You are here
تاريخ مشترك ..

تاريخ مشرك...
محمد عبده العباسي
الآن ..
تعمني سعادة بالغة ، واستقرار نفسي هادئ ، ليس أمامي سوي أيام قلائل تعد علي أصابع اليدين وتحتل صورتي مختلف الصحف ، إعلانات وتهاني بفوزي بمقعد البرلمان ..
لاشك أن المعركة ستكون شرسة بين حمل وديع مثلي ، وليث شر لا يترأف بأحد مثلي خصمي القابع علي هذا المقعد منذ سنين عدداً ، بل يطمع في توريثه إبنه الغر الذي يماثلني في العمر :
ـ مبروك ثقة الجماهير وفوزك بمقعد تحت قبة البرلمان ..
سأسمع هذه الكلمات مراراً ، حلم يراودني منذ سنوات صباي أن تحملني الجماهير علي الأعناق وتدور بي كافة شوارع المدينة تردد حناجرها :
ـ الحق ، الحق ، " سي بدري " أحق ..
مايعتلج في نفسي الأن هو أقدم لهم شاباً في مقتبل العمر ، يحمل بين جوانحه طموحات بلا حدود ، وأحلام بلا نهاية لمدينة عطشي لرفع الغبن عنها بعد أن رزحت تحت سنابك الظلم كثيراً ..
قال البعض :
ـ إنها محسومة لصالحك ..
غمرتني النشوة ، لكن البعض الآخر قال :
ـ لكن الخصم عنيد ، ملك يمينه أتباع بلا حصر ..
هززت رأسي وأنا علي يقين تام بالفوز :
ـ لا يهم ..
ـ كثيراً ما قهرشخصيات وأسماء أكبر منك ..
لم يفت ذلك من عضدي ، بل وتنفست علي الفور الصعداء ..
صباح نقي دافئ لا يوحي بمطر ، طقس معتدل كما قالت وكالات الأنباء سماء بلا غيوم والشمس ناعمة ملساء تحنو برقة علي خدود البشر ..
ثمةهواء يراقص لأفتات القماش الملونة التي تحمل اسمي ، وتنتشر في ميادين وساحات المدينة ، لا شئ يؤرقني ..
تمويل حملتي الأنتخابية يعود الفضل فيه لأصدقاء هونوا عليّ الأمر :
ـ الفرصة مهيأة الآن ..
ـ لابد من إستعادة المقعد السليب ..
لا أخفيكم سراً أن فرائصي ارتعدت وراودتني أفكار متضاربة بين نكوص وإقدام قبل أن موافقتي النهائية علي خوض الإنتخابات .
رحت أقطع شوارع المدينة وحدي أراقب الموقف عن كثب ، ودون محاولة مني لشد انتباه أحد ، أفلتُ من قبضة الأصدقاء المحيطين بي ، سرت كمن هام علي وجهه عبثاً ودون هدف ، تعرفني الشوارع وأعرفها ، فأنا عاشق متيم بها ، هي تعرف وقع خطاي وتتنصت لنغمة صوتي حين كنت أغني ، كم مسحت دموعي وأنا أبحث عن ذكرياتي المفتتة لأصدقاء هجروا المدينة وتوزعوا بين أركان الدنيا الأربعة :
ـ من الصعب كره المدن التي تحتملك ..
كان يقول لي قبل أن يرحل ، تذكرت العربي وتمنيت لو كان الآن إلي جنبي يشد من أزري ..
جمع من الشباب اجتمعوا حول لافتة تحمل اسمي ، أحدهم ردده ثلاثياً ساخراً، وقال الثاني :
ـ أعرفه تماماً كما أعرف كف يدي ..
قال الثالث :
ـ بيننا تاريخ مشترك ، كان زميلي في الصف ، وكان أقلناً في التحصيل ..
قال الرابع وهو يتنهد :
ـ مثال سيئ لتمثيل المدينة ..
انتفض الخامس ليؤكد :
ـ هل تعرفونه جيداً ؟
قال الأول :
ـ بالطبع أعرفه من بين مليون إنسان ..
وقال الثاني :
ـ أما أنا فبهذه الكف الغليظة كنت أصفعه كل صباح في طابور المدرسة ..
وقال الثالث :
ـ كان يسرق إجاباتي في الإختبارات الشهرية وفي الامتحانات العامة .
وقال الرابع :
ـ كان يسرق محتويات حقائبنا ويضللنا بل يكذب فيؤكد إنه ينحدر من علية القوم وأن أفراد أسرته تسنموا أرقي المناصب وأرفعها ، وأن له أختاً متزوجة من نائب وزير ..
وقال عابر يشارك دون دعوة :
ـ أما أنا فأؤكد أنه لم ينل في الأصل شهادة ، بل زور في أوراقه وسافر بها إلي الخليج زمن التدفق الأول للنفط وعاد يحمل في جعبته المال الوفير وزوجة غير عربية ..
قال الأخير متحدياً :
ـ كيف تسكتون علي أمر كهذا ، تقدموا بطعون ضده ..
كنت أتلقي الطعنة تلو الأخري برباطة جأش ، خانني عرق تفصد من جبيني بالعرق رغم الخريف الذي طل ضيفاً تكنس رياحه شوارع المدينة العامرة بطوفان من البشر ..
اهتزت ثقتي في نفسي قليلاً وكدت أسقط في شبه إعياء ، ولكني تماسكت واحتواني كرسي في مقهي قريب ورحت أسترجع ملامحهم..
طواحين بلا رحمة تدور رحاها في رأسي ، لا استطيع الجزم بأنني أعرف واحداً منهم ، لم يدر في فلك حياتي منهم أحدهم ..
لكن خاطراً ما جعلني أمد الخطو في أعقابهم ، عند لأفتة الخصم أخذ فريق منهم يمدحه والآخر يذمه :
ـ لص بني إمبراطوريته من حقول البانجو.
ـ لا ، إنه يقوم بأعمال خيرية لا حصر لها .
ـ خيرية ، خيرية تلك امرأة كان يراودها عن نفسها فأبت ، فأحال عليها زبانيته حتي جُنت ودارت في الشوارع تعوي كذئبة جريحة ولكنها حافظت علي شرفها .
ـ بصراحة تامة قام علي تعييني في وظيفة دون أي مقابل في شركة تدفع راتبي بالدولار ..
قال الأول :
ـ كف عن هذا يارجل ، ألم يكلفك الأمر عشرة آلاف من الجنيهات كما قلت لي في السابق !!
ضرب جبهته براحة يده :
ـ آه الآن تذكرت ، ساعتها بالفعل حزن أبي كثيراً ..
قال الأخير الذي لم تتغير نبرة صوته :
ـ كيف لكم وتلك الحدة والحقد ؟
استجمعت كل قواي بما ملكت من شجاعة ، لأشاركهم ولكني تراجعت ، وقبل أن أطلق ساقاي للريح وجدتهم يهتفون باسم مرشح ثالث ألقي عليهم أوراقاً أخذوا يعدونها في شبه لهاث ولما فرغوا بدأوا يسبونه :
ـ بالروح بالدم نفديك يا .....
وعند صناديق الأنتخابات كانوا يشترون أصوات البسطاء بثمن بخس ، ولم يكفوا عن الهتاف لصالح من يمر بأوراقه المالية عليهم ثم يعودون لقدحه والذم في سيرته والتشكيك في تاريخه ونزاهته بعد قليل ..
ــــــــــــــــــــــــ
محمد عبده العباسي
بورسعيد
ــــــــــــــــــــــــ
محمد عبده العباسي
بورسعيد


التعليقات
وقد طفت قصتك لتواجة حقيقة النفس وتوغلاتها .وتجلو حقائق نلمسها
جميلة كتاباتك وأعتز بقراءتها
كلما تابعت كتاباتك وتعليقاتك الذكية علي قصصي ازددت يقيناً بأن هناك من يهتم لذا فأنا أحييك علي اهتمامك والقراءة الواعية والمتابعة..
ــــــــــــــــــــــــــــ
محمد عبده العباسي
قصة واقعية ومبنية بشكل جميل وبديع
شكرا على الابداع المتميز الذي تقدمه لنا
إنه طرح الزمن المتهافت..
سردك جميل ومقتحم يا محمد..
وقد قام الحوار بدور أساسي في بسط خطابك الفكري.
............
سأسعد أن اراك ببورسعيد الخميس القادم
إن شاء الله تعالى..
انت الان تمكنت من لغتك
انت الان تضع يدك على رؤيتك
يعنى وبالعربى بتلعبها بفن
لكن
كم من القوة تحتاج لكى تستمر
هذا هو السؤال الذى يطرح نفسه عليك
انت محتاج الى هذا التواجد الذى اثبته لنفسك
روعه الحصول على النصر لا تضاهيها روعه
_______________
محمد ابراهيم
شكراً للقراءة والمرور والمتابعة
لك خالص التحية علي الإهتمام والذوق الرفيع في التعليق
لك خالص التحية ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد عبده العباسي
أشكرك علي المتابعة وأستفيد كثيراً من رؤاك وقراءاتك الواعية فأنت مبدع جميل وكاتب
له ثقل في هذا الفن / فن القصة القصيرة علي امتداد الساحة المصرية والعربية
مرحباً بك في بورسعيد
في أي تشاء فأنت أخ ورفيق درب
وقامة محترمةأكن لها في صدري كل المودة والإحترام
وإلي اللقاء بإذن الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد عبده العباسي
شكراً علي كل كلماتك والتي أضعها دوماً نصب عيناي
لك كل التحية وأرجو دوام التواصل والمتابعة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد عبده العباسي