You are here

الصفحة الرئيسية

حكى لى صديق




حكى لى صديق
د. رضا صالح



حكى لى صديق منذ زمن؛ أن ابنه قد تجشم يوما ما ليس له يد فيه ، وقد ذاق الأب من نفس الكأس الآثمة التى وضعتها فى سبيلهما يد الأقدار .
قال لى :
"بعد حصوله على الثانوية العامة , حصل على مجموع مرتفع ، تقريبا لم يعش فترة المراهقة ولم يحس بآدميته بالرغم من أننا كنا نوفر له كل شىء وكانت أمه مثالا للأم الحانية على ابنها ،ولكن يبدو لى أننا ظلمنا هذا الولد بكثرة حبنا له وخوفنا على مستقبله ، فأنت تعرف أن صراع الثانوية العامة فى يدور فى مصر بصورة ليس لها مثيل فى العالم .
المهم ؛ عندما جاء ميعاد الفحص الطبى لطلبة الكلية سمع ابنى من زميل له أن إدارة الكلية تطلب الإطلاع على بطاقة ولى الأمر ، قلت له :
- بسيطة ؛خذ بطاقتى (وأحضرت له البطاقة ) وصّورها وأعطها إياهم للإطلاع عليها ، ولكن ما أهمية بطاقة الأب ؟ قال لى :
- لا أدرى يا أبى
قلت:
- أرح نفسك وأرحهم وخذ معك هذا المبلغ احتياطيا لأى ظروف ، فأنت لا تدرى ؛ ربما يصنع الجهابذة قرارا بالليل ؛ فإذا ما طلعت الشمس بدلا من أن يسيح فإنهم قد يطبقونه على العباد مادامت فيه مصلحة وجباية .
فرح بالمبلغ فى يده ؛ وأبدى علامات الامتنان..
قال لى :
- سأذهب با أبى إلى زميلى حسام ؛ لنتفق على السفر سويا فى الغد .
لم أمانع ؛ وذهب إلى صديقه ومعه حقيبة صغيرة وضع فيها أوراقه , ليطلع زميله عليها.
---***---
فى الفجر؛ خرج ابنى للصلاة , بعد الصلاة بأكثر من ساعة ؛ أيقظتنى أمه وعلى وجهها علامات القلق :
- لم يعد طارق من المسجد ، وميعاد سفره أوشك على الاقتراب
قمت مذعورا ,ارتديت ملابسى على عجل، وخرجت لأبحث عن طارق فى المسجد المجاور؛ ولكنى لم أجد أحدا ووجدت الباب مغلقا ،عدت أجر أذيال القلق ، قلت ربما يكون فى هذه الدقائق قد عاد إلى المنزل ، سألت عنه ؛ ولكن أمه قالت لى :
- كيف عدت بدون أن تحضره معك ؟ يا لقلبك !!
- سأذهب إلى قسم الشرطة لأسأل عنه ..
- تعجل ..تعجل...ونظرت إلى السماء سائلة :
- أين ذهب يا ربى ؟
---***---
تنحنح صديقى وأكمل قصته قائلا :
" فى قسم الشرطة واجهنى أحد الكونستابلات ، رأيت فى معالم وجهه خشونة ويأسا , يتحدث بطريقة يعافها الأجلاف ؛ قال لى :
- ماذا تريد ؟
- أردت لو سمحت أن أسأل عن ابنى ، فقد غاب ووراءه سفر مهم ..
- اسمه
- طارق ..طارق محمود الشاطر
أشار إلى شاويش على يمينه قائلا :
- هل الولد موجود فى المضيفة ؟
استدار الشاويش , وتحرك خطوات إلى حجرة الحجز المجاورة، وفتح قفل المزلاج الحديدى الضخم بمفتاح فى يده ، ونادى :
- طارق محمود الشاطر ...
سمعته يجيب بصوت خفيض :
- نعم
عاد الشاويش خطوات قائلا للكونستابل :
- نعم موجود
حدق الكونستابل فى الأوراق أمامه وقال :
- لا يحمل بطاقة ...تسّول
رددت بغضب :
- ما الذى تقول يا أخانا ؟؟
ظهرت علامات الغيظ على وجه الكونستابل من تلك اللهجة وقال :
- أقول الذى قلته ، وما علاقتك أنت به ؟
قلت :
- تسألنى عن علاقتى به ؟ أنا أبوه ... والده يا أخى ..
- طيب يا سى والده أرنى بطاقتك ؟
تحسست جيوبى فى قلق ، ولكنى لم أجد فيها شيئا , لم أجد حتى المحفظة ؛ أو أى إثبات شخصية , فقد خرجت من البيت مضطربا كما تدرى ، وتذكرت أيضا أن البطاقة قد أعطيتها لابنى فى المساء حتى تطلع عليها إدارة الكلية ، وقلت للكونستابل مستسمحا إياه :
- البطاقة من المؤكد أنها معه
- مع من ؟
- مع ابنى طارق
أبدى الكونستابل ابتسامة ساخرة ؛ قائلا :
- كيف ؟ إذا كان هو لا يملك بطاقته ؟ عجيبة والله !!!
ونظر بفروغ صبر إلى الشاويش:
- نادى على الولد طارق يا سيدى...
---***---
"خرج طارق حزينا ذليلا حزنت لمرآه ، ما الذى جرى فى الدنيا ؟ كدت أبكى ولكن قلبى كان فرحا بالعثور عليه ، قلت :
- كيف أودعوك هذا المكان يا طارق ؟
- كنت عائدا من المسجد ؛عندما وجدت عربة البوكس تعترض طريق المشاة وتوقفهم واحدا واحدا للاستجواب، وتضع من تضع فى البوكس والقليل من يطلق إلى حال سبيله .
- أين البطاقة يا طارق ؟
قال ببراءته المعهودة :
- لقد تركت الحقيبة عند صديقى حسام حتى لا أنساها فى الصباح ، وفيها كل الأوراق !!
---***---
وزّع الكونستابل نظراته الحارقة بينى وبين الشاويش ، وهو يفتح فمه ويغلقه ؛ ويرغى ويزبد ؛ وقد اختفت شفته العليا تحت شاربه الكث الذى سرح على جوانب فمه معبرا عن قوة لا تضاهى قائلا :
- ضع الأستاذ مع الولد ؛ فى التخشيبة حتى نجد للاثنين صاحبا !!!"
---***---

رضا صالح السويس- أغسطس 2005
rdkhalifa@yahoo.com
ملحوظة :
القصة نشرت فى مجلة العربى عدد أغسطس 2007 قصة مصرية ،ضمن 4قصص مختارة ؛ بالتعاون مع الbbc xtra اختيار الروائى يوسف القعيد.
صورة د.رضا صالح
القسم: 

التعليقات

 
العزيز د/رضا
كلنا في تلك التخشيبة ياعزيزي شئنا أم أبينا
أحييك وأشد على يديك وأرجو أن تتاح لي قراءة نصوص أخرى غير مختارة أو منشورة
أسامة فرحات
أسامة فرحات
صورة أسامة فرحات
 
أخى أسامة
تحية طيبة
شكرا لك على التعليق ؛ واحب أن أقدم قصة أخرى لها نفس  الروح؛ وهى بعنوان " اغتيال بهجة" وأرجو أن تحوز إعجابك
د.رضا صالح
صورة د.رضا صالح

المتصفحون حالياً

يوجد الأن 0 عضو يتصفحون الموقع

أحدث التعليقات