You are here
بين الإيديولوجية ولأدلجة يتجسد التضليل

بين الإيديولوجية ولأدلجة يتجسد التضليل
محمد الحنفي
1) في البداية، لابد من الإشارة إلى أن المفهوم لابد أن يتم استيعابه، حتى نتمثل حقيقته، أو نقاربها من خلال الاستعمال، من أجل أن يكون التواصل واضحا، وهذا ما حصل بالنسبة للسيد هاشم الخالدي في مقالته التي تحمل عنوان: "حول أدلجة الدين ادلجة أم اجترار/ تعليق على مقال الكاتب الأستاذ محمد الحنفي"، المنشور بجريدة الحوار المتمدن الإليكترونية، عدد رقم: 1631 بتاريخ 3/8/2006. حيث ذهب إلى "أن المشكلة في عصرنا ليست هي أدلجة الدين. وإنما العودة إلى مفاهيم عصر مضى من وحي النفس، ولعقل، لواقع قديم، ولحاضر اجتماعي ... الخ".
ومنذ البداية يظهر أن السيد هاشم الخالدي لا يستوعب لا مفهوم "أدلجة الدين"، و لا مفهوم "الإيديولوجية". ونحن من جهتنا لا ندخل معه في مناقشة ما أورده في مقالته، التي احترم وجهة نظره الواردة فيها. ولكننا نذهب إلى توضيح مفهوم الإيديولوجية، ومفهوم الأدلجة. وكون أدلجة الدين هي المشكلة، ودور أدلجة الدين في تحريف تاريخ الأولين، مجيبين على السؤال:
ماذا نعتمد في التمييز بين الدين، وأدلجة الدين؟
ودور المثقفين في إشاعة التمييز بين الدين، وأدلجة الدين، وضرورة التمييز بين التراث الديني التاريخي، وبين الأدلجة التي تستهدف ذلك التراث، ثم الوضوح الإيديولوجي، وضرورة الوضوح الديني، حتى يكون ذلك مساهمة منا في جعل القارئ المتتبع يملك رؤيا واضحة حول مفهوم الدين، ومفهوم الإيديولوجية، ومفهوم أدلجة الدين.
2) وإذا كان لابد من توضيح المفاهيم التي تطرح إشكاليات معينة، فإن المفهوم الإشكالية الذي يتم تغييبه من الكتابات النظرية المختلفة، هو مفهوم الإيديولوجية. وإذا ذكر، فإنه يذكر بطريقة قدحية. والمفروض أن يتم استحضار هذا المفهوم على المستوى النظري، وعلى مستوى الإعلام اليومي. لأن الواقع يفرض استحضاره، واستحضاره لابد أن يكون مرتبطا بتفعيل الصراع في مستوياته المختلفة، مادام المجتمع الذي نعيش فيه طبقيا، وما دامت الطبقات المتصارعة بسبب اختلاف مصالحها قائمة في الواقع.
ونحن في تحديدنا لمفهوم الإيديولوجية، سوف لا نرجع إلى الأدبيات التي عالجت هذا المفهوم، وإنما سنعتمد ما نذهب إليه دائما، ومن منطلق قراءتنا لتلك الأدبيات، ومن منطلق الواقع الطبقي للمجتمعات التي نتحرك فيها، ونظرا لتمسك كل طبقة اجتماعية بمصالحها، ولأن تلك المصالح لابد أن يعبر عنها بواسطة الأفكار، التي تلعب دورا معينا في تحقيق التماسك بين أفراد الطبقة الواحدة، فإن الإيديولوجية، ستكون بالضرورة هي التعبير بواسطة الأفكار، أو بواسطة منظومة فكرية معينة، عن مصالح طبقية اجتماعية معينة، حتى تمتلك تلك الطبقة الوعي بمصالحها الطبقية، التي تعتبر مشتركة بين أفراد تلك الطبقة، حتى تستطيع القيام بالعمل المشترك، من أجل تحقيق تلك المصالح، وحتى تسعى، باستمرار، إلى حماية ما تحقق منها؛ مما يؤدي بالضرورة إلى التماسك الحاصل بين أفراد الطبقة الواحدة، وخاصة إذا أنشئت لأجل ذلك تنظيمات جماهيرية، تعتمد في العمل المشترك، لتحقيق المطالب الطبقية، والسياسية تسعى إلى الوصول إلى مراكز القرار، لجعل المصالح الطبقية منطلقا لإيهام جميع أفراد المجتمع بأنها مصالح جميع أفراد المجتمع.
فالإيديولوجية إذن، وباعتبارها التعبير بواسطة الأفكار، عن المصالح الطبقية، تعتبر ضرورة طبقية، لإيجاد التنظيم الضروري، لقيادة حركة طبقية معينة، لتحقيق مصالحها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، و السياسية، وحماية تلك المصالح، والعمل على الوصول إلى مراكز القرار، لجعل جميع أفراد المجتمع في خدمة تلك المصالح، المؤيدة لسيادة طبقة معينة، على باقي الطبقات التي يتم التحكم فيها إيديولوجيا، وسياسيا، وعن طريق أجهزة الدولة القمعية، التي تعتمد مجموعة من القوانين، التي تكرس سيادة الطبقة الحاكمة.
2) وبعد وقوفنا على تحديد مفهوم الإيديولوجية، التي تعبر عن مصالح الطبقات المتصارعة على الإنتاج، لعلاقتها المباشرة بوسائل الإنتاج، فإن الطبقة الوسطى التي لا علاقة لها بذلك، تلجأ إما إلى توليف إيديولوجي من مجموع الإيديولوجيات المتصارعة، وإما إلى اعتماد الدين الذي تعطيه تأويلها الخاص، لجعله يخدم مصالحها المتمثلة في تحقيق التسلق الطبقي.
فالتوليف الإيديولوجي للطبقة الوسطى، يعتبر مسألة عادية بالنسبة إليها، لكونها متذبذبة، كما يظهر ذلك في تأرجحها بين الطبقة الممارسة للاستغلال، والطبقة التي يمارس عليها الاستغلال.
ونظرا لكون الطبقة الممارسة للاستغلال تجنح باستمرار إلى التقلص، ولأن الطبقات التي يمارس عليها الاستغلال مستلبة إيديولوجيا، وسياسيا، فإن الطبقة الوسطى التي تختار في مراحل معينة استغلال الدين عن طريق التأويل الذي لا يكون إلا إيديولوجيا، تعتبر بذلك مؤدلجة للدين، بتحويله عن طريق التأويل من دين لله، إلى وسيلة لتضليل الناس، وإيهامهم بإمكانية تحقيق بناء الدولة الدينية التي تحقق مصالح الجميع، وهذا التضليل في الواقع لا يخدم إلا مصالح الطبقة الوسطى، التي تستغل الدين بتأويل النصوص الدينية، لخدمة مصالحها الطبقية، وتوظف التراث الديني توظيفا سلبيا في هذا الاتجاه.
وتبعا لما رأيناه، فمفهوم أدلجة الدين: هو عملية تحويلية للنصوص الدينية –عن طريق التأويل- من نصوص تستهدف تحقيق كرامة الإنسان، وإخلاص العبادة لله، إلى نصوص تعطي الشرعية لمؤدلجي الدين، ودعم الله لهم في سعيهم إلى تحقيق بناء "الدولة الدينية"، وهم في الواقع إنما يعملون على توظيف الدين للسيطرة على عقول، ووجدان الكادحين، وتجييشهم في الاتجاه الذي يخدم مصالحهم الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية. وبتعبير آخر، فأدلجة الدين هي تحويل الدين إلى إيديولوجية، والإيديولوجية، كما رأينا، هي التعبير بواسطة الأفكار، عن مصالح طبقة معينة من الطبقات القائمة في المجتمع، ليتم بذلك السطو على الدين، الذي نعتبره انتهاكا جسيما في حق الإنسانية، لأنه يجر إلى القيام بأعمال إرهابية، في كل مكان من العالم، مما يزهق آلاف الأرواح، التي لا يد لها فيما يقوم به المؤدلجون على جميع المستويات، في سعيهم إلى السيطرة على أجهزة الدولة، في مكان تواجدهم، معتبرين ذلك السعي "جهادا"، من أجل إعطاء الشرعية "الدينية" لممارساتهم التي لا تتوقف.
4) وإذا كان السيد هاشم الخالدي يعتبر أن أدلجة الدين ليست هي المشكلة، فإننا نعتبر أن أم المشاكل الكبرى في هذا العالم هي أدلجة الدين المؤدية إلى قيام التطرف، وفي جميع الديانات.
فإسرائيل هي نتيجة لاستغلال ديانة موسى، استغلالا إيديولوجيا، وزعيمة الإمبريالية الرأسمالية العالمية، التي تسعى إلى السيطرة على الكرة الأرضية، هي نتيجة للتطرف الديني المسيحي، والعديد من دول المسلمين التي تعتبر نفسها دولا دينية إسلامية هي نتيجة للتطرف اليميني في بلاد المسلمين، عن طريق تأويل النصوص الدينية، لاعطاء الشرعية لممارساتهم السياسية، ولما يقومون به في جميع أنحاء العالم.
ونحن عندما نرجع إلى التاريخ، وندرسه دراسة معمقة، نجد أنه مليء بالملل، والنحل، والمذاهب، والأحزاب التي قامت، ومنذ القديم، على التأويل الإيديولوجي للنصوص الدينية، كما نجد أن معظم الحروب التي كانت تأتي على الأخضر، واليابس، وقف وراءها فهم معين للدين، وتأويل معين للنصوص الدينية، ليتحول الدين، أي دين، من دين للسلام، وتحقيق كرامة الإنسان، عن طريق بث القيم النبيلة في المسلكيات الفردية، والجماعية، إلى دين للحرب، وقطع الأيدي، والأرجل، و نشر الرعب، والإرهاب في نفوس المتدينين، وغير المتدينين، مما يؤدي إلى خضوعهم، المطلق، للدولة الدينية، التي يسيطر عليها مؤدلجو الدين، والتي لا تخدم، في العمق، إلا مصالحهم الطبقية.
ولذلك، فأدلجتهم للدين تعتبر كارثة إنسانية تقف، ومنذ القدم، وإلى يومنا هذا، وراء عشرات الآلاف من المجازر، التي تنعكس سلبا على التاريخ البشري، وعلى الطبيعة، التي تتحول بسبب الحروب، وبسبب العمليات الإرهابية، إلى مجرد خراب، ولا يمكن، أبدا، أن تقف أدلجة الدين وراء إشاعة الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، التي تتحقق من خلال كرامة الإنسان. لأن أدلجة الدين، محكومة بالمنطق الاستبدادي، الذي يعتبر، من وجهة نظرنا، جريمة ضد الإنسانية.
