You are here
توترات السيد - ك -
توترات السيد -ك-
محمد علوان جبر
ونجنا كلنا من الغلاء والوباء والزلازل
والغرق والحريق وسبي البربر
ومن سيف الغريب ومن قيام الهراطقة
- كيرياليسون
-
في قلب المدينة العتيقة ، كان الزحام اكبر من اللغط بل يتعداه احيانا حيث المخبرون يتلصصون بلا عناء على الجميع في تراكيب غريبة يتحولون بموجبها الى اشياء تتوحد او تنفرط ، وفي اغلب الاحيان يتلصص مخبرون على مخبرين دونما اختراقات قد تحسب لاحد على حساب احد ، الاكثر سرية يراقبون الاقل سرية ، ولكن في النتيجة يعول على الجميع كتابة الخلاصات اليومية التي ترد مراكز الامن المنتشرة في كل زاوية من زوايا المدينة بدأ من وسطها واطرافها فكانت ترد خلاصات مايدور في الشوارع والمقاهي ودور السينما وحافلات نقل الركاب العامة والخاصة ، اوقرب شبابيك البيوت المطلة على الازقة المظلمة. لكن حمى الحملة السرية الكبرى التي انبعثت شرارتها في احد مشارب المدينة الرخيصة ، حينما دفع اليأس بواحد من سكيري المدينة واكثرهم بؤسا كرد فعل اقوى من ارادته وسيطرته على نفسه وهو يرى التشظي المذهل لقنينة الويسكي - التي وهبها له احد محسني شارع البارات والخمارات الليلية - كانت الخمرة تندلق من الزجاجة المسورة بعد ان سقط – لايعرف لماذا سقط - حينها امسك وبلا وعي منه عنق الزجاجة المكسورة ، وقذف به نحو مكان ما في السماء . احدث السقوط القوي للزجاجة صوتا اثار الكثير من الريبة في تلك الليلة المشحونة ، قرب مائدة ثلاثة مخبرين كانوا يسجلون حصيلة احاديث السكارى .. اى شيء مهما كبر او صغر فهم ملزمون بتسجيله وتسليمه بموجب محاضر خاصة ، اثار الصوت الكثير من الفزع في اللحظة التي كانوا يستمعون فيها كل منهم بطريقته وبوضعه الذى يتيحه اقترابه او بعده من المائدة المجاورة التي كانت مرصودة بدقة حيث سيتم فك طلاسم كل اشارة او كلمة وربطها بالحدث الذي كان متوقعا ، اعتبرها احدهم ويبدوا انه كان رئيسهم - انها مداخل مهمة لفك طلاسم مايجري - .. الكثير من الاحاديث التي دونت في محاضر ، يعتقد اغلبهم انها تصلح لان تكون احاديث ذهبية بالنسبة لعملهم ويستحقون مباركة ضباطهم عليها يتابعون مايفعلونه وسط مدينة لاتعرف أيما طريق سوى كلمة تكتب على ملف كبير
– توتر .......
الحديث الذي يدور على المائدة المجاورة لهم بين اربعة رجال مشبع بها.. لامعنى لهكذا جلسة بلا تلصص .. هكذا همس احدهم وكان يرتدي معطفا غامقا ، قبل ان يسمع بوضوح عبارة قالها رجل حليق الوجه ذا صلعة كبيرة
- اقترح ان يكون ....
حفزت العبارة الاذان التي تحولت الى بوق و هي تلتقط بقية الحديث- ربما عبارة تسقط على مائدة الخمر في حانة تستطيع ان تنقذ مدنا من وباء .. او الكثير مما قد يجرها الى محن.. .. ( هكذا كانوا يفهمون عملهم الذي مارسوه منذ زمن طويل فاكتسبوا خبرة ودراية وقدرة على الحدس او شم رائحة الخيانة اينما كانت ،لاتمام مايجب عليهم ان يتموه اذ يتم خزن كل كلمة في مجسات غريبة معدة بعناية حتى اللحظة التي سقط فيها عنق الزجاجة قربهما انتفضا وهما يتلفتان ليعرفا مصدر الصوت .. مرت لحظات حتى عرفا ماكان يجري وكان هناك رجل يبكي ، وباشارة الى شرطة موزعون في اطراف البار اقتيد الرجل من ابطيه سحباً على الارض وهو يصرخ .. حينها توقف شاغلوا المائدة المجاورة عن الحديث الذي كان يعتبر مهما ، بل يكاد ان يمس جوهر ولب الحكاية .. والسبب هو السكير الاخرق .. ولكن " ربما وهذا مااكده الضابط الذي حقق معه ، وكان امامه ملف باحاديث رواد الحانة "
- ربما هو شريك .. " اكد ذلك احد الشرطة بايماءة من رأسه
- والا لماذا تزامن سقوط الزجاجة مع فورة الحديث
- ..!!!!!
********
بعد ان مر نزيل الزنزانة الانفرادية بظروف عصيبة كادت ان تودي بحياته اعترف
- نعم انا شريك ..... انا شريكهم
.. ولكنه لم ينر التحقيق الذي ظل مبهما بأى معلومة مهما كانت صغيرة .. فكتب على ملفه - يحتاج الى ترويض -.. وكلما اكد لهم ان السبب الوحيد " وهذه معلومة ظل يكررها كل يوم وامام الجميع
-"لاني لم اكن املك تلك الليلة ثمن شراب .. حصلت على قنينة شراب اجنبي من شخص جمعتني واياه صدفة – ومااكثر الصدف - ربما عطف علي .. لم اصدق سيدي اني امسك بيدي قنينة مثلها فبماذا ساشعر وانا ارتشف منها هكذا صرفا ومن فم القنينة رشفة .... ثم رشفتان .. قبل ان اقرر- وهذا خطأي الاول - ان احتفل بها في غرفتي .. كانت شيئا كثير علي ، لم احتمل وقع جمالية مااملك ....خفت على الزجاجة فنقلتها من يدي اليمنى الى اليسرى وبالعكس .. اخيرا قررت ان اضعها سيدي في جيب معطفي الداخلي ..- وهذا خطأي الاخر - ولكن لااعلم مالذي قاد خطواتي نحو البار ..- الذي اعتبره الى حد هذه اللحظة اكبر اخطاء حياتي - اعتقد ان السبب هو نفسي ، ففي محاولة مني للنيل ممن احرجوني كثيرا وهم يشربون اغلى المشروبات في الوقت الذي لم يكن متاحا امامي ارخصها ، فقد كنت بحاجة الى ان انظر الى من كان يجلس في البار الصغير من مكان عال .. هؤلاء .. يستحقون ان ينظر اليهم هكذا نظرة .. كنت سيدي واثناء تجوالي في البار اتحسس بيدي القنينة لاتأكد من وجودها بل لاصدق حقا انها موجودة والموضوع ليس وهماً .. وكم قاومت الرغبة في اخراجها واظهارها .. لكني ربما خفت ان يهجموا علي .. فسرت الخطوات القليلة التي تفصلني عن الباب بسرعة ..لااعلم مالذي حدث وجدت جسدي اللعين هذا يتهاوى واين على وجهي والزجاجة تشظت في جيب معطفي وسال السائل الثمين لم اصدق وانا اشاهد الارض المبتلة به مددت يدي وامسكت عنق الزجاجة التي تشظت كلها كانها اصيبت بقنبلة نووية .. لم يبقى منها سوى كسر صغيرة ملآت جيبي ودون ان اعرف لماذا .. ضربت بكل مااملك من عنف ماتبقى من الزجاجة .. صوبت الى مكان ما في السقف بعدها جلست في المكان الذي شكل بركة ولم استطع ان اعبر المكان او ان التفت بعيدا عنه بقيت انتحب ..كالمرأة التي تفقد عزيزا .. صدقني لم ابك في حياتي كما بكيت في تلك اللحظة، كان بكاءا له علاقة بكل خسارات حياتي. وفي تلك اللحظة الحرجة وجدت نفسي وانا اقاد من قبل رجالكم الكرام الى هذا المكان سيدي.. لم افعل شيئا .. ولم اكن شريك احد في شيء صدقني " .
- هل تريدني ان اصدق هذا الهراء الذي تكرره ..
- سيدي .. ارجو ان تدقق في وجهي .. سيدي الا تعرفني ..
وازاء صمت الضابط واصل الرجل .. بالحاح .. ( سيدي انا واثق انك ستتذكرني .. انا الكلب ..
- ماذا .. تعني .. هل تحاول ان تدعي الجنون ..ثم ماذا يعني انك كلب .. انا اعلم انك اكثر من كلب ..
- كلا سيدي .. ليس بهذا المعني .. حسنا .. ساحاول ان اذكرك . .. قبل ايام من اعتقالي الثاني .. كانت هناك حملة كبيرة شنها رجالكم الكرام على المقاهي والبارات .، يومها كنت اترنح اكثر من المعتاد مما اوقعني ضمن شلة من الرجال وضعنا في سيارة البوكس العسكرية ، قادتنا السيارة الى مكان يشبه هذا المكان ووقفنا سيدي في صف امامك ،وبعد ان دققت كثيرا في اسماءنا ووجوهنا .عزلت اربعة منا ، لم يكن يبدو عليهم انهم يشبهون احد ممن كان يقف امامك وادخلتهم احدى الزنزانات اما نحن.. وبعد ان فتحت سجلا ، سجلت فيه اسماؤنا وكتبت ازاء كل منا كلمة لااعلم ماهي لكنك صرخت فينا .
- ايها الكلاب .. واشرت بيدك نحو البوابة الخارجية..اخرجوا واذا رأيتكم هنا ....... ف ..... لااريد ان اكرر ماقلته لنا ..عموما خرجت سيدي وانا اتمنى ان لايقبض علي لاي سبب رغم اني لااتعاطى الحشيش .. ولا السياسة ولااى شيء يعكر صفو احد .. سوى ممارستي للبلوى التي ابتليت بها .. اذ لااستطيع الفكاك من عادة الشرب اللعينة .. ولكن سوء حظي اوقعني في الفخ الذي نصبته انا لنفسي .. فلم اصحو الا وانا في حضرة ضابط اخر ، .. يبدو انك نسيتني.. سيدي انا الكلب .. الذي كنت مع مجموعة من الكلاب نقف هنا.... واشرت اليهم ان يخرجوا وكنت معهم .. سيدي ستجد اسمي مدونا في احد هذه السجلات التي امامك ... سيدي شرحت كل هذا للضابط الشاب الذي اوعز من فوره الى القائي في تلك الزنزانة الانفرادية بعد ان فقدت وعيي بسبب الضرب وغيره .. وحينما استعدته .. طلبت منه الاذن بالكلام .. فوافق على الفور – تلمضت وانا اتمايل .. سيدي هل نسيتني .. فقال لااعرفك .. تصورته انت .. سيدي انه يشبهك لكني رفعت صوتي وانا اقول له: سيدي انا كلب .. بالامس كنت مع مجموعة كلاب واليوم انت تعزلني وتسمح للكلاب بالخروج .. كنت اصرخ بالحاح سيدي .. انا الكلب .. الا تعرفني – هل نسيتني .. لم يعرني الضابط انتباهة لكنه حمل الة في يده وضعها على جسدي .. فبقيت اصرخ طوال الليل من الالم .. . انا كلب .. اخرجوني – انا .... وهكذا طوال الليل .
وفي صباح اليوم التالي نودى علي وسط قاعة السجن الصغيرة المكتظة .. وحينما مثلت امام الضابط الذي يشبهك فاجئني بعبارة لم اسمع مثلها .. وكان وقعها علي يومها قويا ..
- هل انت السيد كلب ..
اجبت من فوري ودون ادنى تفكير
- نعم سيدي الضابط .
وتم اعطائي ورقة موقعة من قبله .. وهي اذن لي بالتجوال في اخر الليل في المقاهي والبارات مكتوبة هكذا .. - يسمح للسيد كلب بالتجوال في الحدائق والمقاهي والبارات -
ضحك الضابط كثيرا .. وقال له اعد الحكاية من بدايتها .. لكي يسمعها ضيوفي.فاعدت الحكاية لمرات عديدة والرجال حولي يضحكون .. وانا اشفع حديثي بما لدي من قوة على التوسل او افتعال الود وانا اخرج لهم الورقة التي يسمح لي بموجبها بالتجول ليلا في البارات . لكن كل محاولاتي ذهبت ادراج الرياح اذ كنت اجد نفسي في الزنزانة بانتظار ان يبت في امري ..
كان الرجل الوحيد لايتورع من سرد حكايته مع نفسه حينما يكون منفردا في زنزانته .. يواصل سرد الحكاية لمرات عديدة دون ان يشعر بالملل .. وكان كلما راى أي شخص .. يتصوره ضابطا ويبدأ حديثه معه بدأ من اللحظة التي اعتقل فيها في ذلك اليوم البعيد الذي كسرت فيه اثمن زجاجة خمرة في جيب معطفه حتى اللحظة التي اطلق فيها سراحه لانه مجرد كلب وقف مع ثلاثة رجال امام ضابط في اخر الليل وصرخ فيهم وهو يشير نحو الباب .
----------------------------------------------------
* - هذا جزء من حديث طويل جدا تناقلته افواه العامة والخاصة في المقاهي والشوارع عن السيرة المجتزئة لرجل نسي اسمه ولم يعد يتذكر من ماضيه وحاضره شيئا سوى انه نعت يوما ما بانه كان كلبا .. وقيل انها كل ماتبقى من ملف ضخم تناثرت اوراقه قبل الحريق وبعده وعثر عليه احد رواد المقهى الوحيدة التي تتوسط البلدة الصغيرة امام دائرة كانت محاطة باسلاك شائكة لم تستطع ابوابها الفولاذية الضخمة والموصدة دائما من الصمود ، اذ كانت هشة تماما امام الحريق الذي طالها بالكامل . حيث اكتسحها بعد السراق ، حريق هائل لم يبق منها شيء .. ربما حمل احد السراق هذا الملف الضخم ظنا منه انه يحمل شيئا ثمينا ، لكنه حالما تصفحه خارج المبنى رماه ، حيث تناقلته الايدي ولم يبق منه سوى بضعة اوراق فهمنا منها مااستطعنا ان ننقله .
09/14/2008 - 09:28
القسم:


التعليقات
العزيز محمد ابو الدنيا
كيف يكون مصير النص اذا كان مفتتحه شعرا وخاتمته مصيرا مجهولا
شكرا لك وانت تمطرنا بوابل من ارشيف السيد كلب وتحولاته
مودتي وحبي وشوقي "