ابحث
إقرأ أيضا للكاتب
- ومضات الحمراء المستديرة.. والنوع الأدبي الجديد
- سماء العراق .. هل عادت إلي أهلها ؟
- إنسان العولمة في "مثلث العشق"
- القصة القصيرة في زمن الرواية
- هل القصة القصيرة في أزمة ؟
- شوكة في القلب
- طارق إمام ... بين القتلة والأرملة
- هدوء القتلة .. بحثا عن الفردوس المفقود
- بواكير الرواية العربية
- ما تثيره (كأس بيرة) لسهيلة بورزق
- لذات الجزار السرية
- جناحها الشعر .. ونثرها .. زهرة عاطرة
- الصبار ينمو فى مرايا الروح
- خور الجمّال ... رحلة الزمان عبر المكان
- السماوي يحفر التاريخ علي جذع الوطن 2 / 2
- السماوي يحفر التاريخ علي جذع الوطن 1 /2
- صندوق جدتي
- الفراشة
- القنابل في عسل .. سلوي النعيمي
- تغريدة البجعة .. وجناية البدايات
- في بعض اللحظات .. الموت هو الخلاص ..عند الغيطاني
- الأحلام المحبطة في .. قرن غزال
- هكذا يعبثون .. بما حدث في 73
- الرواية ديوان العرب
- الرواية وتغيرات المجتمع
- نجيب محفوظ شاهد علي العصور
- المرآة
- رؤية الرواية ليوليو 52 _ الزيني بركات ... 3 / 3
- رؤية الرواية ليوليو 52 ـ خالتي صفية والدير .. 2 /3
- رؤية الرواية ليوليو 52 ـــ زينب و العرش 1 / 3
- الرواية و النكسة 2 / 2
- الرواية و النكسة 1 / 2
- قراءة في مجموعة ( عطش الماء ) للقاص / سمير الشريف ( أحد كتاب الورشة )
- قصة ( الورشة ) القصيرة في عام 3 - الصوت النسائي
- التداوي بالحب .. في القلاع الضامرة
- قصة الورشة القصيرة .. في عام
- قصة الورشة القصيرة ... في عام ... محمد البلبال نموذجاً
- والجنة مثوانا في .. بهجة العمي
- ليس دائما يعمل .. قانون الوراثة
- ذاكرة إبتسام التريسي
- نقرات الزمن في ..... نقرات الظباء
- دستور خيري في .. ( كتاب التوهمات )
- بمناسبة الحياة ..
- عباس .. الأميبا .. لمن هو عبد
- الواقع والمتخيل في .. عمارة يعقوبيان
- العابثون في الملاعب المفتوحة
- السحر الأسود .. يكفن الحاضر
- رحلة الإنسان .. في .. مثل واحد آخر
جناحها الشعر .. ونثرها .. زهرة عاطرة
الجمعة, 02/13/2009 - 19:33 | شوقي عبد الحميد يحيي

جناحها الشعر .. ونثرها .. زهرة عاطرة
شوقي عبد الحميد يحيى
لا شك أن ما أنجزته البشرية من وسائل معيشة وترفيه واتصال ، وسبل للوصول إلي المعلومات ، لا شك يعد بالفعل ثورة ، خاصة في عالم الاتصال ، الذي سار في اتجاهين ، كلاهما مُر :
الأمر الأول ما لعبته من دور في خلق عالم من الشركات العابرة التي ألغت الحدود ، وحطمت السدود ، وأصبح لها اليد الطولي في إذابة كل ما يعوق نموها وانتشارها العنكبوتي ، وأصبحت كلمة العولمة هي المفتاح الذي تفتح به الدول الكبري – وأمريكا تحديدا – ما انغلق عليها من حدود علي مساحة الكرة الأرضية . ولما للإقتصاد من سطوة وهيمنة جميع نواحي حياة البشر الأخري ، من سياسية واجتماعية وثقافية . الأمر الذي جعل الهيمنة العولمية تمحي كل الهويات الأخري – أو تكاد – فتذوب الكيانات الصغري ، وتضيع معالمها ، ومعها الفرد ، الكائن البشري الذي بدأ يشعر بالانسحاق والتماهي ، علي عكس طبيعته البشرية النزاعة لإثبات الوجود ، والاعتداد بالشخصية وبالذاتية . فبدأت مقاومته لهذه الحداثة وما جرته عليه من ذوبان .
أما الأمر الثاني . ما يسرته تلك الحداثة من اتصال بالآخر ، والبعيد تحديدا ، في فرحة بالقدرة الجديدة ، وكأنها اللعبة الجديدة في يد طفل . الأمر الذي معه تباعد عن القريب رويدا رويدا ، حتي انقطعت به سبل الاتصال معه ، وحولت الإنسان إلي جزيرة معزولة عمن حوله . فبدأ الإحساس بالغربة يتزايد مع من حوله ، وتضاءل إحساس الفرد بذاته أمام جبروت وهيمنة الألة الصماء التي جرفته . غابت المشاعر والأحاسيس ، غاب الحب أو كاد ، وكاد الشعور أن ينزوي أمام سطوة التزاحم والتداخل والانسحاق ، بمسميات العولمة تارة ، والحداثة تارة أخري . وبالطبع كان الأدب والفن هو حامل لواء التمرد والثورة ، في أجواء وقواعد جديدة أطلق عليها النقاد ما بعد الحداثة ، وبالطبع كانت الرواية – كشاهد علي العصر ، والمؤرخ الحداثي لتطور الشعوب – هي أقرب التعابير عن تلك الثورة والرفض ، فالرواية هي الأقدر علي التعبير عن تلك التداخلات وذلك الزخم والتزاحم ، وهي بالفعل المُعَبِر عن هذا العصر بتناقضاته وتداخلاته .
وتحول العديد من الشعراء والشاعرات إلي كتابة الشعر ، ذهب كل ليسلم نفسه للرواية بشروطها ، كتحول جذري في مسيرة الكتابة ، إلا أن الشاعرة التونسية آسية السخيري أبت أن تذهب إلي الرواية إلا بشروطها ، فلم تسلم راية الشعر وهي تكتب روايتها الأولي " جناحها الريح وغيمة ماطرة "[1] ، وإنما ذهبت للرواية كشاعرة ، حيث احتفظت ، ليس بروح الشعر فقط ، وإنما حملت معها كل خصائص الشعر ، حتي يمكن القول بأن عملها إن هو إلا قصيدة روائية ، أو رواية شعرية . معيدة إلي الأذهان ذكري توفيق الحكيم عندما كتب مسرحيه " بنك القلق " تحت مسمي جديد " مسرواية " مازجا بين المسرحية والرواية . والتي ربما ساهمت فيما ظهر بعد ذلك وما سي بـ " الكتابة عبر النوعية " وما تمحور فيما بعد بـ " تداخل الأنواع " تعبيرا عن ذوبان الحدود الفاصلة والقاطعة بين الأنواع والأجناس الأدبية ، وأصحبت الاستفادة من كل منها ، في كل منها ، أمر وارد ومألوف .
فكيف صنعت آسية السخيري تجربتها ؟
تبدأ الكاتبة الشاعرة روايتها بعنوان أقرب للشعر منه إلي النثر ، إذ يعتمد علي المجاز والإيحاء وروح الشعر القائمة علي التصوير ، أكثر من اعتماده علي الحكي أو التلميح إلي الروح الدرامية الحركية التي هي روح السرد عامة . فالصورة الشاعرية التي يحيل إليها العنوان – مع العنوان الفرعي له – " سيرة المرأة الغائبة " توحي بأن امرأة كانت موجودة فيما سبق ، غير أنها الآن " غائبة " وما كان غيابها إلا بالسفر علي بساط الريح ، الخيالي الوهمي ، فسفرها ، وغيابها ، غياب وهمي خيالي ، فهي في الحقيقة موجودة ، واقعيا ، غائبة معنويا .
ثم يتضمن العنوان " الريح " و " المطر " فالريح تحمل روح التفتت والطيران العشوائي ، وقد وردت اللفظة مرات عديدة في القرآن الكريم ، مفردة ، وجمعا
[ ومعظم الآيات القرآنية التي ذكر فيها ارسال( الريح) بالإفراد( أي بلفظ الواحد) جاءت في مقام العذاب ومعظم المواضع التي ذكرت فيها( الرياح) بلفظ الجمع جاءت في مقامات الرحمة والثواب. ] [2] . كما أن الريح من علامات وظواهر الشتاء للتتفق مع المفرد الآخري " المطر " وما يوحي الشتاء من برد ورغبة في الاستدفاء ، والاحتماء بالآخر ، ولا أعتقد أنه ببعيد عن ما نرمي إليه أن الإحصائيات ترصد تزايد المواليد في الدول العربية – في الأرياف خاصة – في فصل الشتاء . وهو ما أراه معبرا عنه في الرواية حينما دافعت عن حق " زليخة " امرأة العزيز في الاستجابة لحاجتها إلي الشعور بالآخر ، وللحاجة الجسمانية حين راودت ابن يعقوب عن نفسه { كم أحبها تلك الأنثي التي عانقت النور ذات فجر رقيق وهبها مُكرَهاً للوجع الصارخ . كم هي مغرية تلك المرأة الفاتنة التي سّماها أبوها زليـخة قبل أكثر من ألفي سنة ، لقد كانت أصدق ما يجب عندما لبت نداء قلبها وجسدها اللعنة ... } [3] . فالعنوان إذا يشي بالذرو في الرياح ، في ليلة ماطرة ، ضاعت فيها الأنثي ، وضاع فيها الإنسان عامة ، فأصبح غائبا .
تبدأ الرواية ، وقبل أن تغني أغنياتها ، بفصل تمهيدي ، تأخذ فيه الكاتبة بيد قارئها ، مرشدة بأنها سوف يعلق معها في الهواء ، فلا أرض يضع قدميه عليها ، ولا سماء تعلق بها يداه ، " بعد البدء .ز وما دون النهاية " . ثم تؤكد له ألا يظن أن ما تقدمه سيرة ذاتية ، ولا هي سيرة أحد بعينه ، وإنما هي { .. ليست حكايتي أنا وحدي . هي حكايتك .. هي حكايته .. هي حكايتها .. هي حكايتنا جميعا .. حكايتنا التي قُدّر أن لا ترسو علي نهاية .. } .
ثم تخبرنا الرواية بأنه كان من المفترض أن تتغني بسبع أغنيات ، إلا أنها لم تأت إلا بثلاث فقط . ويلاحظ هنا أن الأعداد جاءت مفردة ولللإفراد في لغتنا وثقافتنا العربية مدلول ديني ، ودنيوي . وهو ما يؤيده التناص والتماس الكثير والمنشر عبر صفحات الرواية مع القرأن الكريم في مثل :
{ .. أنا لم أكن أذهب إلي الكُتّاب إلا من أجل رؤيته والتملي في سحنته ، وها أنا بعد عشر سنوات ونيف من رحيله الذي فجعني ما زلت أراه في جلباب يوسف يكيل لإخوته الإحدي عشر بضاعتهم ، وعلي وجهه تألق حسرة التي صاحت " هيت لك " ورفيقاتها أنوارا تغري بالشهوة النبيلة الدامية .. } [4] . وهو ما يرجح قصدية الكاتبة وما يتوافق مع رؤيتنا .
الأمر الذي يدفعنا لللاتجاه نحو مجتمعاتنا ، وتوقع أنها ستكون موضع الاهتمام . علي الرغم بأن ما ذكر بشأنها مباشرة في الرواية قليل ، غير أن له دلالته في توجيه الرؤية . فتتجه أول ما تتجه إلي القاهرة ، قلب ورمز العرب ، وفي غارة الغرب عليه في أوج حلمه لتذروه الرياح ، فها هو " نجيب عبد الباري " في فورة غضبه علي أبيه وأمه ، يوجدهما في القاهرة لحظة التقائهما المحرم الذي أتي به إلي الدنيا :
{ .. ما زلت ذاك الطفل الذي رمت به نهارات طفولته الكئيبة في دروب الضياع المقفرة .. ذاك المتشرد علي أرصفة عهر نادية جابر نجمة ليالي فنادق الخمس نجوم في قاهرة المعز أيام الاعتداء الثلاثي ، والنكبات الراقصة التي عصفت بفلذة اخناتون وعمر ابن العاص وعرابي الوافد من عميق الطمي .. وذاك التائه البليد التلبد في أروقة قهر أبي المساوئ ابنك الذي طالما حث العنقاء علي التحليق بي بعيدا .. } [5] .
ويبرر لنا هذا المقتطف تلك الظاهرة التي قد تبدو غريبة في سياق الرواية ، وهي أن الشخصيات الرئيسية فيها ، جميعهم يكرهون الأب والأم ، في الوقت الذي يحبون فيه جميعهم الجدات . فهذا نجيب قاسم عبد الباري في المقتطف السابق يصف أمه بالعاهرة ، ويصف نفسه أنه لقيط وابن الصدفة .
وصفوي الحامد ، أيضا تعبر عن كره الأب ، للحد الذي لا تستطيع معه نطق الـ " بابا ، فتقولها مقطعة { .." مساء الخير يا ... عمّي " قلت لحارس المغازة . يخرس حرفان علي لساني . باء مفتوحة دائما لتلتهم الفراغ الفاحش ثم تمده وألف ممدودة ساكنة مثل شبح المقابر الطويل .. كيف يمكن أن أجرؤ علي أن أقول إنني أكرهك صراحة يا بابا ؟ ألأنك كثيرا ما خذلتني ؟ ألأنك أول من لقنني لغة الخوف والرعب والغربة بابا .............. } [6] .
ورغم هذا البغض البالغ حد الكره للآباء والأمهات . فإنهم علي الجانب الآخر يحبون جداتهم فها هي الساردة ، صفوي تقول : { .. خائفة جدتي .. خائفة وأنا أحبك بعنف كما يحب نجيب جدته وأكثر . رشيد أيضا يحب جدته .. رشيد كان خائفا لذلك قتل نفسه تبريرا لهذا الحب وخلاصا من الرعب الذي ما انفك يطوقه .. } لهذا الحد وصل هذا الحب الذي يستحق التضحية .. وبالروح .. ثم تكمل الساردة ، وكأنها تتحدث باسم جيل كامل : { نحن جميعا نحب جداتنا . نحن لا نشبه غير أنفسنا عندما نحب جداتنا لأنهن الحبل السري الذي يمسكنا من عل .. من بعيد إلي نقطة محددة لا تحوي غيرنا في هذا العالم الذي نحسه غريبا عنا مهما حاولنا التآلف معه .. } [7] . وكأني بها تكمل لتقول ذلك العالم الذي أتي به أباؤنا وأمهاتنا . ولتتكشف لنا الوقائع عندما نستحضر الرموز التي استدعتها الكاتبة من الماضي ، والتي تمثل الخصب ( أحمد عرابي ) والنقاء ( عمر ابن العاص ) والأصالة الضاربة في عمق التاريخ ( اخناتون ) ، فإذا ما وضعنا هذه الرموز في مواجهة ذلك الخنوع والاستسلام الذي أتي به الأباء والأمهات من الغرب ، الكاسح المستبد والمُضّيع لهويتنا ، والمرموز له بالغزو العسكري – العدوان الثلاثي - تبينت لنا المفارقة التي توضح ثورة هذا الجيل ( صفوي ونجيب ورشيد ) لهذه الهيمنة الوافدة ، وتمسكهم بأصالتهم وهويتهم المصرية العربية الفرعونية ، جاعلة من مصر رمز العروبة .
إلا أن آسية السخيري لا تلقي باللوم ، كل اللوم علي الوافد الخارجي فيما تعانيه ، وتعانيه أمتنا العربية ، إذ من داخلها – أيضا – ينخر السوس ، خاصة إذا ما وضعنا نصب أعيننا الجزء الثاني من عنوان الرواية " سيرة المرأة الغائبة " ، وعلي إعتبار أن صورة المرأة ومعاملتها ، تلعب دورا رئيسيا في تحديد مدي رقي المجتمع . فنري الساردة " صفوي الحامد في حديث داخلي تتحدث عن أبيها :
{ وقع الصفعة المفاجئة كان قويا . في كبرياء طفولي عنيد تاه الآن عني أرفع رأسي الثقيل ذاهلة ، تتحجر الدموع العصية في مآقي لكني أتلمس خدي الذي أحسه متقدا . صراخ أبي المرعد يصم أذني : ستظلين هكذا تحلمين .. تهيمين دائما كالمجذوبة في فضاءات لا يراها غيرك .. ستخلفين لي العار والشنار أيتها الغبية دون نديداتك . كل الذين أعرفهم خلفوا ضني صالحا ، أنا فقط لم يجئني من أمك غير بنات الشؤم وأنت علي رأسهن .... } [8] . فتلك هي نظرة العربي إلي خلفة الأنثي ، وتلك هي معاملتها . ويزيد عليها تلك العزلة التي يفرضها عليها ، إذ يحرم أن يكون لها مع الرجال معاملة ، حتي لو كان الرجال مثل عمها " عبد الله " : { أبي يعرف أشياء كثيرة عني ولكني أخفيت عنه أمر حبي الكبير للعّم عبد الله لأنني لم أشأ أن أبوح له به خوفا وحياء . أ،ا أنثي ولا يجب أن أحب رجلا آخر غير أبي حتي لو كان في مثل سن جدّي .. } [9] .
ثم .. ظهرة ما أظن أنها توجد إلي في عالمنا الذي يقال عنه تجاوزا " الثالث " ألا وهي ظاهرة الحكم باسم الله :
{ .. لو كان الله لا يحبنا ما كان أوكلنا أمركم . من حاد عن طوعنا فقد حاد عن أمر الله الذي بوأنا هذا المنصب العظيم فيكون مآله لعصيانه إذا ما رجع إلي ملكوت رب العالمين جنهم وبئس الميعاد .. } [10] .
وعورة أخري ، أو مرض آخر من أمراض مجتمعاتنا المتخلفة . والتي سعت الرواية لتعريتها . تلك الأقتعة التي نتخفي وراءها لنخفي حقيقتنا ، واستسلامنا لمن يرأسنا . متمثلا في زميلة صفوي بالعمل ، والتي اختارت لها اسم " زكية " وكأنها تعني ما اصطلحنا عليه باسم " الذكاء الاجتماعي " وهو ما تفلح فيه بالفعل زكية في تعاملها مع رئيسها في العمل :
{ .. كانت معي في المكتب . كانت علي بعد أميال من مواجعي المثخنة تجلس ، مثل مهرج سرك ، تعلو وجهها الأسمر الذي لفحته شمس المتوسط والذي غته في غير أوانها أخاديد عميقة لا تشي بعمر صاحبته الصحيح مساحيق كثيرة تثير في حاجة ملحة إلي الغثيان . قناع .. قناع خلف قناع .ز يخفي قناعا .ز يحجب القناع الألف .. ما أعسر عد أقنعتهخا .........
هو جيد لم يجد الدهر بصنوه ما دام رئيسنا في العمل .........
أنا التي تشاجرت هذا الصباح مع ولي أمري طويل المقابر الذي يتلوي طول اليوم في أروقة مؤسستنا مثل راقصة من الدرجة العاشرة ............... } [11]
إلا أنها صفوي - بإعتبارها صفوي الحامد الأنثي العائشة من لحم ودم ، وإنما صفوي الرمز ، صفوي الأمة – لا تفقد الأمل ، وتعيش علي أمل اللقاء بـ " سعيد اسماعيل الزيتوني " ذلك الذي أحبته وعشقته ، رغم عدم ظهوره في الرواية ، فظل هو الغائب الحاضر ، وكأنه الأمل المنتظر ، والفارس المرتقب :
{ .. ذاك الرجل وهبه لي الله ذي الكرم العميم في لوحه المحفوظ كتب يوم تشكل علقة : " بعد سنوات ثمان ستأتي إلي هذا العالم أنثي يختار لها أبوها من الأسماء صفوي . صفوي الحامد لن تكون انرأة لغير سعيد .. سعيد اسماعيل الزيتوني سوف ينتظرها ملايين السنين وسيبحث عنها في ملامح كل العابرين . لن يحبّ أحد سعيدا قدر ما تحبه صفوي مهما حدث .. } [12] .
الرؤية من الزاوية الفردية
لم تكن تلك الغزوات المتعاقبة من الغرب علي الشرق ، في صورها المختلفة علي مدار التاريخ – سواء كانت عسكرية فش شكل غزو يشري ، أو إقتصادية في شكل العولمة أو الشركات العابرة ، أو ثقافي في شكل الحداثة . لم تكت تلك الصور تمحي الحدود وتذيب البلدان فقط ، فما البلدان إلا مجموع الأفراد ، فكان طبيعيا أن تدوس هذه الغزوات هامة الإنسان الفرد ، وتسحقه وتذيبه . غير أن الطبيعة البشرية ، والرغبة في إثبات الذات ، كانت دائما وراء ثورة هذا الفرد ودفعه للرفض ، تمسكا بخصوصيته وهويته . وهو ما استطاعت آسية السخيري أن تجسده بشخوص روايتها حين صنعت منهم أناسا حقيقيين .
فقد استعملت أسماء كاملة ، توحي بالأسماء الحقيقية التي توحي بصدق التجربة ، وتقترب بها من السيرة الذاتية - غير أن نسبة التخييل بها تقترب من الرواية أكثر مما تقترب من السيرة – فنري " صفوي الحامد ، نجيب عبد الباري ، وسعيد اسماعيل الزيتوني " وكأنها شخصيات منحوتة من طين الواقع . ولهذا فإنها لم تحول عملها إلي مجرد رموز جافة ، وإنما جاءت النزعة الإنسانية فيها أعلي وأوضح . فما رأينا صفوي الحامد و نجيب عبد الباري ، فضلا عن باقي الشخوص ، ما رأيناهم إلا بشرا من لحم ودم ، يتخبطهم واقعهم ، وتتجاذبهم حيواتهم . فبدو كأناس نتجاذب معهم النقاش ، نؤيد ونرفض ، أو نساند ونعترض علي أي من تصرفاتهم الدفوعة بطفولة مؤثرة وفاعلة . فما كانت فعلة والد صفوي حين صفعها فجأة وهي طفلة ، والتنبيه عليها بعدم معرفة الرجال حتي من كان في سن جدها ، إلا أن تخلق منها إنسانة عنيدة ، ثائرة ، بالطبع سعيا نحو إثبات الذات : { كل ما أفعله يبدو غريبا .. يثير إستهزاء كل المحيطين بي ودهشتهم حتي ذاك الذي أفعله بحب جامح وذكاء لا يحد .. صرت نكاية بهم جميعا لا أبحث إلا عما هو مستهجن آتية هكذا دون تردد أو خوف .. ما همني لا قليلا ولا كثيرا إن كان سيثير قرفهم ونفورهم أو استحسانهم .... } [13] . فهكذا كانت صفوي مهيأة للرفض والثورة من البداية ، صنعتها طفولتها ، وصنعها مجتمعها . فلم تكن ثورتها مع جيلها بدخيلة عليها ، أو معادل حسابي للتعبير عن الثورة والرفض .
ونجيب عبد الباري ، بعد ما صنعته به أمه نادية جابر ، وأبوه قاسم عبد الباري من فعلة حين وضعا نطفته ، ظلت ملازمة له طوال حياته ، وظل يعامل الأنثي .. كلهن .. علي أنهن نادية جابر ، وكأنه ينتقم من أمه في صورهن :
{ أطأهن وأنال منهن وطرا اشتهائي القروف أبدا سواء رضين أو أبين .. أقذف بعد ذلك في قلوبهن الواجفة دون أدني شعور بالندم ببرودتي المميتة وأحيطهن علما بأن الفضائح التي قد يفكرن في إثارتها ستحرقهن وحدهن لأنني تعودت علي كل تصرف أرعن قد يتصورنه يرهبني أو يردعني أو يعيق مسيرتي الناجحة .. الزواج مني لا سبيل لهن إليه . أسفك عمري الماضي والقادم ولحظتي الحاضرة التي ليتها لم تكن ولا أرتبط بعاهرة تشبه أمي نادية جابر أو بّية حرم قاسم عبد الباري الذي هو أبي الموقر ... } [14] .
فهي إذن شخصيات ليست سوية ، مهيأة للرفض من جانب ، ومهيأة للغضب والحزن والألم الذي يغلف جو الرواية بالسواد والقرف والموت من جانب آخر . وإن لم تكن شخصيات روائية بشكل كامل ، فلم تتطور وتنمو كما في الشخصيات التقليدية ، إلا أن البؤرة المتخفية في البعيد هناك في الطفولة تجعل منها شخصيات حقيقية .
كما نجحت آسية السخيري في تحديد هويات شخوصها ، منهم من أدمنت القراءة ، فهي مثقفة ( صفوي ) ، الممثل المشهور ( نجيب ) و الفنان التشكيلي ( سعيد ) . حيث ساعدها ذلك في خلق المصداقية لهم عندما أضاءت زاوية أخري من حياتهم ، وهي الهم الوجودي ، حيث تشغلهم الأسئلة الأبدية حول الموت والحياة وما وراء الحياة :
{ .. غرباء نحن .. غرباء كلنا حد الرهق ، قدرنا سؤال ملحاح واحد غمر كل الأسئلة الأخري ليجعلنا قاب خطوة أو أدني من الجنون : كيف جئنا ؟ لماذا جئنا ونحن مكتوب علينا أن نترك وراءنا الفضاء مترعا برائحتنا وأصواتنا ...... } [15] .
فإذا ما أضفنا إلي ذلك أيضا اصرار الكاتبة علي استعمال الأسماء شبه الكامل . صفوي الحامد ، نجيب قاسم عبد الباري و سعيد إسماعيل الزيتوني ، بما يوحي بأنها أسماء حقيقية لأناس حقيقين . الأمر الذي يزيد من حميمية العمل للقارئ ويخلق الألفة التي تربطه به من البداية وحتي النهاية . رغم ما قد يبدو من تفتت وتشظي في الزمان والمكان . وهو ما يدفعنا لتأمل التقنية الروائية المستخدمة .
التقنية الروائية المستخدمة
بعد التمهيد المشار إليه ، قسمت آسية عملها علي ثلاث أغنيات . في قصدية ناجحة لاستخام هذا المصطلح الدال علي نوع محدد من الشعر ، وهو الشعر الذاتي . فتركنت الأغنية الأولي لصفوي كي تعزف عليها لحنها ، بما فيه من أوجاع وأنغام أقرب للحزن والشجن ، كاشفة عن أجزاء كثيرة من شخصيتها ودوافعها . ولتكون لبنة في بناء جسم الرواية بما هي عليه .
والأغنية الثانية ، ترك نجيب عبد الباري ينضح بمواجعه التي انزرعت في الصغر ، لتكبر معه ، وتصير بؤرة ضوء في الخفاء تضئ ما انغلق علينا من تصرفات ظاهرة .
أما الأغنية الثالثة ، فقد جعلتها " دويتو " بين كليهما ( صفوي ونجيب ) ، حيث تبادلا فيها الحديث ، أو بالأصح المنولوج . وهو الإسلوب الذي ساد في كل الرواية ، مما جعل الحركة فيها تدور تحت السطح .
وتقسيم الفصول بهذا الشكل يجعل الرواية أقرب إلي رواية الأصوات . حيث استبطن كل فصل دخيلة ورؤية كل من الشخوص الرئيسية ، إلا أن الفصل هنا لم يكن فصلا تعسفيا حادا ، حيث يمكن أن نواجه شذرات وشظايا لكا الشخوص في كل الفصول ، وكأن دمها تفرق بين الفصول . إذن فقد شظي الزمن ، وغاب الحدث المركزي ، وغابت الحبكة ، وهو ما يعني الثورة علي المواصفات التقليدية للرواية ، وهو ما يفعله كتاب الرواية الآن . وهو ما يضع الرواية بين أقرانها من الروايات الجديدة في القرن الجديد .
فإذا كان هذا هو ما انتقلت إليه آسية السخيري في رحلتها من الشعر إلي النثر . فماذا أخذت معها من الشعر .
لم يكن اختيار نجيب عبد الباري ممثلا مشهورا مجانيا . حيث لجأت آسية إلي الوظيف الأولي للشعر عند الأغريق ، وهي المسرح من أجل التطهر . فقد منحت نجيب فرصة إلقاء منولوج طويل لو تصورناه علي خشبة المسرح لصمت الجمهور في البداية وانفجر بعد أن يفت صوته مع نهايات هذا المنولوج حتي الصمت :
{ كل العطور النافذة لا يمكنها أن تهزم تلك الروائح الهائمة التي ترافقني أياما لا تقصر إلي أن أقرف من وجودي ويملأ روحي الكسيرة الوهن .. أعتاد القرف .. أتعود علي الغثيان الذي يعصر دون رأفة الأحشاء المجروحة .. يغمر العالم سائل لزج أصفر .. مخضر .. مسود حالك رائحته خانقة .. أغرق في أمواجه العاتية المتلاطمة .. تستعصي عليّ مقاومة التيار .. أغرق .. أغرق .. أنجرف إلي القاع .. آآآي .. آ ... أي العالم مظلم بشكل رهيب .... } [16].
وكما حملت معها القصيدة القصيدة ، حيث ضمنت الرواية عددا من قصائد التفعيلة . فقد حولت النثر كذلك إلي شعر منثور أو نثر شعري ، يحمل من التكثيف والأحاسيس والعواطف المعبرة عن الشعور ، ما لم يكن يتقص معها سوي تقطيع الأسطر حتي تصبح من فيض شاعريتها شعرا :
{ .. زمني .. هب لي لدنك أغنية الأغنيات تروي ظمئي المشبع بالتوق إلي الانهمار لألئ تهفو لها الروح الولهي .. أيامي الباقية من حياة لم تكن البتة ملكي .. }[17] .
لقد استخدمت الكاتبة الشعر بما يملكه من أحاسيس ومشاعر تميل لها النفس البشرية في التغلب علي ما قد يتوه معه القارئ مع غياب الدراما المتصاعد التي تحمل التشويق . بالإضافة لما ازدحمت به الرواية من عوالم وفوران حد الثورة ، رغم سكون السطح ، مثلما الدماء متحركة أبدا في جسم الإنسان ، طالما هو حي ، رغم أننا لا نراه في حركته . كذلك الحركة في الرواية جاءت تحت السطح . إلي الحد الي معه نري أن آسية السخيري قد حلقت كنحلة بجناحين من الشعر هبطت بهما علي غصن السرد تستنشق رحيق الرواية ، ثم تعود لتفرزه لنا متعة روحية وذهنية ، لكنها متعة الاستفاقة ، لا متعة الاستنامة .
شوقي عبد الحميد يحيي
Em : shyehia@yahoo.com
[1] جناحها الريح وغيمة ماطرة – رواية – آسية السخيري –الدار العربية للعلوم – ناشرون – الطبعة الأولي 2007
[2] د زغلول النجار – الإشارات الكونية في سورة الجاثية .
[3] - الرواية ص 22
[4] - ص 22
[5] - ص 84
[6] - ص 151
[7] - الرواية ص 131
[8] - الرواية ص 19
[9] - الرواية ص 22
[10] - ص 59
[11] - ص 48 ، 49
[12] - ص 56
[13] - الرواية ص 21
[14] - ص 72
[15] - ص 70
[16] - ص 148
[17] - ص 165
[2] د زغلول النجار – الإشارات الكونية في سورة الجاثية .
[3] - الرواية ص 22
[4] - ص 22
[5] - ص 84
[6] - ص 151
[7] - الرواية ص 131
[8] - الرواية ص 19
[9] - الرواية ص 22
[10] - ص 59
[11] - ص 48 ، 49
[12] - ص 56
[13] - الرواية ص 21
[14] - ص 72
[15] - ص 70
[16] - ص 148
[17] - ص 165

جناحها الشعر .. ونثرها .. زهرة عاطرة
دائما تفاجؤنا باعمالك النقدية الرائعة
وقد ابهرتني طريقة تناولك لرواية المبدعة الرائدة اسية الصخيري
ولا ادل على ذلك
نري أن آسية السخيري قد حلقت كنحلة بجناحين من الشعر هبطت بهما علي غصن السرد تستنشق رحيق الرواية ، ثم تعود لتفرزه لنا متعة روحية وذهنية ، لكنها متعة الاستفاقة ، لا متعة الاستنامة .
لك المزيد من النصر في مجال انتاج الفكر
دم محبوبا
محمد البلبال بوغنيم
جناحها الشعر .. ونثرها .. زهرة عاطرة
ليس أحب علي الكاتب من أن يري صدي لكلماته
خاصة علي مرآة الأصدقاء والأحباب
شكرا لعبورك الكريم
ودمت صديقا عزيزا
شوقي