You are here

الصفحة الرئيسية

حفل توقيع




حفل توقيع
محمد عبده العباسي



  أصر الناشر علي ضرورة إقامة حفل توقيع لروايتي الجديدة علي غرار ما يحدث علي الساحة :
ـ أنت كاتب كبير ومتحقق ، شرف كبير للدار أن تتحفها بإبداعك ..
 في البداية خجلت بعد أن استشرت تلك الحمي بين الكثير من الكتاب خاصة الأدباء الجدد الذين تحفل بهم الساحة الأدبية :
ـ لكنني أريد أن أترك الفرصة للآخرين خاصة من يبحثون عن موطئ قدم في عالم الإبداع أو يبحثون عن الشهرة أو زيادة التوزيع ..
ـ لا عليك سيدي ، لن يكلفك الأمر شيئاً  تم نشر الخبر في العديد من الصحف ، حتي القنوات الخاصة ستغطي حفل التوقيع ..
  كنت قد أشعلت سيجارة وجعلت أمج دخانها ، ثم أغمضت عيني وأنا أرقب الغلاف الجميل وهو يحتل مكاناً هاماً علي الرفوف التي اكتظت عن آخرها بالكتب الأخري ..
  الغلاف رسمه فنان شهير رفض أن يتقاضي أجراً :
ـ هدية مني للأستاذ ، قامة لا تطاولها الريح ، شرف لي في الوقت نفسه ..
ـ إنها ملامح لإمرأة جميلة ..
  سر الرسام وعبر عن سعادته بإنحناءة خفيفة من رأسه ..
**
  سرحت بخيالي بعيداً ، فهذه الرواية ليست من بنات أفكاري ، أعترف أنني استلهمتها من حادث بسيط تشعب به قلمي ، ظننت أنني كتبتها في عجالة ، أو وأنا في حالة من اللاوعي التام ، لقد كتبتها عشر مرات ممزقاً أوراقها الأولي إرباً إرباً وألقيت بها عبر النافذة علي غير العادة حتي شكت لي سيدة طاعنة في السن بأنني سببت لها كثيراً من المشاكل مع زوجها العاجز عن النطق  :
ـ يظن أنك تكتب لي رسائل حب ، نسي أن قطار العمر قد غادر ولم يعد أمامه سوي الوصول للمحطة الأخيرة ..
  وربتت علي كتفي مؤكدة بأنني في عمر أولادها ..
  **
  علي الرغم من تجاوزي سن الخمسين بسنوات قليلة واحتل الشيب فوداي حتي شاربي الكث صار في لون السحاب الأبيض إلا أنني لم أهنا في حياتي بعد أن غادرت زوجتي الدنيا وهي في عمر لم يصل إلي الثلاثين ولم تترك لي ذكري سوي كلماتها :
ـ إذا مات أحدنا قبل الآخر فليحترم غيابه ولا يتزوج..
  كان ذلك منذ عشرين عاماً ، طنت الكلمات كثيراً في أذناي وثمة نساء كثيرات من حولي تفزعهن وحدتي ، سؤألهن الأساسي عن سبب إحجامي عن الزواج حتي الآن ..
  واحدة منهن رشحت نفسها وأبدت استعداداً كبيراً في العيش في كنفي ، وخدمتي وتوفير كل سبل الهدوء لي لدرجة أنها أعلنت علي مسمع من كثيرات وكانت تحظي بجمال وافر :
ـ لدي استعداد لأن أكون شهر زادك ، وأنت شهرياري ..
  في الحقيقة ألهب صدري حنانها الدافق ونظراتها التي لا تبدو سوي لإمرأة تحتاج إلي رجل بعد أن عكفت زمناً علي التحضير لمشروعها وفاتها قطار الزواج وأفاقت بعد أن بلغت سن الأربعين ..
  **
جاءني صوت الناشر عبر هاتفي بأن الغد هو موعد حفل التوقيع ..
  تأهبت بحلة جديدة اشتريتها في رحلتي الأخيرة من بلد عربي ، تذكرت اسم قارئة كانت ترسل لي كل كتاب جديد أصدره مع مظروف كبير ملصق عليه طابع بريد وتطلب مني أن أكتب لها الإهداء ، تذكرت الإسم حين وجدت في مفكرة زرقاء لدي عنوانها في المدينة التي زرتها كثيراً ولم ألتق بها، كانت تؤكد لي أنها تمتلك كل كتبي وعليها توقيعات في أوقات شتي ..
 في رسالتها الأخيرة ـ كانت منذ نحو عام ونصف العام ـ كتبت إلي فكرة هذه الرواية وطلبت مني صياغتها بأسلوبي الساحر ـ هكذا قالت ـ شريطة أن تحمل البطلة اسمها ..
  في الحقيقة وقعت في حيرة ، من تكون " عالية " تلك التي اقتحمت علّي حياتي وأنا أراجع تلك الفكرة علي شاطئ بعيد اتخذته ملاذاً لي من قيظ الصيف الذي لم يعد بيني وبينه ثمة وفاق ..
  ألح علي هاجس الإسم ، ثم بدأت التفكير في الكتابة ، أستهلكت ورقاً بلا حصر ، أتخلص منه سريعاً بعد الكتابة الأولي ، أمزقه إرباً إرباً كأنني أنتقم منه ..
  أنا أكتب علي ورق بعينه وبأقلام شتي ـ لدي مجموعة تزيد عن ألف قلم من كل الأنواع ـ ولدي صبر لايضارعه صبر في تنميق الخط ، إنه يثير دهشة الناشر ..
**
  مرعام والحال علي ماهو عليه ، لا جديد تحت الشمس ـ كما يقولون ـ لا حرف كتبت ولا كلمة احتلت سطراً ..
 مر وقت أيضاً ، والبدايات تراوغني ، المرأة أرسمها عدة مرات كالعادة ـ فأنا رسام أيضاً ـ ثم أعود لأمزقها وأترك الأوراق يعبث بها الهواء وأنا أراقبها من الشرفة ..
  وفجأة ..
 لم أجد متسعاً من الوقت ، فقد انهمرت علي الكلمات تتري ورحت أكتب بشراهة منقطعة النظير ، حتي أنني كنت أنسي سجائري مشتعلة تلهب أصابعي ، ولا أعرف كم من فناجين القهوة أعدها لي خادمي الأمين الذي يصر علي عدم مغادرة الشقة إلا بعد أن آوي إلي فراشي :
ـ الآن حان وقت انصرافي ، لقد تعبت وآن لك أن تستريح ..
  ترك ابتسامته خلف باب الغرفة وراح يواربه قليلاً ثم أغلقه بهدوء ..
**
ـ الحمد لله ..
  وأغلقت فمي بظاهر كفي أداري به تثاؤبي ، امتدت يد الخادم بفنجان القهوة ودفع بالأخري علبة السجائر الجديدة ثم إلتقط الأوراق ، وردد :
ـ عالية ، هل هذه اسم الرواية الجديدة ..
ـ نعم ..
ـ هل أتصلت بالناشر ؟
  أومأت له موافقاً ثم غادرت ..
**
  حان الوقت ..
  اتصلت بي الأديبة ـ إياها ـ تزف لي البشري بأن جمعاً كبيراً من المعجبين في انتظاري ، وخيال عالية محمد علي يتراقص في المرآة التي رأيت علي زجاجها الصقيل وجهي ظلال خفيفة ألقت بخطوطها علي وجهي ، كانت تلمع وأنا أشذب شاربي الكث الذي فكرت في أن أصبغه بلون بديل لكنني رفضت كل النصائح حتي المتعلقة بالصلع الذي محا مقدمة شعر رأسي ..
  جاء صوت الخادم يخبرني بأن سيارة الناشر السوداء الفاخرة في انتظاري ..
  للمرة الأولي شعرت بقدماي تتعثران ، وبعرق داهمني متفصداً علي جبيني ، صحيح أننا في فصل الخريف الذي أحبه ، ولكن السيارة خففت كل شئ ..
  رحت أمسك بقلم اعتز به أهداه لي أبي حين انتهيت من الدراسة :
ـ ستكون كاتباً له شأن ذات يوم ، أتمني لو أعيش لأراه ..
  لم يعش أبي ، ولكنه ظل في وجداني يحتل مكانة كبيرة تليق به كشاعر لم يحظ بمكانة كبيرة بسبب ثوريته وعدم إنضوائه تحت أي لواء ، قال لي ذات يوم وهو علي فراش المرض :
ـ الشعراء لا أحزاب لهم ، كل شاعر حزب بأسره ..
  جاء جيش عرمرم من الشيوخ يتبعهم شباب بلا حصر ، عيني الناشر تراقبان الموقف ، وكفه لا تكف عن التصفيق وصدره يلهج بالدعاء لئلا تنفذ الطبعة الأولي قبل حضور باقي الضيوف ..
  ظللت أنتظر عالية ، أنقل نظراتي بين النساء والفتيات :
ـ عددهن يزيد عن عدد الرجال ، صرت محط أنظار الجميع. قال الناشر وهو يداعب شاربه الذي يشبه شارب كلارك جيبل في فيلم ذهب مع الريح ، ثم أنهي مداعبته بلمس كتف الأديبة المتيمة بي ـ كما قال ـ وأفرط في الضحك معها مثنياً علي عطرها الباريسي الذي يخلب الألباب ، ورشاقتها التي لا قبل له بمثلها ، ولكنه انسحب بعد أن تلقي سهاماً نارية من عيني زوجته التي كانت تقف علي مقربة منه :
ـ هناك من تسأل عنك ..
  قالت الزوجة ، ثم همست في أذني :
ـ إنها تعرفك ..
  ومدت لي المرأة قلماً تذكرته جيداً ، طلبت أن أوقع به :
ـ لقد احتفظت به منذ زمن ..
قلت وأنا أتذكرها :
ـ نيهال ..
ووجدت يدها في يدي تغمرها بكل حنان وبحرارة سبق وإن أحسستها ،
نفس عطرها الجميل ، وصوتها ، وخطواتها الواثقة ..
 وكتبت بالقلم فإنساب مداده الأحمر كالدم المراق ، قالت زوجة الناشر :
ـ لقد أعددت لكما حفل عشاء ..
 وكأنها إطمأنت إلي موافقتي في حين توقفت أنا تماماً عن الكلام ..
 وعادت بي الأيام إلي بعيد وأنا أقدم لها الرواية التي أتعبتني كتابتها ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد عبده العباسي
بورسعيد / مصر 
صورة محمد عبده العباسي
القسم: 

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات