You are here
تراجيديا أنتيجون على الطريقة الأمريكية

تراجيديا أنتيجون على الطريقة الأمريكية
الدفن في طيبة ـ نص أنتيجون لسوفوكليس
رؤية سيموس هيني المعاصرة لتراجيديا أنتيجون
ترجمة : مصطفى محمود
لقد حددت التراجيديا الإغريقية القديمة مسار التفكير الغربي عبر القرون ـ كان نيتشه كلاسيكي النزعة، وكان يقرأ سوفوكليس كل يوم ـ لكن مثلما ماتت اللغة وأصبحت نسياً منسياً، فكذلك مات الأدب الخاص بها. فمع ترجمته التي حظيت بالإعجاب في عام 1991، "العلاج عند طروادة: نسخة سوفوكليس لفليكتيتس"، بدأ "سيموس هيني" يعالج هذا الإهمال، وتابع النجاح مع نسخة غير تقليدية مثيرة لتراجيديا أخرى من تراجيديات سوفوكليس، ألا وهي: "أنتيجون".
إن أنتيجون هي نتاج سفاح المحارم، وليدة الزواج الشهير لأوديب من أمه. لقد خاض أخواها، "أتيكلس" و"بولينسيس" حرباً أهلية للفوز بعرش أبيهم، وقتل كل منهما الآخر في معركة بينهما. والآن، دُفن "أتيكلس" في جنازة رسمية، وظل "بولينسيس" ملقى خارج أسوار المدينة ليتعفن؛ إذ إن عم أنتيجون، "كريون"، وملك طيبة الجديد قد أدانه كخائن وحرم دفنه، في محاولة لتجميع المدينة في جانب واحد ووقف حمام الدم. لكن "أنتيجون لا تستطيع أن تترك أخاها الحبيب بدون دفن.
هذه هي الخلفية التمهيدية لتراجيديا سوفوكليس العظيمة التي كُتبت قبل خمسمائة سنة من العهد الجديد. فلغة "هيني" البسيطة الخالية من الزخرفة اللفظية، قد أنتجت ترجمة لهذه المسرحية المنقوعة في الدماء، تختلف في حيويتها عن الأنماط المعتادة من طبعات "بنجوين" كثيرة الحشو والحواشي؛ فجملة: "إنه مجد لا يدانيه شيء ذلك المجد الذي سيكللني عندما أمنح أخي القبر الذي يليق به" في الطبعة الكلاسيكية لـ"بنجوين"، تصبح ببساطة عند "هيني": "لم أفعل أبداً شيئاً أنبل من دفن أخي". إن القوة العظيمة للنسخة الأصلية لـ"سوفوكليس" مصدرها هو أن كل كلمة لها شأن وكل تعبير له معنى. إن مفردات "هيني" المقتضبة والقوية كالعادة للأرض والحجر والعلاقات العائلية تضيف وزناً إلى ترجمته، بينما يعطيه تمكنه من الإيقاعات الطبيعية للحديث الإطار الخفيف الذي يجنبه أي شعور بالعظمة والتيه. فالأحداث الرهيبة للمسرحية كلها تكون حيويتها أكثر من أن تُنقل عبر عدد قليل جداً من الكلمات؛ إذ إن وضوحها الشديد مؤلم. فالتراجيديا الإغريقية تصهر القسوة المرعبة مع رشاقة العبارات الرسمية، حيث يعمل شعر "هيني" على توصيل هذا التجاور المرهف بمنتهى المهارة.
ولسوء الحظ، فإن "هيني" قد ضحى بالتوازن والغموض الذين تحتفظ بهما المسرحية الأصلية في مقابل الوضوح الحاد: أسود/وأبيض. وعلى الرغم من تصريحه في "ملاحظاته" في خاتمة ملحقة بالنسخة الصادرة للمسرحية، بأن "كريون بالطبع كان له وجهة نظر"، إلا أننا لا نشعر بوجهة النظر المتوازنة هذه حينما نقرأ المسرحية نفسها. إن "هيني" لا يخفي سراً في أن وجهة نظره في الصراع بين "كريون" و"أنتيجون" متأثرة تأثراً شديداً بالسياسات الأمريكية الحديثة في هذه الأيام ـ فهو يعقد مقارنة بين الحجة السياسية لـ"كريون" مع منطق إدارة بوش في الترويج للحرب على العراق ـ وأن اختيار "هيني" للطرف الذي ينحاز إليه واضح جداً. فالخط الذي يجذب انتباهنا على الفور إلى هذا الانغماس في السياسة يأتي مبكراً جداً منذ المشهد الأول، فأنتيجون تستشهد بسياسة "كريون" عندما تفكر في دفن أخيها؛ "من ليس معنا فهو ضدنا". إن التأثير مدوٍ. وتشير المراجع، في الحقيقة، إلى أن هذا يدور حول الغباء المطلق؛ فـ"هيني" كاتب رشيق بحيث يُجَرِعنا السياسة غصباً. ومع ذلك فحديث "كريون" وخطبه تزدحم بالكلمات البارزة ـ "وطني"، و"مخرب"، و"أمن الدولة"، و"إرهابي" الكلمة التي لا مفر منها ـ لتضفي عليهم مشاعر الحميمية المضطربة. وبطبيعة الحال، لا توجد مشكلة في استكشاف علاقة حديثة في المسرحيات القديمة في حد ذاتها، لكن "هيني" لا يستخرج الجديد من هذه التراجيديا، إنه يترجمها ترجمة جديدة، وفي خضم هذه العملية، فقد جانباً حيوياً من النص الأصلي.
إن ما تدور حوله التراجيديا أو المأساة وتركز عليه هو الناس العاديون. إننا نعرف الكثير عن هذا. وبالتأكيد أن نسخة "هيني" لم تغير كثيراً من الفلك الذي كانت تدور فيه "أنتيجون" و"كريون". لكن هناك الكثير في التراجيديا أكثر من مجرد ذلك. فكر مثلاً في "الملك أوديب"، وقصة مولد "أنتيجون"، فربما كانت أشهر تراجيديا في كل التراجيديات الإغريقية قاطبة. ما الذي فعله "أوديب" على وجه التحديد حتى يستحق مصيره هذا؟ نعم هو عاشر أمه جنسياً. لكنه لم يكن يعرف أنها أمه؛ ففي الحقيقة تُقر كل الشخصيات الأخرى في المسرحية بأنه رجل أخلاق وملك عظيم ـ فلم يُعرف عنه أنه ارتكب فعلاً خاطئاً. فـ"أوديب" رجل طيب سحقته ظروف مرعبة لا سبيل إلى تجنبها ـ هذا هو الجوهر الأساسي للتراجيديا الذي ابتعدت عنه ترجمة "هيني" بخطواتها العرجاء.
وحتى نكون منصفين، فقد اضطلع "هيني" بعمل صعب مع "أنتيجون". فمن المستحيل تقريباً أن يصل إلى المتلقي في عصرنا الحديث هذا، لماذا لا يمكن تجنب الصراع في "أنتيجون" ـ لكن ذلك لا يوجد العذر لانغماس "هيني" الرشيق في السياسة. إن المناظرة بين "أنتيجون" و"كريون" في مسرحية "سوفوكليس" الأصلية لا تدور حول السياسة مطلقاً، إنها تدور حول مقاربتين مختلفتين أساسيتين للدين ـ الدين الذي كان مُشاهِد "سوفوكليس" يؤمن به إيماناً مطلقاً، والذي يعادل عند مُشاهِد العصر الحديث أفضل حكاية خرافية عبر ألفي سنة. فـ"أنتيجون" تطيع شرائع الآلهة الظلامية للأرض، الحافز البدائي على أن تدفن موتاك وأن تنوح على أحبائك ـ "إنني أعصي القانون لأنه لم يكن هو / قانون "زيوس" ولا كان قانوناً كهنوتياً / وفقاً للعدالة، العدالة تسكن عميقاً / فيما بين آلهة الموتى". أما "كريون"، المعاكس تماماً لنسخة "هيني" عنه، فهو منحاز إلى جانب الحضارة وآلهة السماء، يحاول أن يجعل المدينة تتجمع مع بعضها البعض ـ "باسم كل الآلهة التي تطل من أعلى الأولمب / إنني أخبرك أنك سوف تدفعين ثمناً باهظاً / من أجل هذا الازدراء". إن كلا المقاربتين صحيحتان، كما أن كل من "أنتيجون" و"كريون" يحاولان أن يفعلا الصواب ـ إن صراعهما لا يمكن تجنبه، وكلاهما يدوران في دوامته؛ إنها تراجيديا خالصة. ولكن بعد ألفي سنة من التغير الثقافي والتنوير، فإن العقول الحديثة تتعاطف تلقائياً مع فردية "أنتيجون" ضد حكم "كريون" بالقانون، وترى أن هناك تلوثاً متأصلاً في ولاء "كريون" للدولة، لكن هذا التعاطف ربما لم يعرفه الإغريق القدماء، وربما لم يقصده "سوفوكليس".
وبناءً على ذلك، نعم إنها في النهاية وظيفة صعبة أن تحافظ على تلك التوازنات الدقيقة ـ لكن "هيني" بالفعل حتى لم يحاول. فهو يرى "كريون" جانياً، وإن يكن في النهاية قد أصبح نادماً، أما "أنتيجون" عنده واثقة من نفسها ثقة مطلقة، وهي على حق حتى لحظة موتها. إن جزءاً كبيراً من كآبة المسرحية الأصلية ووحشتها يأتي من رؤية "أنتيجون" تتردد قبل أن تموت مباشرة، كما يأتي أيضاً من إدراكنا المتردد لتعصبها، ومن حزننا من أن هذه الفتاة الشابة سوف تموت. وفي هذا المشهد بمفرده، يختصر السطور الخاصة بـ"أنتيجون" من مائة سطر تقريباً في المسرحية الإغريقية إلى أقل من خمسين سطراً، ومن خلال هذه العملية فإننا نفقد قدراً كبيراً من الانفعال الغامض. وبدلاً من تغلغل مشاعر الحزن التي يبثها مشهد "سوفوكليس"، فإن "هيني" يحول مشاعرنا ضد صرامة "كريون" وقسوته، حتى أننا نتنسم الراحة وانتصار الحق من سقوطه المروع في النهاية، وهكذا فهو يثبط من حدة تعاطفنا مع معاناته. إن مسرحية "سوفوكليس" الأصلية تحوي القدر الكافي من الحبكة والرؤى والبصائر التي يمكن للمشاهد الحديث أن يستخلصها منها بدون هذه التبديلات الكثيرة المقحمة.
لكن أشعار "هيني" الاستثنائية وما تبثه من مشاعر، تفتدي نسخته من التأثيرات الرديئة للترجمة. إنه لا يخشى من استخدام لغة الحديث اليومي في ترجمة اللغة الرسمية الإغريقية، وكذلك جاءت الأجزاء الخاصة بالحوارات السريعة بين شخصياته طبيعية بصورة مدهشة، فهي بالمقارنة أكثر حيوية ووضوحاً من أي ترجمة تقليدية. إن حساسية أشعاره تحد من طغيان رؤاه السياسية ـ فهو قد ظل مخلصاً لموسيقى البحور الشعرية للتراجيديا الإغريقية المتغيرة دوماً. وتتحدث عنده "أنتيجون" في الجزء الأكبر في سطور ثلاثية النبضات في إيقاعها الذي يقربنا من شبابها ويزيد من درجة إقناعها ـ "ما هي حقوق "كريون" / حينما تأتي إلي وماهي حقوقي؟". أما كورس المغنيين فيأخذ إيقاع النبضات الكئيبة التي يكون لها صدى الشعر الأنجلو-ساكسوني المتجهم ـ "لقد علقنا دروعهم بين النصب التذكارية". وفيما يتعلق بـ"كريون" في أحاديثه الطنانة فقد حُجِز لها الوزن الشعري التقليدي الذي يقوم على البحور خماسية التفعيلة التقليدية ـ حتى النهاية الفعلية للمسرحية، وبلمسة حب مثلما تتكسر روحه يتكسر بحره الشعري، ويسقط إلى الأبيات الشعرية ثلاثية الإيقاع الغريزية لـ"أنتيجون".
لقد أنتج "هيني" عملاً جميلاً ومؤثراً ـ ولكي نكون منصفين فهو قد أصدر هذا العمل كنسخة من عمل أدبي وليس ترجمة لأصل "سوفوكليس". علاوة على أن إضفائه الجانب السياسي على الصراع المركزي للمسرحية يجعلها بالطبع أكثر فهماً للمشاهد الحديث، خصوصاً هؤلاء غير المتمرسين على التراجيديات الكلاسيكية. لكن هذا بطريقة ما أمر خطر: فنسخة "هيني" لم تعد بعد تراجيديا إغريقية على الإطلاق ـ إن موضوعه ليس المعاناة الإنسانية، بل بدلاً من ذلك النتائج المرعبة لسياسات الجناح اليميني الحمقاء. وكمسرحية هي ناجحة تماماً، ولكن كاحتفال حديث بنوع أدبي قديم، فهي للأسف لم تفلح في ذلك.
ـ تأليف سيموس هيني ـ عن هارفارد بوك رفيو. الموضوع سبق نشره في أخبار الأدب ـ القاهرة
05/13/2008 - 19:56
القسم:


التعليقات
مازلت أتذكر طبعة بنجوين الكلاسيكية
ومازال صوت انتيجونا في رأسي
أتذكر ذلك النشيد الذي يخاطب الإنسان يذكره بجبروته وأنه استطاع أن يروض كل وحوش البرية وأن يتحكم في كل شئ
ولكنه رغم تقدمه الذي حققه وما سيحققه
تبقى حقيقة واحدة لن يتغلب عليها
حقيقة الموت
ورغم أني لم أقرأ رؤية هيني لتلك المأساة
إلا أني أجد نفسي كلاسكية للغاية هنا بحيث لا أقبل أن تمتد يد التطوير والحداثة لما أنتجه عظماء مثل سوفوكل
تحياتي على كل اختيار لك للترجمة
انتصار
نأمل أن تستمر في تزويد الموقع بمثل هذه النصوص القيمة
تحياتي
أشرف دسوقي علي