5) ومن منطلق فهمنا لأدلجة الدين، ولممارسات مؤدلجيه، نذهب إلى أنه لا علاقة للدين، بأدلجة الدين.
فالدين، وكما وضحناه في غير ما مكان من كتاباتنا، هو تعبير عن اعتقاد معين، أو عن مجموعة من المعتقدات، بواسطة القيم النبيلة، التي يعمل دين معين، أو مجموعة من الأديان، على بثها بين الناس، وجعلها جزءا لا يتجزأ من المسلكية الفردية، والجماعية في نفس الوقت، بهدف تحقيق كرامة الإنسان، كما جاء في القرآن الكريم: "و لقد كرمنا بني آدم"، وتكريم الله لبني آدم، سواء كانوا متدينين، وغير متدينين، لا يتأتى إلا ببث القيم النبيلة، عن طريق النصوص الدينية، وعن طريق الطقوس الدينية، التي تختلف من دين إلى آخر، ليتحول الإنسان في اتجاه الإنسان المثال، الذي يعتمد في التضحية من أجل خدمة الإنسانية.
أما أدلجة الدين، فهي مجموع التأويلات، التي تستهدف توظيف النصوص الدينية من أجل خدمة مصالح الطبقة المراهنة على تلك الأدلجة، ليتحول الدين، بذلك، من معتقد يسوق إلى التحلي بمجموعة من القيم النبيلة، وإلى القيام بطقوس معينة، تتناسب مع طبيعة ذلك الدين، تعبيرا عن الانتماء إلى معتقد معين، وإرضاء لله الذي بعث رسله لتعريف الناس بضرورة الإيمان بها، حتى ترتفع مكانتهم، وتحفظ كرامتهم، التي هي الغاية القصوى من الإيمان بدين معين، والتحلي بقيم ذلك الدين، إلى دين لا يخدم إلا مصالح طبقة معينة، يسعى قياديوها المؤدلجون للدين، إلى جعل الناس يعتقدون: أن الدين وسيلة تعتمد لتأطير الناس، وتجييشهم لتسييد أدلجة الدين من جهة، ولجعل المؤدلجين يكرسون الاستبداد القائم، باعتبار الدولة القائمة "دولة إسلامية"، أو يعملون على فرض استبداد بديل، عن طريق إقامة "الدولة الإسلامية".
ومعلوم أن تأويل النصوص الدينية، يختلف باختلاف التيارات، وباختلاف الأفراد داخل التيار الواحد، نظرا لاختلاف المصالح. وهو ما يعني أن أدلجة الدين، تؤدي بالضرورة إلى قيام الطوائف القائمة على أدلجة الدين، خاصة، وأننا نجد في كل بلد يسود فيه دون معين، مجموعة من الطوائف الدينية، التي يمكن أن تدخل في مرحلة معينة، في صراع تناحري طائفي، كما حصل في مجموعة من المراحل التاريخية، وكما يحصل في العديد من البلدان، وكما يمكن أن يحصل في العديد من البلدان الأخرى، وكما يمكن أن يحصل في أي بلد مستقبلا، مما يجعل الصراع ينحرف من مساره الحقيقي، ليصر صراعا دينيا ـ دينيا، أو مذهبيا ـ مذهبيا، في إطار الدين الواحد.
وهذا التعدد في التأويل المؤدلج للنصوص الدينية، سببه اختلاف المصالح الطبقية: الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، و السياسية، واختلاف درجة التطلع الطبقي، واختلاف طموحات الأفراد في إطار التيار الواحد المؤدلج للدين.
ولذلك، و حسب هذه التوضيحات التي أتينا على ذكرها، فإن العلاقة بين الدين، وأدلجة الدين، غير قائمة أصلا، إلا إذا تعلق الأمر بما يمكن أن نسميه بأسر الدين بواسطة أدلجته، وعن طريق إيهام الناس بقيام التطابق بين الدين، وأدلجة الدين.
وهذا الاستنتاج يقتضي قيام المثقفين، بحملة واسعة، من أجل العمل على تفنيد تأويلات مؤدلجي الدين، من أجل نفي تلك التأويلات، وصولا إلى تكريس الفهم الصحيح للدين، الذي يجب أن يبقى بعيدا عن الأمور الإيديولوجية، والسياسية، حتى تبقى المعتقدات، وما يترتب عنها، خالصة لله، من خلال علاقة المؤمن بالله.
فهل يلعب المثقفون دورهم في هذا الاتجاه؟
6) وتبعا لانتفاء العلاقة بين الدين، وأدلجة الدين، نجد أن مؤدلجي الدين يوظفون كل الإمكانيات المتوفرة لديهم، من أجل إعطاء الشرعية لأدلجتهم للدين.
ومن الأمور التي توظف في هذا الاتجاه: التاريخ الديني، أو تاريخ الأولين الذين قام دين معين على أيديهم، أو ساهموا في انتشاره، في مراحل تاريخية معينة.
فهذا التاريخ يتم استرجاعه لا كما هو، لأنه لا يمكن ذلك، ولا على أساس البحث العلمي، كما يسعى إلى ذلك الباحثون، بل كما يقرأه، ويؤوله مؤدلجو الدين، انطلاقا من مصالحهم الطبقية. وما يختاره مؤدلجو الدين من تاريخ دين معين لا يأتي في إطار الصيرورة التاريخية التي تقتضي التحول المستمر للمتدينين، ولفهم للدين، كما يجب أن يكون الأمر، حتى لا نقول التحول للدين، بل نجد أن ما يختارونه يتخذ طابعين:
أ- طابع الاجتزاء الذي يقتضي القطع عن ما سبق، ويقتضي اتخاذه مثالا للاقتداء من المتدينين اللاحقين إلى ما لا نهاية.
ب- طابع التقديس، لأن المجتزأ من تاريخ دين معين يصير مقدسا، لاتخاذه طابع الاطلاقية، ليحصل التداخل بين الله، وبين الدين، وبين المجتزأ من تاريخ الدين.
وتبعا لتقديس ذلك المجتزأ، يصير مؤدلجو الدين مقدسين بدورهم، باعتبارهم مصدر المعرفة المطلقة للدين، التي تنسحب على جميع العصور: السابق منها، واللاحق. وهذه المعرفة المطلقة، لا تكتسب، بقدر ما توهب من الله، حسب ما يدعيه مؤدلجو الدين، لتصير معرفتهم بالدين مرتفعة إلى مستوى الوحي. فتكون بذلك مقدسة، ويصيرون هم أيضا مقدسين، لندخل من خلال الأدلجة إلى شبكة من المقدسات، التي لا تنتهي إلا بموت المقدس، العابر، الذي ليس إلا مؤدلجا للدين.
ولذلك، فعمل مؤدلجي الدين، لا يتوقف عند حدود تحريف النصوص الدينية عن طريق التأويل الإيديولوجي، بل إن التاريخ المجتزأ، والمطلق، يتم أيضا تحريفه عن طريق التأويل، حتى يخدم مصالح مؤدلجي الدين الطبقية. وهكذا كان تأويل مؤدلجي الدين الإسلامي لمرحلة الخلفاء الراشدين، المجتزأة من تاريخ الدين الإسلامي، مقدسا، ومثالا يحتدى، ويعتبر في التقديس. وإحياء تلك المرحلة، كما يدعي ذلك مؤدلجو الدين الإسلامي، يعتبر مهمة مقدسة، لا يقوم بها، ولا يقودها إلا مؤدلجو الدين الإسلامي، كتبرير لإقدامهم على بناء "الدولة الإسلامية"، التي ليست إلا دولة مؤدلجي الدين الإسلامي. لأن نصوص الدين الإسلامي، لا وجود فيها لشيء اسمه: "الدولة الإسلامية". ودولة الخلفاء الراشدين هي دولة المسلمين في ذلك الوقت، التي تكونت بناء على ما تكون لديهم من رؤى، وتصورات، باعتبارهم ينتمون إلى طبقات اجتماعية معينة، سعت –حسب فهمها- إلى حماية مصالحها الطبقية، باعتماد ما ورد في القرءان من أحكام، بسبب عدم وجود قوانين مدونة، يتم الاحتكام إليها، ولا يمكن إطلاقا أن تسمى دولة الخلفاء الراشدين بالدولة الإسلامية، كما لا يمكن أبدا أن نسمي دولة الأمويين، ولا دولة العباسيين بالدولة الإسلامية، وقس على ذلك.
ولهذا الفهم، الذي وضحناه، لا يمكن تسمية ما يقدم عليه مؤدلجو الدين الإسلامي من بناء لدولة معينة بالدولة الإسلامية. وكل ما في الأمر، أنهم يجتزئون من التاريخ مرحلة معينة، يصلح توظيفها لاعطاء الشرعية لممارساتهم.
فهل يدرك المثقفون الحقيقيون، ما يقوم به مؤدلجو الدين الإسلامي من تحريف للتاريخ، تبعا للتحريف الذي يلحقونه بالدين؟
7) و إذا كان الأمر كذلك، فعلى ماذا نعتمد في التمييز بين الدين، وبين أدلجة الدين؟
ففي مستهل هذه الفقرة، لا بد أن نشير إلى أن الدين معتقد معين، يعتقده شخص معين، أو جماعات معينة، يترتب عنه الالتزام بقيم معينة، تسعى إلى التوحيد، والتمييز بين المومنين، والمقتنعين بذلك المعتقد، والممارسين لمسلكيات معينة، بناء على شرعة معينة، تنظم العلاقة بين المومنين أولا، ثم بينهم، وبين غيرهم ثانيا، وبأداء طقوس معينة، إما بشكل فردي، أو بشكل جماعي، وفي أماكن معينة، ومخصصة لهذه الغاية، بهدف إظهار الطاعة لمصدر ذلك المعتقد ... والخضوع المطلق لإرادته، ومشيئته، انطلاقا من نصوص معينة، كما هو الشأن بالنسبة للديانات السماوية، أو ديانات أهل الكتاب، رغبة في الثواب، وتجنبا للعقاب الذي لا يعلم كيفه، ومقداره إلا المعتقد بوجوده الأبدي، الذي لا يعلم الغيب غيره، كما جاء في القرءان" إن الله عنده علم الساعة، و ينزل الغيث، و يعلم ما في الأرحام، و ما تدر،ي نفس ماذا تكسب غدا، و ما تدري نفس بأي تموت".
ولذلك، فجميع الديانات التي عرفتها البشرية عبر التاريخ، هي مجموعة من المعتقدات التي تحكمت في مسلكيات الناس، الفردية، والجماعية، من خلال تسييد منظومات من القيم، وفرض أنماط من الطقوس المعبرة عن تلك الديانات، ومحاولة نسج مجموعة من المعتقدات التي تحكمت في مسلكيات الناس الفردية، والجماعية من خلال تسييد منظومات من القيم، وفرض أنماط من الطقوس المعبرة عن تلك الديانات، ومحاولة نسج مجموعة من العلاقات الاجتماعية، التي أريد لها أن تصير ذات مصدر غيبي/ ديني، انطلاقا من نصوص دينية معينة.
أما أدلجة الدين، فهي عملية تحريفية / تأويلية، للنصوص الدينية، لجعل ذلك المعتقد، أو المعتقدات في خدمة الجهة المؤدلجة للدين، ومعبرة عن مصالحها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، ومنصبة لها كوصية على الدين المؤدلج، الذي يصير سائدا برغبة، وبكيف، وبتأويل المؤدلجين، الذين يصيرون مصدر المعرفة "الدينية".
وأدلجة الدين، هي عملية بشرية تمويهية، تسوق إلى تنميط المجتمع، من خلال تنميط "فهم" المعتقدات، و"الشرائع"، في عملية إخراج واسعة لدين معين، أو لمجموعة من الأديان، بما يتناسب مع تصور، وتأويل المؤدلجين لدين معين، أو لمجموعة من الأديان، بهدف التحكم في المتدينين، والسعي إلى تجييشهم، لخدمة مصالح مؤدلجي دين معين، أو لمجموعة من الأديان، المتمثلة في السيطرة على مجتمع معين، أو على المجتمعات البشرية برمتها، لحملها على خدمة مصالح المؤدلجين، بواسطة أجهزة الدولة، التي تصير في نظر المؤدلجين، دولة "دينية".
ولذلك، فالتمييز بين الدين، وبين أدلجة الدين، يتم من خلال التمييز بين منطوق النصوص، وبين تأويل تلك النصوص.
فمنطوق النصوص يساعد على الفهم البريء للدين، الذي يستلزم الإيمان أولا، والتحلي بالقيم المنصوص عليها ثانيا، وأداء الطقوس المطلوبة ثالثا.
أما تأويل النصوص، فلا يستلزم الوقوف عند منطوق النصوص، بل يتجاوزها إلى محاولة فهم معين، انطلاقا من واقع معين، وسعيا إلى خدمة مصالح معينة، ورغبة في تحقيق أهداف معينة، لتصير القيم، والطقوس منمطة، من أجل التمييز على مستوى الشكل، وعلى مستوى المضمون، للمساهمة في تسييد وجهة نظر معينة، في تأويل النصوص الدينية، التي تختلف من تيار إلى آخر، ومن مكان إلى آخر، ومن عصر إلى آخر، بسبب اختلاف المصالح الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، للجهة، أو الطبقة المؤدلجة للدين.
وبهذا التمييز نجد أن التعارض قائم بين الدين، وبين أدلجة الدين من خلال اعتبار:
أ - الدين من وحي الله، الذي يهدي إليه من يشاء من المومنين به، والممتثلين للتحلي بقيمه.
ب- أدلجة الدين من فعل البشر العاجزين عن إنتاج إيديولوجية معينة، لانتفاء علاقتهم المباشرة بوسائل الإنتاج في التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية القائمة.
8) فما هو دور المثقفين في إشاعة التمييز بين الدين، وبين أدلجة الدين؟
إن دور المثقفين ليس من السهولة المطلوبة، وليس كل المثقفين قادرون على القيام بدور معين، خاصة، وأن المثقف لا يمكن أن يكون إلا منحازا لطبقة معينة، وأن تلك الطبقة لابد أن تكون محتضنة لهذا المثقف، أو ذاك. ولذلك فالمثقف الذي يطلب منه أن يقوم بدور معين، هو المثقف العضوي، أو الثوري، وليس أي مثقف، ومن أي نوع كان.
وما دام الأمر كذلك، فإن المطلوب من المثقف الثوري، أو العضوي، أن يكون له إلمام واسع، وعميق بالدين، وبأدلجة الدين، حتى يتسنى له التمييز بين الدين، وأدلجة الدين، من أجل القيام بدور معين في أوساط الجماهير الشعبية الكادحة.
ونحن عندما نشترط أن يكون المثقف ثوريا، أو عضويا، فلأن هذا المثقف يمتلك إمكانية الارتباط بالجماهير الشعبية الكادحة؛ لأن هذه الجماهير هي المستهدفة بتضليل أدلجة الدين، وهي التي يجب أن تستهدف بتوضيح التمييز بين الدين، وأدلجة الدين، حتى تصير على بينة مما يجري من استغلال للدين في الأمور الإيديولوجية، والسياسية، وحتى نتجنب تعاطيها مع أدلجة الدين، وحتى تحرص على أن يصير الدين قوة مادية قائمة في الواقع، لا يتجاوز أن يكون خالصا لله، متميزا عن أدلجة الدين، عاملا على تغذية المقتنعين به بالقيم النبيلة، التي تحقق كرامة الإنسان، وتؤهله للحفاظ عليها.
والمثقف الثوري لا يكون كذلك إلا ب:
أ - ارتباطه العضوي بالجماهير الشعبية الكادحة، وطليعتها الطبقة العاملة.
ب - امتلاكه للوعي الطبقي الحقيقي، الإيديولوجي، والسياسي، والتنظيمي.
ج - امتلاكه للمعرفة الواسعة بالحقوق الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية.
د ـ امتلاكه للخبرة بالواقع الذي يتحرك فيه، وعلى جميع المستويات، وفي جميع مناحي الحياة.
ه - إدراكه العميق للعوامل الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، و السياسية، التي أدت، وتؤدي إلى سيادة، أو تسييد أدلجة الدين.
و - معرفته العميقة بحقيقة كل دين على حدة، وبالأهداف المتوخاة من وراء كل دين، وبالشروط الموضوعية التي أدت إلى بروزه في مرحلة تاريخية معينة.
ز - معرفته الدقيقة بالشروط المتغيرة، التي تؤدي إلى بروز مؤدلجي الدين، وبالأهداف البعيدة، والقريبة، والمتوسطة، التي يسعون إلى تحقيقها، حتى يلعبوا دورهم في تفنيد دعاواهم للأدلجة.
ح - قدرته على تجسيد احترام الدين كمعتقد، ومواجهة أدلجة الدين كممارسة تحريفية للدين.
ومن الأكيد أن المثقف الثوري، عندما يكون كذلك، لابد أن يشكل القنطرة التي يمر منها الوعي بحقيقة الدين، والوعي بحقيقة أدلجة الدين، كشكل من أشكال الوعي الطبقي الحقيقي، الذي يجب أن يتسلح به الكادحون، وطليعتهم الطبقة العاملة، حتى يدخلوا في اعتبارهم أن مواجهة مؤدلجي الدين الإسلامي، تعتبر جزءا لا يتجزأ من الصراع الطبقي الحقيقي، في مستواه الإيديولوجي، وحتى يتمرس الكادحون بدورهم على التمييز بين الدين، وبين أدلجة الدين في ممارستهم اليومية، وفي رؤاهم الآنية، والمستقبلية.
وبذلك يتبين أن دور المثقفين لا يكون إلا ثوريا، وأن هذه الثورية تتجسد في نقل الوعي بالدين، وبأدلجة الدين إلى الكادحين، وطليعتهم الطبقة العاملة، الذين تناط بهم مهمة حماية الدين من التحريف، ومواجهة المحرفين المؤدلجين للدين الإسلامي، من أجل فرض احترام الدين كمعتقد أو كمجموعة من المعتقدات المرتبطة بواقع الكادحين، ومن أجل العمل على نفي أدلجة الدين كممارسة تحريفية.
9) وتمييز الدين عن أدلجة الدين، لا تتجسد على أرض الواقع إلا باستحضار ضرورة التمييز بين التراث الديني التاريخي، وبين الأدلجة التي تستهدف ذاك التراث، لإعطاء الشرعية لممارسات مؤدلجي الدين في أية مرحلة تاريخية معينة.
وإن أول شيء يجب الوقوف عنده: هو ضرورة التمييز بين الثابت، والمتحول في الدين، أي دين.
فالثابت في الدين، أي دين هو الإيمان المطلق به، وبالقوة التي وقفت، وتقف وراء وجوده، وبالقيم التي حملها ذلك الدين إلى البشرية، وبالممارسة الطقوسية المعبرة.
والمتحول هم البشر الذين يؤمنون بالدين، أي دين، والذين يختلفون من زمن إلى زمن، ومن مكان إلى مكان، وتختلف شروط وجودهم الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، مما يؤدي إلى اختلاف فهمهم للدين.
وضرورة اختلاف الفهم ناتجة عن اختلاف الشروط الذاتية، والموضوعية، التي يخضع إليها المومن بدين معين. وهذا الاختلاف الذي ينتج لنا أدبيات دينية ترتبط بالزمن، وبالمكان، هي التي نسميها بالتراث الديني، لأن من حق كل مؤمن بدين معين، أن يمتلك فهمه الخاص بما يؤمن به، ومن حقه أن يعمم فهمه الخاص، لدينه، على جميع الناس، سعيا إلى إحداث تفاعل بين الأفهام المختلفة، والمتنوعة، لنسج قاسم مشترك بين الناس جميعا، في فهم جماعي لدين معين، في مكان معين، وفي مرحلة تاريخية معينة. وذلك الفهم الجماعي، هو الذي يحقق وحدة العقيدة التي تتحول إلى قوة مادية معينة. وهذه القوة هي التي تساعد على قيام الكادحين بدور معين، في مرحلة تاريخية معينة، وهذا الدور تلعب فيه وحدة العقيدة دورا مساعدا، بعيدا عن الإيديولوجية، التي لها علاقة بالمصالح الطبقية.
وما دام التراث الديني يرتبط بما تراكم لدى الشعوب المعتقدة بدين معين، فإن ذلك التراث يجب أن يبقى بعيدا عن الاستغلال الإيديولوجي، الذي ينطلق منه لجعله مفهوما فهما مطلقا صالحا للتطبيق في كل زمان، وفي كل مكان. والإطلاقية التي تعتمد في التعامل مع فهم معين، لدين معين، في مرحلة تاريخية معينة، هي التي تؤدي إلى تحويل ذلك الفهم إلى مقدس. ليصير معبودا، ومعبرا، بذلك التقديس، عن إيديولوجية دينية معينة، يلجأ في إطارها المؤدلجون إلى جعل ذلك الفهم معبرا عن مصالحهم الطبقية. ومن أجل إعطاء الشرعية لأدلجتهم للدين. لأن العمل على تكريس إطلاقية فهم دين معين، هو نفسه العمل على تقديس ذلك الفهم، وهو نفسه الممارسة الإيديولوجية التي تستهدف توظيف التراث الديني لخدمة المصالح الطبقية، كما هو الشأن بالنسبة للفهم الذي تكون عند المسلمين في مرحلة الخلفاء الراشدين، الذي تحول إلى فهم مطلق، يعمل مؤدلجو الدين الإسلامي على اعتماده لاعطاء الشرعية لممارستهم الإيديولوجية، والسياسية.
