ابحث
حدوة حصان
السبت, 07/18/2009 - 14:30 | العربى عبدالوهاب

حدوة حصان
العربي عبدالوهاب
حـــدوة حصـــان
العربى عبدالوهاب
1 ]
تقاربت المقاعد دون أن تتلامس ..مسافات محسوبة بدقة متشابهة فى التقعر، فى التلهف للخلاص من برودة الليل ..
أفاقت على ملاطفات خرقة صفراء بيد العامل العجوز، كان منحنيا بطبعه ،
يتطاير الغبار داخلاً أنفه وصدره، ويده دائرة حول الحواف .تذكر الأطباق الوسخة ،
باقتراب موعد الاجتماع . مازالت المياه نائمة ، تخاصم الصنبور .
حاول أن يصلب عوده ، لتتمكن عيناه من رؤية ساعة الحائط ، فاجأته دقات رتيبة ، ولَّى وجهه شطر البوفيه ،حتى ابتلغته ضبابية المكان .
[ 2 ]
قال أحدهم : هذا تكليف وليس تشريفاً .
رمقته السيدة المصبوغة وكادت تضحك .. كان مهندماً ، يتسحب صوته بخفة الثعبان .
همس البعيد لجاره ـ لحظة أن غرق المتحدث في قعر الفنجان ـ
: ماله هو ؟!!
: جائز أنه صار الرئيس .
: هكذا !!
وهمست سيدة الجاكت الأسود للمصبوغة : يا أختي على فصاحته ! ، ثم نهضت قائلة : هيا يا جماعة .. طالما تم تعيين الرئيس .
همهم الحاضرون باندهاش ، أردفت المصبوغة : إنها تمزح .. هو متطوع .. لا أكثر .
لم ينطق المهندم [ المتحدث ] خوفاً على عدد الأصوات لذلك عدَّل من حَبْك الكرافت ، شاعراً بنحافته المؤقتة .
عمَّ لغط ـ كالعادة ـ وتناثرت تساؤلات جانبية ، فتكسرت ثلاثة فناجين قهوة ، كوب ماء ، قلم ، وتمزقت ورقتين بين أصابعهم المرتجفة .
[ 3 ]
مؤسسة غارقة في الضباب .. تستقرأ الفخاخ ، تعيد ترتيب الأوراق .. يتحسس البعض قدميه خائفاً ، ثمة أشراك تتوخاها أقدام لاهثة .
والفناء ـمازال ـ يحف بالأطفال .
كل صباح ، تتقابل عيون زائغة ، بأخرى دامعة ، بأقلام حمراء ، بدفاتر التأخيرات ، فتنسرب الآهات إلى تجاويف الحوائط .
كان الزجاج مسجوناً وسط حواف الشبابيك ، خشب واهن ، أفرغ أمعاءه السوس ، سوس .. فئران .. أوراق .. دفاتر بلا مبرر .
تغطت ـ الآن ـ بهالة الضباب ،
وتبخرت .
[ 4 ]
لحظة أن مرق من بين قدميه ، لم يلتفت ، فتربص الفأر بالعامل العجوز ،
وفاجأه عندما رفعت يداه صينية محتشدة بالفناجين ، ظهره المنحني كان أقرب لاحتواء الصينية قبل السقوط.
قال : هكذا يا فأر الغبار .. وابتسم
كان البوفيه موئلاً لفئران متباينة الأحجام ، اعتادت ملاطفة العامل .
قبل أن يطرق الباب على المجتمعين همس : مؤسسة ممتلئة بالزواحف والسحالي والفئران .. يا الله !!
ثم هز رأسه ـ بلا مبالاة ـ ودق الباب .
[ 5 ]
اتفقوا أخيراً .
: أن يُخرج كل واحد أسلحته .. تم تعيين لجنة للتقييم .. تراجعت اللجنة واحتست ـ بمفردها ـ فناجين القهوة ،
وتجشأت . كاد النوم أن يخطَّف أبصارهم ، لولا ارتفاع اللغط ، وبعض الأصوات ..
تقلبوا في مقاعدهم ذات اليمين وذات اليسار . أفاقوا على سيدة الجاكت ، مادةً يديها في قعر جيوبها ..
بانت وريقات ملفوفة بعناية . وقرأت ( نظرات متأنية ـ أشراك الاختبارات الصغيرة ـ علاقات منفردة ـ فخاخ ـ فوق الجميع )
وانسحب صوتها المتقطع فجأة .
كادت أن تنفلت ضحكة "المصبوغة" ساخرة ، طوال الاجتماع يرتفع حاجباها إلى أعلى ويهبطان بهدوء ساحبين نفس السخرية .
بمجيء دورها .. أفرغت جيوبها ـ كيفما اتفق ـ عن لا شئ . وسط اندهاش الحضور ،
أشارت إلى منطقة في الدماغ ـ لم تصل إليها الأصباغ ـ بسبابة يدها اليمنى ، وقالت : بهذا .. فقط يا سادة .
ابتسامتها المنسحبة أبانت هوَّة عميقة بلا قرار .
: يا ستار .. وتطلع ذو اللحية الخفيفة للسماء طالباً نجدة عاجلة .. لمَّا جاء دوره .. فقط ..تطلع للسقف لحظة وأعلنت جيوبه براءتها من الأسلحة .. ثم قال : واحــد .
استقرت أثناء ذلك حدوة حصان لامعة ، فضية ، تجاورها عصي لولبية صغيرة ،
صاحبتها ابتسامة المهندم الذي تراجع بمقعده للوراء ، فصار مقعده شاذاً ومنفرداً عن الآخرين ..
توجهت كل الأنظار نحوه ، طفح ابتسامة بريئة ، كي يتمكن من اعتلاء النظرات ،ويتغلب على نحافته .. يرمق الحدوة في أعينهم باستمتاع خفي .
بدخول العجوز ـ للمرة العاشرة ـ عليهم .. نسي الباب موارباً ..
وزع الفناجين ، ولامست يده الإطار الفضي للحدوة عفوياً .. قامة المهندم كانت منتصبة أشعرته بمدى انحنائه ، فانسحب .
[ 6 ]
يُذكر أن فرارهم كان مشهوداً .. انشبكت كرافت المهند في "رزة" الباب ..
سقطت سيدة الجاكت تحت أقدام المتدافعين ، لم تتمكن من النهوض بمفردها ، ساعدتها إحداهن .
لهجت اللحية بالاستغفار .. غلف المكان ما يشبه الصراخ ،اللعب ،الفوضى ،ونظرات التشفي ..
هرول العجوز باتجاه فناء المؤسسة ،فتوافدت من شقوق المكاتب وفود ، من ورائها أذيال الوفود ..
لذلك لم يتمكن مشرف اليوم من التفرقة بين اثنين من الفارين ، و الأطفال ، فضربهم بعصاته على مؤخراتهم .
أما السيدة المصبوغة ، لم تتمكن من حمل حقيبتها التي انفتحت فاضحة ، عدداً لا يحصى من أدواتها الخاصة ،
فسرقنها ، وهن يربتن على ظهرها ويحاولن امتصاص نظرات الزعر . كانت تنظر ورائها للفأر الضخم ..
تمسك ساقها المقروضة متلفتة على حجرة الاجتماع . وسمعن طقطقة أضراسها ، فابتسمن ـ خفية ـ اغتباطاً ورضا.
[ 7 ]
لم يفطن الفأر لانغلاق الباب ، إلا بانسحاب ضوء النهار . وحين غلف الظلام الحجرة وحطَّ طبقات السواد أمام عينيه ،
قال وحدي .. أتحسس الطريق .
خبط الباب المغلق ثانية.. وسابعة عشر ؛ دار حول النافذة ، وحول المقاعد المبعثرة ،
وحول نفسه …… بلاط بارد .. دواليب صاج .. مقاعد فقدت سخونة أصحابها . همَّ بمحاولة جديدة .. داعبته ابتسامات صغيرة .. مؤكد أنهم …… ولم يكمل . صاحبته بحيرة الحزن ودفعته إلى محيط الحيرة . هذا الصباح لم يكترث به العامل (يا له من أريب !!) يمعن في انحنائه دون فائدة .
زحفت البرودة إلى أطرافه .. فر نحو حافة المنضدة .. توقف قليلاً ، ريثما يشهق بعمق . سمع أصوات صغاره في الفناء .
لا أحد .
قرض بتمهل بضعة أوراق ، بيد أنه انزلق إلى الأصباغ المنسكبة ...
همهمات واهنة ندَّت عنهم لم تسمعها في الخارج الصغار .
تحسست رأسه حدوة الحصان المدورة كأن برودة المكان احتوتها .. قال لنفسه ، أقتل بها الوقت وأخذ في اللعب ..
مرق برأسه خلالها ، وأعاد .. ثم ابتسم .. كان جسده الممتلئ يواصل عبور دائرة فضية، معتاداً على برودتها ، مرة بعد مرة .. وهمس ، رياضة .
بعد سبع وخمسين مرة ومائة ، كان جسده يمرق بخفة الثعبان .. تصاحبه أسود السيرك في العبور ، وتخايله حلقات النار وتصفيق الحضور .
لما تذكر أنه متعب ، بزغت ومضات خضراء من أطياف طفولته ، معها عصي تتلوى في أيادي مدرسيه ،
غفا قليلاً محتضناً نزق صغاره ..كانت حدوة الحصان تسقط بثقلها الخرافي على ذيله الدقيق ،
وتقطعه .
