You are here

الصفحة الرئيسية

بمناسبة الحياة ..




بمناسبة الحياة .. "م تيجي نتمرد"
شوقي عبد الحميد يحيى


بمناسبة الحياة .. "م تيجي نتمرد"
عندما يجلس شخص للحديث مع آخر ، وتمر كلمة تذكر الآخر بشئ ، يبادر بالتقاط طرف الحديث قائلا بالمناسبة ........... ، ويبني الحديث علي ذلك الشئ العابر .
وهكذا يتذكر " ياسر عبد الحافظ " في لحظة أن هناك شيئا اسمه الحياة ، فأراد أن يلعب لعبة بهذه المناسبة ، فقال " بمناسبة الحياة "[1] هيا نلعب لعبة ، فسأله رفيق الحديث : أية لعبة ؟
فقال : فلنرفضها !
إذن فاسم هذه اللعبة " التمرد " .
ولم يفكر ياسر في تحديد نوع التمرد ، بل أعلنه علي كل شئ ، علي كل الثوابت ، ما هو في المتن ، وما هو في الهامش ، فليكن التمرد علي الوجود ذاته ، وما يستتبعه ذلك من خرق للقواعد ، وهدم لما هو قائم . فهل من حق المبدع الاعلان عن تمرده ، حتي لو كان صادما ؟
الفنان والمبدع إنسان في طبعه التمرد ، لاختلاف وحساسية رؤيته للأشياء من حوله عن رؤية الآخرين ، الأمر الذي يؤدي إلي وجود التصدع الدائم في العلاقة الاجتماعية بين الطرفين ، ويعبر د. مصطفي سويف عن هذه العلاقة في :
[ إن العلاقة بين الخارج والداخل ( الخارج المادي والاجتماعي ، والداخل المادي والعصبي / النفسي ) علاقة علي درجة عالية من التعقد والتوثق . ويكفي أن نفكر في بزوغ الأنا ( نواة الشخصية ) حتى ندرك أن الخارج والداخل علي درجة عالية من التواصل ، يجعل الداخل مشروطا بالخارج إلي حد كبير ، بل تكشف عن أن قدرا كبيرا من " الداخل " ليس سوي هذا الكيان الاجتماعي المحيط وقد تحول إلي شفرة عصبية نفسية .. ] [2] .
وهذا هو الأمر الذي يدفعنا إلي دراسة علاقة الرواية بالمجتمع أساسا ، باعتبار الكاتب المبدع – علي الرغم من تفرده – فهو الفيلم الخام الحساس الذي عليه يمكن قراءة حالة المجتمع ، وما يعتريه ويعتوره من مآخذ أو مسالب . ومعني هذه القراءة ، أنه لا بد أن يكون هناك تواصل ، وحتي يتم التواصل ، لا بد من وسيلة لها ، ولابد أن تتضمن هذه الوسيلة ، تلك الاشارات المتفق عليها بين طرفي العملية ، المبدع أو الكاتب وبين القارئ .
وإذا كان الكاتب هو صاحب الرسالة ، ويهمه بالدرجة الأولي وصول رسالته إلي مستحقيها ، فإنه هو الباحث أولا عن سلامة تلك العلاقة ، والتي منها أن يبذر له فيها ما يجذبه للسعي نحوها ، وكذلك الابتعاد – قدر الامكان – عن ما يمكن أن ينفره ، حتى يسعي ويصر علي عملية التلقي .
فغذا ما أخذنا علي سبيل المثال لا الحصر رواية لاقت نجاحا هائلا وانتشارا واسعا هي رواية " شيفرة دافنشي " لدان براون . فلا شك أن الكاتب كان لديه ما يريد توصيله ، أي أن لديه رسالة ما ، سعي لتوصيلها ، وعلي الرغم من أن الكثير مما بها كان صادما للكثيرين ، إلا أنك ما أن تبدأ القراءة – علي طولها الذي يقارب الخمسمائة صفحة – لا تستطيع تركها ، ليس فقط لانتهاج اسلوب الكتابة البوليسية ، ولكن كذلك لما استطاع به أن يشد القارئ وراءه من تقطير للرسالة ، ووجود الحدث الذي يلهث وراءه القارء .
ولا نريد بذلك أن نفرض اسلوبا معينا علي الكاتب ، فهذا مرفوض تماما ، ولكن دراسة النماذج هي أفضل الأساليب للحكم علي الأشياء . فإذا كان الحدث هو القاطرة التي تحمل العمل الروائى وتجر الصفحات ، وهي التي تحمل القارئ حتي تصل به إلي المحطة النهائية ، وغيابها يسير بهما معا للحركة ( محلك سر) فلا يري سوي المشهد الأول ، فهو يبذل المجهود لكنه لا يري المساحات الواسعة علي طول الطريق ، أو حتي أعمدة التليفون المتدافعة للخلف التي تحدث عنها محمود تيمور .
ونستطيع أن نقول أن ياسر عبد الحافظ قد أعاد لنا صور الشباب المتمرد الذين اشتهر منهم " جون اوسبورن " صاحب " انظر وراءك في غضب ، والتي صاحبت ظهور " اللامنتمي " لـ " كولن ولسن " يكاد يشخص شعور بطل روايتنا – إن صح أن هناك بطل – حين يقول :
( وكان حتما علي الذين يعرفون شعور اللامعني ، الاحساس بغربتهم عن المجتمع . وقد توصلنا إلي نتيجة ، وهي أن الآداب الجديدية في الستين سنة الماضية قد عبرت عن معني الغربة ولالانسلاخ ، حتي يمكن تسميتها ب " أدب الاحتجاج " ) [3]. حيث قم ياسر عبد الحافظ نموذج للرفض والاحتجاج ، كصورة من صورشباب المجتمع المصري والعربي في هذه الحقبة من الزمن ، غير أنها لم توقفت عند حد الاحتجاج والرفض ، وكأنه غاية وليس وسيلة ، وإن كان الاحتجاج الذي تحدث عنه كولن ولسن في النصف الأول من القرن الماضي كان احتجاجا فلسفيا وجوديا ، فإن الفلسفة في بدايات القرن الواحد والعشري لم تعد لها نفس الدور الذي كانته ، وأخلت موقعها للظرف الاجتماعي الحياتي . ومهمتنا هي بحث كيف عبر الكاتب عن هذا الاحتجاج فنيا ؟
إذا ما بحثنا في " بمناسبة الحياة " عن ما يحملنا منذ البداية فلا نجد غير مشهد الأب في حالة احتضار ، وعندما يتحرك القطار / الحدث ، نري الأب في حالة الدفن . علي الرغم من وجود البذور المنتشرة التي كان من الممكن أن تصنع خطوطا درامية كثيرة ، كمشهد احتضار الأب ، وعودة الأب سيرا علي الأقدام من حرب يونيو 67 ، وموقف الأب من كل من جمال والسادات ، والعديد من مواقف الراوي من مرسي ومجموعة البلطجية ، وغيرها العديد من المواقف التي يمكن أن تكون بدايات لسلاسل من الخطوط ، غير أن كل هذه المواقف جاءت مبتورة منبتة الصلة ، مثلها مثل ذلك المشهد الذي أعلن فيه الرغبة في تنظيم مظاهرة ضد الله . فجاءت شذرات لا تخدم السياق ، ولا تدفع عجلة .
ونبحث عن سائق القطار فنجده شخص يشعر بتفرده عن جميع من حوله ، وكل ما يفعله الآخرون هراء ، هو وحده الذي يعرف ما لا يعرفون ، فنراه في لحظات دفن أبيه ينظر إلي ما يفعلون ( باحتقار) ويقول في نفسه :
{ .. نشترك في أداء أدوارنا بكفاءة حتى يشير المخرج بالتوقف .. هل يدركون ما أعرف ، فلماذا لا أجد لي رفيقا بينهم ، هل يتعامون عن بلاهة ما يفعلون .. مم يخافون ؟ ! } .
ثم نراه يتحدث عن الأب والأم بصورة ليس للعاطفة فيها وجود ، بل تخالف كل القوانين وكل المشاعر ، فأن يتحدث الأبن عن أمه تداعب عضو أبيه ، وأن يتحدث عن الرجل والمرأة اللذان أنجباه في لحظة نشوة :
{ .. ففي منطقة مثل التى نسكنها يتم تقديس من أتي بك في ساعة نشوة جنسية ..}
{ .. كان علينا تبجيلهم لأننا من صنعهم ولو كان أيهم فقد قدرته علي الانتصاب في اليوم الموعود لما أتينا .. } [4] .
وعند وفاة الوالد نجد هذا الراوي يقول :
{ .. نولد ليدفن أحدنا الآخر . هكذا تصبح الخسارة مدخلي لاكتشاف فلسفي أوقن بسذاجته لكنه يؤكد لي صلابة القلب . } وعلي الرغم من ذكر { صلابة القلب } إلا أن كل التصرفات والأراء التي يبديها تعلن موت القلب ، فها هو يكمل : { .. كنت أنظر في العيون المتتابعة التي يقف أصحابها أمامي أبحث عما يجبرهم علي إضاعة الوقت .. } ولنتأمل كلمة إضاعة الوقت ، وهو الذي لا يقيم حسابا للوقت ، فلم نره يفعل ما يفيد استغلاله له ، أو حتي الإحساس به ، كما أن حالة استقبال مثل هذه الحالة – دفن الأب – هي حالة بالدرجة الأولي حالة عاطفية وجدانية ، وحالة الرفض حالة عقلية ذهنية ، وتغليب الحالة العقلية في هذا الموقف ، يفقده الصدق الفني ، والارتياح المرجو من الكتابة لدي القارئ ، ثم يكمل : { .. قضاء الواجب
" دين أم الواجب "
" ما تسيبش الدين لأن ربنا ممكن يطلع دين أمك .. خد عظة من الموت " .. } [5] . إلا أنه لا يأخذ هذه العظة فضلا عن ها الاستهزاء والسخرية .
وعندما يريد الكاتب أن يصل برفضه لكل شيئ إلي منتهاه ، نراه يثور أيضا علي القوة العليا ، أو الحث علي ذلك :
{ .. فالنار من أسرار الإله وترويضها يعني أننا قد كسبنا جولة ضده . شوقي في الحقيقة كان يثير فينا خوفا لم نعترف بهأبدا فقد كان أصدقنا في اعتراضاته علي الإله . ظل طويلا يقنعنا بالانضمام إليه لتنظيم جمعية أهلية تخاطب الجهات الخارجية لدعم نشاطها ، وأولي هذه النشاطات حث كل سكان الأرض علي الخروج في يوم معين بساعة محددة للتظاهر ضد ممارسات الرب ........
أه ويبقي شعار المظاهرة : يا رب يا ربنا عايزينك تبقي مننا ... } [6] . ومثل هذا التصريح الصادم يثير السؤال من جديد ، هل حرية الكاتب أن يقول كل ما يشاء ، وهل الحرية حرية مطلقة ؟ في حين أن الحرية المشروطة أكثر صعوبة ، وأكثر فنية ، إذ الحرية المطلقة لا يبذل الكاتب من خلالها مجهودا كبيرا حيث يقول كل ما يريد دون البحث عن بدائل ، أما في الحرية المشروطة فيسعي الكاتب للتعبير عما يريد بطرق مختلفة عن طريق التورية والكناية والاستعارة ، الأمر الذي يُشعر القارئ باحترام عقليته ويدعوه للمشاركة في إعادة خلق العمل ، ويشعره بما بذل الكاتب من مجهود من أجله ، كما أنه يساعد في خلق الجانب الجمالي للإبداع . إضافة إلي ما يقوله د . رمضان بسطاويسي حول الحرية والإبداع :
[ .. فالحرية الإنسانية ليست حرية مطلقة ، بل تمر بمرحلة من الصراع والتناقض ، حتى تصل إلي مرحلة الوجود الضروري ، التي فيها يصبح اختيارها لذاتها مجرد تعبير زمني عن حقيقتها الأزلية ، وفكرة الوعي بالمصير والوع الكلي ليستا سوي تعبير فلسفي عن تلك الضرورة الوجودية في صميم الإبداع لا بنفصل عن الحرية ، أما الوعي بالمصير فهو ذلك الموقف الذي يجد الفنان نفسه فيه ، فلا يمكن أن يتصور أن يوجد آخر أو يكون موجداً آخر .... فالفنان يكبل نفسه بقيود هي شروطه الخاصة .. ][7] .
وأود أن أؤكد هنا أننا لا ننظر بمنظور ديني ، ولا نريد أن نعيد محاكم التفتيش ، ولا نصادر حرية الكاتب فيما يكتب ، وإنما ننظر بمنظور فني ، هل مثل هذه المشاعر يمكن أن تعبر عن صدق فني ؟ وهل مثل هذه المواقف يمكن أن تصنع شخصية حقيقية ؟ . كما أننا لا نفرض علي الكاتب اتباع منهج معين أو الإلتزام بالمواصفات الصارمة للكتابة – إن كان هناك قواعد صارمة – وإنما إذا ما أراد الكاتب أن يثور علي المتعارف عليه ، فعليه أن ينشئ لنفسه ألياته الخاصة التي يتواصل بها مع قارئه . فعندما تناولنا رواية " أن تكون عباس العبد " مثلا لأحمد العايدي ، تناولنا كيف أنه لم يلتزم يتلك القواعد التقليدية للرواية ، ولكنه خلق لنفسه البديل الذي استطاع به أن يخلق معمارا روائيا ، وصل به إلي حالة الإشباع لدي القارئ .
أما في تصورنا أن الكاتب - هنا – فقد دخل العمل ولديه نية مبيتة أن يكتب شيئا ( جريئا ) عن الرفض ، ومجرد وجود النية والاصرار عليها يفسد التفاعل الانساني ويحيل العمل الأدبي إلي رؤية فكرية أقرب إلي الدراسة أة المقال منها إلي العمل الأدبي ، فقد راح يرفض الأب ، والأم ، والأباء جميعا ، والحكام ، والرسول ، والإلاه . وجاءت الشخصية أشبه بالنموذج – غير البشري – أو الألة التي تتحرك وتنطق بما يريده الكاتب أن يحمله من آراء وأفكار.
شوقي عبد الحميد يحيي
22 / 8 /2006
EM : shawkyshawky2004@yahoo.com




[1] - دار ميريت – الطبعة الأولي 2005
[2] مجلة فصول – المجلد الحادي عشر – العدد الأول – ربيع 1992
[3] كولن ولسن – ما بعد اللامنتمي – ترجمة يوسف شرورو – منشورات دار الآداب – بيروت – 1965
[4] ص – 33
[5] ص – 47
[6] ص - 73
[7] - مجلة فصول – المصدر السابق
صورة شوقي عبد الحميد يحيي
القسم: 

التعليقات

 
الاستاذ شوقى .. شكرا لنقدك ولرأيك الجليل
الذى اتفق فيه معك حول الكاتب
تحية  لمجهودك العظيم
دعاء

dodo_nomercy
صورة dodo_nomercy
 
المجتهدة العظيمة دعاء
كل الشكر علي متابعتك الدؤبة
وكل الشكر علي مجهودك المتميز في الموقع
وكل الأمنيات أن أقرأ إبداعك الذي طال الاشتياق إليه
وكل الأمنيات الطيبة بدوام التوفيق
شوقي عبد الحميد يحيي
صورة شوقي عبد الحميد يحيي
 
المجتهدة العظيمة دعاء
كل الشكر علي متابعتك الدؤبة
وكل الشكر علي مجهودك المتميز في الموقع
وكل الأمنيات أن أقرأ إبداعك الذي طال الاشتياق إليه
وكل الأمنيات الطيبة بدوام التوفيق
شوقي عبد الحميد يحيي
صورة شوقي عبد الحميد يحيي

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات