You are here
تصبحون على خير

تصبحون على خير
ابراهيم درغوثي
قالت لقد افتقدتك كثيرا هذا الشتاء بعد أن هطل الثلج في القرية، ولم تقدر نار المدفأة الصغيرة على تسخين الغرف المعتادة على رياح الجنوب الحارة. إيه...، كم افتقدتك، لما وقفنا تحت الثلج الهاطل ندفا صغيرة... كان الأولاد يجرون فوق الأرض التي أصبحت بيضاء، وقطع الثلج تطقطق تحت أقدامهم. و كانت الفرحة تنط من عيونهم وهم يجرون و يلعبون فوق هذا البساط الأبيض اللماع... ثم جاءني الصغير بكتلة من الثلج وطلب مني أن أخبأها لك في الثلاجة حتى تعود، فأمسكت بأصابعه الباردة، المرتجفة في يدي، ومسحت دمعة تجمدت فوق الخد...
ضربت على أزرار المسجل فسكت. ثم قمت فأطفأت نور الغرفة، وتمددت على السرير.
كانت الساعة قد جاورت الثانية بعد منتصف الليل. وكنت قد أعدت الاستماع إلى هذا الشريط الذي وصلني اليوم بالبريد، من هناك، من عندهم، أكثر من عشر مرات...
أكثر من عشر مرات وأنا أدق على زر المعاودة كلما سكت المسجل عن الكلام المباح، إلى أن امتلأت بحديثهم حد التخمة. فتمددت على السرير ودعوتهم، ودعوت النوم الذي جفاني.
جاء "أيمن"، و"نبيل" وجاءت "ليلى" إلى حضني. تركت لهم مكانا إلى جانبي فوق السرير وأنا أقول:
- هو سرير صغير، ولكنه سيكفينا جميعا.
ومسحت على رأس ليلى، فهرت كالجروة الصغيرة ودخلت قلبي. ووضعت يدي أتحسسهم، فلمست وجوههم، وسمعت دقات قلوبهم. ورأيت جبال الثلج فقلت لهم:
قوموا يا أولاد نبني رجلا كبيرا من الثلج.
فوافقوا.
نادى أيمن أمه، ونادى أولاد الجيران. وجاء أطفال من كل الأمكنة. لست أدري كيف وصل إلى بيتنا كل هؤلاء الأطفال الذين بدأوا في تجميع الثلج إلى أن صار كدسا كبيرا، ودعوني أن أصنع لهم رجلا عملاقا. صنعت جذع الرجل، ثم صعدت على سلم لأصور له يديه وأكور له رأسه. وكان الأطفال يتدافعون تحتي ويمدونني بكتل الثلج الصغيرة ضاجين كالعصافير... ثم صورت له العينين والأنف والأذنين، والشعر والشفتين. وفتحت له الفم، فقال لي:
انزل من على السلم يا رجل.
ولما بقيت واقفا، حرك يديه ودفعني بهما، فوقعت على ظهري.
خاف الأطفال، وتقهقروا خطوات إلى الوراء. لكنه تحرك نحوهم. اختطف أول طفل صادفه، وبدأ في التهامه. أصبح فمه أوسع من فم الحوت، ففتحه عن آخره وشرع في ابتلاع الأطفال الذين لم يقووا على الهرب.
كنت أصرخ لأحرضهم على الإفلات منه، والجري بعيدا عنه. لكن صوتي كان يضيع قبل الوصول إلى حلقي.
وعندما التفت نحوي، ومد يده إلى عنقي، أفقت. وجدت الظلام يحاصرني من كل مكان، فشغلت المسجل. جاءني صوت فيروز هادئا، عذبا كنهر من حزن وشجن.
"يا جبل اللبعييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييد خلفك حبايبنا"...
بعد أن أنهت فيروز أغنيتها، سمعت رفيقة تقول في وشوشة خفيفة:
- هل يمكن يا حبيبي أن نرغم الشهور على الجري؟ آه لو كنت أقدر لجعلت الأرض تتم دورتها في ثانية واحدة.
ثم أضافت بعد سكوت قصير:
- كم ندمت لأنني تركتك تذهب وحدك إلى هناك. فالحياة صعبة على امرأة اعتادت على الأنفاس الحارة في البيت، ثم تلتفت فلا تجد سوى السراب.
الآن فقط عرفت لماذا تتزوج النساء اللاتي عاهدن أزواجهن على الوفاء للحب القديم إذا سرقهم الموت، وعدم التفكير في رجل آخر مدى الحياة.
آه لو تدري كم هي صعبة الحياة بدون رجل يا... حبيبي.
وعادت إلى السكوت من جديد حتى ظننت أنها قد انتهت من بوحها، فهممت بإخراج الشريط من المسجل. لكن صوتها الهادئ جاء هذه المرة محملا باستفسار به كثير من الخبث:
- سعيد... هل شممت عطر امرأة مذ غادرتنا؟
فقلت في نفسي:
- يا للمرأة. حتى في هذه البلاد التي يرجم فيها الرجل رميا بالحجارة في ساحة مسجد عبد الله بن عباس عند يحلم بشبح ابتسامة على شفاه امرأة، تتجرأ زوجتي وتسألني هذا السؤال.
مسكينة يا زوجتي العزيزة، فهنا يجلد الرجل حتى يسيل دمه ويذهب لحمه نتفا يطيرها الهواء لو لامست يده قميص نوم امرأة. نامي يا عزيزتي ملء جفنيك، فقد أصبحت خصيا مذ وطأت بي عجلات الطائرة أرض الجزيرة.
وكأنها كانت تتسمع إلى نجواي، فقالت:
- لقد سمعت عن أميرات ونساء أكابر شغلهن الشاغل اختطاف الرجال.
هل نسيت حكاية لاعب كرة القدم التونسي الذي عاد من المونديال الكروي فباعه فريقه بالملايين ليلعب في الجزيرة، لكنه عاد في صندوق بعد أن ادعى الجماعة هناك أن صاعقة ضربته في الملعب، فأحرقته حرقا.
حاذر يا حبيبي أن تختطفك أميرة، وتذهب بك إلى جزر "واق الواق".
فرددت عليها أمازحها:
- عندها اصنعي لك أجنحة، وتعالي عندي، فسوف أحملك من الياقوت والزمرد والألماس ما تعجز عنه حقائب السمسونايت والكراون.
وأهملت تحذير زوجتي، حتى كان يوم، وكنت في ساعة صفاء، فحكيت لصديق من أهل البلد عما بدر من زوجتي، فضحك حتى بال على أثوابه، ثم قال في جد لم ألحضه فيه مذ عرفته:
- ولكن يا طويل العمر، لا ترمي بكلام زوجتك كله في الزبالة، وإنما احتفظ ببعضه ففيه شيء من الصحة.
وضاف، وهو يتنهد:
- لكم ضاع رجال جروا وراء ذلك النوع من الحريم
قيل في شأنهم يا سيدي كلام كثير.
قيل مثلا إن الواحدة منهن تقتل عشيقها مباشرة بعد أن يفرغ من عملية الحب بالضرب بالقبقاب على أم رأسه.
وقيل أنهن يغرقن الصاحب في "بانيو" خمر.
أو يتسلين بشنقه في حديقة المنزل الخلفية بواسطة حبل يعلق على غصن شجرة، ثم يمارسن الجنس مع العبد الذي قتله تحت تلك الشجرة.
فهنا يا سيدي أعطت رمال الصحراء للرجال مالا لا يقدر على عده قارون، فتهتك الرجال وشبعوا مجونا وفجورا. وتركوا نساءهم لسائق السيارة البنغالي أو التارزي الهندي وبما أن الجميع يخاف الفضيحة فإنهم يخنقون أخبارها بيد من فولاذ.
ألم تسمع يا سيدي بالعناكب التي تأكل ذكورها بعد الإخصاب؟
*****
قال: الأولاد يبلغونك سلامهم.
قلت: بلغيهم حبي يا عزيزتي.
الأولاد، أذكرهم كلما رأيت أندادا لهم في الشوارع.
هذه البنت تشبه ليلى. ضفيرتها الجميلة أحلى من المسك، وخديها الحلوين أطيب من ورد البساتين.
وهذا الولد، يشبه أيمن. في عينيه شراسة الذئاب، وفي جبينه شمس الأماسي الدافئة.
تعال يا أيمن، وأنحني أقبله. ولا أفيق إلا على الطفل وهو يسألني بعينيه مستغربا صنيعي...
فأقول له: عفوك يا ولدي. لقد ظننتك أيمن ابني.
فيبتسم ابتسامة خائف، ويهرب إلى منزله مفزوعا.
وأبقى مدة في مكاني ألاحقه بنظراتي، وأمسح دمعة أحسها تلسع خدي كجمرة كاوية.
عفوكم يا أبنائي، فلن أبوسكم كل ليلة وأنتم تذهبون للنوم لن أرد على مشاغباتكم الحبيبة:
- تصبح على خير عمي الغول.
- تصبح على خير يا سيسبان.
- تصبح على خير عمي الثعبان.
- تصبحين على خير يا قطوسة.
- تصبح على خير عمي الصيد.
- تصبح على خير يا نسنوس.
وأرميهم بالقبلات ، بالحب، بالحنان، بالاطمئنان وبالأمل
قبل أن يناموا. وتقوم رفيقة، فتضع فوق أجسامهم الطرية الفرش، وتطفئ النور. وتقول لهم:
تصبحون على خير يا أولاد.
فيردون عليها:
تصبحين على خير يا عمتي الغولة
عوفكم يا أحبتي، فها أنا بعيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييد عنكم. أبيع عقلي بالقليل لأشتري لكم سعادة تسع الدنيا وما فيها.
سأشتري لك يا ليلى دميتك.
زرت اليوم متاجر كثيرة، فوجدت دمى غريبة. دمى تغمز وتتكلم تقول: أنا من كوريا، لمن يلمسها. وغيرها تغني وتصفق وترقص رقصات هندية. وأخرى تشبهك يا ليلى. لها عينان سوداوان كالليل، وشعر قصير وأنفك الأفطس. وضعتها فوق سريري، وصرت كلما دخلت البيت سلمت عليها، وحكيت لها عنك حتى صارت تعرفك وتعرف كل حكاياتك الصغيرة.
وعندما أغمض عيني لأنام، أسمعها تقول:
- تصبح على خير يا عمي الغول.
فأرد على تحيتها:
- تصبحين على خير يا نسنوسة.
وأنت يا نبيل، سآتيك بالقطار maide in Japan،
فهنا يا ولدي اليابان حاضر في كل مكان من جليز المرحاض حتى غطاء الفراش، ومن قطارك اللعبة حتى سيارة الكراون. انظر، مليا سترى داخل القاطرة رجلا صغيرا، أصفر اللون بعينين صغيرتين حادتين لا تنامان أبدا. وفمه يشرب من آبار النفط مباشرة، ولا يشبع.
- تصبح على خير يا سيسبان
- تصبح على خير يا عمي الغول.
- وأنت يا أيمن ماذا تريد؟
- سلامتي.
- وماذا بعد السلامة؟
- تريد مني أن أحرق آبار النفط؟ لماذا يا ولدي
- حتى أعود إليكم.
سأعود يا ولدي. وسأحكي لك عن آبار البترول التي تتدفق سيارات، طائرات، لحوم خرفان مستورد من أستراليا والأرجنتين، ذهبا بالأطنان يتحول قلائد للمومسات، عمارات للنياكة مع غلمان الدنيا كلها، حريرا هنديا، ساعات سويسرية، صفقات مشبوهة للرقيق الأبيض، طيارات حربية خردة، فيديوهات لا تصلح إلا لعرض أفلام السيكس، بنادق تطلق للخلف، كذبا، وعودا بالنصر المؤزر الذي وعد به الله عباده، كلاما عن القدس، عن عروس المدائن، عن البراق والإسراء والمعراج، عن زناة الليل الذين صاروا يتفخذون نساءنا الثيبات فوق فرش الزوجية ويفتضون بكارات الصبايا، والدم يسيل، ولا من رأى، ولا من سمع.
وتفففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففففوه ...
على المليح قبل القبيح.
وتصبح على خير يا حبيبي.
وأنت يا رفيقة، سأحمل لك قلادة من الذهب الخالص تزن قنطارا ونصف القنطار.
- أريدك أنت.
- وسيارة مرسديس بنز.
- أريدك أنت.
- ومنزلا فخما كمنازل سلاطين القسطنطينية.
- أريدك أنت.
وأصبحت أتقن كي القمصان، وتحضير السلائط، وطبخ الماكارونا بالطماطم، وغسيل الثياب والملاعق والصحون
وصرت سيد الكذابين وزعيم المنافقين:
- صباح الخير يا أستاذ.
- صباح الخير يا طويل العمر.
- كيف ترى بلادنا أنت القادم من أوروبا؟
- سيدي، أنا لست أوروبيا وإن كنت كالإفرنج.
- ما قصدت ، فقد أردت أن أقول لك أنك كالفرنجة في زيهم على الأقل. ولكن اتركنا من هذا اللغط ولنعد إلى الحديث عن بلادنا. كيف تراها؟
- هي أحلى من الجنة يا طويل العمر.
وأنسى العرق، وشمس خط الاستواء، ومرض الديزنطاريا، وراتب "طويل العمر" الذي يفوق راتبي بأربع مرات، وساعات عملي التي تفوق ساعات عمله بأربع مرات، والازدراء الذي ينظر به الأهالي إلى لهجتي التونسية التي يقولون إنها كنباح الكلاب، و"كيف حالك طال عمرك" التي أقولها كل صباح وأنا أوقع في دفتر الدوام، وكؤوس الشاي الأحمر التي أشربها حتى أسكر، وأكداس الأرز التي ترمى في طريقي، وأطفال السودان الجوعى ينظرون إلينا من خلال بلور التلفزيون بعيون ملآى بالذباب الأخضر، والجوع الأحمر، والغضب الكافر، وصاحبي يربت على بطنه ويصفق لهدف سجله مارادونا، ويرقص للهدف الجميل، ومذيع التلفزيون يحكي بصوت محايد عن تنفيذ حكم القص في يد سارق بنغالي، وأطفال السودان يبكون، الجوع الكافر، خرج لنا الأطفال عبر شاشة التلفزيون وتحلقوا حولنا، طردوا الذباب من على عيونهم فوقع فوق أرز "الكبسة" بخروفها المحشي جوزا ولوزا ومكسرات أخرى، تجبر الذباب وتعملق حتى صار في حجم بني آدم، تصوروا ذبابا برؤوس آدمية، ذباب جالس على مؤخراته ويأكل من أرز "الكبسة" السلطانية.
- وكيف حالك يا طويل العمر؟
- أكل الذباب الكبسة، وسنجوع بقية العمر يا مغربي.
*****
عندما أدرت الشريط على وجهه الثاني، غنت لي هيام يونس:
"طارت الطيارة * والحبايب طاروا
بعدت الطيارة * ومبعرف وين صاروا
وأنا أقول لك صرنا هنا، يا أم العيون الكحيلة. على اليمين عرق رمل أكبر من جبل عرباط، وعلى اليسار عرق رمل أعلى من نخلة والي الباي، ومن الشرق رمل، ومن الغرب رمل وحشرات سامة، عقارب وأفاعي وهوام أخرى. وأنا وحدي في البت. وأساتذة المدرسة التي أعمل فيها عادوا إلى منازلهم، إلى الحضن الدافىء، والطعام الدافئ، والسرير الذي يئز صبحا مساء.
وأنا وحدي.
يا وحدي.
ومديرنا له أربع نساء في البيت، ويذهب في كل عطلة إلى كل أصقاع الدنيا. ينام مع المومسات، ويسكر. يشرب الويسكي والعرق والفودكا وسيدي رايس و يدخن الحشيش والمارخوانا وينف ويلحس ما بين الفخذين، ويبكي فوق النهود الطرية، ووووووووووووووووووه، يقول لي، هل ذقت من نهود بنات عشر وثلاث يا مسكين، ويصلي بنا في مسجد المدرسة الصلوات حاضرا، ويذهب يوم الجمعة إلى المسجد الجامع، ويدفع لقحاب أوروبا والفلبين وتايلندة وأثيوبيا شيكات بمئات الدولارات، ويسرق من نصيبنا من ساعات التدارك التي يشارك فيها الأساتذة المتعاقدين فقط، ويقرأ أخبار السلف الصالح، ويعضنا بمناسبة وبدون مناسبة، ويقول عنا نحن سكان شمل إفريقيا أننا بربر متفرنسون، وأننا لا نحسن مخارج حروف العربية، فأسبه في داخلي وأسب مخارجه، فينظر في عيني وقد لسعه السب وهو يحرك حبات السبحة في يده ويسألني عن منتجعات مدينة "الحمامات" السياحية، ويكثر من الأسئلة عن شواطئ العراة، ويمني نفسه بزيارة هذه الشواطئ في العطلة القادمة، ويمسد لحيته ويقول:
في تايلندة يمكنك شراء بنت بثمن دجاجة.
ويتلفن للخطوط الجوية لحجز مكان في الطائرة الذاهبة لأديس أبابا، فقد اشتهرت نساء تلك البلدة في هذه الأيام وكثر الإقبال عليهن لجمالهن الفتان ولزهد ثمنهن.
ثم يقوم، فيؤمنا في صلاة العصر، ويقول عمن لا يصلي (وهو ينظر باتجاهي) بأنه كافر بإجماع الصحابة والتابعين وتابعي التابعين.
*****
قالت رفيقة إنها تعد الأيام، فقلت لها وأنا أعد الثواني.
فآه، ثم آه يا بلدي. كم تصبح عزيزا عندما ينأى بنا السفر أراك في مثل وردة حمراء.
وردة أدسها في قلبي لترتوي من دمي.
وردة تكبر حتى تصبح في حجم الشمس.
فأقطف منها باقات على عد الأطفال القاصدين المدارس.
والعمال الذاهبين للمصانع.
أو الخارجين من الورشات.
أو الداخلين في جوف الأرض.
والنساء العاملات في حقول القمح.
والخادمات في منازل المرفهين.
أقطف من الشمس ورودا يفوح شذاها، فيغطي على رائحة عرقهم وعرقهن الممزوج بالتراب والدخان والصديد والجوع والتعب، وكلام الأسياد الجارح.
أعطي ورود الشمس للنساء في البيوت، يستيقظن مع طلوع الشمس، يحضرن الفطور للزوج، ويغسلن الثياب، ويرضعن الأطفال، ويبكين الأموات، ويزغردن في أفراح الأحباب، ويمارسن الحب كارهات أو راغبات، وينجبن البنين والبنات، ويحلمن بالكسرة الهنية، وبالبعل يعود سالما من العمل، وبالولد ينجح في مدرسته، وبأيام بيضاء وبالسماء تمطرهن خيرا عميما.
*****
قالت: هذا كل ما عندي حكيته لك كما طلبت في الشريط السابق (مع العلم أنني بعدما أطفئ أنوار البيت، أضع الكاسات التي بعثت بها في الأسبوع الفارط في المسجل، وأقضي الساعات الطوال في الاستماع إليك حتى يخيل إلي في بعض الأحيان أنك بجانبي، فأطلب منك وأنا بين اليقظة والنوم أن تحمل لي كأس ماء أو تتفد الأولاد أو تطفئ النوء التي تركته مشتعلا في المطبخ.
قلت: مع السلامة. أنا في انتظار الشريط الذي سبعثين به من الآن. لا تنسي الأولاد، اتركيهم يتكلمون على راحتهم ثم سلمي لي على أشجار الحديقة وعلى أزهارها وعلى كلبنا وعلى أحجار الشارع...
ثم صرخت:
- تصبحين على خير يا عمتي الغولة.
فجاءني من بعيد صدى أصوات صغيرة بدأت خافتة، ثم صارت تشتد إلى أن أصبحت أقوى من دوي الرعد:
- تصبح على خير يا عمي الغول.
وضعت إصبعي في أذني وجاريتهم في الصراخ:
- تصبحون على خير يا أولاد.
ثم خرجت من البيت.
وقفت في وسط الشارع وكورت يدي أمام فمي وصحت:
- تصبحون على خير يا أولاد.
تصبحون على خييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييرررر.
وعدت أردد هذا الصراخ مرة كل دقيقة.
اشتعلت الأضواء في العمارات التي على يميني والتي على يساري.
واشتعل القمر في السماء.
ورأيت من بعيد سيارة سوداء... كانت أضواؤها الحمراء تشتعل وتنطفئ.
وكنت أصرخ وسط الشارع:
- تصبحون على خيييييييييييييييييييييير يا أولاددددددددددد...
dargouthibahi@yahoo.fr
12/23/2007 - 12:15
القسم:


التعليقات
قصتك جدية بالتنويه ، تشد القارىء بجوها الخاص وهي متينة الاسلوب كما كل قصصك السابقة التى قرأتها وأنا سعيد بك
مع التقدير والاحترام
القصة حملت ألم الإنسان المغترب ، وفضحت بأسلوب جيد مجتمع الشتات
مجتمع متهالك ، يعيش على اذراء الآخر ، ويبعث على البرودة القاتلة
أنت يا سيدى ،رائع أمام الحلم بالرجل الثلجى
وأمام ازدواجية إمام المسجد الشاذ ، واضح أن صورة العربى / الرجل النفطى صارت مقززة لحد كبير فى هذا النص
قصة جميلة وسلسلة ، وإن جسدت قتامة الحياة فى مجتمع غريب ، متهالك
تحياتى لك
العربى عبدالوهاب
سعدت بقراءتك لنصي هذا
و بتعليقك على النص
مع ودي الكبير
شكرا على هذه القراءة لنصي
قراءة أدفأت القلب في هذه الليلة الباردة
لك مودتي و تقديري
بقدر ما اصابني من نفور من تلك الصورة المقززة التي نقلتها بصدق وواقعية شديدين
بقدر ما امتعني نصك واوجعني.
احييك على روعة النص مضمونا وبناءا
في انتظار نصوصك
دمت بخير
وقد كانت القصة الأكثر شموخاً وهذا طبعاً رأي شخصي قصة
تصبحون على خير للمبدع والأخ العزيز إبراهيم الدرغوثي .
نص جمع بين جنباته كثير من الحنين والثورة بداخله ليدفعك لأن تبحر فيه برفقة أب ارتاد بلاد الجزيرة العربية ليس ترفهاً أنما بحثاً عن حلم ما وارتادت عيناه رمال الجزيرة التي قلما تحنو على قلوب القادمين إليها بقسوة صحرائها ونظرة أهلها إلى كل من يؤم هذه البلاد نظرة جمعت إلى السخرية ذلك الاستعلاء المشوب بذاك الترفع الذي نشاهده لدى كل صحاب ثروة دون أن يكون له يد في كل هذا فهذه هي ضريبة الترف يبدو .
جزيرة العرب التي ضمت بين جوانحها رسالة الإسلام الحنيف لكن أبقي من ذاك الزمن الجميل غير الذكريات حيث الكل يعرض عن هذا نحو قشرة ربما لن تخفي الكثير من العيوب وليس مهماً كل ما تفعله سراً حيث الأهم أن تكون محافظاً على واجباتك الدينية أمام الجميع .
ولن يلوم أحد على كل ما تقترفه وقد خبا ذاك الوازع منذ زمن بعيد منذ ارتهنت جزيرة العرب لما تملكه من نفط .
عندما أدرت الشريط على وجهه الثاني ، غنت لي هيام يونس :
" طارت الطيارة * والحبايب طاروا
بعدت الطيارة * ومبعرف وين صاروا
وأنا أقول لك صرنا هنا ، يا أم العيون الكحيلة . على اليمين عرق رمل أكبر من جبل عرباط ، وعلى اليسار عرق رمل أعلى من نخلة والي الباي ، ومن الشرق رمل ، ومن الغرب رمل وحشرات سامة ، عقارب وأفاعي وهوام أخرى . وأنا وحدي في البت . وأساتذة المدرسة التي أعمل فيها عادوا إلى منازلهم ، إلى الحضن الدافىء ، والطعام الدافئ ، والسرير الذي يئز صبحا مساء .
ليس عيوب الترف هو كل ما باح به النص لكن ثمة شروخاً أبعد وأبعد إذ يبدو أنه حيث تقيم الثروة لا بد للمشاعر الإنسانية المرهفة أن ترحل بعيداً وهذا كان حال بطل القصة ويبدو أن المبدع قد مر بتجربة شخصية هناك بل أنني أكاد أجزم بأنه قد عانى من كل هذه النظرات الساخرة وشاهد على أرض الواقع شروخ مجتماعات تفتحت مداركها على الثروة التي لم تجد غير هذه القنوات كي تصب ربما فيها .
ولكن هل اكتفى النص بهذا لا أظن فقد عبر بريشة إبداعية نابضة عن كل ما يشعره كل من رحل إلى هذه البلاد وحيداً بخواطر زادها البوح ثراءً وصدقاً في كثير من الصور ليزدد الحنين ونحن نطالع دعابات الأب لأبنائه .
أنه الإبداع الصادق الذي يدفعك لا للقراءة فقط بل أن تعيش كل ما حدث بمشاركة وجدانية لا تقل ثراءً ولا حنيناً عن صاحب النص .
وهنا تبرز مكانة الإبداع الذي يجب أن يقدم رسالته النابضة التي تفيض بالعفوية والحياة
تحية للمبدع إبراهيم الدرعوثي الذي أتحفتنا بهذا النص الذي ازددت معه يقيناً أن أقلامنا لن تنضب ما دام في المخيلة كلمات يجب أن تقال .
وقد كانت القصة الأكثر شموخاً وهذا طبعاً رأي شخصي قصة
تصبحون على خير للمبدع والأخ العزيز إبراهيم الدرغوثي .
نص جمع بين جنباته كثير من الحنين والثورة بداخله ليدفعك لأن تبحر فيه برفقة أب ارتاد بلاد الجزيرة العربية ليس ترفهاً أنما بحثاً عن حلم ما وارتادت عيناه رمال الجزيرة التي قلما تحنو على قلوب القادمين إليها بقسوة صحرائها ونظرة أهلها إلى كل من يؤم هذه البلاد نظرة جمعت إلى السخرية ذلك الاستعلاء المشوب بذاك الترفع الذي نشاهده لدى كل صاحب ثروة دون أن يكون له يد في كل هذا فهذه هي ضريبة الترف يبدو .
جزيرة العرب التي ضمت بين جوانحها رسالة الإسلام الحنيف لكن أبقي من ذاك الزمن الجميل غير الذكريات حيث الكل يعرض عن هذا نحو قشرة ربما لن تخفي الكثير من العيوب وليس مهماً كل ما تفعله سراً حيث الأهم أن تكون محافظاً على واجباتك الدينية أمام الجميع .
ولن يلوم أحد على كل ما تقترفه وقد خبا ذاك الوازع منذ زمن بعيد منذ ارتهنت جزيرة العرب لما تملكه من نفط .
ليس عيوب الترف هو كل ما باح به النص لكن ثمة شروخاً أبعد وأبعد إذ يبدو أنه حيث تقيم الثروة لا بد للمشاعر الإنسانية المرهفة أن ترحل بعيداً وهذا كان حال بطل القصة ويبدو أن المبدع قد مر بتجربة شخصية هناك بل أنني أكاد أجزم بأنه قد عانى من كل هذه النظرات الساخرة وشاهد على أرض الواقع شروخ مجتمعات تفتحت مداركها على الثروة التي لم تجد غير هذه القنوات كي تصب ربما فيها .
ولكن هل اكتفى النص بهذا لا أظن فقد عبر بريشة إبداعية نابضة عن كل ما يشعره كل من رحل إلى هذه البلاد وحيداً بخواطر زادها البوح ثراءً وصدقاً في كثير من الصور ليزدد الحنين ونحن نطالع دعابات الأب لأبنائه .
أنه الإبداع الصادق الذي يدفعك لا للقراءة فقط بل أن تعيش كل ما حدث بمشاركة وجدانية لا تقل ثراءً ولا حنيناً عن صاحب النص .
وهنا تبرز مكانة الإبداع الذي يجب أن يقدم رسالته النابضة التي تفيض بالعفوية والحياة
تحية للمبدع إبراهيم الدرعوثي الذي أتحفتنا بهذا النص الذي ازددت معه يقيناً أن أقلامنا لن تنضب ما دام في المخيلة كلمات يجب أن تقال .
مودتي الصادقة
عموما انا عرفت انت فين يا....... مغترب
لكن دعني اهمس في اذنك
ان موضوع اقحام الصلاة في كل شيء
له دلالات ربما لا تقصدها
و عموما فتارك الصلاة كافر و هو اكبر جرما من الزنى
و لا يوجد مجتمع فاضل أو مجتمع فاسق
المجتمعات خلائط من هذا و ذاك
ربما ناقشت هذه المسالة طويلا مع العزيزة آسيا
و ربنا يهدينا جميعا
و في النهاية
الغنى كالفقر
مرض يصيب الشعوب و يدمرها
العرب ليسوا شياطين منحطة و الغرب و اليابان ليسا ملائكة يرفلون في الجنة