You are here

الصفحة الرئيسية

جميل ابراهيم والأفنش والمرأة المصابة بالوضوح في أسبوع ثقافي بسويسرا + ..




جميل ابراهيم والأفنش والمرأة المصابة بالوضوح
في أسبوع ثقافي بسويسرا
يوسف ليمود




على امتداد عشرة أيام وحتى الرابع من فبراير 2007 وتحت عنوان "الشرق يلتقي الغرب" , نظم مسرح المدينة فورشتات بازل بسويسرا عددا من الأنشطة الفنية تضمنت المسرح والموسيقى والأمسيات الأدبية, دارت جميعها حول الثقافة العربية والإسلامية وجانبي التفاعل الخلاق وسوء الفهم في العلاقة بالغرب. من أبرز العروض التي حظيت بالإعجاب, لعمقها وخفة روحها, الميلودراما المسرحية "مصابة بالوضوح" من تأليف وإخراج الأردنية سوسن دروزة, قامت بتمثيلها الجزائرية المقيمة في زيوريخ مليكة خطير, الغناء والموسيقى كانا من وراء ستار شفاف, للفلسطينية كاميليا جبران, التي تعيش بين باريس والعاصمة السويسرية برن, بعودها الحي المتفرد الأداء, كصوتها الذي مزق فترات صمت العرض وأثناء تشنجات الممثلة. المسرحية حوار لامرأة في الأربعين من العمر مع الكاميرا المثبتة في بيتها, حيث الاغتراب عن الذات والبحث عن الهوية وسط عالم كل من وما فيه غير واضح وغريب. على المستوى النفسي, لعبت الكاميرا دور الذات – البديل عن الآخر غير الموجود, أما على المستوى الشكلي الجمالي, كان دورها سينمائيا, من خلال بث ظلال المنظر العشوائي الذي تقع عليه عدستها, خاصة لحظات الكلوز اب, عندما تقترب الممثلة بوجهها لتفضي بجنونها إلى تلك الآلة وكأنها شخص حميمي على وشك الاشتباك جسديا معه. في هذا العرض, استطاعت الممثلة الموهوبة مليكة خطير أن تضحك الجمهور كثيرا, وكادت أن تبكيه في الوقت نفسه, بتلقائية أدائها وكاريزمية روحها الخفيفة المصابة بالوضوح وعدم الرؤية معا. الثلاثي سوسن, مليكة, وكاميليا سيعود للمشاركة هذا العام في مهرجان زيورخ الدولي للمسرح من 1 إلى 3 سبتمبر القادم.

إلى جانب المسرح, كانت هناك أمسيتان للأدب ممتعتان: الأولى مع الروائي المصري المقيم بسويسرا جميل عطية ابراهيم, والثانية مع الروائي الفلسطيني المقيم بألمانيا سليم الأفنش. بدأت أمسية جميل ابراهيم بقراءته فصل من رواية "شهرزاد على بحيرة جنيف" التي صدرت له في يناير 2007 عن دار الهلال – القاهرة, وتعتبر تتويجا لرحلته كروائي له صوت خاص متميز بموسيقية الجملة البسيطة في لغتها, العميقة في دلالتها, وتلامس الهم العام, بدءا من هموم الوطن البعيد الجائع, إلى أجواء العولمة, بنواحيها السلبية الشرسة غير الإنسانية, التي لا مكان فيها لروح البساطة والطيبة, التي ارتبطت بالشرق كإحدى صفاته المتصورة أو ربما أصبحت تنتمي إلى ماضيه. بعد قراءة نفس الفصل مترجما إلى الألمانية بصوت ممثل مسرحي سويسري, قرأ جميل ابراهيم فصلا من روايته "النزول إلى البحر" التي سبق أن أبدى نجيب محفوظ إعجابه بقدرة كاتبها على أرجحة أحداثها, دون السقوط في الإملال, بل بمتعة, بين المستشفى والمقابر التي يسكنها الأحياء من الفقراء والمهمشين, بحركة حياتهم اليومية المعفرة بتراب الموتى, وتحولات مجتمع يغرق في سياسة الانفتاح الساداتية, التي لم تكن إلا انفتاحا على كل أنواع الإجرام والغياب الأخلاقي وسط الفقر والمرض ومقبرة البلد الجماعية التي تتنفس هواء فاسدا. ذهبت أسئلة الحاضرين بدهشتها عن قلة الترجمات الألمانية للأدب العربي, إلى الخوض في العوامل المتحكمة في هذا النقص, وحسب رأي جميل ابراهيم, اللوم يقع على الحكومات العربية التي لا ترعى المنجز الثقافي العربي, رغم ثرائه وحضوره المتميز في معظم مجالات الإبداع, خاصة الأدب, فالساسة لا يعترفون بالثقافة أصلا كمدخل للوعي, وكوسيلة تواصل وتفاعل إنساني لا غنى عنها. في حين رأى الناقد حسن حماد, صاحب دار نشر "لسان" السويسرية المعنية بترجمة الأدب العربي إلى الألمانية وشارك في الأمسية, أن المشكلة تتمثل في عدم وجود العدد الكافي من المترجمين المحترفين لسد ذلك النقص، الأمر الذي يحاول حماد معالجته, من خلال داره "لسان" بالتعامل مع المترجمين الشبان ومنحهم الفرصة لاكتساب الخبرات الضرورية للوصول بالترجمة, كيفا ونوعا وربما كما أيضا, إلى مستوى تقديم صورة واقعية لواقعنا من خلال الأدب.

الأمسية الأخيرة, ختام ذلك الأسبوع, كانت شبه امتداد لأجواء شهرزاد ولياليها, حيث تربع سليم الأفنش على كرسي الحكي, سائقا الجمهور من حكاية إلى حكاية, بغير قراءة من ورقة, وبشكل عفوي, من الشخصي الواقعي إلى الشعبي الخيالي الناهل من الف ليلة وليلة والملاحم الشعبية, فمضت السهرة وكأنها بيرفورمانس حكي تداخلت فيه خيالات الماضي مع مشكلات العصر. ومضى الأسبوع الذي لامس فيه صوت فيروز ونغمات مارسيل خليفة, كخلفية رقيقة في أوقات الاستراحة وشرب القهوة, أسماع الجمهور, كحلم شرقي في ليلة شتاء غربية.

يوسف ليمود – بازل – سويسرا
...................................................................................................

فصل من رواية "شهرزاد على بحيرة جنيف" للروائي المصري جميل عطية ابراهيم

قبــل رحيلـي

سألتني شهرزاد :
ـ هل قدمت عن طريق شارع برن ؟
قلت : نعم .
سألت :
ـ هل رأيت عشيقات جارسيا ماركيز الحزينات ؟
ضحكت .

هذه هي المسألة التي تشغل شهرزاد ؟ أهل القص يتحاورون فيما بينهم سرا ويتبادلون الرسائل والإشارات خفية عن الأعين . شهرزاد عيناها علي الحاضر وترقب أحوال القص ، طورت مسالكها وأضحت واحدة من نجوم القرن الواحد والعشرين . عبرت الفتاة القرون علي جناح من الريش وبحثت عن الجوهر تاركة العابر لصغار الكتاب . وها هي تتفحص حريم جاراثيا ماركيز عن قرب . لا بأس . أطاوعها الليلة ونذهب إلي شارع برن في مهمة بحث بعيدا عن أمور العشق ، مهمة روحية لا دور للجسد فيها ، المسافة فركة كعب ، نتقصى وندقق في أحوال الحريم ونتناول المرطبات ..

نهج شهرزاد في هزيمة الزمن السفر عبر الأثير بمساعدة جني شارد أو غريب أحمق ، وقد توفر لها الأحمق ، لماذا لا ؟ الأميرة لا تود التوجه إلي شارع "" برن "" بمفردها خوفا من الفضيحة ، ضحكت ، أميرة عربية خجلة من فضولها ، وتود بغلا في صحبتها . حمار الغيط الذي نهق و تمرغ في التراب وطار ثم حط في جنيف علي رأي جدي أبو علامة جاهز ومسرج للخدمة . ما لنا نحن بحريم جارثيا ماركيز ، يكفي الرجل أنه طور القص وصاغ وأبدع .
حمار الغيط يطاوعها في تلبية نزواتها التي لا تنتهي ، يسايرها في أحلامها الواسعة التي تمتد بطول السماء وتفرش الأرض ، سألتني فجأة ، فشدتني بعيدا عن همومي :
ـ هل تصدق ما دونه جارثيا ماركيز عن النساء ؟

قلت في صدق :
ـ ليس عندي ما يكذبه ؟
ضحكت شهرزاد . قالت :
ـ إذا كنت لا تمتلك الدليل حاليا فالقضية مؤجلة .

أصابت ، لا بأس من تأجيل القضية ، وفي عالمنا العربي جل القضايا مؤجلة ، لا يهم تأجيل قضية ، فهذه ليست نهاية حرب العراق أو بدايتها ، هذه قضية تتعلق بالنساء والوصال ، وربما بعد عشرات السنين أصدق ما دونه ماركيز عن النساء ، وفي مائة عام من العزلة طارت فتاته واختفت في السحاب ، لا بأس . لندع الباب مفتوحا . أجيال جديدة سوف تزج بأنفها وتروي عنه من بعده ، هذه المسألة لا تشغلني ، ما يشغلني هو ماذا جري لرفيقات عمري أنا ؟ وليس عشيقات عم جارثيا ماركيز .

رأيت لقاء رفيقات عمري علي دفعات قبل الرحيل . سألت شهرزاد النصيحة لعجبي تجاهلت قولي تماما ولم تعلق، قلت : حفل بسيط . نرجع الزمان إلي الوراء خمسين سنة أو أقل، قالت : ما مضى مضى ، صفحات طويت وغيرها حلت . وكانت حاسمة في القول وفي الإشارة وفي هزة وجهها مع بسمة واسعة لترضيتي .
تقول شهرزاد ما مضى مضى وصفحاته طويت وهي تعيش في ثوب جدات جدات جداتها ، حلال لها حرام علي ، لن تخرب الدنيا يا شهرزاد إذا عشت يوما من صباي أو شبابي ، لا بأس يا شهرزاد ، هذه إجابة من مقام غيرة النساء . تكدرت وبان الكدر وطفح علي وجهي وعلي يدي المعروقة المعوقة بفعل السنين ، بعد قليل سألتني شهرزاد من نفسها لتخفف عني : هل التقيت برفاق العمر من الرجال ؟
قلت : البعض منهم .
قالت : ابحث عن رفاق العمر من الرجال أما النساء فلا ..
تفرقة وتمييز بين المرأة والرجل في جنيف : أضبط . مخالفة . انتهاك لحقوق الإنسان والمعاهدات الدولية ، جريمة ضد الإنسانية ، هذه فضيحة يا شهرزاد . سقطة مروعة . لماذا يا شهرزاد ونحن في جنيف وليس بغداد ؟ أنت راعية حكايات العشق ، هل تتنكر شهرزاد في جنيف في القرن الواحد والعشرين لأوليات باب الحنين والشوق والوصال . نسيت شهرزاد حكاياتها وتتنكر لسجلاتها في بلاد الغربة ؟
القصد ، استمعت لها وصمت ، وشربنا شيئا وضحكنا ، ونسيت الخلاف ، مؤقتا ، وروت لي خلاصة ما فعلته في يومها ، وزاد ضحكنا لما جري لها في محل الجواهرجي اللبناني ، وبعدها
نصحتني بزيارة عدة بيوت في شارع برن وذكرت أرقامها بدقة وكأنها تحفظها عن ظهر قلب ،

وقالت : سوف ترى في هذه الدور ما أخفته الأيام وما عالجه ماركيز في دهاء .
ماذا ينتظرني هناك ؟ حسناء شقراء أم حسناء سمراء ؟ لا أعرف ، ضحكت . هذه حكاية جديدة ، ليلة من ألف ليلة ، حكاية جديدة تغزلها شهرزاد وتضعني في بؤرتها ، وهذه إهانة لي . سخرية مني . شهرزاد تسخر مني يا جدعان ، طبعا لم أصرخ بصوت عال علي البحيرة ، لكنني برطمت ودققت بحذائي إيقاعات الغضب ؟

منذ قدومي إلي هذا الحي "" الباكيه "" في جنيف منذ عشر سنوات ، أقطع شارع برن في أوقات مختلفة من شماله إلي جنوبه ، وفي الصيف أجلس إلي مقاه علي جانبيه وأتناول بعض الساندويتشات والمرطبات علي أرصفته ، ولا شيء يلفت النظر أو يثير فضولي ، كل شيء هادئ وقابع في صمت ، والفتيات يقفن أمام أبواب الدور في مسكنة ، ولا شيء فيهن يضحك سوى شفاههن .
هل تدفعني شهرزاد إلي الذهاب لتأمل ابتسامة الفتيات الواقفات في صمت شبه عاريات ؟ عشيقات ماركيز لا بد تجاوزن الخمسين أو الستين من العمر حاليا ولن يقفن أمام أبواب الدور ، هذه مسالك القص البغدادي ، رمت بي شهرزاد في اليم ، وتركتني ، وأنا تشغلني هذه الأيام أمور جادة تتجاوز عشيقات ماركيز الحزينات ، لنؤجل البحث عنهن إلي زمن آخر ..
قلت لنفسي وأنا أرفع عيني وأتطلع إلي نهاية البحيرة : ما يشغلني رفيقات عمري ، وليس
عشيقات ماركيز : رفيقات عمري في الحي وفي المدرسة وفي الجامعة وفي العمل وفي الحياة .
هذه رواية ضخمة ..
لا تشاركني شهرزاد الرأي ، ونصحتني بالكتابة عن الراحلات منهن ، المتوفيات ، قالت : هذا أجدى لهن ولنا . ماذا تقصد ؟
تأملت قولها ، وجدته غريبا بعض الشيء ، أولاهن كانت رشيقة وجميلة وتكبرني عمرا بعشر سنوات ، وأحببتها طفلا ، ولما كبرت قليلا عن الطوق ، ماتت بالدرن ، ومنعتني أمي في الأيام الأخيرة قبل موتها من الذهاب إليها في الشقة المقابلة لنا ، قالت : اتركها في سلام ، بينما كانت الفتاة تقف في الشرفة المقابلة وتطلب مني الذهاب إليها ، وكنت لا أقدر علي مخالفة أوامر أمي ولا أعرف ما يعني السل .
الغريب في الأمر أنني أثناء جلستي إلي شهرزاد علي البحيرة تذكرت خمس رفيقات عمر رحلن : واحدة بالسل كما قلنا ، وثلاث توفين أثناء الوضع ، والخامسة بسرطان . وكان ذلك في سنوات الأربعينات والخمسينات والستينات والسبعينات .
وتذكرتهن واحدة بعد الأخرى في يسر .

الحقيقة هذه ليست حكاية الليلة ، حكاية الليلة بدأت عندما سألتها عن الأميرة دنيا زاد وكنت قد أجلت سؤالي إلي حين فراغها من القهوة التركي السادة وكوب الماء البارد ، وقد تذكرت حواري في المقهى القريب من ميدان المحطة الذي يجلس عليه بعض العرب مع رجل الخليج الثري الذي أعطاني بطاقته وعليها عناوينه وتليفونا ته في أرجاء المعمورة ونسيت اسمه قبل ابتعادي عن المقهى بسبب قرفى من نظرته إلي الآخرين وتكرار حديثه عن الجغرافيا والتاريخ والبلورة المسحورة وكأنه ملك الحداثة .
ابتسمت شهرزاد ابتسامة واسعة وملست علي شعرها الأسود السائب في دلال قبل أن تروي ، قالت :
ـ الأميرة دنيا زاد تعيش تحت سطح الماء بين سويسرا وفرنسا . بحيرة جنيف واسعة ، وأنا أجلس يوميا في المساء إلي هذا المقهى ل ..
وتوقفت شهرزاد عن الكلام دون صياح الديك ، بعد أن خلطت الهزل بالجد لتشوقني ، وتركتني أضرب أخماسا في أسداس . الصمت في بعض اللحظات له قوة البيان وبلاغة الرسالة ، هل يناقش حمار الغيط أميرة القص ؟ حكمة الفلاح المصري الفصيح التي انتقلت في العصر الحديث إلي رجال المرور وشيوخ الحارات "" قال : بغل . حش وأرمي له ""
ما العيب إذا كانت الأميرة دنيا زاد تعيش تحت سطح الماء بين سويسرا وفرنسا ؟ الحياة تحت سطح الماء في الصيف الحار أحلى من العيش علي اليابسة . نعم . سألت متى قدمت الأميرة دنيا زاد لتقطن في بحيرة جنيف ؟؟
ضحكت الأميرة شهرزاد ، قالت : لا أعرف .

شهرزاد لا تعرف ، والله جميل هذا القول : شهرزاد لا تعرف . هل أصرخ وأجمع الناس حولي ، وأقول لهم دنيا زاد في جنيف وسمو الأميرة شهرزاد لا تعرف ؟ الرجل الخليجي الثري حاصرني في المقهى لمدة ساعة وسار خلفي من شارع إلي شارع ليسألني عنها ؟
لا بأس ، في المرة القادمة أقول له يا سيدي الأمير " الأميرة دنيا زاد تعيش في بحيرة جنيف تحت سطح الماء في المسافة بين سويسرا وفرنسا ، وإذا سألني ، كيف عرفت ؟ أتجمل في القول كصحفي قدير ولا أخبره بمصادري .
استرحت لهذا الرأي ، وفي داخلي هاتف يصرخ ، ضاع نهاري في عبث الحديث ، وبعدها قلت : للحمقى نصف البلد .

الأفق الواسع يحيط بنا ، وعلامات استفهام وتعجب موزعة بين نتف السحاب الخفيف وكأنها أسئلة الكون لي : أين الأميرة دنيا زاد يا خفيف العقل ؟
هل الأميرة دنيا زاد في دار من دور شارع برن ، شارع العاهرات الحزينات ؟ ماذا ينتظرني في تلك الدور التي حددت شهرزاد أرقامها بدقة من الذاكرة ؟ هل هي مغارة علي بابا الجديدة التي تنتظر صراخي : افتح يا سمسم ؟ وأين رفيقات عمري ؟ تكاثرت تساؤلاتي الليلة ولا
مجيب . شهرزاد تجلس مسترخية ولا تبدي قلقا علي شهريار المحبوس ولا تهتم بغياب أختهـا
الصغرى دنيا زاد ولا تهتم بقضية رفيقات عمري وتدير في رأسها حكايات عجيبة تنتقل بي إلي حافة الهاوية .
وزاد الطين بلة سؤالها عن الراحلات من رفيقات عمري وليس المتبقيات علي قيد الحياة ، وبدأت القائمة تتري علي الذهن المكدود وبشائر الحزن تحلق حولي في دوائر . كثيرات رحلن ومعظمهن بسبب حمل أعوج أو جراحة قبل أوانها أو تسمم أو سرطان رحم أو دم أو عظام وكانت أول من رحلن في شبابي بعد استلامي العمل : سهير . فرحة بحملها وتروي قصصا عن الجنين ورغبتها في تناول الفسيخ والمخلل والنوم في الظهيرة بينما زميلتنا في العمل منى غاضبة من أحاديثها وتكاد تتهمها بالعهر وتطلب منها التحشم أمام الرجال وتزعم أن لغتها سوقية ولا يصح القول : حبلت . وعليها أن تحسن قاموسها ، فالنساء من أهل الفضيلة يقلن : حملت . وليس حبلت .
المهم ضاعت سهير في عملية وضع استعدت لها جيدا ، وبعدها بشهور ماتت مني وهي تستعد للزواج بسرطان دم .
وعاد الهدوء إلي مكتبنا بعد رحيل سهير ومني وتوقف شجارهما حول الحمل ، هذه بعض قصص الراحلات ، هل تروي هذه الحكايات غليل شهرزاد ؟ لا أظن . سألتني عن الراحلات في السنوات الأخيرة ؟ قلت زميلة لنا بريطانية عملت في جنيف وفي رحلة إلي لندن حرقت في حادثة مترو شهيرة ، وأخرى ماتت في حادثة سيارة بالقرب من الحدود الإيطالية ، وثالثة انتحرت بتناول حبوب مهدئة ، سألتني : والرجال ؟ قلت : كثر .

ما لنا والموتى ؟ عاهرات جارثيا ماركيز حزينات ، وأنا أود رؤية رفيقات عمري ، سألتني شهرزاد في براءة وهي تضحك ، هل خدعتك امرأة في شبابك ؟ قلت دون روية : نعم . قالت : افتح سجلات الماضي ؟ جرجرتني أميرة القص وغاصت بي ، قلت : كنت متعلقا بفتاة وأحببتها إلي درجة الجنون وأعد للزواج منها ، وهي تتمنع بأدب وترفض مسايرتي في حسم ، وذات مرة طلبت رؤيتي علي وجه السرعة في محل في وسط القاهرة . ذهبت وجلسنا نتحدث ، وكانت تحمل في حرص شديد لفة كبيرة الحجم لا تتناسب معها ، وحريصة عليها ، وعند قيامنا عرضت حمل هذه اللفة عنها ، فرفضت بشدة ، وثارت ، لكنني تناولتها منها ، وكانت لدهشتي خفيفة الوزن ولا تتناسب مع حجمها ، احترت ، وبعد أن وصلنا إلي سيارتها القريبة ، ودعتها ، وفجأة تبينت أن اللفة التي حملتها طوال شارع سليمان عبارة عن فستان زفافها ، فلعنت نفسي ، ولعنت جنس النساء ، وعدت حزينا إلي البيت فوجدت دعوة حضور زفافها من آخر بعد عدة أيام في انتظاري ، وتأكدت أنني حملت فستان زفاف الفتاة التي أحببتها ، ألم أكن مغفلا ؟ أحمل فستان زفافها بدلا من ضربها وبهدلتها في المقهى وفي الطريق ؟ خدعت أكبر خدعة في حياتي ، وأطلقت عما جرى لي : الخدعة الكبرى ؟ لم أتحمل الصدمة . مرضت . وبان مرضي ، سافرت في رحلة طويلة لأتخفف من هذا الهم . وبدأت رحلتي بالشام وهناك تعلمت رقصة الدبكة ، ثم عبرت العراق وتركيا حتى وصلت إلي برلين ، وهناك تعرفـت علي أخريات ونسيت فتاتي في القاهرة التي كنت أطلق عليها الأيقونة . ضحكت شهرزاد طويلا ، قالت : من الأفضل لك ألا تسأل عن الأميرة دنيا زاد ؟ وبعدها
قامت وجرتني : هيا بنا إلي شارع برن لرؤية عشيقات جارثيا ماركيز الحزينات .
تبعتها في صمت .
صورة يوسف ليمود

التعليقات

 
يوسف ليمود
جميل أن جعلتنا نعيش معك هذه الأجواء الثقافية الجميلة
تغطية جميلة وسلسة
دمت أيها اليوسف

فاطمة محسن
صورة فاطمة محسن
 
شكرا فاطمة العزيزة على هذه التحية الرقيقة
وأتمنى أن تكوني مررت أيضا على بحيرة جنيف بصحبة الأميرة شهرزاد
لديها الكثير وتستحق بكل تأكيد .. وأنت أيضا
وأستاذنا جميل ابراهيم كاتبها هو صديق حميم ومؤنس وحشة الغربة
شكرا مرة أخرى فاطمة
يوسف
يوسف ليمود
صورة يوسف ليمود
 
ما أجملك يا يوسف ...
تجعلنا نسافر ونعود ونحن فى مكاننا
ومعنا كم من المعلومات الوفيرة والغنية
شكرا لك أيها الرائع
وتحياتى للروائى جميل عطية

دعاء
dodo_nomercy
صورة dodo_nomercy
 
اهلا دعاء المختارة لمختاراتها المختارة وشكرا كثيرا على سفرك الأثيري ومرورك الجميل على حكي العم جميل
تحياتي ايتها العزيزة
يوسف

يوسف ليمود
صورة يوسف ليمود
 
ليمود الرائع
أيها ..
الحامل وجعي الى الأقاصي
أني أحبك ياأخي
وأصفق دوماً
لمن يحملون شعلة الأبداع
كما تحملها .. يوسف الرائع


هادي الناصر
هادي الناصر
صورة هادي الناصر
 
الصديق العزيز هادي
ولك تحية الحب والأمل أيها النبيل
وكلماتك دخلت قلبي وأدخلت فيه السرور
فشكرا لك والف شكر
مودتي الصادقة ياهادي
يوسف
يوسف ليمود
صورة يوسف ليمود

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات