You are here

الصفحة الرئيسية

حجرة الأسرار...




حجرة الأسرار...
محمد شحاته


تجردت من ملابسي وارتديت جلبابا "على اللحم " و خلعت "الشبشب" البلاستيك الذي كنت أرتديه ..شعرت ببرودة الغرفة تسري من أطراف قدمي إلى شعر رأسي.كانت غرفه العمليات صفراء وصغيرة، بها مصباح دائري أزرق..كالذي نراه في الأفلام و أشارت لي الممرضة بالجلوس على السرير ...أستعنت بكتفها لأصعد لا أدري هل السرير عاليا أم أن قدماي كلت من حملي ؟ دُرت برأسي كانت ترتب المقصات و المشارط و القطن و الشاش...ثم أشعلت المروحة الموجودة في أحد أركان الغرفة...
...صرخ أبي في وجهي ..."إطفي المروحة...حايجيلك برد ...حاضر..." انصرف و أمسكت بالتليفون أكلم أحد أصدقائي ..ربما الوحيد..تجاذبنا أطراف الحديث وطلب أن أقابله أخبرته بأني سأدخل عملية غدا و أقوم ببعض التحاليل و...و....أخبرني بأنه لن يناديني بعد ذلك إلا بالمصدي..."يعني إيه مصدي...يعني صدأ.." أغلقت الخط و أنا أتخيل عظامي قد أصابها الصدأ و تراكم اللون البني عليها و لأعضائي كأجزاء آلة تعمل في وهن..تحتاج للزيت والشحم...وطرح ذهني سؤالا ..هل أنا أصبت بالصدأ لأني سأقوم بعملية ..أم لأني مصدي؟!!!
وجدتني أهز المكتبة أسفل شباك غرفتي بعنف حتى سقط ما بها من كتب ..ثم سقطت هي الأخرى...جلست القرفصاء..و أعدت المكتبة لوضعها و أعيد ترتيب الكتب ..هذا عملي عندما لاأجد ما أعمله ..بحثت عن أول كتاب قرأته ..غلافه يشبه ورق اللحم و ورقه به بقع صفراء...مسرحية الصفقة لتوفيق الحكيم ...فتحته...رأيت أسماء الأشخاص ,سعداوي و شنودة و مبروكةو البيه و وكيله...رأيت صورهم التي تخيلتها في ذهني...و أنا صغير كنت أرى هذا الكتاب في المكتبة...ربما كان الوحيد الذي أفهم اسمه...كنت موقن أني سأقرأه يوما ما حتى ورد ذكره في كتاب الأدب بالمدرسة..يوما قرأته مرتين.....
...ارفع الجلابية...قالها طبيب التخدير...أخترق نصل ابرته سلسله ظهري و مع خوفي من البنج النصفي لمع طيف من السعادة أمامي لأني ظننت أني سأظفر بنظرة على نفسي من الداخل ...مددوني ... دخل الطبيب في بذته الخضراء...كنت أراه في الشارع كثيرا...لم يكن يظهر عليه أثر الطب ..كنت أظنه مدرس ..ربما سائق تاكسي أنسب...و من الأطباء يقوم هو بالعمليه يبدو أنه علم أني لست مقتنع به كطبيب فشق بطني.....
...أمسكت بكتاب السيدة فيينا ليوسف إدريس تذكرت كيف حصلت عليها من مكتبة خالي كان الدخول لغرفته ممنوعا .وكلما مرت جدتي من أمامها تأكدت من غلقها...كنت أختلس الدخول لها كانت غرفه عادية...مكتب و مكتبة و سرير و دولاب و كراس...كان التحذير الدائم..." إياك تدخل اوده خالك...حاضر..." بينما أبحث عن سر تلك الغرفة و عرفت السر لقد كان عبد السميع الهيكل العظمي الذي يتدرب عليه في كلية الطب...دخلت الغرفة أبحت عن عبد السميع الراقد في كرتونة في الدولاب..لم أجد شيئا ... لم أجد غير غرفة مليئة بالكتب التي سكنتها الفئران و هذ سبب غلق الغرفة...أحضرت كيس وعبئته بالكتب وأسقطه من شباك الغرفة المطل على حديقة المنزل..و قفزت خلفه وحملت الكيس وعدت للمنزل ...في اليوم التالي دخلت الغرفه أمام جدتي...صرخت و نهرتني...وقفت في وجهها وأخبرتها ببرود مائع أنني وعبد السميع أصدقاء...
...بين حين وأخر يسألني الطبيب و كأنه يتذكرأنت حاسس بحاجه؟؟....فأكتفي بهز رأسي نافياً..دخل عبده العامل في العيادة يحمل كوب شاي و أعطاه لطبيب التخدير و قد أمسك بجريدة في يده و بكوب الشاي في اليد الأخرى...كان يضحك من تلقاء نفسه أحيانا و يبرر سبب الضحك حينا آخر ...و عندما لا يعجبه شىء يهب غضبه و يثرثر فيه مع الطبيب و الممرض هو هو يشرب الشاى بصوت عالي..كنت أرى هذا الرجل كمللك الموت الذي سينتهي من قراءة الصحيفة و كوب الشاي و يمد يده في حلقي يجذب روحي من أطرافي...بينما أنا أكز على أسناني و أطبق فمي...عاد الرجل لثرثرته و قد طوى الصحيفة...و هو يخبر الطبيب بأن سيدة كانت تلد طلبت من أختها تصويرها بكاميرا ديجيتال و راح يسمع تعليق الطبيب وهو يغازل الممرضه بكلام أشبه بالجزارين وهم يدفعون الشحاذين عنهم...و أصابتني حالة من الضيق و هي : كيف لم أفعل أنا ذلك كان لابد ان أرى نفسي من الداخل هذه فرصة ربما لا تتكرر مرة أخرى و سرحت مع السيدة التي تلد ..أختها تحمل الكاميرا و وقفت بجانب السرير الذي مددت عليه السيدة الحامل و قد فرجت ساقيها و الداية جالسة بينهما ... بينما نساء أخريات بجوار رأسها و وضعوا فوطة في فمها و أخرى تمسح لها العرق و هي تصرخ ...و أختها سعيدة بالتصوير......تصرخ ..و المولود تسحبه الداية من بين ساقي السيدة و جسده مغطى بالمخاط و آثار الرحم و لم يعد يربطه بأمه سوى الحبل السري ..تتلقفه إحدى النساء تضربه على ظهره مرتين ..يصرخ..و الداية منهكة في فصله عن أمه ..و تخرج أحدى النساء تبشر الوالد و أمه تطلب رؤية ولدها الذي حملته بين أحشائها ...تضحك الأم على نفسها و هي تشاهد الفيلم...و يكبر الولد ويرى لحظه ميلاده...و يحرص على عيد ميلاده كل عام ليجد مناسبة لمشاهدة شريط ولادته..شئ رائع أن يشاهد الإنسان نفسه لحظة الميلاد....
...انتهيت من ترتيب مكتبتي و ما أن نهضت حتى سقطت مرة أخرى فجلست ثانية لأعيد ترتيبها ....الآن أصبح لي عمل...
..."حمد لله على سلامتك..." قالها الطبيب وعينه تقول ...ا"قتنعت أني دكتور و لا لأ؟؟..." أسرع طبيب التخدير يخرج و تبعه الطبيب...و ظلت الممرضة تغطي الجرح...سحبت الجلباب على جسدي العاري..دفعت السرير هي و عبده...غمرني ضوء الشمس في المكان الذي بدد زرقه غرفه العمليات...تماما كما يبدد أول ضوء يراه المولود ظلام الرحم... ...

محمد شحاته
hamo_baskot_89@yahoo.ocm

صورة محمد شحاته
القسم: 

التعليقات

 
ساطع راجي بتواضع يقول لك يامحمد هذه القصة جميلة ايضا
ساطع راجي
صورة ساطع راجي

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات