ابحث
إقرأ أيضا للكاتب
- ومضات الحمراء المستديرة.. والنوع الأدبي الجديد
- سماء العراق .. هل عادت إلي أهلها ؟
- إنسان العولمة في "مثلث العشق"
- القصة القصيرة في زمن الرواية
- هل القصة القصيرة في أزمة ؟
- شوكة في القلب
- طارق إمام ... بين القتلة والأرملة
- هدوء القتلة .. بحثا عن الفردوس المفقود
- بواكير الرواية العربية
- ما تثيره (كأس بيرة) لسهيلة بورزق
- لذات الجزار السرية
- جناحها الشعر .. ونثرها .. زهرة عاطرة
- الصبار ينمو فى مرايا الروح
- خور الجمّال ... رحلة الزمان عبر المكان
- السماوي يحفر التاريخ علي جذع الوطن 2 / 2
- السماوي يحفر التاريخ علي جذع الوطن 1 /2
- صندوق جدتي
- الفراشة
- القنابل في عسل .. سلوي النعيمي
- تغريدة البجعة .. وجناية البدايات
- في بعض اللحظات .. الموت هو الخلاص ..عند الغيطاني
- الأحلام المحبطة في .. قرن غزال
- هكذا يعبثون .. بما حدث في 73
- الرواية ديوان العرب
- الرواية وتغيرات المجتمع
- نجيب محفوظ شاهد علي العصور
- المرآة
- رؤية الرواية ليوليو 52 _ الزيني بركات ... 3 / 3
- رؤية الرواية ليوليو 52 ـ خالتي صفية والدير .. 2 /3
- رؤية الرواية ليوليو 52 ـــ زينب و العرش 1 / 3
- الرواية و النكسة 2 / 2
- الرواية و النكسة 1 / 2
- قراءة في مجموعة ( عطش الماء ) للقاص / سمير الشريف ( أحد كتاب الورشة )
- قصة ( الورشة ) القصيرة في عام 3 - الصوت النسائي
- التداوي بالحب .. في القلاع الضامرة
- قصة الورشة القصيرة .. في عام
- قصة الورشة القصيرة ... في عام ... محمد البلبال نموذجاً
- والجنة مثوانا في .. بهجة العمي
- ليس دائما يعمل .. قانون الوراثة
- ذاكرة إبتسام التريسي
- نقرات الزمن في ..... نقرات الظباء
- دستور خيري في .. ( كتاب التوهمات )
- بمناسبة الحياة ..
- عباس .. الأميبا .. لمن هو عبد
- الواقع والمتخيل في .. عمارة يعقوبيان
- العابثون في الملاعب المفتوحة
- السحر الأسود .. يكفن الحاضر
- رحلة الإنسان .. في .. مثل واحد آخر
تغريدة البجعة .. وجناية البدايات
الخميس, 03/27/2008 - 04:11 | شوقي عبد الحميد يحيي

تغريدة البجعة .. وجناية البدايات
شوقي عبد الحميد يحيى
عندما تم اعتقال عدد من طلبة جامعة الأزهر ، عقب تظاهرهم ملثمين بحرم الجامعة احتجاجا علي حرمان عناصر منهم من دخول الامتحانات ، تدخل البوليس بالقبض علي هذه العناصر، ارتفعت بعض الأصوات العاقلة تطالب بعدم اعتقال هؤلاء الطلبة ، وأن الاعتقال ليس هو الوسيلة المثلي لعقابهم ، وأن الاعتقال يحول هؤلاء الطلبة إلي قنابل موقوتة ، غير أن القوة البوليسية لم يكن لها آذان .
تتوارد تلك الواقعة إلي الذهن فور الوصول للسطور الأخيرة من رواية " تغريدة البجعة " التي صاغها بإحكام يحسد عليه الروائي " مكاوي سعيد " ، بعد رحلة طويلة لـ " مصطفي " استعرض فيها التغيرات المجتمعية في مصر عبر العقود الستة الأخير ، بادئا من مرحلة الماركسية وسيادة اليسار في مصر ، في ستينيات القرن الماضي ، ووصولا إلي محرقة بني سويف التي اندلعت في أحد مسارحها ن ملتهمة العشرات من كتاب ونقاد المسرح في مصر ، مرورا بالمذابح الإسرائيلية في لبنان . وصولا إلي المرحلة الآنية ، بضبابيتها ، ومكمن الخطر فيها وتماهي الرؤية المستقلبية ، بعد أن رقصت البجعة رقصتها الأخيرة ، وأشرفت علي الموت .
ينشأ " مصطفي " في حي الطالبية بالهرم ، وكأي فتي يكون له منها ، ومن محيط الدراسة أصدقاء ، ورغنم عدم التناغم بين كل من عصام الذي يستأثر به الفن التشكيلي فيما بعد ، وأحمد الحلو المنضم لأحد الخلايا الماركسية ، إلا أنهما يشكلان اللبنة الأولي لعالم مصطفي ، وينجح أحمد الحلو في اقناع مصطفي بالانضمام لتلك الخلية التي تتعرض للاعتقال في سن مبكرة . وبستمر في المعتق ثلاثة أشهر { نظرا لتفاهة الخلية التي كان يقودها جامعي حديث التخرج } ، ويخرج مصطفي ليجد والده { بقايا إنسان } . و يتحول أحمد الحلو مع صديقته المتطرفة يساريا " شاهيناز " إلي أقصي اليمين ، وليترك أحمد شركة البترول التي يعمل بها ويتفرغ لبيع الكنافة والبسبوسة ، التي تعدهما زوجته – فيما بعد – شاهيناز التي تتفرغ هي الأخري لأعطاء الدروس الدينية في إحدي دور الحضانة القريبة ، ويصل بهما الأمر إلي تخويف ابنتهما الصغري من الحديث والسلام علي مصطفي الغريب بالنسبة لها . وليخرج أحمد من دائرة مصطفي الذي لم يتبق له من الصداقة الحقة في البدايات سوي عصام
{ وكان عصام رومانسيا خالصا في أعماق جيناته ، وكنت مثله أو ربما أدعي ذلك } ، ومثلما كان في حياة مصطفي قصة حب حقيقية نشأت بالجامعة ، كان عصام يتوق لقصة حب حقيقية ، سرعان ما وجدها في " سامنثا " السيرلانكية " ، لم تكن جميلة في ميزان الجمال ،
- بل دميمة مثلما رآها مصطفي – وكانت غنية غني فاحشا ، إلا أن عصام رفض كل أموالها ، لأنه أحبها حبا جنونيا ، سافر عصام إلي سيريلانكا في صحبة " سامنثا " ، وبدأ الخروج من حياة مصطفي ، وعندما تمرض سامنثا بالسرطان ، تدعي التحول عن عصام ، وتدفع صديقتها لإقناعه بأنها وقعت في حب آخر ، ولا مفر من الطلاق ، ولنكتشف فيما بعد سر المأساة . وبعد أن يتبين عصام الحقيقة بعد موت سامنثا ، يهجر العالم ، ويغلق عليه شقته رافضا كل العالم . وبعد أن ينجح مصطفي في اقتحام الشقة ، يجد عصام يعزف لحنه الآخير قبل الموت ، وقد حول جدران الشقة بالكامل – بعد أن أفرغ منها محتوياتها – إلي لوحات تصف سامنثا في كل حالاتها . وليخرج تماما من حياة مصطفي – هو الآخر - من حياة مصطفي ليرتمي في أحضان الجنس مع زينب ، وليبيع نفسه كما " فاوست " للشيطان الجديد ، للأمريكية " مارشا " التي جاءت بحماية باسبورها الأمريكي ، وبأموالها لتتاجر بمعاناة الفقراء في دول العالم الثالث ، بعمل فيلم عن حياة أولاد الشوارع { وتبرر تواجدها بكل مظاهر الحياة السياسية بمصر بأنها مسرورة ومنفعلة بالحراك الاجتماعي المصري وبهامش الحرية والديمقراطية الذي يتسع ويزيد .. } [1] . ويظل في ركابها مخدرا ليتعرف علي " كريم " وأبناء الشوارع ، حتي يفيق قبيل النهاية ، ليعزف هو الآخر لحن الوداع ، يهجر نارشا ، ويهجر أخوته ، ويبيع بيت الطالبية ، ويمنح الجزء الأكبر من أمواله لـ " كريم " الذي يفتتح به محل كوارع ، ويعود للبحث من جديد عن حبه الذي مات في سن مبكرة ، عن هند ، ويختلقها ، أو يوهم نفسه بأنها قد بعثت في " ياسمين " ، وبتحريك داخلي لا راد له ، يندفع للبحث عن أمارة هند في رقبة ياسمين ، ليتهم بالتهجم عليها ، ويتعرض للأذي من لجيران ، ويفرج عنه من سراي الشرطة – بحجة المرض العقلي – وليسير وحيدا في شارع الحياة الضاج بكل ما يذهب العقل .
تواجه الحضارات
من الأمور اللافتة في " تغريدة البجعة " ، اخراق سهم الحب الحقيقي الفاعل في حياة الشخصيات ، بالسهولة التي يمكن – أو المفترض أن تكون – عليها الحياة . وضياع هذا الحب يدمر ، لا الشخصيات فحسب ، وإنما الحياة بكاملها . وكأنه اللمسة الإنسانية التي يبحث عنها كل منا .
في أول يوم من الحياة الجامعية ، ودون تعقيدات ، وبالبساطة غير المتوقعة ، يتعرف مصطفي علي هند التي تدعوه بدورها لزيارتها في بيتها وبين أهلها . وبذات البساطة يستقبله أهلها ، وتصبح هي الدافع والمحفز في مستقبله . تتولي عنه توزيع قصائده ونشرها وإشراكه في معرض الكلية . وتنطفئ شعلة النشاط التي كانتها مبكرا ، فتنفجر فيها دانة موضوعة بحجرة الجوالة بالكلية من بقايا حرب أكتوبر 73 . ولتطيح ليس بحياتها فقط ، وإنما بكامل مستقبله هو . حيث تتحول إلي البؤرة المحركة في حياته ، ولم تكن مأساة اعتقاله عقب تخرجه باقسي من مأساة فقده إياها . ويظل يبحث عنها ، عن هند الجوهر والمعني ، ينتظر منها البشارة باللقاء كما وعدته بعد موتها . تلك البشارة التي ظنها في رقبة ياسمين التي كانت تشبهها في الكثير ، غير أنها لم تكن بذات البساطة التي كانت عليها هند ، هند التي لم تكن تخشي أن تلامس يدها يده ، بينما ياسمين ترتدي الزي الاسلامي الذي تخفي به يدها خشية أن تلامس يده . إلا ان كلتاهما كانت تتحمس للشعر ، وكلتاهما كانت تحب مصر .
وعصام الذي تعرف علي سامنثا ، ولم يكن خاليا طيلة حياته من تجارب عاطفية مبهجة ، لكنها أقصر من دورة حياة الذباب ، وهو الذي عندما عَرّفَ مصطفي علي مارشا قال له { لما تزهق اخلع بسرعة .. غيرها كتير } ، فلم يكن يكتفي بامرأة واحدة أو يهبها نفسه . لذا كانت علاقته بـ سامنثا بعيدة عن أقرب أصدقائه مصطفي { لو قال أحد : رأيت عصام يقف في الهواء أو ينام عاريا علي المسامير ، أو يخرج من أنفه الثعابين ، كنت سأصدقه . أما أن يقول عوض لي أن عصام مغرم ويحب بجنون وإنه قرر الزواج قريبا .. فهذا ضرب من المستحيل ........ صعب جدا أن توجد من تجعله يحبها ويطلبها للزواج بهذه السرعة ..} [2] . ويحوله الحب العنيف إلي زاهد يهجر لوحاته ويهجر عالمه من أجل سامنثا التي يثبت بعد حين أنها لم تكن تقل عنه حبا له .وينتهي الحب بوفاة سامنثا الذي ينهي حياة عصام .
حتي زينب ، تلك التي تتحمل أي أذي من مصطفي لإشباع شبقها الجنسي { بت أحس أن هذه الأنثي عضو جنسي أنثوي يتحرك علي قدمين } فلم يكن في حياتها من شئ سوي ممارسة الجنس ، فقد كان مصطفي يشكك في انتسابها لجريدة ما كما كانت تدعي ، أو نقابة ما ، كل ما هو متيقن منه فقط ، أنها علي استعداد لتحمل أي شئ ، في سبيل إشباع شبقها .
{ كان الرصيف ممتلئا بالبائعين الجائلين والناس الذين لهم نفس هوايتها في الفرجة والاستطلاع .. وأثناء اختراقها لرصيف الشارع بين المشاة كادت أن تصطدم به . القت عيناهما لجزءمن الثانية .. فمتو ثانية علي وجه التحديد . ثم انطلق كل كل منهما في طريق مختلف .. كان شابا أجنبيا بملابس مهلهلة يحمل علي ظهره جيتارا خشبيا كان ........ } [3].
و { خلف الإفريز الخشبي المشغول في بار " الهالجيان " وجدته .......دخلت بسرعة من الباب قاصدة طاولته مباشرة ، جلست أمامه بلا استئذان .ز بوغت لحظات . ثم تذكرني ........ اسمه خوليو أندرناس ، مكسيكي يعمل محلنا وصاحب فرقة شعبية ....... وتمني أن يعود بمصرية ، عندما رأي زينب أحس أنها بشارة السماء ، لكنها إشارات لم تتعد اللحظات ، وعندما راته أيقنت أنها تقابل قدرها ، وعندما وجدها حقيقة مجسمة تجلس أمامه . أقسم بينه وبين نفسه ألا يغادر مصر إلا وهي معه .. } وقد حدث ، غادرت زينب مص ، اخذتها نداهة الحب ، نسيت مصطفي ، فلا اتصال من أي نوع ، ونسيت أهلها في الصعيد . فقد عثرت علي ما كانت تبحث عنه ، دون أن تدري .
كذلك يوسف حلمي ، علي الرغم من انشغاله عن زوجته في حياتها ، وأنه لم يسمعها يوما كلمة حب ، إلا أنه بعد وفاتها { كان يتذكر زوجته كثيرا وتختلط علي ذاكرته المجهدة التي تجاوزت السبعين بعض الأمور الفنة أو أسماء الأبطال أو تواريخ إنتاج الأفلام ، إلا أن ذكرياته مع زوجته .. كان يحكيها بدقة متناهية وبتفاصيل ووقائع لا خلل بها مطلقا حتي حين يعيد حكيها مرات ..} [4].
ربما هي القدرية التي يؤمن بها الشرق ، إلا أنه في كل من الحالات السابقة ، نلحظ توافر الجانب الرومانسي ( مصطفي شاعر ، عصام فنان تشكيلي ، الشاب الذي أحبته زينب ، يحمل اليجتار علي ظهره ، يوسف حلمي ينتسب للفئة الرومانسية ولو بحكم عمه ) .
إنه الشرق الفنان ، المناقض والمعارض للجانب الأمريكي الذي تحولت العاطفة لديه لأرقام { أنا أتعامل مع مارشا بنفس إحساسي تجاه الحضارة الأمريكية . أفهمها وأفهم تطلعاتها . وأقدر حساباتها التوازنة التي أعرف جيدا أنني مجرد رقم فيها ..... وأعاملها بفوضوية الفكر الإبداعي } . وكأنها المقابلة المستحيلة ، وعدم الانساجم المفقود بين الطرفين .وفي إعلان لرفض الأمريكي ، ناعم ومتستر، يعلنه مكاوي سعيد برومانسية شفيفة .
التحولات المجتمعية والتواجد الأجنبي
يتضح من العرض السابق للتغيرات التي حدثت علي الشخصيات ، أن القوي اليسارية – التي سادت فترة الستينيات من القرن الماضي – قد تم تفتيتها وتحويل مسارها سواء بضرب تجمعاتها ( الاعتقالات ) أو بثبوت خطأ مساراتها { ولعل من أغرب تطبيقات هذه الائحة كان الخبر المطول الذي قدمته صحيفة عثمانية للرقيب يتضمن آنذاك تغطية لأحداث الثورة الروسية التي انتهت باستيلاء الشيوعيين علي الحكم بقيادة " لينين " عام 1917 .. فحذف الرقيب من مجمل ما حذف كلمات مثل " ثورة " " دستور " " حقوق الأمة " و" ظلم " وكل ما يتعلق بالهجوم علي القيصر أو ثورة الشعب ، ولم يتبق من الخبر المطول إلا سطر واحد نشرته الصحيفة في اليوم التالي للثورة كالأتي : حدث أمس خناقة في روسيا ....... } [5] . باعتبار الثورة الروسية اللينينية هي الأساس في الاتجاه الماركسي ، فضلا عن انحرافات معتنقيها في عملية التطبيق { مش اللي حصل لأحمد أفضل بكتير من بعض تحولات الأخوة اليسارييب .. علي الأقل هو ما سرقش وما شاركش في التستر علي فساد وما مصش عرق العمال الغلابة .. } . وما حدث لأحمد هو نوع آخر من التحول . التحول إلي الاتجاه المضاد ، إلي الأصولية الإسلامية المتطرفة ( أحمد الحلو وزوجته شاهيناز ، شريف يوسف حلمي الذي قضي علي مذكرات والده ، وكأنه يلغي تاريخ السينما والثقافة بأكملها ) ، وبلغ هذا النوع حد تغيير اسماء الشوارع ( شارع خوفوا الذي أصبح اسمه خاتم المرسلين ) وكأنه يريد محو التاريخ كذلك .
النوع الثاني من التحولات – وأيضا نتيجة العوالم السالفة ، وهو ما يمثله عصام ، والذي يشبه القلق وعدم الاستقرار{ عصام كالنحلة لا يستقرعند شلة معينة وله تحرك دءوب في اتجاهات مختلفة .... } وكأنه نوع من الضياع .
النوع الثالث من التحول هو ماحدث لمصطفي ذاته ، الشاب اليساري الشاعر الذي بدأ حياته بالمشاركة وإبداء الرأئ ، ونتيجة العوامل السابقة تحول إلي { ما عادت لي انتماءات تنظيمية ولا خلايا سرية ، ولم يعد باق غير أن أصرخ بأعلي صوتي وأنفعل وأملي عيني برؤية بعض الزملاء القدامي الذين أصبحوا رأسماليون ( رأسماليين ) أو مخبرين أو إخوان مسلمين أو متفرجين } . ولم يتوقف الأمر عند كون مصطفي قد أصبح لم يعد له انتماءات حزبية ، بل إنه باع نفسه للأجنبي ( مارشا الأمريكية ) التي سيطرت عليه بأموالها وكأنه عملية اختراق من الداخل ( إضعاف صفوف المواجهة ، يسهل عملية الاختراق ) ، وما ذلك إلا فتحا للأجانب الذين تزايدت أعدادهم في وسط البلد ، وأصبح تواجدهم مسيطرا ، ساعدهم عليه أيضا تلك الحماية التي تعطيها لهم الدولة ( إجراءات الأمن غير العادية للمبني المقيمين فيه ) ومجرد حملهم باسبورات أجنبية ( وأمريكية علي وجه التحديد ) يمنحهم حصانة لا تتوافر للمصري إبن البلد . وهكذا انفرط عقد الجماعة وتفتت وضعف ، فأصبح المناخ مهيأ لدخول الأجني وسيطرته علي أرض الوطن فاصبح يتدخل في كل الشئون { وراحت ( مارشا ) تبرر تواجدها بكل مظاهر الحياة السياسية في مصر } .
مظهر آخر من مظاهر التحول المجتمعي في مصر يقدمه مكاوي سعيد بنموذجي العلاقة النسائية لمصطفي ، وقد كان لإثتنين منهن تأثير قوي ، الأولي هند وهي البؤرة الساكنة المحركة لشخصية مصطفي ، وربما للرواية ، الحب المثالي العفيف ، واختفائها الظاهري ، هو الذي فتح المجال لدخول النموذج الثاني في حياته ( زينب ) . الحب الجسدي الوقتي ، ورغم أن غيابها أيضا أثار بعض الأشواق في مصطفي ، إلا أنه الاحتياج المادي الذي لم يرق لحب هند ، وكأنه يؤكد التحول من المثالية للمادية ، وهو ما يؤكده الواقع المعاش الآن في مصر المحروسة .
وبالتأمل في كيفية موت هند . ماتت هند بدانة من بقايا نكسة 1967 – في حين مسدس شريف يوسف حلمي من بقايا 1973 ، ولم يأت ذلك مجانيا . فإذا كنا نستطيع القول بضمير مرتاح أن هند وياسمين ليستا سوي شخصية واحدة – بينهما اختلاف – فهند هي النوذج الذي كان ، وياسمين هي النموذج الآن ، وكلتاهما ليست سوي مصر . مصر ماتت بعد 1967 . بينما نصر 1973 لم يستغل بعد ( لازالت الذخيرة بالمسدس ) . فمصطفي لم يحب سوي مصر ، مصر التي كانت ، ويسعي لعودة مصر إلي ماكانت ، يسعي لأن يجعل من ياسمين هند أخري .
الرواية في مصر الآن
إذا كانت " تغريدة البجعة " قد نحجت في اقامة شبكة من العلاقات المتشابكة والمتداخلة ، استطاع مكاوي سعيد إدارتها بنجاح تميزت به عن غيرها ، فإنهاتشترك مع الرواية في مصر الآن في العديد من السمات التي من أهمها :
الاعتماد علي الشرائح العرضية المتجاورة ، التي تمنح الرؤية الكلية ، كصورة للمجتمع المصري المعاش الآن .
الاعتماد علي استخدام اللفظ الدارج باستخداته في الشارع المصري ، الذي يزرع القارئ في بيئته ، وكأنه يعيش البيئة ، لا يتعايشها .
استخدام منطقة وسط البلد في الدلالة علي ما حدث فيها من تحولات مجتمعية ، باعتباره أقدمها – وهو ما يظهر التحول أكثر من غيرها من المناطق – وباعتبار وسط الشئ هو المعبر عن الشئ ذاته . ( عمارة يعقوبيان لعلاء الأسواني ، كائن العزلة لمحمود الغيطاني ، سحر أسود لحمدي الجزار ...... ) .
الانشغال بالهم العام ، ورفض الأوضاع القائمة ، والسعي نحو التغيير ، ودق ناقوس الخطر مما هو قائم ، والذي وصل لحافة الهاوية . ويكفي للدلالة علي ذلك تحليل الرمز الدال في " تغريدة البجعة " :
رمز آخر شديد الدلالة علي مكمن الخطر في البلد ، ذلك المسدس ( الميري ) بذخيرته الحية ، القابلة لللإنفجار بمجرد الضغط علي ( الزناد ) . تركه ابن يوسف حلمي في حوزة والده ، بعد أن كان قد استشهد في معارك 1973 ، وظل المسدس في مخبأه سنين طويلة لا يعلم أحد عنه شيئا ، حتي توطدت العلاقة بين يوسف حلمي والراوي " مصطفي " الذي اكتسب ثقته ، فمنحه إياه ، رغم رفض الأخير له ، والذي لم يكن يعلم ماذا يفعل به . ويظل هذا المسدس في طي كتمان مصطفي ، لا يعلم عنه أحد شيئا ، ولم يستخدمه هو أيضا ، حتي تتوطد العلاقة بينه وبين " كريم " – زعيم جماعة أبناء الشوارع – فيسلمه إياه ، وليفرح به من أخذه هذه المرة .
فالسلاح هنا ( ميري ) أي أنه بيد الحكومة سيتم الاغتيال أو القتل – أو استخدام الخطر - .
وظل وجوده في طي الكتمان ، وكأن الخطر مخبوء تحت السطح ، وقابل للإنفجار في أي لحظة . وانتقل المسدس من يد يوف حلمي ، المنشغل حد التشبع بالسينما ، ولم يكن له أن يستخدمه ، ثم انتقل إلي يد " مصطفي" الرومانسي الذي قضي عليه الاعتقال ، وفقد الحبيبة ، الرمز ، فحولته إلي إنسان سلبي ، ليس له في استعمال السلاح . ثم يستقر السلاح أخيرا في يد " كريم " الذي يتزعم العصابة التي تملك { دوارق مليءة بمياه النار ن الزجاجات المعبأة بالكحول والجاز والمعدة كي يستخدموها كقنابل المولوتوف ، إذا ما هدد أمنهم شخص أو جماعة أو نظام ، وجميع أنواع الأسلحة البيضاءكما تحب الحكومة أن تسميها بالإضافة إلي عدم الخوف وانعدام الضمير بصورة قد تدفعهم للقتل . }[6] فماذا يمكن أن تفعل مثل هذه المجموعة إذا ما وقع في أيديهم سلاح مجاني ( مُعَمَر ) ؟ .
وكأن مصطفي يضعه في يد من لا قلب له ، في لحظة يأس ، ليصوبه علي رأس المجتمع الذي سحقه .
تتوارد تلك الواقعة إلي الذهن فور الوصول للسطور الأخيرة من رواية " تغريدة البجعة " التي صاغها بإحكام يحسد عليه الروائي " مكاوي سعيد " ، بعد رحلة طويلة لـ " مصطفي " استعرض فيها التغيرات المجتمعية في مصر عبر العقود الستة الأخير ، بادئا من مرحلة الماركسية وسيادة اليسار في مصر ، في ستينيات القرن الماضي ، ووصولا إلي محرقة بني سويف التي اندلعت في أحد مسارحها ن ملتهمة العشرات من كتاب ونقاد المسرح في مصر ، مرورا بالمذابح الإسرائيلية في لبنان . وصولا إلي المرحلة الآنية ، بضبابيتها ، ومكمن الخطر فيها وتماهي الرؤية المستقلبية ، بعد أن رقصت البجعة رقصتها الأخيرة ، وأشرفت علي الموت .
ينشأ " مصطفي " في حي الطالبية بالهرم ، وكأي فتي يكون له منها ، ومن محيط الدراسة أصدقاء ، ورغنم عدم التناغم بين كل من عصام الذي يستأثر به الفن التشكيلي فيما بعد ، وأحمد الحلو المنضم لأحد الخلايا الماركسية ، إلا أنهما يشكلان اللبنة الأولي لعالم مصطفي ، وينجح أحمد الحلو في اقناع مصطفي بالانضمام لتلك الخلية التي تتعرض للاعتقال في سن مبكرة . وبستمر في المعتق ثلاثة أشهر { نظرا لتفاهة الخلية التي كان يقودها جامعي حديث التخرج } ، ويخرج مصطفي ليجد والده { بقايا إنسان } . و يتحول أحمد الحلو مع صديقته المتطرفة يساريا " شاهيناز " إلي أقصي اليمين ، وليترك أحمد شركة البترول التي يعمل بها ويتفرغ لبيع الكنافة والبسبوسة ، التي تعدهما زوجته – فيما بعد – شاهيناز التي تتفرغ هي الأخري لأعطاء الدروس الدينية في إحدي دور الحضانة القريبة ، ويصل بهما الأمر إلي تخويف ابنتهما الصغري من الحديث والسلام علي مصطفي الغريب بالنسبة لها . وليخرج أحمد من دائرة مصطفي الذي لم يتبق له من الصداقة الحقة في البدايات سوي عصام
{ وكان عصام رومانسيا خالصا في أعماق جيناته ، وكنت مثله أو ربما أدعي ذلك } ، ومثلما كان في حياة مصطفي قصة حب حقيقية نشأت بالجامعة ، كان عصام يتوق لقصة حب حقيقية ، سرعان ما وجدها في " سامنثا " السيرلانكية " ، لم تكن جميلة في ميزان الجمال ،
- بل دميمة مثلما رآها مصطفي – وكانت غنية غني فاحشا ، إلا أن عصام رفض كل أموالها ، لأنه أحبها حبا جنونيا ، سافر عصام إلي سيريلانكا في صحبة " سامنثا " ، وبدأ الخروج من حياة مصطفي ، وعندما تمرض سامنثا بالسرطان ، تدعي التحول عن عصام ، وتدفع صديقتها لإقناعه بأنها وقعت في حب آخر ، ولا مفر من الطلاق ، ولنكتشف فيما بعد سر المأساة . وبعد أن يتبين عصام الحقيقة بعد موت سامنثا ، يهجر العالم ، ويغلق عليه شقته رافضا كل العالم . وبعد أن ينجح مصطفي في اقتحام الشقة ، يجد عصام يعزف لحنه الآخير قبل الموت ، وقد حول جدران الشقة بالكامل – بعد أن أفرغ منها محتوياتها – إلي لوحات تصف سامنثا في كل حالاتها . وليخرج تماما من حياة مصطفي – هو الآخر - من حياة مصطفي ليرتمي في أحضان الجنس مع زينب ، وليبيع نفسه كما " فاوست " للشيطان الجديد ، للأمريكية " مارشا " التي جاءت بحماية باسبورها الأمريكي ، وبأموالها لتتاجر بمعاناة الفقراء في دول العالم الثالث ، بعمل فيلم عن حياة أولاد الشوارع { وتبرر تواجدها بكل مظاهر الحياة السياسية بمصر بأنها مسرورة ومنفعلة بالحراك الاجتماعي المصري وبهامش الحرية والديمقراطية الذي يتسع ويزيد .. } [1] . ويظل في ركابها مخدرا ليتعرف علي " كريم " وأبناء الشوارع ، حتي يفيق قبيل النهاية ، ليعزف هو الآخر لحن الوداع ، يهجر نارشا ، ويهجر أخوته ، ويبيع بيت الطالبية ، ويمنح الجزء الأكبر من أمواله لـ " كريم " الذي يفتتح به محل كوارع ، ويعود للبحث من جديد عن حبه الذي مات في سن مبكرة ، عن هند ، ويختلقها ، أو يوهم نفسه بأنها قد بعثت في " ياسمين " ، وبتحريك داخلي لا راد له ، يندفع للبحث عن أمارة هند في رقبة ياسمين ، ليتهم بالتهجم عليها ، ويتعرض للأذي من لجيران ، ويفرج عنه من سراي الشرطة – بحجة المرض العقلي – وليسير وحيدا في شارع الحياة الضاج بكل ما يذهب العقل .
تواجه الحضارات
من الأمور اللافتة في " تغريدة البجعة " ، اخراق سهم الحب الحقيقي الفاعل في حياة الشخصيات ، بالسهولة التي يمكن – أو المفترض أن تكون – عليها الحياة . وضياع هذا الحب يدمر ، لا الشخصيات فحسب ، وإنما الحياة بكاملها . وكأنه اللمسة الإنسانية التي يبحث عنها كل منا .
في أول يوم من الحياة الجامعية ، ودون تعقيدات ، وبالبساطة غير المتوقعة ، يتعرف مصطفي علي هند التي تدعوه بدورها لزيارتها في بيتها وبين أهلها . وبذات البساطة يستقبله أهلها ، وتصبح هي الدافع والمحفز في مستقبله . تتولي عنه توزيع قصائده ونشرها وإشراكه في معرض الكلية . وتنطفئ شعلة النشاط التي كانتها مبكرا ، فتنفجر فيها دانة موضوعة بحجرة الجوالة بالكلية من بقايا حرب أكتوبر 73 . ولتطيح ليس بحياتها فقط ، وإنما بكامل مستقبله هو . حيث تتحول إلي البؤرة المحركة في حياته ، ولم تكن مأساة اعتقاله عقب تخرجه باقسي من مأساة فقده إياها . ويظل يبحث عنها ، عن هند الجوهر والمعني ، ينتظر منها البشارة باللقاء كما وعدته بعد موتها . تلك البشارة التي ظنها في رقبة ياسمين التي كانت تشبهها في الكثير ، غير أنها لم تكن بذات البساطة التي كانت عليها هند ، هند التي لم تكن تخشي أن تلامس يدها يده ، بينما ياسمين ترتدي الزي الاسلامي الذي تخفي به يدها خشية أن تلامس يده . إلا ان كلتاهما كانت تتحمس للشعر ، وكلتاهما كانت تحب مصر .
وعصام الذي تعرف علي سامنثا ، ولم يكن خاليا طيلة حياته من تجارب عاطفية مبهجة ، لكنها أقصر من دورة حياة الذباب ، وهو الذي عندما عَرّفَ مصطفي علي مارشا قال له { لما تزهق اخلع بسرعة .. غيرها كتير } ، فلم يكن يكتفي بامرأة واحدة أو يهبها نفسه . لذا كانت علاقته بـ سامنثا بعيدة عن أقرب أصدقائه مصطفي { لو قال أحد : رأيت عصام يقف في الهواء أو ينام عاريا علي المسامير ، أو يخرج من أنفه الثعابين ، كنت سأصدقه . أما أن يقول عوض لي أن عصام مغرم ويحب بجنون وإنه قرر الزواج قريبا .. فهذا ضرب من المستحيل ........ صعب جدا أن توجد من تجعله يحبها ويطلبها للزواج بهذه السرعة ..} [2] . ويحوله الحب العنيف إلي زاهد يهجر لوحاته ويهجر عالمه من أجل سامنثا التي يثبت بعد حين أنها لم تكن تقل عنه حبا له .وينتهي الحب بوفاة سامنثا الذي ينهي حياة عصام .
حتي زينب ، تلك التي تتحمل أي أذي من مصطفي لإشباع شبقها الجنسي { بت أحس أن هذه الأنثي عضو جنسي أنثوي يتحرك علي قدمين } فلم يكن في حياتها من شئ سوي ممارسة الجنس ، فقد كان مصطفي يشكك في انتسابها لجريدة ما كما كانت تدعي ، أو نقابة ما ، كل ما هو متيقن منه فقط ، أنها علي استعداد لتحمل أي شئ ، في سبيل إشباع شبقها .
{ كان الرصيف ممتلئا بالبائعين الجائلين والناس الذين لهم نفس هوايتها في الفرجة والاستطلاع .. وأثناء اختراقها لرصيف الشارع بين المشاة كادت أن تصطدم به . القت عيناهما لجزءمن الثانية .. فمتو ثانية علي وجه التحديد . ثم انطلق كل كل منهما في طريق مختلف .. كان شابا أجنبيا بملابس مهلهلة يحمل علي ظهره جيتارا خشبيا كان ........ } [3].
و { خلف الإفريز الخشبي المشغول في بار " الهالجيان " وجدته .......دخلت بسرعة من الباب قاصدة طاولته مباشرة ، جلست أمامه بلا استئذان .ز بوغت لحظات . ثم تذكرني ........ اسمه خوليو أندرناس ، مكسيكي يعمل محلنا وصاحب فرقة شعبية ....... وتمني أن يعود بمصرية ، عندما رأي زينب أحس أنها بشارة السماء ، لكنها إشارات لم تتعد اللحظات ، وعندما راته أيقنت أنها تقابل قدرها ، وعندما وجدها حقيقة مجسمة تجلس أمامه . أقسم بينه وبين نفسه ألا يغادر مصر إلا وهي معه .. } وقد حدث ، غادرت زينب مص ، اخذتها نداهة الحب ، نسيت مصطفي ، فلا اتصال من أي نوع ، ونسيت أهلها في الصعيد . فقد عثرت علي ما كانت تبحث عنه ، دون أن تدري .
كذلك يوسف حلمي ، علي الرغم من انشغاله عن زوجته في حياتها ، وأنه لم يسمعها يوما كلمة حب ، إلا أنه بعد وفاتها { كان يتذكر زوجته كثيرا وتختلط علي ذاكرته المجهدة التي تجاوزت السبعين بعض الأمور الفنة أو أسماء الأبطال أو تواريخ إنتاج الأفلام ، إلا أن ذكرياته مع زوجته .. كان يحكيها بدقة متناهية وبتفاصيل ووقائع لا خلل بها مطلقا حتي حين يعيد حكيها مرات ..} [4].
ربما هي القدرية التي يؤمن بها الشرق ، إلا أنه في كل من الحالات السابقة ، نلحظ توافر الجانب الرومانسي ( مصطفي شاعر ، عصام فنان تشكيلي ، الشاب الذي أحبته زينب ، يحمل اليجتار علي ظهره ، يوسف حلمي ينتسب للفئة الرومانسية ولو بحكم عمه ) .
إنه الشرق الفنان ، المناقض والمعارض للجانب الأمريكي الذي تحولت العاطفة لديه لأرقام { أنا أتعامل مع مارشا بنفس إحساسي تجاه الحضارة الأمريكية . أفهمها وأفهم تطلعاتها . وأقدر حساباتها التوازنة التي أعرف جيدا أنني مجرد رقم فيها ..... وأعاملها بفوضوية الفكر الإبداعي } . وكأنها المقابلة المستحيلة ، وعدم الانساجم المفقود بين الطرفين .وفي إعلان لرفض الأمريكي ، ناعم ومتستر، يعلنه مكاوي سعيد برومانسية شفيفة .
التحولات المجتمعية والتواجد الأجنبي
يتضح من العرض السابق للتغيرات التي حدثت علي الشخصيات ، أن القوي اليسارية – التي سادت فترة الستينيات من القرن الماضي – قد تم تفتيتها وتحويل مسارها سواء بضرب تجمعاتها ( الاعتقالات ) أو بثبوت خطأ مساراتها { ولعل من أغرب تطبيقات هذه الائحة كان الخبر المطول الذي قدمته صحيفة عثمانية للرقيب يتضمن آنذاك تغطية لأحداث الثورة الروسية التي انتهت باستيلاء الشيوعيين علي الحكم بقيادة " لينين " عام 1917 .. فحذف الرقيب من مجمل ما حذف كلمات مثل " ثورة " " دستور " " حقوق الأمة " و" ظلم " وكل ما يتعلق بالهجوم علي القيصر أو ثورة الشعب ، ولم يتبق من الخبر المطول إلا سطر واحد نشرته الصحيفة في اليوم التالي للثورة كالأتي : حدث أمس خناقة في روسيا ....... } [5] . باعتبار الثورة الروسية اللينينية هي الأساس في الاتجاه الماركسي ، فضلا عن انحرافات معتنقيها في عملية التطبيق { مش اللي حصل لأحمد أفضل بكتير من بعض تحولات الأخوة اليسارييب .. علي الأقل هو ما سرقش وما شاركش في التستر علي فساد وما مصش عرق العمال الغلابة .. } . وما حدث لأحمد هو نوع آخر من التحول . التحول إلي الاتجاه المضاد ، إلي الأصولية الإسلامية المتطرفة ( أحمد الحلو وزوجته شاهيناز ، شريف يوسف حلمي الذي قضي علي مذكرات والده ، وكأنه يلغي تاريخ السينما والثقافة بأكملها ) ، وبلغ هذا النوع حد تغيير اسماء الشوارع ( شارع خوفوا الذي أصبح اسمه خاتم المرسلين ) وكأنه يريد محو التاريخ كذلك .
النوع الثاني من التحولات – وأيضا نتيجة العوالم السالفة ، وهو ما يمثله عصام ، والذي يشبه القلق وعدم الاستقرار{ عصام كالنحلة لا يستقرعند شلة معينة وله تحرك دءوب في اتجاهات مختلفة .... } وكأنه نوع من الضياع .
النوع الثالث من التحول هو ماحدث لمصطفي ذاته ، الشاب اليساري الشاعر الذي بدأ حياته بالمشاركة وإبداء الرأئ ، ونتيجة العوامل السابقة تحول إلي { ما عادت لي انتماءات تنظيمية ولا خلايا سرية ، ولم يعد باق غير أن أصرخ بأعلي صوتي وأنفعل وأملي عيني برؤية بعض الزملاء القدامي الذين أصبحوا رأسماليون ( رأسماليين ) أو مخبرين أو إخوان مسلمين أو متفرجين } . ولم يتوقف الأمر عند كون مصطفي قد أصبح لم يعد له انتماءات حزبية ، بل إنه باع نفسه للأجنبي ( مارشا الأمريكية ) التي سيطرت عليه بأموالها وكأنه عملية اختراق من الداخل ( إضعاف صفوف المواجهة ، يسهل عملية الاختراق ) ، وما ذلك إلا فتحا للأجانب الذين تزايدت أعدادهم في وسط البلد ، وأصبح تواجدهم مسيطرا ، ساعدهم عليه أيضا تلك الحماية التي تعطيها لهم الدولة ( إجراءات الأمن غير العادية للمبني المقيمين فيه ) ومجرد حملهم باسبورات أجنبية ( وأمريكية علي وجه التحديد ) يمنحهم حصانة لا تتوافر للمصري إبن البلد . وهكذا انفرط عقد الجماعة وتفتت وضعف ، فأصبح المناخ مهيأ لدخول الأجني وسيطرته علي أرض الوطن فاصبح يتدخل في كل الشئون { وراحت ( مارشا ) تبرر تواجدها بكل مظاهر الحياة السياسية في مصر } .
مظهر آخر من مظاهر التحول المجتمعي في مصر يقدمه مكاوي سعيد بنموذجي العلاقة النسائية لمصطفي ، وقد كان لإثتنين منهن تأثير قوي ، الأولي هند وهي البؤرة الساكنة المحركة لشخصية مصطفي ، وربما للرواية ، الحب المثالي العفيف ، واختفائها الظاهري ، هو الذي فتح المجال لدخول النموذج الثاني في حياته ( زينب ) . الحب الجسدي الوقتي ، ورغم أن غيابها أيضا أثار بعض الأشواق في مصطفي ، إلا أنه الاحتياج المادي الذي لم يرق لحب هند ، وكأنه يؤكد التحول من المثالية للمادية ، وهو ما يؤكده الواقع المعاش الآن في مصر المحروسة .
وبالتأمل في كيفية موت هند . ماتت هند بدانة من بقايا نكسة 1967 – في حين مسدس شريف يوسف حلمي من بقايا 1973 ، ولم يأت ذلك مجانيا . فإذا كنا نستطيع القول بضمير مرتاح أن هند وياسمين ليستا سوي شخصية واحدة – بينهما اختلاف – فهند هي النوذج الذي كان ، وياسمين هي النموذج الآن ، وكلتاهما ليست سوي مصر . مصر ماتت بعد 1967 . بينما نصر 1973 لم يستغل بعد ( لازالت الذخيرة بالمسدس ) . فمصطفي لم يحب سوي مصر ، مصر التي كانت ، ويسعي لعودة مصر إلي ماكانت ، يسعي لأن يجعل من ياسمين هند أخري .
الرواية في مصر الآن
إذا كانت " تغريدة البجعة " قد نحجت في اقامة شبكة من العلاقات المتشابكة والمتداخلة ، استطاع مكاوي سعيد إدارتها بنجاح تميزت به عن غيرها ، فإنهاتشترك مع الرواية في مصر الآن في العديد من السمات التي من أهمها :
الاعتماد علي الشرائح العرضية المتجاورة ، التي تمنح الرؤية الكلية ، كصورة للمجتمع المصري المعاش الآن .
الاعتماد علي استخدام اللفظ الدارج باستخداته في الشارع المصري ، الذي يزرع القارئ في بيئته ، وكأنه يعيش البيئة ، لا يتعايشها .
استخدام منطقة وسط البلد في الدلالة علي ما حدث فيها من تحولات مجتمعية ، باعتباره أقدمها – وهو ما يظهر التحول أكثر من غيرها من المناطق – وباعتبار وسط الشئ هو المعبر عن الشئ ذاته . ( عمارة يعقوبيان لعلاء الأسواني ، كائن العزلة لمحمود الغيطاني ، سحر أسود لحمدي الجزار ...... ) .
الانشغال بالهم العام ، ورفض الأوضاع القائمة ، والسعي نحو التغيير ، ودق ناقوس الخطر مما هو قائم ، والذي وصل لحافة الهاوية . ويكفي للدلالة علي ذلك تحليل الرمز الدال في " تغريدة البجعة " :
رمز آخر شديد الدلالة علي مكمن الخطر في البلد ، ذلك المسدس ( الميري ) بذخيرته الحية ، القابلة لللإنفجار بمجرد الضغط علي ( الزناد ) . تركه ابن يوسف حلمي في حوزة والده ، بعد أن كان قد استشهد في معارك 1973 ، وظل المسدس في مخبأه سنين طويلة لا يعلم أحد عنه شيئا ، حتي توطدت العلاقة بين يوسف حلمي والراوي " مصطفي " الذي اكتسب ثقته ، فمنحه إياه ، رغم رفض الأخير له ، والذي لم يكن يعلم ماذا يفعل به . ويظل هذا المسدس في طي كتمان مصطفي ، لا يعلم عنه أحد شيئا ، ولم يستخدمه هو أيضا ، حتي تتوطد العلاقة بينه وبين " كريم " – زعيم جماعة أبناء الشوارع – فيسلمه إياه ، وليفرح به من أخذه هذه المرة .
فالسلاح هنا ( ميري ) أي أنه بيد الحكومة سيتم الاغتيال أو القتل – أو استخدام الخطر - .
وظل وجوده في طي الكتمان ، وكأن الخطر مخبوء تحت السطح ، وقابل للإنفجار في أي لحظة . وانتقل المسدس من يد يوف حلمي ، المنشغل حد التشبع بالسينما ، ولم يكن له أن يستخدمه ، ثم انتقل إلي يد " مصطفي" الرومانسي الذي قضي عليه الاعتقال ، وفقد الحبيبة ، الرمز ، فحولته إلي إنسان سلبي ، ليس له في استعمال السلاح . ثم يستقر السلاح أخيرا في يد " كريم " الذي يتزعم العصابة التي تملك { دوارق مليءة بمياه النار ن الزجاجات المعبأة بالكحول والجاز والمعدة كي يستخدموها كقنابل المولوتوف ، إذا ما هدد أمنهم شخص أو جماعة أو نظام ، وجميع أنواع الأسلحة البيضاءكما تحب الحكومة أن تسميها بالإضافة إلي عدم الخوف وانعدام الضمير بصورة قد تدفعهم للقتل . }[6] فماذا يمكن أن تفعل مثل هذه المجموعة إذا ما وقع في أيديهم سلاح مجاني ( مُعَمَر ) ؟ .
وكأن مصطفي يضعه في يد من لا قلب له ، في لحظة يأس ، ليصوبه علي رأس المجتمع الذي سحقه .
شوقي عبد الحميد يحيي
Em : shyehia@yahoo.com
[1] - ص 218
[2] - ص 46
[3] - ص 160
[4] - ص 54
[5] - ص 199
[6] - ص 225

تعليق: تغريدة البجعة .. وجناية البدايات
إلى أن أقرأ هذه الرواية .. سأكتفي بما قرأته هنا
جميل جدا هذا الطرح وهذه الرؤية
مودتي الكبيرة