You are here
جمالية الصورة والمعنى في شعر رنا جعفر

جمالية الصورة والمعنى في شعر رنا جعفر
جمال المظفر
نصوص صوفية وطلاسم ورقى ولوحات سريالية وأخرى
تجريدية وسباحة ضد التيار, في زمن فوضى النتاج الشعري المستنسخ الذي يملأ
رفوف المكتبة العربية, والعابر كمرور الكرام أمام أعين المتلقين والنقاد
والمتذوقين.
نصوص تصل إلى درجة الرقي لروعة الأسلوب. حتى لكأنك تسبح في فضاء لوحة أعطى الرسام الماورائية مساحة للتأمل واستنطاق للواقع عبر صور إيحائية ترميزية خالية من الإسفاف والتكرار.
الشاعرة
رنا جعفر ياسين علامة بارزة من علامات الشعر العراقي الحديث تمتلك شاعرية
ترقى إلى مصاف الشاعرات الكبيرات اللاتي تركن بصمة في الشعرية العربية
والعالمية ، نصوصها صادمة ومؤثرة ، شاعرة سبقت عمرها الزمني بتجربتها
المتميزة ، لها ملكة ذهنية عالية ولها القدرة على التلاعب بالمفردات ..
من أعالى الخوف نزلت
ابحث عن ألعابي ، سكراب بيتي
قوتي وحذائي
قمري ، رأس الناقوس المقطوع
شرطي قطعوا رأسه في باب الدار
............................
............................
من درك مفقود
اصعد للشمس.... أبحث عني.
سؤال صار يلازمني وأنا اقرأ المجموعة الشعرية الأولى للشاعرة رنا جعفر ياسين . طفولة تبكي على حجر ) والصادرة عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق وهو هل القصيدة هي التي تداهم الشاعرة مثلما تداهم الكثير من الشعراء أم أن رنا هي التي تقود المفردات إلى أشكال شعرية متفردة ومتأنقة:
في آخر الزقاق
أرى المارد يعمّد الأطفال بالخطيئة
يلعب معهم بعظام آباءهم
وفي موعد النوم
يدثرهم بنزيف الأمهات
على أفخاذهم يحفر جوعا للفرح
وعند باب جارهم..
يخلع وجهه ليرتق الرحيل.
أربعة شواهد يبكي عندها الأطفال هي مكونات المجموعة الشعرية ، فالعنوان مثير واعتمدت فيه اللامباشرة ، فهي لم تقل بكاء الطفولة على الحجر وإنما أعطت الطفولة صورة أعمق في البحث عما وراء الأحجار للبحث عن بقايا عظام أبائهم الذين أكلتهم آلة الحرب والإرهاب .. ولأنها فنانة تشكيلية طعمت صفحات مجموعتها بعدد من التخطيطات التجريدية والتي تدل على رموز وطلاسم لها علاقة بالغيبيات والماورائيات ولغة السحر والحكايات الميثولوجية والأساطير القديمة ، انعكست رؤيتها الفنية على صورها الشعرية ، فصارت المجموعة عبارة عن لوحات تجريدية وطلاسم لا يحل لغزها إلا العالم بفنون السحر والخيال .
لا .... لا ...
لا تقتلني
أنا طفل وأدته الحرية
أصابعي قطعوها ... هي في جيبي
ولساني نشروه على حبل عربي
أو لي من يترفق بي لأموت طريا؟
خلال قراءتي للمجموعة لم أر هناك نصا عاديا ، أو نصا بدون حبكة أو صورة شعرية غير مباشرة ، ليس هناك إسفاف أو لغة مترهلة ، وجدت نصوصا مختزلة مكثفة شذبت أطرافها بعناية الفنانة التشكيلية المتمكنة التي تستطيع أن تجعل من نصها ثيمة فنية لغوية محكمة غير قابلة للتأويل :
صوت
صوت
ها ... اسمع
أطفال باعوهم بصمات منهوبة
يغنون على ضفة الموت
يرقص عصفور في حلقي
ويصيح الوطن المحبوس.
سؤال آخر يدور في مخيلة أي كاتب أو قارئ من المتذوقين أو المستنبطين والباحثين عن خفايا الكتابة وأسرارها/ هل الشعر هو انعكاس لسلوكيات الشعراء وتجاربهم العاطفية والعملية أم انه هذيان اللاوعي وإفرازاته الهرمونية التي تشكل هلاميات لغوية قد تكون غير مفهومة أحيانا؟ ، أو ربما يصدم الشاعر بلغته التي شكلت النص – القصيدة - .!!!
مازلت
كما عهدتني
أعوم في طوفاني الأعزل
أثور في جسدي
فللحلاوة ثورة
كما المرارة
اسكبني
فوق جرح في اليسار
تطوى
فأنكسر بين ضلوعك
أذوب في مساماتك
انصهر بأنفاسك
اشهق صوتك
وربما
أثور فيك !!
الواقع يعكس تلوينه على مخيلة الشاعرة ، الموت ، الدمار ، الاحتلال ، الانكسار، الحرائق ، الجثث المتفحمة ، الانهيارات السياسية ,الفكرية والأخلاقية ، المآتم ، الشواهد والقبور ، الحجر الذي يبحث عنده الأطفال عن بقايا أسئلتهم ، عن آبائهم المنفيين إلى الأبد دون وداع مسبق لعاصفة بارودية انتشلت بقايا الذكريات :
في جوفي..
بقايا طفلة
تلعب بالشظايا
تهدهد لحدها
ثم
تموت في سكون
يا له من مهرجان عاطل
كأنه ضجيج
أو توان يلعق القلق !!!
الشاعرة تحول الواقع إلى لوحات مؤطرة بموهبة فذة ومطاوعة للذات الأنوية الحالمة ، تحيل المفردات إلى تعاويذ كتلك المنقوشة على الأختام الاسطوانية البابلية ، التعاويذ التي تحملها النساء بين نهودهن لدرء الحسد أو لاستعطاف محبة الزوج, أو حتى الأسحار التي تعملها الزوجات لأزواجهن ويعتبرنها حقا مشروعا في الحفاظ عليهم من – الخمط – الذي تمارسه الغانيات واللعوبات وقدرتهن على سرقة بعولتهن برمشة عين :
يوما ما :
وجدت أسطورتي بلا عجائب
سقطت منها
الأحجيات
وطلسمي أذابه حجر الطواحين
يا عفريت
لا تخلط بالماس رملي
فعلى هوائي يحبو العفن
ورئتي يتقرن فيها عطر النرجس
تهرم ...
تتفسخ.
رنا جعفر تجاوزت حدود الإشكالية الجنسية أي أنها لا تكتب بذات الأنثى وإنما بذات الشاعرة المتحررة من الصبغة الأنثوية ، فنرى نصوصها التي اعتمدتها في المجموعة - والتي جميعها عبارة عن نصوص قصيرة مكثفة - تلج فضاء غير محدد بجنس ، ولا اقصد هنا الجنس الأدبي وإنما الجنس البشري :
من غيهب في عودة مجهولة القسمات
بأن الوغى
والماء احمر
والسماء بداية
والموت سر العائدين
ارفع عن الوجه المدنس بالمهالك
باقي ساقك
لات خدش كبرياء الميتين
فالحب في اليمنى
والشجاعة في الشمال
والقلب بارد
والدمع يركض صوب هجيرك المؤلم
هناك أكتب
( قلبي على وطني
قلبي على أمي
قلبي على قلب سقط من والدي يوم الولادة )
وللشاعرة رنا جعفر ميزة خاصة تميزها عن باقي الشعراء. وهي امتلاكها لموهبة فطرية في الرسم تزاوجها مع موهبتها الشعرية الفطرية فتخرج صورها الشعرية برومانسية وشفافية عاليتين قلما يصل إليها الشاعر الذي يمتلك شاعرية عالية ، فالفن دائما يعطي النصوص الشعرية مسحة جمالية وإيحائية أعمق ورومانسية تجعل المتلقي يحلق معها بخياله اللامحدود :
من أين يأتي الصبح بالمكائد،
وحراس الليل
ناموا في حقائبهم
وأطفال البلاد مازالوا يغطون في خوف عميق ؟!!
جميع المقاطع القصيرة التي تضمنتها المجموعة والتي قسمت إلى أربعة أبواب تحت عناوين ( عند الحجر 1، عند الحجر2، عند الحجر3 ، عند الحجر4 ) هي قصائد نثرية ولكنها تعزف على وتر متعدد النغمات بإيقاع موسيقي هرموني يعطي النص لذة التواترات اللحنية:
الشمع يلهث
على جلدي يسيح
وأنت تفيق بين وحل وخاتمة
ومدينتي تتبخر.
الشاعرة تتقن فن الإغواء ، إغواء الناقد والقارئ والمتذوق إلى الدخول لعالمها الغرائبي الملئ بالدهشة بعيدا عن التأويل, لأن الصور واضحة ولا تحتاج إلى فك الطلاسم كما تحتويها الرسوم في متون المجموعة لكي توضح الصور أكثر مما هي اشد وضوحا مع عتمة المشهد ودمويته :
لا وقت للموت
الاستشهاد في الأعناق
والقلائد في الخزائن
تتكلس
الطاعون يفتك بالمرايا
والمواعين تصل
لا وقت للموت
الروح تعربد
والكفن تقيح
واللحم
بارد
بارد
وفي نص آخر جميل تحاور الآخر بلغة الطفل الذي مازال يلثغ الحروف في سنيه الأولى:
تعريت من سنيني
ألا أجمع لك العنب اليابس في جيوبي ؟
فتلبسني محاسني
وتخلع عني سوئي
* * * *
تحت الوعيد والقنابل ، خرائطي تركض
تبحث عن نهر
تعثر
سقط في ب ا ل و ع ة ...!!!
وفي نص ملئ بالغرابة والدهشة ، ملئ بالصور المتحركة الراقصة على وتري العشق والخيانة ، اللذة والجنون ، العفة والعري، الشهوة والانكسار ، محاكاة الأنا المتعرية من أدواتها اللفظية والمجازية ، استوقفني كثيرا هذا النص وأنا أقرأ مفرداته العارية :
هاك القدر
هيا امتزج وياي في خرافتي بالحب
هل أنت مثلي؟
في الفراق تمد قلبا للوراء
وفي الخلود، ربما تشتاق لي
يا أنت
يا إياي
يا كل الضمائر في سفرنا المألوم
المكتوم
عن بوح الأماني
لك العشق
ولي بقايا من خياناتك
أنا كنت كلك
ومن دونك صرت – اليوم – نتفة من بعضي
أنا أنا
........ من وجدت البئر في حلق السباع
فشاركني خداعي ...
رنا تتنهد ، ترقص ، تلاعب الكلمات بأطراف أناملها ، تحاكي الحروف بشفافية رغم الألم الذي ينخر قواها ويعتصر فؤادها ، تغني أغاني الأطفال وهم يحملون حقائبهم المدرسية في صباح خريفي يوزع نسمات باردة على وجوههم ، طفلة تلهو بالدمى إلى لحظة كتابة النص :
يا طفلاً من خشب
متى سيحييك الله؟
لتلعب معنا
في البلد المجاور
لعبة العسكر والحرامية
...............................
..............................
يا طفلا من ماء
تبخر
تكثف في غيمة
أمطرنا وطنا من بلور
لنلعب فيه...
وأجمل ما في مجموعتها الشعرية الخاتمة التي أنهت بها قصائدها تحت عنوان هوامش
• الأطفال وان تعثروا بكل هذه الأحجار ... مازالوا في نواح ربما ، يبحثون عن حجر آخر !!
• مازال الصوت خفيا ..... ومخيفا .
• بحثوا بين الأزقة عن بقايا الأطفال ليقيموا متحفا لطفولة هرمت في زمن الحرب
ومازاااااااااال البحث جاريا ..!!!
رنا جعفر ياسين شاعرة كبيرة ومتألقة لها مستقبل كبير في الشعرية العراقية بل والعربية لما تمتلك من أدوات وخيال يؤهلانها لان تكون مشروع شاعرة متفردة لها المجال لاستكشاف المزيد من القدرات في داخلها الذي سيشي بالكثير الكثير من الإبداع في يوم ما ، فعلى النقاد إن ينتبهوا إلى هذه التجربة التي تستحق الوقوف عندها كثيرا وخصوصا إن الأدب العربي رغم انه يزخر بالنتاج الشعري إلا أن الأصوات الشعرية النسوية تكاد تكون قليلة بالنسبة إلى حجم الشاعرات الكاتبات لفن الشعر .
________________________________________
jamalalmudafer@yahoo.com
نصوص تصل إلى درجة الرقي لروعة الأسلوب. حتى لكأنك تسبح في فضاء لوحة أعطى الرسام الماورائية مساحة للتأمل واستنطاق للواقع عبر صور إيحائية ترميزية خالية من الإسفاف والتكرار.
الشاعرة
رنا جعفر ياسين علامة بارزة من علامات الشعر العراقي الحديث تمتلك شاعرية
ترقى إلى مصاف الشاعرات الكبيرات اللاتي تركن بصمة في الشعرية العربية
والعالمية ، نصوصها صادمة ومؤثرة ، شاعرة سبقت عمرها الزمني بتجربتها
المتميزة ، لها ملكة ذهنية عالية ولها القدرة على التلاعب بالمفردات ..من أعالى الخوف نزلت
ابحث عن ألعابي ، سكراب بيتي
قوتي وحذائي
قمري ، رأس الناقوس المقطوع
شرطي قطعوا رأسه في باب الدار
............................
............................
من درك مفقود
اصعد للشمس.... أبحث عني.
سؤال صار يلازمني وأنا اقرأ المجموعة الشعرية الأولى للشاعرة رنا جعفر ياسين . طفولة تبكي على حجر ) والصادرة عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق وهو هل القصيدة هي التي تداهم الشاعرة مثلما تداهم الكثير من الشعراء أم أن رنا هي التي تقود المفردات إلى أشكال شعرية متفردة ومتأنقة:
في آخر الزقاق
أرى المارد يعمّد الأطفال بالخطيئة
يلعب معهم بعظام آباءهم
وفي موعد النوم
يدثرهم بنزيف الأمهات
على أفخاذهم يحفر جوعا للفرح
وعند باب جارهم..
يخلع وجهه ليرتق الرحيل.
أربعة شواهد يبكي عندها الأطفال هي مكونات المجموعة الشعرية ، فالعنوان مثير واعتمدت فيه اللامباشرة ، فهي لم تقل بكاء الطفولة على الحجر وإنما أعطت الطفولة صورة أعمق في البحث عما وراء الأحجار للبحث عن بقايا عظام أبائهم الذين أكلتهم آلة الحرب والإرهاب .. ولأنها فنانة تشكيلية طعمت صفحات مجموعتها بعدد من التخطيطات التجريدية والتي تدل على رموز وطلاسم لها علاقة بالغيبيات والماورائيات ولغة السحر والحكايات الميثولوجية والأساطير القديمة ، انعكست رؤيتها الفنية على صورها الشعرية ، فصارت المجموعة عبارة عن لوحات تجريدية وطلاسم لا يحل لغزها إلا العالم بفنون السحر والخيال .
لا .... لا ...
لا تقتلني
أنا طفل وأدته الحرية
أصابعي قطعوها ... هي في جيبي
ولساني نشروه على حبل عربي
أو لي من يترفق بي لأموت طريا؟
خلال قراءتي للمجموعة لم أر هناك نصا عاديا ، أو نصا بدون حبكة أو صورة شعرية غير مباشرة ، ليس هناك إسفاف أو لغة مترهلة ، وجدت نصوصا مختزلة مكثفة شذبت أطرافها بعناية الفنانة التشكيلية المتمكنة التي تستطيع أن تجعل من نصها ثيمة فنية لغوية محكمة غير قابلة للتأويل :
صوت
صوت
ها ... اسمع
أطفال باعوهم بصمات منهوبة
يغنون على ضفة الموت
يرقص عصفور في حلقي
ويصيح الوطن المحبوس.
سؤال آخر يدور في مخيلة أي كاتب أو قارئ من المتذوقين أو المستنبطين والباحثين عن خفايا الكتابة وأسرارها/ هل الشعر هو انعكاس لسلوكيات الشعراء وتجاربهم العاطفية والعملية أم انه هذيان اللاوعي وإفرازاته الهرمونية التي تشكل هلاميات لغوية قد تكون غير مفهومة أحيانا؟ ، أو ربما يصدم الشاعر بلغته التي شكلت النص – القصيدة - .!!!
مازلت
كما عهدتني
أعوم في طوفاني الأعزل
أثور في جسدي
فللحلاوة ثورة
كما المرارة
اسكبني
فوق جرح في اليسار
تطوى
فأنكسر بين ضلوعك
أذوب في مساماتك
انصهر بأنفاسك
اشهق صوتك
وربما
أثور فيك !!
الواقع يعكس تلوينه على مخيلة الشاعرة ، الموت ، الدمار ، الاحتلال ، الانكسار، الحرائق ، الجثث المتفحمة ، الانهيارات السياسية ,الفكرية والأخلاقية ، المآتم ، الشواهد والقبور ، الحجر الذي يبحث عنده الأطفال عن بقايا أسئلتهم ، عن آبائهم المنفيين إلى الأبد دون وداع مسبق لعاصفة بارودية انتشلت بقايا الذكريات :
في جوفي..
بقايا طفلة
تلعب بالشظايا
تهدهد لحدها
ثم
تموت في سكون
يا له من مهرجان عاطل
كأنه ضجيج
أو توان يلعق القلق !!!
الشاعرة تحول الواقع إلى لوحات مؤطرة بموهبة فذة ومطاوعة للذات الأنوية الحالمة ، تحيل المفردات إلى تعاويذ كتلك المنقوشة على الأختام الاسطوانية البابلية ، التعاويذ التي تحملها النساء بين نهودهن لدرء الحسد أو لاستعطاف محبة الزوج, أو حتى الأسحار التي تعملها الزوجات لأزواجهن ويعتبرنها حقا مشروعا في الحفاظ عليهم من – الخمط – الذي تمارسه الغانيات واللعوبات وقدرتهن على سرقة بعولتهن برمشة عين :
يوما ما :
وجدت أسطورتي بلا عجائب
سقطت منها
الأحجيات
وطلسمي أذابه حجر الطواحين
يا عفريت
لا تخلط بالماس رملي
فعلى هوائي يحبو العفن
ورئتي يتقرن فيها عطر النرجس
تهرم ...
تتفسخ.
رنا جعفر تجاوزت حدود الإشكالية الجنسية أي أنها لا تكتب بذات الأنثى وإنما بذات الشاعرة المتحررة من الصبغة الأنثوية ، فنرى نصوصها التي اعتمدتها في المجموعة - والتي جميعها عبارة عن نصوص قصيرة مكثفة - تلج فضاء غير محدد بجنس ، ولا اقصد هنا الجنس الأدبي وإنما الجنس البشري :
من غيهب في عودة مجهولة القسمات
بأن الوغى
والماء احمر
والسماء بداية
والموت سر العائدين
ارفع عن الوجه المدنس بالمهالك
باقي ساقك
لات خدش كبرياء الميتين
فالحب في اليمنى
والشجاعة في الشمال
والقلب بارد
والدمع يركض صوب هجيرك المؤلم
هناك أكتب
( قلبي على وطني
قلبي على أمي
قلبي على قلب سقط من والدي يوم الولادة )
وللشاعرة رنا جعفر ميزة خاصة تميزها عن باقي الشعراء. وهي امتلاكها لموهبة فطرية في الرسم تزاوجها مع موهبتها الشعرية الفطرية فتخرج صورها الشعرية برومانسية وشفافية عاليتين قلما يصل إليها الشاعر الذي يمتلك شاعرية عالية ، فالفن دائما يعطي النصوص الشعرية مسحة جمالية وإيحائية أعمق ورومانسية تجعل المتلقي يحلق معها بخياله اللامحدود :
من أين يأتي الصبح بالمكائد،
وحراس الليل
ناموا في حقائبهم
وأطفال البلاد مازالوا يغطون في خوف عميق ؟!!
جميع المقاطع القصيرة التي تضمنتها المجموعة والتي قسمت إلى أربعة أبواب تحت عناوين ( عند الحجر 1، عند الحجر2، عند الحجر3 ، عند الحجر4 ) هي قصائد نثرية ولكنها تعزف على وتر متعدد النغمات بإيقاع موسيقي هرموني يعطي النص لذة التواترات اللحنية:
الشمع يلهث
على جلدي يسيح
وأنت تفيق بين وحل وخاتمة
ومدينتي تتبخر.
الشاعرة تتقن فن الإغواء ، إغواء الناقد والقارئ والمتذوق إلى الدخول لعالمها الغرائبي الملئ بالدهشة بعيدا عن التأويل, لأن الصور واضحة ولا تحتاج إلى فك الطلاسم كما تحتويها الرسوم في متون المجموعة لكي توضح الصور أكثر مما هي اشد وضوحا مع عتمة المشهد ودمويته :
لا وقت للموت
الاستشهاد في الأعناق
والقلائد في الخزائن
تتكلس
الطاعون يفتك بالمرايا
والمواعين تصل
لا وقت للموت
الروح تعربد
والكفن تقيح
واللحم
بارد
بارد
وفي نص آخر جميل تحاور الآخر بلغة الطفل الذي مازال يلثغ الحروف في سنيه الأولى:
تعريت من سنيني
ألا أجمع لك العنب اليابس في جيوبي ؟
فتلبسني محاسني
وتخلع عني سوئي
* * * *
تحت الوعيد والقنابل ، خرائطي تركض
تبحث عن نهر
تعثر
سقط في ب ا ل و ع ة ...!!!
وفي نص ملئ بالغرابة والدهشة ، ملئ بالصور المتحركة الراقصة على وتري العشق والخيانة ، اللذة والجنون ، العفة والعري، الشهوة والانكسار ، محاكاة الأنا المتعرية من أدواتها اللفظية والمجازية ، استوقفني كثيرا هذا النص وأنا أقرأ مفرداته العارية :
هاك القدر
هيا امتزج وياي في خرافتي بالحب
هل أنت مثلي؟
في الفراق تمد قلبا للوراء
وفي الخلود، ربما تشتاق لي
يا أنت
يا إياي
يا كل الضمائر في سفرنا المألوم
المكتوم
عن بوح الأماني
لك العشق
ولي بقايا من خياناتك
أنا كنت كلك
ومن دونك صرت – اليوم – نتفة من بعضي
أنا أنا
........ من وجدت البئر في حلق السباع
فشاركني خداعي ...
رنا تتنهد ، ترقص ، تلاعب الكلمات بأطراف أناملها ، تحاكي الحروف بشفافية رغم الألم الذي ينخر قواها ويعتصر فؤادها ، تغني أغاني الأطفال وهم يحملون حقائبهم المدرسية في صباح خريفي يوزع نسمات باردة على وجوههم ، طفلة تلهو بالدمى إلى لحظة كتابة النص :
يا طفلاً من خشب
متى سيحييك الله؟
لتلعب معنا
في البلد المجاور
لعبة العسكر والحرامية
...............................
..............................
يا طفلا من ماء
تبخر
تكثف في غيمة
أمطرنا وطنا من بلور
لنلعب فيه...
وأجمل ما في مجموعتها الشعرية الخاتمة التي أنهت بها قصائدها تحت عنوان هوامش
• الأطفال وان تعثروا بكل هذه الأحجار ... مازالوا في نواح ربما ، يبحثون عن حجر آخر !!
• مازال الصوت خفيا ..... ومخيفا .
• بحثوا بين الأزقة عن بقايا الأطفال ليقيموا متحفا لطفولة هرمت في زمن الحرب
ومازاااااااااال البحث جاريا ..!!!
رنا جعفر ياسين شاعرة كبيرة ومتألقة لها مستقبل كبير في الشعرية العراقية بل والعربية لما تمتلك من أدوات وخيال يؤهلانها لان تكون مشروع شاعرة متفردة لها المجال لاستكشاف المزيد من القدرات في داخلها الذي سيشي بالكثير الكثير من الإبداع في يوم ما ، فعلى النقاد إن ينتبهوا إلى هذه التجربة التي تستحق الوقوف عندها كثيرا وخصوصا إن الأدب العربي رغم انه يزخر بالنتاج الشعري إلا أن الأصوات الشعرية النسوية تكاد تكون قليلة بالنسبة إلى حجم الشاعرات الكاتبات لفن الشعر .
________________________________________
jamalalmudafer@yahoo.com


التعليقات
عن كلمة تفي حقك فى التعبير عن المجهود الرائع فى تلك الدراسة
رنا جعفر قرأت لها الكثير من قبل .. ولكن اليوم وهنا قرأتها بشكل مختلف تماما
شكرا لك وان كان الشكر لا يكفى عن تقديرى لتميزك
دمت متألقا
دعاء
شكرا لمرورك الدائم
ولكلماتك التي تزيدني سعادة ومتعة
فلمرورك الدائم نكهة خاصة
في الورشة تعرفت على عائلة جميلة انيقة متماسكة ، اصدقاء من طراز خاص ، دعاء وفاطمة محسن وهادي الناصر ويحيى السماوي وميثم الحربي وعمر السراي وجيهان احمد وميسرة وسحر الياسري وسناء لهب والكثير من الوجوه الجميلة.
شكرا لك يادعاء لانك تدخلينا عوالم جميلة وتغوينا الى ولوجها
وتدخلين عوالمنا دائما بهمساتك الرائعة
شكرا مرة ثانية يادعاء
جمال المظفر
جمال المظفر
أشكر لك هذه القراءة التي عرفتني برنا جعفر
كم هي جميلة وحساسة عزفت على وتر الطفولة والحجر وأعادتنا لأيام ما غادرتنا
أيام رسم فيها الحجر صورا عجز الفنانون عن رسمها ومازال الحجر يرسم ونحن نصفق له نحاول أن نلون هذا الحجر لكنه اختار لونه وارتضاه
شكرا جمال على هذا الألق
تحية لحرفك
• الأطفال وان تعثروا بكل هذه الأحجار ... مازالوا في نواح ربما ، يبحثون عن حجر آخر !!
• مازال الصوت خفيا ..... ومخيفا .
• بحثوا بين الأزقة عن بقايا الأطفال ليقيموا متحفا لطفولة هرمت في زمن الحرب
رائع ما ختمت به
ومازال الصوت خفيا رغم البحث المستمر
ابعث لك وردتين، واحدة تقول يسعد صباحك ، والثانية تقول يسعد مساك
لاطعم لكتاباتي دون ان تمري عليها يافاطمة
اول ماافتح الورشة ابحث عن بصماتك، وعن هادي الناصر وعن دعاء
لكم معزة خاصة في قلبي ونفسي
مثلما اتابع كتاباتك بشغف
اراك تتابعين كتاباتي
شكرا لروعتك يافاطمة
جمال المظفر
شكراً لهذة الدراسة الفاحصة
وتحية لجهدك النبيل في التنقيب والتوصيل
دمت متألقاً
وتقبل فائق احترامي
هادي الناصر
يلعب معهم بعظام آباءهم
وفي موعد النوم
يدثرهم بنزيف الأمهات
---------------
يا طفلا من ماء
تبخر
تكثف في غيمة
أمطرنا وطنا من بلور
لنلعب فيه...
-------------
أستاذ جمال
بصراحة
مش بس شعرك رائع
لا وكمان رؤيتك النقدية
ودراستك
على اد ماهى بسيطة
الا انها عميقة
وبتضيف كتير قوىىىىى
للشاعرة
ان
منذ اشتركت
فى الورشة
وحاسس
ان كل العراقيين بيكتبوا شعر مميز قوى
تحياتى لكل ابناء العراق
شكرا لمرورك الجميل
جمال روحك يعطي للنص نكهة خاصة تراها في نفسك
اشكر لك هذا الاطراء
جمال المظفر
شكرا لمرورك ياهادي
افتقدتك كثيرا، لم ارك منذ فترة
لدي مشروع في ابراز كل الاصوات الشابة التي لها بصمات في الشعرية العراقية والتي هملها النقاد للاسف ويركزون على الاسماء الكبيرة التي لاتحتاج الى ابراز
شكرا لك مرة ثانية ياهادي
جمال المظفر