You are here
تقاعد غير مريح
خرج لتوه من السجن، حاول فرد جسمه، تمطى قليلا، تلفت حوله، فاردا كف يده على وجهه اتقاء أشعة الشمس الحارقة، تمخط و بصق على الأرض، بادله حارس السجن بصقه اشد كادت أن تطول وجهه.
انحنى ظهره وتقوس والكراهية تعلو كل شىء . الأرض والدواب والشجر، حتى نظرات المارة المفاجئة والعشوائية، يطل منها كره واحتقار.
ربما عرفوا حكايته القديمة التي مازالت عالقة .. لن يتبرأ منها أو يتوارى خجلا خلف حجاب .. لا احد يستطيع الهرب من قدره .. هو يؤمن بقدره وانه لن يستطيع تغييره ، وإلا فما بال تلك الأحاسيس التي تجتاحه الآن وتجعله يفقد صوابه ، يتوق ليمارس دوره القديم الذي لم يتخلى عنه أبدا .
حينما أصدرت محكمة امن الدولة العليا طوارئ حكما بسجنه عشرين عاما لتورطه وإدانته بالتجسس ونقل المعلومات إلى دولة معادية ، أحس ألما غريبا يغتال صدره ، اخذ يضربه بيده عله ينصرف ، لكنه زاد واستوحش ولم يلتفت إليه احد والعرق يتصبب من جبينه رغم برودة شهر ديسمبر .. أخذوه مقيدا بالسلاسل ككلب أجرب ، يجروه في سلسلة غليظة ، حتى كاد أن ينكفئ على وجهه حتى مثواه الأخير بسجن أبو زعبل .
وحينما ضمته جدران الزنزانة رقم 213 لم يجد سوى ثلاثة ، هاجموه بشراسة حينما عرفوا تهمته وتصايحوا وثاروا .. ضربوه حتى سالت الدماء من انفه وبقية فتحاته .
الغريب أن حارس الزنزانة كان يبص من كوة الباب بين الحين والآخر ويطمئن انه مازال يلتقط الأنفاس ، لم يشأ أن يفسد عليهم متعتهم في الاحتفال به وإعطائه دروس في الوطنية الصادقة حتى أن احدهم كان يشدو – وهو لص محترف – بصوت أجش : وتعيشي يا ضحكة مصر ..آه آه ...وتعيش يا نيل يا طيب مكورا يده اليمنى، يسددها إلى بطنه.
عشرون عاما بالتمام والكمال عاشها منبوذا ، يأكل ويشرب ويسير بمفرده لا يصاحبه غير ظله وتهمته الشنيعة التي لم يشعر يوما تجاهها بالإثم أو تأنيب الضمير .
منذ أن كان صغيرا وهو مولعا بالتنصت على الجيران واستراق السمع ، يقضى أياما في تتبع الواحد منهم حتى يعرف سره، يستمتع كثيرا بكونه خزانة الأسرار .
لم يجنده احد كي يكون جاسوسا، بل ذهب بنفسه إلى سفارة تلك الدولة وطلب مقابلة سفيرها لأمر هام وظل يروح ويجيء شهورا طويلة على السفارة حتى سمح له القنصل بمقابلته على مضض.
وتصور القنصل أن إلحاحه وتردده اليومي على السفارة لتسهيل أمر دخول بلاده لكنه لم يفصح عن مطلبه إلا حينما اختلى بالقنصل وبصوت خفيض همس له قائلا:
- لدى معلومات خطيرة تفيد بلدكم العزيز.
انتفض القنصل وهم بطرده لولا انه أطال النظر في عينيه الخبيثتين وقرأ رغبته، لكن ذلك لا يمنع من طرده، فرغم حالة السلام الظاهر بين الدولتين ، إلا أنهما سيظلان في عداء خفي.
لم يمهله لطرده بل اخرج مفكرة كبيرة مقسمة إلى أجزاء معنونة مكتوبة بلغة انجليزية ركيكة ، لكنها تضم كنوزا من المعلومات في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية بل والعسكرية .
ارتبك القنصل ولم يزايله الشك فى نواياه رغم ماقرؤه على عجل ، غير انه يخشى أن يكون فخا منصوبا له بإحكام تتسبب في طرده هو وسفيره وإغلاق سفارته لدى القاهرة .
إلا إن رجائي قد قرأ افكارالقنصل وقال مطمئنا :
- لا تخشى شيئا ، جربني .
وبعد شد وجذب ومناقشات مستفيضة واختبارات قاسية خضع لها رجائي ، تم تكليفه جاسوسا من الدرجة الأولى مع تقاضيه راتبا شهريا متميزا و التشديد عليه ألا ينفق ببذخ حتى لا يلفت الأنظار إليه والاحتفاظ بمسكنه القديم بالمنيرة والالتزام بعاداته وعمله بوزارة المالية .
ولظروف خارجة عن إرادته تم القبض عليه بعد خمس سنوات فقط من ممارسة التجسس وحكم عليه سريعا لثبوت الأدلة الدامغة حتى أن محاميه لم يحضر جلسة النطق بالحكم.
لما عاد إلى مسكنه بالمنيرة، وجد الناس تلفظ وجوده وتطالبه بالرحيل والبحث عن مكان آخر، لا احد فيه يعرف حكايته.
اضطر في النهاية للرحيل وقلبه معلق بالمكان الذي ولد فيه ومارس أول نزواته في التجسس على الجيران، واستقر بمكان بعيد وقال لنفسه:
- لقد حان الوقت للتقاعد .
حاول أن يستمتع بالأيام المتبقية من عمره بمراقبة مايحدث من حوله في صمت ، لديه مال وفير غير انه لا يعرف كيف ينفقه .
شكل من الشرفة موقعا استراتيجيا لمراقبة حركة الجيران . وبالليل عندما ينشب شجارا أو يعلو صراخا أو حتى تتسلل همسات في سكون الليل العميق ، يلصق أذنه على الجدار .
لم يجد مايشغل وقته غير كتابة تقارير منه واليه ، أسماها تقارير سرية عن سلوك وحركة وطبائع الجيران الجدد رغم عدم اختلاطه بهم ونفورهم التلقائي منه ، إلا انه استطاع أن يجمع معلومات لا بأس بها وتعامل مع الأمر بجدية تامة .
يقضى ساعات في التدوين والتعليق على الملاحظات التي قد تبدو تافهة، فربما يكون لها دلالات أخرى أعمق واخطر، من يدرى ؟
لما شعر بالإنهاك وخفت نور بصره ولم تعد النظارة تساعده على الكتابة، شعر بالرثاء لنفسه وقال في استنكار لا يخلو من الشعور بالمرارة والمهانة :
.
- يا له من تقاعد غير مريح .



التعليقات
أميمة لم يتركنى الالم طوال قرائتى لهذا العمل
كم كان وصفك دقيقا موجزا ومعبرا حتى تعايشت مع العمل وشعرت بألام صاحبة والغريب ان تشعر بألام من لا تتعاطف معه وهذا عكس طباعنا الشرقية وكنه يعكس اجادة الكاتب
تحية وتقدير
اختى العزيزة استاذة اميمة احييك على قصتك التى اخذتنى الى حدود ابداعية متميزة لقاصة وروائيه موهوبة بحق لك كل تقديرى
يبدو أن كل إنسان يخلق كما هو..تركيبته..بجنونه..بعقله..بإجرامه ..بانفلاته..
صحيح أن البيئة تؤثر سلباً وإيجاباً
لكن يبقى لكل بصمته الجينية التي تحكيه منذ أن يصرخ صرخته الأولى حتى يزفر زفرته الأخيرة
جميلة أنت يا أميمة
ليس كل من كان لديه حب استطلاع أو لديه رغبة في معرفة الآخرين وتقصي أخبارهم هو في الأصل جاسوس وإلا صارت فئة ممن نطلق عليهم( الحشريين ) نواة جواسيس وطابور خامس داخلي
استطعت الغوص داخل نفس الرجل يا عزيزتي لكنك أطلت كثيرا وقد كان الأمر بحاجة إلى طلقات رصاص تصل لعمق الرجل ولعمق الحدث
تقاعد غير مريح اسم جميل لعمل وفقت في اختياره يا أميمة أحييكي عليه
شكرا لك صديقتي العزيزة على هذا العمل
تحياتي ومودتي
ا/ ميسرة سعدت كثيرا بمرورك ورأيك ، واتمنى الا يلازمك الألم ، كل الشكر والتقدير لعبورك الكريم وقراءتك الواعية
الشاعر المتميز استاذى محمد حسنى ابراهيم
تحية لتواضعك الجميل وتشجيعك وقلمك وابداعك الذى احترم تجربته كثيرا
كل التحية والتقدير لمرورك الطيب والكريم
بالفعل يا حنان لكل بصمته وأثره
مبسوطة جدا ان النص عجبك ، اشكرك ودمت بالف خير وابداع ومحبة
الجميلة رباب
رغم اختلافى معك فى كثير مما ذكرته وهذا هو حال الأدب عزيزتى ، لكننى سعيدة بقراءتك واختلافك الذى يثرى النص ويجعلنى اتعلم ، كل المحبة والمودة لك يا رباب
القاصة المتألقة: أميمة عز الدين..
قصة تقاعد غير مريح تتناول طبيعة إنسانية هى الولع بالتنصت على الجيران واستراق السمع، لكنها هنا فى أبشع صورها:الجاسوسية.وأراك هنا قد تجنبت ذكر كلمة إسرائيل، على الرغم من ان كل مافى القصة كان صريحا
تحية وتقدير .. وفى انتظار الأجمل
الكاتب المتميز محمدشمخ
بداية كل سنة وانت طيب ورمضان كريم ، بالطبع كانت اسرائيل بذهنى وانا اكتب ، لأنها جرثومة تؤرقنا جميعا ، شرفت بقراءتك لعملى البسيط ، كل التحية والتقديرلقلمك الرائع