ومعلوم أن أي تقديس، في الدين الإسلامي، يستهدف تقديس غير الله، حتى وإن تعلق الأمر بتقديس فهم المسلمين للدين الإسلامي في عصر الخلفاء الراشدين، يعتبر تحريفا للدين الإسلامي.
ومؤدلجو الدين الإسلامي يسعون إلى تقديس فهم معين، يرونه مؤديا إلى خدمة مصالحهم الطبقية، ومكرسا لتقديسهم على أرض الواقع، و لتقديس فهمهم، ولتقديس تنظيماتهم، ولتقديس زعاماتهم. وهو ما يؤدي بالضرورة إلى تعدد المقدس، وتعدد المقدس لا يمكن اعتباره إلا شركا بالله، والشرك بالله، من وجهة النظر الإسلامية الحقيقية، يعتبر طامة كبرى، كما جاء في القرءان الكريم: " إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء".
وتقديس مؤدلجي الدين لتراث معين، في مرحلة تاريخية معينة، يدخل بدوره في إطار المتحول، لأنه يرتبط بدوره بمرحلة تاريخية معينة، قد تصير بدورها في ذمة التاريخ.
ولذلك، فالتمييز بين الدين، وبين التراث الديني، يعتبر ضرورة آنية، ومستقبلية، وتاريخية، في نفس الوقت، حتى نستطيع حماية الدين من أسر الأدلجة، وحتى يكون فهمنا للدين من منطلق ما نعيشه، نحن، من شروط ذاتية، وموضوعية، حتى نستطيع صياغة القيم الدينية المناسبة لنا، وحتى لا ننسلخ عن واقعنا، ونعيش في ذمة التاريخ. ونعتمد ذلك التاريخ في نفي حركة الواقع، الذي نسعى إلى قولبته، وفق ما يقتضيه الفهم التاريخي للدين، الذي يتخذ طابع الإطلاقية، مما يؤدي، بالضرورة، إلى تنميط الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والمدني، والسياسي، في إطار ما يسميه مؤدلجو الدين ب: "الدولة الدينية"، التي ليست إلا دولة مؤدلجي الدين، التي تشرف على فرض تحريف الدين، من خلال شرعنة تنميط مظاهر الحياة المختلفة، مما يتناقض مع الدين نفسه؛ لأن الانسلاخ عن الواقع هو بداية الانحراف عن المسار التاريخي، في اتجاه اللا تاريخ. لجعل المطلق مقياس الوجود، والعدم، بدل النسبي، الذي يقود إلى تكريس المعرفة العلمية للواقع، التي تقتضي ضرورة التمييز المعرفي، والعلمي، بين الدين كعقيدة، وكإيمان، وبين التراث الديني كفهم مختلف، من زمن إلى زمن آخر، ومن مكان إلى مكان آخر.
10) فهل يمكن أن يتكرس الوضوح الإيديولوجي انطلاقا من الفصل بين الدين، والتراث الديني؟
إن الدين، مهما كان، وكيفما كان مغرقا في القدم، لا يتجاوز أن يكون اعتقادا بوجود قوة خارقة، يعتبرها المعتقد مصدر وجود هذا الكون، ومصدر التحولات التي يعرفها. وهذه القوة مطلقة، وغيبية، تستوجب الخضوع لها. والإيمان بقدرتها على كل شيء، مما يستوجب عبادتها طبقا لطقوس معينة، تتحدد حسب طبيعة الدين، من أجل الفوز برضى المعبود في الحياة الأخرى.
أما التراث الديني، فهو ذلك التراكم الهائل، الناتج عن فهم معين، في مكان معين، وفي زمن معين، و انطلاقا من شروط ذاتية، وموضوعية معينة، ليست ملزمة في تحقق لإيمان بدين معين، بقدر ما هي مساعدة على فهم نصوصه، ما لم تتأدلج، فإنها تصير معرقلة للفهم الصحيح للنصوص الدينية.
وعملية الفصل بين التراث الديني، والتراث المؤدلج للدين، تعتبر مسألة ضرورية، حتى نستطيع التمييز بين الفهم الصحيح للنصوص الدينية، وبين الفهم المؤدلج للدين، وحتى نستطيع كذلك التمييز بين الدين، وبين أدلجة الدين.
فالتراث الديني: هو محاولة فهم النصوص الدينية، بتوظيف آليات معنية، تقتضيها طبيعة تلك النصوص في كل مرحلة من مراحل تاريخ التراث الديني، بعيدا عن السعي إلى تحقيق مصلحة معينة، إيديولوجية، كانت، أو سياسية.
أما التراث المؤدلج للدين: فهو عبارة عن تراكم عمليات تأويل النصوص الدينية، في مختلف الأمكنة، والأزمنة، انطلاقا من مصلحة طبقية معينة، عن وعي، أو عن غير وعي، لخدمة مصلحة طبقية معينة، وسعيا إلى حماية تلك المصلحة في مكان معين، وفي زمن معين.
وهذا الفصل بين الدين، وبين التراث الديني من جهة، وبين التراث الديني، والتراث المؤدلج للدين، يعتبر مسألة منهجية، وضرورية، لحماية الدين من جهة، ولاعتماد التراث الديني من جهة أخرى، في فهم النصوص الدينية، للعمل على جعل المومنين بدين معين، يدركون خطورة أدلجة الدين، وما سببته من كوارث إنسانية على مر العصور، بسبب ما يعرف بالصراع الديني / الديني، إذا اختلفت الأديان، أو بالصراع المذهبي / المذهبي، في إطار الدين الواحد.
وبالفصل بين الدين، وبين التراث الديني، وبين التراث الديني، والتراث المؤدلج للدين، يصير الدين منعتقا من أسر الإيديولوجية، التي تتحدد هويتها، تبعا لتحدد هوية الطبقات الاجتماعية المتصارعة على أرض الواقع، لأن كل طبقة لها مصالحها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، ولها أفكار تخصها، تعتمدها في حماية مصالحها الطبقية، وتلك الأفكار التي لا تكون إلا معبرة عن مصالح طبقية معينة، هي التي تساهم في بناء منظومة فكرية معينة، تكون مهمتها حماية المصالح الطبقية، هي التي تسمى بالإيديولوجية، التي لا تكون إلا واضحة.
ولذلك، فالوضوح الإيديولوجي، يجب أن يبقى بعيدا عن توظيف الدين، وعن توظيف التراث الديني؛ لأن ذلك التوظيف، هو عين التضليل، الذي مورس في عصور مختلفة، وفي جميع الأديان، ولازال يمارس إلى يومنا هذا.
11) فهل نكون قد وفينا بالمراد من توضيح ما معنى التمييز بين الدين، الذي لا يكون إلا لله، وبين أدلجة الدين، التي هي من فعل البشر، الذين لا يتصرفون إلا انطلاقا من مصلحة معينة. والمصلحة، حتى وإن كانت فردية، فإن مسوغها لا يكون إلا طبقيا؟
إن السيد هاشم الخالدي الذي نرجو أن يعيد قراءة مقالتنا السابقة " بين الدين و أدلجة الدين مسافة التضليل" المنشورة على موقعنا الفردي في الحوار المتمدن، وبإمعان كامل، نرجو كذلك أن يقرأ، وبإمعان، هذه المقالة، من أجل استيعاب الخلفية التي تحكمنا من وراء دعوتنا إلى ضرورة التمييز بين الدين، وبين أدلجة الدين بصفة عامة، ومن أجل المساهمة في النقاش الدائر، والواسع، لظاهرة أدلجة الدين الإسلامي بصفة خاصة؛ مما جعل تلك الأدلجة تقف وراء هذه الكوارث العظيمة، الناجمة عن تلك الادلجة، التي أساءت إلى الدين الإسلامي بالخصوص، الذي تحول، بسبب تلك الأدلجة من دين للسلام، إلى دين للإرهاب، على جميع المستويات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، و السياسية.
والذي يهمني، هنا، ليس هو الفصل بين الدين، وأدلجة الدين، من خلال التمييز بين الدين، والتراث الديني، ومن خلال التمييز، كذلك، بين التراث الديني، والتراث المؤدلج للدين. لأن تلك المهمة، ليست مهمة شخص واحد فقط، بل هي مهمة المجتمع برمته. إن الذي يهمني: هو التوضيح، من وجهة نظر معينة، باعتماد منهج معين في التحليل، وفي التفكير، من أجل الوصول إلى خلاصات معينة، تكون منطلقا لإثراء النقاش في هذا الاتجاه.
فهل نكون قد أصبنا من خلال ما أتينا على ذكره في هذه المعالجة؟
وهل نكون قد وفينا لفكرة ضرورة الفصل بين الدين، وأدلجة الدين؟
وهل نكون قد ساهمنا في ترسيخ فكر معين، يقف وراء إنتاج ممارسة معينة، تسعى إلى التمييز بين الدين، وأدلجة الدين؟
أم أن هذا الركام، الهائل، الذي هيمن على الأذهان، شكل جبالا عظيمة من أدلجة الدين، التي تحولت، بفعل السيادة، إلى دين لا يمكن تجاوزه، وتبديله؟
إننا عندما طرحنا، ولازلنا نطرح، قضية أدلجة الدين للنقاش، فلأننا نحرص على سلامة الدين من الاستغلال الإيديولوجي، والسياسي، كما نحرص على أن يبقى الله بعيدا عن الصراع الذي يدور بين البشر، والذي لا يكون إلا طبقيا، وخاصة في المجتمعات التي تعتنق الدين الإسلامي. وحرصنا هذا ناجم عن غيرتنا على ديننا، الذي صار وسيلة الاستغلال الهمجي للكادحين، وعن غيرتنا على المسلمين المضللين بأدلجة الدين الإسلامي، الذين لا يستطيعون مغادرة التخلف.
فهل يفهم السيد هاشم الخالدي ماذا نقصد؟
ابن جرير في 06/08/2006
محمد الحنفي
www.elhanafi.com
sihanafi@gmail.com
09/08/2006 - 23:17
القسم:
اقرأ أيضا للكاتب:

