You are here

الصفحة الرئيسية

ثمن اللذة ـ مقالة لحنيف قوريشي ـ عن تانازاكي أبي الرواية اليابانية




ثمن اللذة
مقالة لحنيف قوريشي ـ عن تانازاكي أبي الرواية اليابانية
مصطفى محمود


زوجان عجوزان يعيدان اكتشاف الشهوة الجنسية، وعجوز آخر يصبح متيماً مهووساً بعشق قدمي امرأة شابة ـ الشهوة هي كل شيء في حكايات "جونيشيرو تانيزاكي" ذات المشاعر الملتهبة. ويشرح "حنيف قوريشي"، كيف أن عمل أبي الرواية اليابانية قد ألهمه أن يكتب سيناريو فيلم "فينوس".
كنت في رحلة طويلة بالقطار، حينما قرأت لأول مرة حكاية جونيشيرو تانيزاكي "مذكرات رجل عجوز مجنون" (1961). لقد أرسلها لي صديق أمريكي، ظن أنني سأقرأ فقط رواية تانيزاكي "المفتاح The Key" (1956). لقد أخبرني أنها أفضل أعماله، لكنني كنت شغوفاً لأن أقرأ الأعمال الأخرى. قد لا يعني اسم "تانيزاكي" الكثير حتى بالنسبة للقراء المثقفين ـ بالرغم من تأثيره الكبير على "يوكيو ميسيما" ـ لكن كتبه ظلت تُطبع بمعظم اللغات الأوروبية.
إن "مذكرات رجل عجوز مجنون" هي حكاية رجل اقترب من الموت مع زوجة ابنه التي يصبح متيماً بها حتى حينما تعامله بقسوة وجفاء ـ وبعنف ـ في أحيان أخرى. وتركز أجزاء أخرى من الرواية على مسرح "الكابوكي" والممثلين الذين يعملون به. إنها ليست فقط رواية جيدة: لأنها لو كانت مجرد ذلك، كان يمكن أن أقرأها ثم أضعها جانباً. لكن حينما بدأت في قرائتها، وجدت بها موجة جياشة من العرفان: لقد كنت أبحث عن هذا لفترة. وفي ثلاث سنوات، منذ الفيلم الأخير الذي أخرجه روجر ميشيل عن عملي، "الأم The Mother"، كنت أفكر في فكرة شبيهة لفكرة "تانيزاكي"، فكرة لم أكن مستعداً بعد لكتابتها، حيث إنني لم أكن أعرف كيف أتناولها. إن صعوبة البدء في عمل جديد هي غالباً صعوبة العثور على وجهة النظر، إيجاد مدخل إلى القصة، مكان أبدء منه.
لقد قرأت "مذكرات رجل عجوز مجنون" بسرعة ولم أقرأها ثانية. ولم يكن في نيتي أن أحول الرواية إلى فيلم. ولقد تم هذا بالفعل، وبدا أنه من غير المجدي أن نحاول أن نقحم عملاً ناجحاً في صورة ما إلى صورة أخرى، حتى لو كان من أجل المال. فسوف يتعين أن أبدأ مرة أخرى. لكن كان هناك الكثير في القصة مما يشدني إليها. إلا أنني، وعلى العكس من تانيزاكي، كنت مهتماً بموضوع آخر، اعتقدت أنه يمكن استغلاله أيضاً، وهو الصداقة بين الرجال الكبار. فإحدى الطرق للارتباط مع كاتب آخر، والاقتراب منه أكثر من مجرد القراءة، هو أن "تكتب حول" أفكاره من أجل تطويرها ودمجها في سجلك أنت حتى تختفي الأفكار الأصلية ويصعب التعرف عليها.
تعودت لسنوات في أيام الجمعة أن أتناول الإفطار مع مجموعة من الأصدقاء في "نوتنج هيل". وأحياناً قد نقنع اثنتان من النساء الشابات للانضمام إلينا. لكن كان معظمهم من الرجال الكبار ـ ممثلين وكتاب ومخرجي مسرح وسينما ـ أناس عرفتهم منذ أن بدأت أولاً العمل في لندن في منتصف السبعينيات. وكنا نتحدث ذات صباح عن النوم وكيفية التحايل عليه وإغرائه ليأتي، وهو موضوع شائع وهام فيما بين من تخطوا الأربعين. وناقشنا الأقراص المنومة والمشروبات المنومة، ثم تحدثنا عن كيفية التغلب على الإدمان المحتم. وتطرقنا أنا وأحد أصدقائي إلى الخلطات الكيميائية التي يمكن أن يحصل منها على الأقراص الخاصة به. وقد قال هذا الصديق إنه قد وجد أن صباحات يوم الجمعة تساعد على الاسترخاء بالمقارنة مع صعوبة باقي أوقات حياته. ورأى أنه سيكون سعيداً في الجلوس على المقاهي، مثل الرجال كبار السن الذين يراهم في القاهرة يناقشون شئون العالم بينما هم يحتسون الشاي ويدخنون النارجيلة.
وتبدو كما لو كانت فكرة جيدة، لكن كيف ستكون مقنعة بالفعل؟ وفي مقالته الطويلة عن سيرته الذاتية: "في مديح الظلال" (1933)، يحكي تانيزاكي متأثراً، كيف بنى منزله. ويتحدث عن نوع من اليقظة أو الإدراك المنسوب إلى "مذهب زن البوذي"؛ فهو يريد أن يمجد الشيخوخة والتأني والتجوال والفضول والملذات غير المتناهية في تقدير الجمال. وكما في رواياته، فإن الحمامات والمراحيض لا تبتعد أبداً عن أفكاره. ويخبرنا تانيزاكي أنه يعشق الانصات إلى "المطر يتساقط بنعومة" بينما هو جالس على المرحاض.
إنها مقالة رائعة من عدة وجوه، تذكرنا بفضائل الصمت والإنصات والفراغ والفضاء والخلاء والصبر. والجدير بالاهتمام هو أن موقف تانيزاكي تجاه الغرب في هذا الوقت لا يشبه موقف بعض مسلمي العالم اليوم. فالغرب يمثل خطر الجديد: إن التقاليد والاستقرار يدمرهما سعار شهوة الاستهلاك وجنس ما بعد الحداثة. ويتحدث تانيزاكي عن المعاناة من "اختلال عصبي حاد".
إن المواقف التي عبرت عنها المقالة لا تنسجم مع باقي هذا العمل؛ فهي تبدو في الحقيقة في تناقض معه. وربما تقول إن "حقيقة" أي فنان تتكشف من خلال خياله أكثر مما تتبدى من الشهادة المباشرة. ففي "أكاذيبه" وفي العلاقة بين شخصياته، يقترب تانيزاكي أكثر من الطريقة التي تبدو عليها الأشياء. فليس فقط أن الناس لديه لا يعرفون شيئاً مؤكداً عن أنفسهم، بل إنهم لا يعرفون بالتأكيد ما سوف يصيرون إليه؛ فكلما حاولوا التحكم في أنفسهم، هرب كل شيء من بين أيديهم. وعلى هذا فإنه لم يكن عبثاً، بعد أن كتب السيناريوهات وأخرج فيلماً، أن يترجم تانيزاكي إلى اليابانية قصة أوسكار وايلد "صورة دوريان جراي" ـ القصة التي تتحدث عن رجل مهووس جنسياً غير قادر على أن يظل مخلصاً للصورة التي كونها عن نفسه.
ومع مرور الوقت كتب رواية "المفتاح"، وهي العمل الذي جرى تفكيكه إلى أساسيات التفاعل الإنساني. فقد كتب يقول: "إن الكتاب الغربيين لديهم زخم شديد في إنتاجهم. فما قدمه كتاب مثل "زولا" و"بلزاك" هو وليمة داخل وليمة. فمجرد النظر على قائمة المنتجات كافٍ لأن يصيبنا بالكآبة ونصير مهيئين لأن نطلق العنان للكثير من أحزاننا".
وتركز رواية "المفتاح" على زوجان عاديان تخطيا منتصف العمر مع ابنة بالغة مازالت تعيش معهما. ومن بين حطام ما يبدو زواجاً ميتاً منذ زمن طويل، شيء ما يبدأ في التحرك. إننا نميل إلى الاعتقاد ـ وهي فكرة خطأ شائعة ـ أن العلاقات الجنسية تتدهور فقط، بمعنى أنه لا يوجد جديد يمكن أن يحدث بين زوجين مستقرين في الزواج منذ فترة طويلة. لكننا متأكدون تمام التأكد أن هذا غير صحيح بالمرة. فالارتباط العميق قد يصبح ممتعاً لدرجة أننا يمكن أن نشعر معه بنوع خطير من الإدمان. إن مثل هذه العلاقة تتطور، وربما يتطلب الأمر الابتعاد بمجرد أن تبدأ في الشعور بخطورة العلاقة بحيث تتساوى مع سفاح القربى.
تبدأ الرواية برجل عجوز يعطي المخدر لزوجته الباردة جنسياً من أجل أن يقضي وقتاً أطول مع قدميها. إن مصدر الإثارة الجنسية لكل منهما ينبع من عملية الوجود المستمر لخطيب ابنتهما في منزلهما. فالغيرة هنا تجعل الشهوة الجنسية ممكنة. وكما يصفها "لاكان"، "إن الآخر يحمل المفتاح للهدف المرغوب". ولا ينشغل تانيزاكي بالتفاصيل الاجتماعية، لكنه لا يذكر إلا أهم المعلومات الضرورية عن المدينة والظروف الاجتماعية للشخصيات. وعلى الرغم من أن شخصياته دائماً تطبب نفسها بنفسها ـ فهي غالباً مريضة، أو تتخيل نفسها كذلك؛ ولا يُسمح لأي منها أن تنسى جسدها ـ إلا أن رواياته محملة بالتوتر والرغبة المحمومة. ففي "المفتاح" و"مذكرات رجل عجوز مجنون"، دائماً ما تكون الشخصيات الذكورية والأنثوية من أي عمر مهووسة بالرغبة الجنسية في الآخر ـ وبالإشباع والذل والتعقيدات الأسرية التي تترتب عليها ـ من أجل الوصول إلى ما يبدو أنه الحالة الوجودية للنرفانا للسعادة والمتعة التي يمكن أن تسمح بها ظروفهم.
ويبدأ الزوجان في الإفراط في الشراب، وتكتسب الزوجة أكثر فأكثر السمات الغربية. إن الزوجة التي كانت في السابق امرأة متحفظة، تكرر مع زوجها طرق الممارسة الجنسية نفسها التي مارستها مع عشيقها الذي تقابله فترة ما بعد الظهيرة. وحينما تنادي حينئذ اسم هذا الرجل الآخر ـ الرجل الذي سوف يتزوج ابنتها في نهاية الكتاب ـ يكتب زوجها في مذكراته: "وفي النهاية حينما علا صوتها، مرة أخرى أخذتها. وشعرت في هذه اللحظة أنني انبثقت في عالم آخر. هذا هو الواقع، فالماضي كان مجرد وهم. ربما يقتلني هذا، لكن هذه اللحظة ستدوم إلى الأبد". إن رغبته قد تحققت. وفي النهاية يموت، أو يُقتل، ربما من المجهود الذي بذله في ممارسة الجنس مع زوجته.
إن الشهوة هي الشيطان عند تانيزاكي، عذاب لا يمكنك الإفلات منه أو شهوة لا يمكن إشباعها، إلا بشكل مؤقت. ومع ذلك فبدونها لا يوجد سوى العجز والخواء والروتين. ويأتي على رأس هذا، وخصوصاً عندما يكبر الناس في السن ولا يتاح لهم إلا أقل القليل مما هو جديد، أن الرغبة يدعمها الآخرون فقط عن طريق الغيرة والمنافسة والتكتم والعقبات الإنسانية. الإشباع فقط هو المؤجل دائماً، وتكون الشخصيات مدفوعة صوب الانقراض من خلال شهواتها التي لا تنقطع. إن تانيزاكي ليس خبيراً مجرباً هو نفسه؛ بل إنه كاتب صريح، ليس حداثياً، لكن شخصياته تصبح خبيرة بمجرد أن تندمج فيما تريده حقاً، بمجرد أن يتأكدوا من أنهم لا يستطيعون الهرب من شهواتهم الجنسية. فمعرفة النفس والدراية بالذات مستحيلة، فهي نوع من الحماقة؛ وكل ما تستطيع فعله هو أن تحاول أن تتبع جسدك.
إن الأقدام مهمة عند "تانيزاكي"، لكن يوجد شيء آخر، أيضاً ـ الأشياء الفاسدة تستثمر بسحر رمزي. فالتقديس الجنسي لجزء من جسد المرأة أو شيء من خصوصيتها هو الذي يمكن الطفل من أن يمر من الأم إلى العالم، حاملاً قطعة منها. يمكن أن تكون أي شيء: حذاء، قطعة ملابس داخلية، خصلة شعر، قطعة جلد، ثوب حريري، يتوقف الأمر على المكان في حياته الذي أصبح مفتوناً بشيء ما رغب فيه ولكنه لم يكن قادراً على الفهم. إن "فرويد" نفسه يورد مثال الرجل الذي يفتتن "بلمعان أنف شخص ما". ألا يمكن للفتنة المهووسة أن تكون كتاباً؟ يُفترض على ما يبدو أن هذا أمر عادي بالنسبة لكاتب.
وفي النهاية كما هو معتاد، نكتشف أن المفتاح إلى المفتاح هو الكتابة. فالرواية قائمة على المذكرات؛ المغامرة ككل مبنية على الشهوة الجنسية للكتابة السرية، وحقيقة أنه لا أحد من الشخصيات يمكنه التأكد من أن الآخر يقرأ مذكراتهم على الإطلاق. إنهم فقط يأملون ـ ويخافون ـ من أن تُقرأ. إنه فقط هنا، في الاعترافات الشخصية الخاصة في كلماتهم، في صدق لاوعيهم، بالصورة التي كان عليها لدرجة أن المرء ربما يأتي إلى أن يعرف الآخر.
إن ما يدهشني حقاً هو كيف أن كاتباً مثل تانيزاكي مازال يمكنه أن يتحدث إلينا. فقبل، دعنا نقول، منتصف السبعينيات، حينما بدأت صحافة النميمة تزدهر في بريطانيا، بدا أن هناك مناطق من الخصوصية لا يستطيع أي فرد، فيما عدا الروائي، أن يغامر بالولوج إليها. ولم يكن يتعين أن تكون رواية جنسية صريحة بحيث تطرح بوضوح تعقيدات الحياة الخاصة الشخصية. فقد فعلت الرواية هذا من الناحية الخيالية والمجازية. فقد صنع منها قصصاً، عرفنا أنها تمثل إناساً حقيقيين في أعمق ذواتهم. لكن "الواقع" ذاته كان محمياً، لقد كان خلف الحجاب. الآن يبدو أننا نعرف كل شيء، لأنه لم يعد شيئاً مخفياً.
ومع ذلك، فإن رواية "المفتاح" مازال صداها يتردد، وتبدو معاصرة بنت هذه اللحظة، إنها تجعل رغبتنا تبدو لنا شاذة غريبة عنا أو حتى دخيلة علينا ـ بالتأكيد النقطة الخاصة بالأدب ـ كما كانت قبل عصر الصراحة والوضوح. فما هي الحقيقة فيما يتعلق بالرغبة الجنسية؟ فهل الجنس فسق أم دعارة أم فساد وانحراف؟ إن تانيزاكي يبين لنا أن الجنس موجود في كل مكان ولا يتضمن فقط الانتهاك، بل إنه يشمل العقاب أيضاً والمعاناة، أي إنه عملية قذرة وربما هكذا يتحتم أن يكون.
يذكرني عمل تانيزاكي قليلاً بعمل للمصور الفوتوغرافي "نوبويوشي أركي" . (هناك صورة فوتوغرافية لـ"أركي" تقودني إلى تانيزاكي. امرأة عارية بقفازات وجوارب سوداء، مع مفتاح يتدلى من عقد حول رقبتها). إن "أركي" لم يلتقط صورة قبيحة أبداً؛ فهو مصور، بمعطيات زمنه، سوف يصور العالم كله. فصوره هي مذكرات لاهتماماته الكثيرة. فهو، بوضوح، أكثر صراحة من تانيزاكي من جميع الأوجه، وربما أكثر انحرافاً. عند تانيزاكي، النساء يتحدثن ويتظاهرن وينكرن؛ عند "أركي" هن أبداً مجرد أشياء. لكن "أركي" بارع جداً في رصد الشهوانية في الأشياء العادية. فهو يستطيع أن يصور الأزهار والثمار ومشاهد الشوارع، وأن يرى الجنس فيها. فهل هو نزق الفسوق، أم إنه حب العالم؟
في رواية تانيزاكي الأقدم "ناعومي Naomi"، يكون البطل أكبر كثيراً من محبوبته التي تصبح موردة للملذات الجنسية. يقول: "لقد بدأت في المذكرة التي سجلت فيها كل شيء عن "ناعومي" التي استحوذت على اهتمامي". وتصبح "ناعومي" نفسها تقريباً عاهرة، فيما عدا أنها بصورة مدمرة، ترفض أن تتقاضى أجراً مقابل الملذات التي تحصل عليها أو تعطيها.
إن "مذكرات رجل عجوز مجنون" التي كُتِبَت بعد "المفتاح" بأربع سنوات، هي يوميات أخرى. يقول بطلها البالغ من العمر 74 سنة: "حتى لو كنت عنيناً (عاجز جنسياً) يكون لديك نوع من الحياة الجنسية". ولسوء الحظ كانت أسنانه مهدمة ووضع مكانها أخرى صناعية، وينظر إلى نفسه، ويقول: "حتى القردة ليس لديها مثل هذا الوجه القبيح. كيف يمكن لأي شخص لديه وجه مثل هذا أن يجتذب امرأة؟".
لكنه كان جذاباً لها بالفعل ـ بطريقة ما ـ على الرغم من أن تانيزاكي لا يعطينا وجهة نظرها. وكانت هي جذابة بالنسبة له. فهذه المرأة، زوجة ابنه، "ساتسوكو"، حقودة وساخرة متهكمة، معجونة بالكذب، ليس لديها إلا أدنى القليل من الولع. وبالرغم من ذلك هو يبدأ في أن يحبها بصورة شائنة كذلك. وببعض تشجيع منها، يحاول أن يختلس النظر إليها من ثقب الباب وهي تستحم. وحينما تصفعه، يشتري لها مجوهرات. وفي المقابل هي تسمح له بأن يُقَبِل ويمتص أصابع قدميها. وتحرم عليه أن يقبلها ـ وتصرح له بوضوح أنها تجده مثيراً للإشمئزاز ـ لكنها عند نقطة معينة تترك قليلاً من لعابها يسقط في فمه.
وتأخذ عملية تدهوره، قصة رجل يصبح مدركاً لدنو أجله، مساحة كبيرة مثل تلك التي تستغرقها ممارسة العلاقات الغرامية السرية. كما أن هناك قدراً كبيراً عن الأقراص والمسكنات والعلاجات. إن المرض الجسدي والتدهور البدني، ربما يخدم هنا ككناية عن الفساد الجنسي. ويتذكر بعد ذلك في هذيانه حلماً حديثاً عن أمه، امرأة جميلة تدخن الغليون، وقدماها تشبه قدمي "ساتسوكو" اللتين يُعجب بهما. "كانت قدما أمه عريضتين كثيراً مثل قدمي بوذيساتفا إلهة الرحمة". إنه يعرف أن أمه سيصيبها الرعب من سخافاته مع زوجة ابنه، "حتى لو اضطر أن يضحي بزوجته وأولاده في محاولة منه أن يكسب حبها"، كما يصف هو الأمر.
وحينما تتحسن صحة الرجل العجوز لفترة قصيرة، يطلب أن يؤخذ في رحلة إلى "كيوتو". إنه يريد أن يرى المدينة للمرة الأخيرة ويجد مدفناً له. ويريد أيضاً أن ينقش على شاهد ضريح القبر الذي سيدفن فيه. إنه سوف يجعل ختم قدمي "ساتسوكو" ـ الذي سوف يأخذه بنفسه ـ يُنقش على شاهد قبره مع صورة لبوذيساتفا إلهة الرحمة. فالمرأتان اللتان يحبهما، الأم و"المعشوقة" مندمجتان سوف تسيران فوقه عبر الأبدية السرمدية.
لقد بدا ذلك صادماً من الناحية الأخلاقية، بل إنها نزوة غير شريفة من رجل عجوز أن يفضل أقدام امرأة شابة عن زوجته، أو عن أي فرد في عائلته. وعلى الرغم من ذلك فإن تانيزاكي يبدو كما لو إنه يقول، حتى في النهاية الفعلية للحياة، لا تريد النفس أن تحيا فقط. فمذكرات رجل عجوز مجنون تُظهِر، على الأقل، الإصرار على الرغبة؛ إنها ربما تُعزى إلى قوتها. لكن لا شك في أنها علاقة ولع شديد، ويمكن وصفها على أنها افتتان لكن لا يُنظر إليها كحب. وربما يكون هذا خادعاً، ما لم يزودنا تانيزاكي بفكرة أكبر عما تريده "ساتسوكو" من رجل عجوز، بعيداً عن افتتانه. فيبدو أنه يوحي بأنها مجرد امرأة مادية ولعوب؛ لكن على أية حال، لا تتبدل العلاقة كثيراً حينما تستمر.
إن مذكرات رجل عجوز مجنون تثير أسئلة أكثر مما يبدو أنها تجيب عنها، وهو ما يمثل جزءاً من ذكائها. فما أقل ما يشعر به البطل من ذنب ولا يجد أي غضاضة من ارتباطه بقدمي "ساتسوكو". إنه يبدو مستريحاً جداً لافتتانه إلى درجة أننا لا نستطيع أن نصادر الانطباع الذي تتبعه من قبل. لكن تانيزاكي يخفق في أن يخبرنا عن مكان مثل هذه الانغماسات في حياة الرجل العجوز، ما إذا كان هذا تفجر متأخر، انبثاق أخير كما كان، أو ما إذا كان افتتانه هو عمل حياته. فإذا كنت تُعِد لتحول الرواية إلى فيلم، فهذه هي الأسئلة التي لن يتعين عليك فقط أن تسألها، بل أيضاً أن تقرر بشأنها.
في سنة 1927، تقريباً في الوقت الذي كان يفكر فيه "فرويد" في الدين والمجتمع، كتب مقالة عن "الفتشية" أو التقديس الأعمى [تركز الشهوة الجنسية على جزء من الجسم كالقدم أو على شيء مثل جورب أو لباس]، وذكر فيها العادة الصينية لتشويه قدمي الأنثى، ثم عبادتها حينما تتشوه. إنه يقول: "يبدو كما لو أن الذكر الصيني يريد أن يشكر المرأة لأنها قد امتثلت لهذا الإخصاء". لقد أصبح تانيزاكي مهتماً بـ"فرويد" مثل تلميذ، فقد تُرجمت الأعمال الكاملة له وصدرت في اليابان ما بين سنتي 1929، 1933. ويخبرنا "فرويد" أيضاً في هذه الورقة أن التقديس أو الهوس الجنسي هو بديل عن القضيب الذكري، لكونه "اقتراب من العضو التناسلي الأنثوي من أسفل". لكن ليس أي قضيب. هنا يستحضر "فرويد" الأمور بجرأة، نقلة جديدة: هو يخبرنا أن هذا التقديس أو الافتتان الجنسي يمثل القضيب المفقود للمرأة؛ في الحقيقة القضيب المفقود للأم. إن كل أنواع التقديس الجنسي والهوس بجزء من المرأة، وفقاً لما يقول به "فرويد"، تحمل في طياتها بغضاً شديداً للعضو التناسلي الأنثوي الفعلي، الذي يحل مكانه الشيء أو الجزء الخاص بالمرأة. ولا يعني هذا أنه غير عادي أو مستثنى. فـ"فرويد" يُنشيء عبارة مذهلة هنا: "ربما لا يوجد مخلوق إنساني ذكري مستثنى من الخوف المرعب من الخصي عند رؤية فرج الأنثى". (وهو يرى أن هذا كافٍ في حد ذاته لجعل أي شخص مثلّي الجنس).
إذا مص رجل عجوز أصابع قدم امرأة شابة، فهل هو يرتد في هذه اللحظة أيضاً أو ينكص إلى أعتاب الطفولة؟ إن تانيزاكي، بغرابة شديدة وربما بحكمة ـ تبين مدى غموضه ككاتب ـ لا يعلق على الافتتان المهووس للرجل العجوز: إنه فقط يظهره. فـ"تانيزاكي" عالم نفسي، بمعنى أنه مسحور بالحيوات الداخلية لشخصياته ـ هذه العوالم السيكولوجية التي تتجلى للعالم الخارجي فقط في صورة رمزية. لكنه لن يكون أبداً ساذجاً بحيث يطوي الجوانب الكلية للخبرة في سبب واحد. فعن طريق إظهاره لعدم تأكده أو تخطيطه بشكل متقن، يتركنا "تانيزاكي" مع المزيد من التعقيدات الرمزية. إن عمل الكاتب الخيالي يوحي ولا يطرح حلولاً أو تفسيرات.
لكن دون شك هناك شيء ما محير في هذا الكتاب. فالرجل العجوز الذكي والمثقف، ليس لديه أي شغف أو فضول معرفي فيما يتعلق بتفضيلاته الخاصة. يبدو هذا مستبعداً، لكنه لا يسأل أبداً عن هذه الفتنة المستعبدة المفاجئة. وهذا ليس غريباً إلى حد بعيد: يؤكد "فرويد" أن قليلاً من الناس هم من يسعون إلى تحليل سبب الافتتان. فمعظمهم يمضون لأن لديهم صعوبات في العمل؛ وربما لا يُذكر هذا الافتتان لزمن طويل، إن لم يكن مطلقاً. إن هذه اللذة المهووسة لن تكون هي الشيء غير المعتاد. فعند "فرويد"، الطفل هو النرجسي المطلق والفاسد، يهتم فقط بملذاته ورغباته الخاصة، وكيفية عرضها على المسرح وإعادة عرضها. أما الآخرون فهم مجرد ممثلين في هذا السيناريو.
لكن "تانيزاكي" يطور هذه الأفكار ويدفعها إلى الأمام، ويطرح سؤالاً كلياً مفتوحاً عن الحب في حد ذاته، عما نحبه في الآخرين. إن شخصيات هذا العمل مندمجة مع بعضها البعض إلى حد بعيد. لكن بأية طريقة وما الذي يعنيه هذا؟ كيف يمكن للفساد والحب أن يتفاعلا؟ هل الحب المهووس حب حقيقي؟ هل تعتبر الاستثارة من جزء فقط من الآخر جنساً حقيقياً؟ هل الهوس الجنسي بجزء من الآخر هو ترجمة للحب؟ أم هو الوجه الآخر منه؟ هل هو فقط كما حدده "هافلوك إليس": "الشهوة الجنسية الذاتية"؟
إن الكثير من شخصيات "تانيزاكي"، ربما كما تحب أن تكون، لا يمكنها أن تكتفي ذاتياً. إنها لا تكف عن الاحتياج إلى بعضها البعض. وبينما تكافح كل شخصية من الاثنين من أجل التحكم الكامل والنهائي في الآخر، فإن الارتباط هو في الغالب ارتباط هزلي. فـ"تانيزاكي" يدرك أنه في النهاية أنت دائماً تعتمد على الآخر، في الحقيقة أنت تخلق الآخرين جزئياً، وتتركهم يلعبون دوراً أنت حددته. وليس هذا هو الحال فقط في الميل إلى إظهار الأعضاء الجنسية أو في اختلاس النظر والتلذذ بمشاهدة العورات أو الممارسة الجنسية، بل كذلك هو الحال في السادية أيضاً. إلا أن حرية الآخرين التي تسكن في كلماتهم ـ أو ربما في المذكرات ـ في النهاية سوف تراوغك؛ وهي مجبرة على هذا. إن السيطرة الكلية ستنتهي عند الموت، أو القتل، لأحد طرفيها، وعند هذه النقطة تنتهي اللعبة.
لقد تركت رواية "مذكرات رجل عجوز مجنون" انطباعاً قوياً ومستمراً، وإحساساً بأن الفيلم الذي أردت أن أكتبه ربما يتركز حول بعض من هذه الأفكار. وبعد أن دونت بعض الملاحظات وخططت لعدة مشاهد، بدأت أنا و"روجر ميشيل" في تجميع عناصر الفيلم الذي ربما يركز على ممثلين عجوزين وفتاة تأتي لتقيم مع واحد منهما.
لم يمض وقت طويل قبل أن يبدأ "فينوس" في التحرك بعيداً عن ما أنشأه "تانيزاكي". كان يجب أن تكون العلاقة أقل من ناحية الخوف المرضي من الأماكن المغلقة وأكثر تعقيداً، فهي تغطس دائماً وتتحول. إذا أراد رجل شيئاً من فتاة، فهي تريد شيئاً ما آخر منه، بحيث تصبح علاقتهما سلسلة من سوء التفاهم. فالفشل في التبادل فيما بينهما هو على الأقل نوع من التبادل. يركز "فينوس" أيضاً على فتاة تجد أباً، وفي النهاية، باختصار، تجد أماً أيضاً. فهي تستطيع آنذاك أن تترك البيت مرة أخرى.
إنها الفتاة هي التي تجعل القصة تعمل. فدخولها إلى المشهد يفسد كل حياتهما. ولكن لماذا فتاة؟ فحتى التصحيح السياسي يترك دائماً شخصاً ما ـ أو مجموعة من الأشخاص ـ بالخارج؛ إنه يحتاج إلى ذلك. إنه إيجاد كبش فداء جديد. لقد لاحظت أن النساء الصغيرات العاملات كن أهدافاً سهلة، يمثلن تماماً أطماعنا وفسوقنا ولا أخلاقيتنا. وحيث أنهن مدانات لسعيهن وراء الملذات والمتع وباعتبارهن فقط كمستهلكات بدون مادة أو نسيج داخلي، فهن إحدى المجموعات القلائل التي يمكن أن نهجوها بدون شكوى أو تذمر، وأن نلعنها من أجل غبائها وعجزها عن الإفصاح وقلة بلاغتها؛ فهي مجموعة لا تساندها جماعات ضغط وتفتقر للقوة والسلطة. إنهن مجموعة من المقلدات المتكبرات اللواتي لا يحظين بأي أهمية. لماذا لا نطور شخصيات مثل هذه، وندمجهن مع الفكرة التقليدية للغريب القادم ليبقى، وانظر إلى أين تسير الأمور؟
لم استطع أن اتقدم إلى الأمام في الفيلم حتى أرى كيف يمكن أن ينتهي الأمر. لقد حاولت إيجاد مخارج كثيرة. ربما لم أرغب في القبول بأنه يمكن أن ينتهي بطريقة واحدة. فكل من "المفتاح" و"مذكرات رجل عجوز مجنون" تنتهيان بموت البطل؛ وإنه المرض في الحقيقة هو الذي قذف بهم إلى براثن هذه الشهوة الأخيرة. فكيف يمكن إذن على نحو آخر أن تنتهي الرواية؟ إنه فقط الموت الذي يعطي الحياة قوتها الحقيقية.
مقتطفات من رواية "المفتاح" لتانيزاكي جونيشيرو
إنني افترض أن الزوج العادي يعرف كل التفاصيل في جسد زوجته إلى آخر تجعيدة فعلية في أخمص قدميها. لكن "آيكوكو" لم تتركني أبداً أفحصها بهذه الطريقة. بالطبع أتيحت لي فرص معينة عند ممارسة الجنس، لكنها ليست بأكثر ما سمحت لي برؤيته. فقط عن طريق اللمس كنت أستطيع أن أتصور مفاتن جسدها، وهذا هو السبب في أنني كنت أرغب يائساً أن أنظر إليها تحت هذا النور الساطع. وما رأيته قد فاق توقعاتي بكثير.
وللمرة الأولى كنت قادراً على أن استمتع بالمشهد كاملاً، كنت قادراً على أن استكشف كل أسرارها التي ظلت مخفية زمناً طويلاً. إن "آيكوكو" المولودة سنة 1911، لم تكن طويلة على نمط الشكل الغربي الشائع كثيراً فيما بين الفتيات الصغيرات في أيامنا هذه. ولأنها سباحة خبيرة ولاعبة تنس، فهي تحظى بنسب جيدة لامرأة يابانية في عمرها؛ فهي على الخصوص ليس لها صدر كبير، ولا أرداف كبيرة أيضاً... بدلا من ذلك ثديان ناميان وأرداف متماسكة، حيث إنني أفضل الخطوط المستديرة برقة عند "بوذيساتفا" في معبد "شوجوجي". لقد افترضت أن جسد زوجتي ينبغي أن يكون على هذا الشكل، وثبتت صحة افتراضي.
إن ما فاق كل شيء تخيلته كان الصفاء المطلق لبشرتها. فمعظم الناس يكون لديها على الأقل تغيرات طفيفة في درجة النقاء، أو نوع ما من البقع الداكنة، أو وحمة، أو شامة، أو ما شابه ذلك؛ لكنني على الرغم من أنني فتشت جسدها بأقصى قدر من التأني والدقة، فلم أجد عيباً واحداً... ليس أبداً قبل أن يُسمح لي أن أحدق في هذا الجسد الرائع، بل ربما هذا صحيح بالمثل. أن تفزع، بعد أكثر من عشرين سنة معاً، عند أول إدراك لجمال جسد زوجتك ـ فهذا يعني بالتأكيد أن تبدأ زواجاً جديداً.
نص عن الجارديان سبق نشره في أخبار الأدب



صورة مصطفى محمود
القسم: 

التعليقات

 
 رائع هذا التنافذ عندما يصنع الجمال في أبهى تجلياته... الغوص في الذات الإنسانية هو وحده الذي يصنع الفن الحقيقي الموعود للأبدية... الفن الحقيقي هو ذاك الذي يسعى إلى تعرية أسرار الطبيعة البشرية( والتي من أهمها علاقة الإنسان بجسده) التي مهما حاول المتبصرون فك شفراتها تظل عصية على الإدراك...
شكرا لما قرأت هنا       
      
آسية السخيري
صورة آسية السخيري
 
الرائع مصطفى محمود
أشكر لك اسلوبك الجميل الذى جعلنى أقرأ المقالة أكتر من مرة
لم اشعر للحظة اننى أقرأ ترجمة ونتمنى أن نرى القصة نفسها
مترجمة على الورشة قريبا
سماح عطية
صورة سماح عطية

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات