الزرق بنجوم كثيرة
لك مني فائق  الأحترام

هادي الناصر

هادي الناصر
صورة هادي الناصر
 
البديع محمد علوان جبر

اللافت في نصك هذا الوصف الدقيق للأمور
أحب الوصف كثيرا في الكتابة السردية خاصة إذا جاء متناسباً مع الحدث
سرعة الأحداث جعلتنا نلهث وكأننا نطارد تلك السيارة
دمت مبدعا
فاطمة محسن
صورة فاطمة محسن

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات